صلة الرحم وأهميتها )بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أسباب زيادة الرِّزق :
1 ـ الاستقامة :
نصوص في القرآن تؤكد أسباب زيادة الرِّزق:
﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾
[سورة الجن الآية:16]
فالاستقامة أحد أسباب زيادة الرزق.
آية ثانية:
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾
[سورة الأعراف الآية:96]
حديث يؤدي المعنى نفسه: قد يُحرم المرء بعض الرزق بالمعصية؛ فبالاستقامة يزداد الرزق, وبالمعصية يقل الرزق:
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾
[سورة طه الآية:132]
بيت تقام فيه الصلاة يزداد رزقه؛ محل تجاري, معمل تؤدَّى فيه الصلاة, أي يسمح رب العمل للموظفين أن يذهبوا للصلاة؛ أنا زرت معملاً الأوقات الخمس يؤذن المؤذن، وفي المعمل مسجد, يتجه كل العمال إلى المسجد ليصلوا:
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً﴾
[سورة طه الآية:132]
2 ـ الاستغفار :
هناك عامل ثان:
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً
[سورة نوح الآية:10]
﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً﴾
[سورة نوح الآية:11]
الاستغفار؛ إنسان أخطأ فاستغفر, الاستغفار أحد أسباب زيادة الرزق.
3 ـ صلة الرحم :
السبب الآخر في زيادة الرزق الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري, ومسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((مَن أحب أن يَبسُطَ اللهُ عليه في رِزْقِهِ، أو يَنْسَأ في أثرِه ـ أي في أجله ـ فَلْيَصِلْ رحمه))
[أخرجه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك]
طبعاً صلة الرحم لا تعني أنك أنت زرت أختك, بل أبلغ من ذلك؛ زرتها أولاً, وتفقدت أوضاعها ثانياً, ودللتها على الله ثالثاً؛ زيارة, تفقد ومساعدة, دلالة على الله عز وجل, وهذا أكمل شيء بالصلة.
إنسان الله عز وجل نوَّر له قلبه؛ له مجلس علم, له أخوات, ولأخواته بنات, فإذا زارهم يحتاجون إلى مساعدة في الشتاء على موسم المدارس, يحتاجون إلى مساعدة اجتماعية, مساعدة في حل مشكلة مثلاً بدوائر الدولة, فقدم خدمة لأخواته البنات, أو لبنات أخواته, أو لعمته, أو خالته, أو لأية جهة لها قرابة منهم؛ أولاً: اتصل؛ هاتف, زيارة, هذا أهون شيء, لا يوجد تكلف, ثم تفقد الأوضاع؛ هناك مشكلة, هناك مرض, تريد معالجة, هناك تصوير لمرض، لا يملكون ثمن هذه الصورة الغالية؛ اسأل, افهم القصة, ابذل, ادفع, ثم دلّ على الله.
هذا أكمل صلة للرحم, هذا العمل مثلاً يقتضي أن يزداد رزقك, وأن يطول عمرك؛ بمعنى أنه يزداد عملك؛ فهذا سبب من أسباب زيادة الرزق, وهذا الشيء ملاحظ.
الإنسان يُكرم بقدر عمله الصالح ويُضيَّق عليه بقدر بخله:
الملاحظ أن أكثر الأشخاص, الذي له اهتمام بأقربائه, يقول لك: عميد أسرته, هناك كبراء في كل أسرة؛ له هيمنة إحسانية, هيمنة اجتماعية, يتفقد أحوال أسرته؛ أخَوَاته, أخوته, أولاد أخواته؛ يقدم يد المساعدة, ثم يأخذ بيد هؤلاء إلى الله؛ هذا عمل عظيم, هذا يقتضي أن يزداد رزقك, وأن يمد في أجلك.
فكل إنسان له شرف, أو له عمل, يُعطى القوة والمال الكافيين لتحقيق مراده, والحقيقة:
(( أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ))
[ متفق عليه عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
(( أنفق بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا ))
[ رواه الطبراني عن ابن مسعود ]
أنا أعرف أخَوَين؛ أخ يده طُولى في الخير, له من الأخوة سبع بنات, لا تخلو من مشكلة؛ هناك مشكلة مع زوجها, قضية مالية, معالجة طيبة, مساعدة مالية, فهذا الأخ كأنه أب لهؤلاء الأخوة, له أخ ثان ليس له علاقة؛ لا يقدم أية مساعدة, ولا اهتمام, ولا يزور, الفرق بالرزق واضح جداً؛ الأول رزقه وفير، والثاني الأمور عنده شحيحة جداً.
فالإنسان يُكرم بقدر عمله الصالح, ويُضيَّق عليه بقدر بخله؛ فكلما كنت كريماً كان عطاء الله لك كثيراً.
هذه نقطة دقيقة جداً، هذه كلها قوانين, تحب أن يزداد رزقك؟ اهتم بأهلك؛ اهتم بهم صلة, اهتم بهم مساعدة, اهتم بهم دلالة على الله عز وجل.
هناك قصة نموذجية حدثت مع أحد أخواننا؛ قال لي: زرت أختي, فوجدت أن هناك مشكلة بالبيت بينها وبين زوجها, أساسها ـ القصة قديمة جداً ـ ثلاثمئة ليرة في الشهر, تطالب الزوجة زوجها بمبلغ ثابت من أجل الكسوة, والحاجات, والزوج موظف, ودخله محدود؛ فرفض, وهناك مشاحنة بين الزوجين, فقال لي: تبرعت بهذا المبلغ مني, دخلي ليس كثيراً, و لكني قلت: أحل المشكلة, قال لها: المبلغ عندي, فبقي ستة أشهر؛ كل شهر يطرق الباب, ويدفع هذا المبلغ, ثم بادرت أختي وقالت لي: أعطنا درساً يا أخي؛ وأنا لست طالب علم, لكن سررت بهذه المبادرة, و أصبحت أحضر نفسي؛ آية, حديث, قصة؛ أخته وبناتها, ثم أخته الثانية وبناتها, عنده ثلاث أخوات بنات, أصبح يعمل لقاء أسبوعياً؛ يعطي دروساً مبسطة، شرح آية, شرح حديث, سيرة, قصة, قال لي: أعانني الله وبعد فترة أكثر بنات أخواتي تحجبن, وأعانني الله عز وجل فزوجت ثلاثاً منهن لشباب مؤمنين, قال لي: لم أكن أتصور أن كل الخير جاء من هذه المساعدة الشهرية لإحدى أخواتي!
قل لي ما لا ترجو أرجى منك لما ترجو
*
بدأت بمساعدة, انتهت بهداية؛ إنسان يجد بنات أخواته كلهن محجبات, وينصعن له, والله عز وجل أكرمه, فزوجهن من شباب مؤمنين.
كل إنسان له شرف أو عمل يُعطى القوة والمال الكافيين لتحقيق مراده :
يجب على كل إنسان أن يهتم بأهله, المشكلة أن هؤلاء الأهل, هؤلاء الناس العاديون؛ أنت لهم, وغيرك لهم, أما أهلك فمن لهم غيرك؟
إذا كل إنسان اهتم بأسرته؛ ليست الضيقة, ليس أولاده فقط, الموسعة, أي أخواته البنات, أولاد أخواته، الذكور والإناث, أخواته الذكور, أولاد أخواته الذكور والإناث, اهتم بأخواله, بعماته، بأعمامه, هذه الأسرة, الذي يهتم بأقربائه في الدرجة الأوسع اهتماماً اجتماعياً, اقتصادياً, دينياً, الله عز وجل أولاً: يغنيه؛ لأن الله سوف يمده بمقومات عمله الصالح, والأمر بيد الله عز وجل.
مرة أخ من أخواننا توفي ابن عمه وهو أستاذ جامعة, توفي بمرض في الكبد, فقال لي: أول زيارة أثناء تغسيله, سأل ابنه: عليكم ديون؟ قال: والله علينا ديون, قال لي: استحيت أن أقول: كم المبلغ؟ قال لهم: دينكم عليّ, وانطلق ذهنه إلى ثلاثين, أو أربعين ألفاً، وهو يستطيع أن يدفعهم, في اليوم الثاني تفاجأ أن قيمة الديون تقدر بمئة وثلاثين ألفاً, قال لي: دفعتهم, ولهذا الشخص معمل، قال لي: على غير المألوف؛ بعنا في اليوم الثاني بيعاً غير معقول, أقسم لي بالله: أن نصيبه من الربح في يوم السبت وحده كان مئة وثلاثين ألفاً, بقدر ما دفع لأولاد ابن عمه اليتامى:
(( أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ))
[ متفق عليه عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
إذا كان لك اهتمام بأقاربك؛ تحب أن يكون لك فضل علمي, وديني, واقتصادي, الله عز وجل يمدك بالمال الكافي لتحقيق هدفك, فالإنسان لا يبخل, ولا يغير عوائد عوَّد الناس عليها.
وهناك حديث دقيق:
((مَن أحب أن يَبسُطَ اللهُ عليه في رِزْقِهِ، أو يَنْسَأ في أثرِه؛ فَلْيَصِلْ رحمه))
[رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك]
وله رواية ثانية:
((من سرَّه أن يَبسُطَ اللهُ عليه في رِزْقِهِ، أو يَنْسَأ في أثرِه؛ فَلْيَصِلْ رحمه))
[رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك]
لا يدخل الجنة قاطع رحم :
وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رجلاً قال :
((يا رسولَ الله! إِن لي قرابة أصلِهُم ويقطعونني، وأُحْسِن إِليهم ويُسيئُون إِليَّ، وأحلُم عنهم، ويجهلون عليَّ؟))
توجد حالات يقال: الأقارب عقارب؛ هو يعمل واجباته؛ في الأعياد, في المناسبات, هم يترفعون، يزورهم يقطعوه، يمدحهم يذموه, يحسن إليهم يسيئون إليه, هناك حسد أحياناً إذا كان إنسان في بحبوحة, أو في مكانة عالية, الطرف الثاني أحياناً يحسد، بدلاً من أن يعتز بك و يعتبر التفوق له, لا؛ يحسدك, يحاول أن ينتقص منك, يطعن, يشوه سمعتك, فالحسد واضح:
((يا رسولَ الله! إِن لي قرابة أصلِهُم ويقطعونني، وأُحْسِن إِليهم ويُسيئُون إِليَّ، وأحلُم عنهم، ويجهلون عليَّ؟ قال: لئن كنتَ كما قلتَ فكأنما تُسِفُّهُم الملَّ ـ الملّ: صفوة حارة, أي انطفأ الجمر, بقيت الصفوة الحارة, شيء صعب جداً, إنسان يأكل صفوة حارة!ـ قال: فكأنما تُسِفُّهُم الملَّ، ولن يزال معك من الله ظهير عليهم ما دُمتَ على ذلك))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]
ويقول عليه الصلاة والسلام:
((لا يدخل الجنة قاطع رحم))
[أخرجه البخاري ومسلم عن جبير بن مطعم]
قاطع الرحم لا يدخل الجنة, ولا تعرف أنت كم هي السعادة التي تغمر المرأة حينما يزورها أخوها؟ هناك أخوات كثر في قطيعة؛ أخوها دعاها, أخوها زارها, تعتز أمام أولادها, وزوجها, أما عندما الأهل يقاطعون ابنتهم؛ تصبح مقطوعة, يضعف مركزها أمام زوجها, فأنت تدعمها عندما تزورها, وتدعوها, أنت تجلبها إليك, وتشعر أولادها وزوجها أنها غالية عليك, هذا الشيء يثبت أنه يوجد من يهتم بها.
أما عندما تجد الفتاة مقطوعة, لا أحد يهتم بها, أحياناً الزوج يسيء إليها, يقول لك: ليس لها أحد, لا أحد يهتم بها إطلاقاً, أما في المناسبات أخوتها عندها دائماً؛ هناك زيارات, واهتمام, وهذا يقوي مركزها.
الإنسان الذي يقطع رحمه محروم من الجنة إلا في حالات نادرة هي :
لذلك الإنسان الذي يقطع رحمه محروم من الجنة, إلا في حالات نادرة:
إذا الإنسان زار أقرباءه المتفلتين, والمتفلتات؛ وتشوَّه دينه, واضطربت علاقته مع الله؛ لأنه يوجد تفلت, وبنات خالته, وبنات عمته, يقتحمن عليه، يردن محاكاته, ويضحكن على دينه, إذا كان هذا المستوى, قال: دع خيراً عليه الشر يربو, ودرء المفاسد مقدم على جلب المنافع.
والصلة أحياناً تتم بالهاتف, إذا كان الدخول لهذا البيت؛ فيه مشكلة, و تفلت, و استهزاء بالدين, و تطاول, يوجد أقرباء هكذا إذا كان عندهم قريب صاحب دين, أصبح شيخاً؛ جاء الشيخ, وصار الشيخ, وهم يسخرون، إذا كان الوضع هكذا فلست مكلفاً بهذه الصلة؛ ويمكن أن تتم صلة الرحم باتصال بالهاتف لخالتك, أو لعمتك.
على كلّ: الأصل ألا تجرك هذه الصلة إلى معصية, ألا تبنى على هذه الصلة معصية.
من قُطعت رحمه فوصلها دخل الجنة :
هناك نقطة مهمة يقول عليه الصلاة والسلام:
((ليس الواصلُ بالمكافئ, ولكن الواصلُ مَنْ إِذا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا))
[أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]
هذا نظام اجتماعي؛ أختي زارتني أزورها, لم تزرني لا أزورها، هناك دقة بالغة, انتبهت إلي، أنتبه إليها, هذا عند الله ليس له قيمة إطلاقاً, هذا المكافئ، أي دعتني أدعوها, لم تدعني لا أدعوها؛ هذا إنسان غير إسلامي، قال:
((ليس الواصلُ بالمكافئ, ولكن الواصلُ مَنْ إِذا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا))
[أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]
لو قاطعت, لو أهملت, إذا قطعت رحمه وصلها, أي أنا دعوة بدعوة, وزيارة بزيارة, هؤلاء النسوة، عندي زيارة لها, لا أزورها ليس لها عندي زيارة؛ ليست قضية إحسان, قضية معاملة بالمثل, ليس لك فضل إطلاقاً.
قال:
((ليس الواصلُ بالمكافئ, ولكن الواصلُ مَنْ إِذا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا))
[أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]
أقرباء الإنسان طريقه إلى الجنة :
وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((الرَّحِمُ مُعلَّقة بالعرشِ، تقولُ: من وَصَلَني وَصَلَهُ اللهُ ومن قطعني قَطَعَهُ الله))
[أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة]
وكل شخص يستطيع أن يصل إلى الجنة بأقربائه, إذا كنت لا تريد أن توسع أمورك, ضمن أقربائك أولاً: أولادك وبناتك, ثم أمك وأبوك, ثم أعمامك, وخالاتك, وأخوالك, وعماتك.
أقرباؤك طريقك إلى الجنة؛ بزيارتهم, بتفقد أحوالهم, بمساعدتهم, بهدايتهم إلى الله عز وجل.
والحمد لله رب العالمين

أ

Post has shared content

بسم الله الرحمن الرحيم
الخــطــبـة الأولــى :
الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
تأديب الله عباده بحبس الأمطار :
أيها الأخوة الكرام، ذكرت لكم في الخطبة السابقة أن السبب الذي حملني على أن أعالج موضوع زيادة الرزق في خطب عديدة هو أن هناك أزمة عالمية تجتاح العالم كله، وأن وعود الله عز وجل فوق الظروف وفوق الأزمات وفوق الحوادث الطارئة، وعد الله عز وجل لا بد واقع، بل إن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، أذكركم ببعض الآيات: حبس الأمطار عقاب من الله
﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا لنفنتهم فيه ﴾
( سورة الجن )
يؤدب الله عباده بحبس الأمطار، هذا البلد الطيب أحياناً ينتج من القمح ما يساوي ستة أضعاف حاجته وأحياناً لا يوجد أمطار أبداً.
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾
( سورة المائدة الآية: 66 )
ويقاس عليه القرآن الكريم.
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 96 )
وعد الله قائم لكل مؤمن آمن بالله و كفر بالطاغوت :
إياكم أن تقنطوا، أزمة الغذاء عالمية، قد لا تصدقون بعض أسبابها أنهم الآن يصنعون الوقود من الغذاء، من أجل أن يركب الغني المترف طائرة تتحرك بوقود من الغذاء من الذرة، من فول الصويا، من القمح والشعير، يصنعون الوقود للطائرات وللمركبات من غذاء الفقراء، ألم أقل لكم قبل أنه تمّ إعدام عشرين مليون رأس غنم في بلد يعد الأول في تصدير الأغنام حفاظاً على الأسعار المرتفعة، والعالم يموت من الجوع، ما لم نكفر بالكفر لن نؤمن بالله:
﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى (256) ﴾
( سورة البقرة )
المؤمن له معاملة خاصة
لن تؤمن بالله إلا إذا كفرت بالطاغوت.
أيها الأخوة، الحقائق مرة جداً لكنها تجمد وتعطل إذا طبقت منهج الله عز وجل، كلام دقيق: الحقائق مرة لا يوجد خبر سار، والعالم يمشي في اتجاه الحروب لأن الطرق أصبحت كلها مسدودة، ارتفاع الأسعار يفوق طاقة الغني فكيف بالفقير ؟ لكنني والله أؤمن إيماناً يفوق حدّ الخيال أن وعد الله قائم، وعد الله قائم لكل مؤمن والمؤمن له معاملة خاصة، أنا أتمنى أن يعود الناس جميعاً إلى ربهم وهذه بغيتي والله أما إن لم يستجيبوا، الحد الأدنى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾
( سورة المائدة الآية: 105 )
لذلك كانت هذه السلسلة من الخطب المتعلقة بأسباب زيادة الرزق لنواجه بهذه الحقائق ما ينتظره العالم من أزمة طاحنة ربما انتهت إلى حروب لا يعلم إلا الله مداها.
من أسباب زيادة الرزق :
صلة الأرحام:
أيها الأخوة، الآن السبب الرابع أمضينا خطباً عديدة في أسباب عديدة، اليوم السبب الرابع لزيادة الرزق صلة الأرحام:
(( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ))
[ البخاري، مسلم، أبو داود، أحمد عن أَنَس بْن مَالِكٍ ]
لا تقطعوا صلتكم بأقاربكم
وفي رواية فَلْيَبَرَّ وَالِدَيْهِ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، هذا الحديث في الصحاح.
أيها الأخوة، حديث آخر:
(( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ وَيُوَسَّعَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُدْفَعَ عَنْهُ مِيتَةُ السُّوءِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ))
[ أخرجه أحمد عَنْ عَلِيٍّ]
بالدين رأي شخصي لا يوجد، هذا دين الله، كل فكرة طالب بالدليل، أين الدليل ؟ هذا كلام سيد الأنبياء ولا ينطق عن الهوى، (( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ، أي أن تزداد أعماله الصالة وكأنه عاش مئة عام، وَيُوَسَّعَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُدْفَعَ عَنْهُ مِيتَةُ السُّوءِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ))
[رواه عبد الله بن أحمد والبزار والطبراني عن علي بن أبي طالب]
وعن بثرة رضي الله عنها قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: يا بثرة اذكري الله عند الخطيئة يذكرك عندها بالمغفرة وأطيعي زوجك يكفك خير الدنيا والآخرة وبري والديك يكثر خير بيتك.
من له أعمالاً طيبة مع أرحامه زاد الله رزقه :
أيها الأخوة، في مفارقة قد تكون محيرة، إنسان معه أعلى شهادة في إدارة الأعمال يتمتع بذكاء لماح ورزقه محدود، وإنسان آخر بلا علم وبلا ذكاء وبلا أخذ بالأسباب رزقه وفير، ما تفسير ذلك ؟ هذا شيء واقع، قال بعضهم: هؤلاء الذين ازداد رزقهم لهم أعمال طيبة مع أرحامهم، أحد أسباب وفرة أرزاقهم أعمالهم الطيبة مع أرحامهم، دقق الآن ولو كانوا عصاة، يجازون على خير عملهم مع أرحامهم رزقاً وفيراً في الدنيا بادروا بالأعمال الطيبة مع أرحامكم
دائماً وأبداً الله عز وجل حينما يأمر عباده بعمل طيب إن فعل هذا العمل الطيب ابتغاء مرضاة الله له الدنيا والآخرة، ومن فعله عن طيب قلب ولم يقصد به الآخرة له الدنيا قطعاً، قال عليه الصلاة والسلام: إن أعجل الطاعة ثواباً. الطاعات لها ثمار طيبة ومعظم ثمارها بالآخرة إلا أن بعض الأعمال الصالحة شاءت حكمة الله أن يعجل الله ثوابها في الدنيا منها تربية الأولاد.
﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ (74) ﴾
( سورة الفرقان)
منها صلة الرحم، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إن أعجل الطاعة ثوابا صلة الرحم وإن أهل البيت ليكونون فجرة فتنمو أموالهم ويكثر عددهم إذا تواصلوا ))
[صحيح عن أبي بكرة]
حديث غريب حقيقة لو لم تكن ملتزماً بأوامر الدين، إياكم أن تظنوا أنني أدعو إلى ذلك، لكن هذا قانون الذي يصل رحمه، يهتم بأسرته، بأقربائه، بأخوته، بأخوته البنات، بأولاد عمته، بأولاد خالته، يرعى شؤون العائلة الكبيرة رزقه وفير، بكلام سيدنا محمد عليه أتم الصلاة والتسليم.
(( إن أعجل الطاعة ثواباً صلة الرحم حتى إن أهل البيت ليكونون فجرة فتنمو أموالهم ويكثر عددهم إذا تواصلوا، وما من أهل بيت يتواصلون فيحتاجون ))
[صحيح عن أبي بكرة]
من أطاع الله عز وجل بإخلاص ربح الدنيا والآخرة :
قوانين منهج الله عز وجل منهج موضوعي لو طبقه إنسان غير ملتزم بل لو طبقه ملحد لقطف ثماره حينما تطيع الله عز وجل بإخلاص لك الدنيا والآخرة
ألا ترى فيمن حولك إنسان لا يصلي لكن عنده عطف على أقربائه يرعى أخواته البنات، يرعى أولاد خالته، أولاد عمته، يهتم بمن حوله فيرزقه الله رزقاً وفيراً مكافأة له، لذلك قول قرأته من أربعين عاماً فيما أذكر ولا أنساه أبداً: ما أحسن عبدٌ من مسلم أو كافر إلا وقع أجره على الله في الدنيا أو في الآخرة، مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تقدِّم عملاً طيباً لأيّ جهة في الأرض، لأيّ كائن في الأرض، كافر ملحد حينما تعمل عملاً صالحاً لهذا العمل جزاؤه في الدنيا فكيف إذا كنت مؤمناً ؟ كنت مؤمناً تعتقد بالآخرة وترجوها:
﴿ وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا ﴾
( سورة الإسراء )
لذلك حينما تطيع الله عز وجل بإخلاص لك الدنيا والآخرة، من هنا طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاًَ.
من تكفل بنفقات من حوله وهبه الله رزقاً وفيراً :
أيها الأخوة:
(( ما من أهل بيت تواصلوا إلا أجرى الله عليهم الرزق وكانوا في كنف الله ))
[رواه الطبراني عن ابن عباس]
تكفل بنفقات من حولك يغنك الله
تتفقد أختك زوجها فقير، الوقود ارتفع سعره مثلاً لو تلطفت وأكرمتها بمبلغ من المال، والله أعرف أناساً والله لهم رزق يفوق حدّ الخيال يتفقد أخواته البنات، هذه الأخت زوجها دخله محدود عندها عملية جراحية، يتكفل بها، هذا الذي يتكفل بنفقات من حوله، الله عز وجل (أنا أمام نصوص من عند سيد الخلق وحبيب الحق ) يهبه رزقاً وفيراً، لكن ألا تعجبون أن الغرب البعيد عن الله المنحرف، المعاصي والآثام كلها عنده، ألا تعجبون أنهم في بحبوحة كبيرة ؟ هل تصدقون أن النبي صلى الله عليه وسلم أنبأ بذلك، أنا مرة كنت بأستراليا سمعت هذه القصة أن امرأة أنجبت ثلاثة توائم، الأسبوع انتهى في المستشفى أرادت أن تغادر منعت، إنك لا تستطيعين العناية بهذه التوائم، أبقوها شهراً بأكمله حتى دربوها على العناية بتوائمها، ثم كلفوها أن تعتني بهم وهي في المستشفى، ليتأكدوا من ذلك فلما انتقلت إلى البيت زاروها في البيت زيارات دورية للتأكد من حسن إدارتها وقيامها بواجباتها تجاه هذه التوائم.
قصة مشابهة تماماً كنت في جنوب السودان في قرية اسمها جوبه هذه أقصى قرية في الجنوب زرنا مستشفى ما فيها شيء امرأة أنجبت ثلاثة توائم حاضنات ما في، الأول مات، لا يوجد حليب في أثدائها من الجوع، لا يوجد دواء الثلاثة ماتوا، بلد غير مسلم وبلد مسلم، هذه الظاهرة أنا والله لا أمدحهم أبداً، لكن في حديث للنبي الكريم يثير الانتباه:
(( تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو أَبْصِرْ مَا تَقُولُ، قَالَ: أَقُولُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ إِنَّ فِيهِمْ لَخِصَالًا أَرْبَعًا إِنَّهُمْ لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ، وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ، وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ، وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ، وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ ))
[مسلم، أحمد عَنِ ِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ]
الغرب يتحرك بعقله و يخطط لكل شيء أما نحن فنتحرك بعواطفنا بلا روية ولا منهج :
نحن إذا مصور أساء نغضب ونثور ونتحرك بلا روية وبلا منهج وبلا علم، نقاطع ثم نسمح بكلمات ساذجة قيلت لنا وانتهى الأمر، نحن نتحرك بعواطفنا أما هم يتحركون بعقولهم، يخططون، يحافظون على هدوئهم لكنهم يخططون، إِنَّهُمْ لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ، هذه المصائب التي تنزل بالمسلمين هل صحونا ؟ لا والله، هل صحونا من غفلتنا ؟ لا والله، هل ترون أيها الأخوة، ما يحصل في غزة ؟ الملاهي، الولائم، الحفلات، والرقص، والغناء، والمحطات الخلاعية على قدم وساق، إِنَّهُمْ لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ.
الغرب يتحركون بعقلهم
عاشرهم النبي صلى الله عليه وسلم ؟ التقى بهم ؟ هذه من دلائل نبوته، لا ينطق عن الهوى، وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ، الشاهد هنا: وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ. نحن نفرح بصندوق العافية إنجاز رائع لكن عندهم الطب كله مجاني، أغلى عملية عشرة ملايين، أحد أخوتنا الكرام اضطر إلى عملية كلفت عشرة ملايين له إقامة هناك أجراها مجاناً.
أيها الأخوة، أي إنسان بلا دخل يقدم طلباً يأخذ راتباً شهرياً إلى أن يتأمن له دخل: وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ.
أنظمتهم الداخلية فيها حرية، هذا وصف من ؟ وصف رسول الله ألسنا أولى بذلك ؟ وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ.
يعني هذا الكلام ذكرني بآية كريمة:
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) ﴾
( سورة الأنبياء)
الصالحون هنا، الصالحون لإدارتها.
الغرب كل إيجابياته إسلامية لا لأنهم يعبدون الله لكن حياتهم هكذا :
لذلك صدقوا ولا أبالغ أنا زرت بلاداً غربية كثيراً والله كل إيجابياتها إسلامية، لا لأنهم يعبدون الله لكن حياتهم هكذا، يعتنون بالفقراء، بالأيتام، بالضعفاء، بالمرضى من حرص على المساكين والفقراء رزقه الله
يعني موضوع طبيب يغلط مع مريض، زرت مرة طبيباً في أمريكا أطلعني على أضابير لمرضاه الذين توفوا قال لي: يجب أن نحتفظ بهذه الأضابير خمس سنوات لعل خطأ منا صدر تجاه إنسان توفي، بإمكان أولاده أن يقيموا دعوى ويربحوها بعد موت أبيهم بخمس سنوات، أحياناً يكون في خطأ طبي قاتل يقول لك ترتيب ربك، لا، هناك مسؤولية الدليل:
(( مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ ))
[ أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم عن عمرو بن شعيب]
هذا منهج، أنا أتمنى أن أوضح لكم هذه المفارقة على كفرهم، وانحرافهم، وتفلتهم لكنهم يحرصون على ضعفائهم، ومساكينهم، وأيتامهم، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم والله هذا الحديث لا أفتأ أكرره:
(( هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ ))
[ البخاري عن سهل بن سعد]
مساعدة الأقارب و الفقراء من آثار صلة الرحم :
إذا أردنا أن ننتصر على أقوى قوة في الأرض ونحن ضعاف، الطريق عجيب، أن تنصر من هو أضعف منك، الفقير، اليتيم، الضعيف، الذي لا يملك قوت يومه، المرأة الوحيدة، الشيخ الكبير ذي العيال الكثير والدخل القليل مساعدة الأقارب والفقراء من آثار صله الرحم
فاطمة بنت عبد الملك بن مروان زوجة عمر بن عبد العزيز دخلت عليه فجأة في مصلاه فرأته يبكي، قالت: " ما لي أراك باكياً ؟ قال: دعيني وشأني، فلما ألحّت عليه قال: ويحك يا فاطمة، إني قد وليتُ أمر هذه الأمة، ففكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهول، واليتيم المكسور، والمظلوم المقهور، والغريب، والأسير، والشيخ الكبير، والأرملة الوحيدة، وذي العيال الكثير والرزق القليل، فعلمت أن الله سيسألني عنهم جميعاً، وأن خصمي دونهم رسول الله، فخفت ألا تثبت حجتي، فلهذا أبكي ".
والله أخ كريم سمع لي خطبة عن صلة الرحم قبل سنوات وهو صادق عندي، والله له قريب لا يعرفه فجاء العيد فسأل عن بيته وذهب لزيارته ما وجده وضع له بطاقة، قال هذا القريب أخلاقه عالية جداً رأى قريبه زاره ردّ له الزيارة، ساكن في بيت تحت الأرض، شمالي، رطوبته عالية، ومع أولاده أمراض مزمنة، قال له: هذا المكان لا يصلح لك ولأولادك، رجل ميسور قال لي والله أعطاني مبلغاً اشتريت بيتاً في الطابق الثالث باتجاه القبلة تدخله الشمس إلى أعماقه، هذه من آثار صلة الرحم.
الدين ليس صياماً و صلاة فقط إنما هو صلة رحم و رعاية اجتماعية :
لو أهتم كل لإنسان فينا بأقاربه لكنا في حال غير هذا الحال
يا أيها الأخوة نحن مقصرون كثيراً، نحن فهمنا الدين صلاة، وصوم فقط، وأذكار، واستعلاء على الناس، وتوزيع ألقاب، ما فهمنا الدين عمل، ما فهمنا الدين رعاية اجتماعية، ما فهمنا الدين صلة رحم، والله في أغنياء يتفننون في إنفاق الأموال، والله الذي لا إله إلا هو ولهم أقرباء يموتون من الجوع، أنت معك أموال طائلة، يا أيها الأخوة الكرام، أحياناً إنسان يعطي معاش لا يكفي أربعة أيام، خمسة أيام، وينفق في اليوم ما ينفقه الفقير بمئة يوم، مرتاح يصلي ومصحف في السيارة وفي المحل إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً، أي فتح هذا ؟ كلام فارغ، صار في عندنا صور براقة لا تقدم ولا تؤخر، والله لو اهتم كل واحد منا بأقربائه فقط، من يلوذون به، لكنا في حال غير هذا الحال.
(( إن أعجل الطاعة ثواباً صلة الرحم حتى إن أهل البيت ليكونون فجرة فتنمو أموالهم ويكثر عددهم إذا تواصلوا، وما من أهل بيت يتواصلون فيحتاجون ))
[صحيح عن أبي بكرة]
الغرب خسر الآخرة بفسقه و المسلم خسر الدنيا بتقصيره و الآخرة بمعاصيه :
أعيد على أسماعكم الحديث الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم عن الروم:
(( تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو أَبْصِرْ مَا تَقُولُ قَالَ أَقُولُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ إِنَّ فِيهِمْ لَخِصَالًا أَرْبَعًا إِنَّهُمْ لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ ))
[مسلم، أحمد عَنِ ِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ]
لا تخسروا الدنيا والآخرة بذنوبكم
هذه صفات وصفوا بها من قبل سيد العناية الإلهية النبي صلى الله عليه وسلم، قوانين عند الله عز وجل، الآخرة خسروها بفسقهم وفجورهم ومعاصيهم لكنهم ربحوا الدنيا، وأما المسلمون فاتتهم الآخرة والدنيا، فاتتهم الآخرة بمعاصيهم، طبعاً الأعم الأغلب، والدنيا بتقصيرهم، لا حصّلوا الدنيا ولا حصّلوا الآخرة، يجب أن نصحو أيها الأخوة، لا تقبل أن يكون إسلامك حضور خطبة جمعة في هذا المسجد، والله الذي لا إله إلا هو الدين ليس في المسجد هنا تتلقى التعليمات وتقبض الجائزة فقط، الدين في بيتك، في عندك امرأة ضعيفة متوفي والدها ووالدتها تتفنن في إذلالها أمام أولادها، وتضربها، وتهينها وأنت مسلم، لك شريك ما له اسم في الشركة وثق منك، تخطط تخرجه من الشركة بعدما أخذت خبرته، تصلي أول صف، أنت مسلم ؟
(( ترْكُ دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام ))
[ ورد في الأثر ]
الله عز وجل لا يحابي أحداً :
من لم يفهم الدين ويطبقه لم يرض عنه الله عز وجل
سبعمئة ألف دعوى كيدية في قصر العدل، أكثرها كيدية، مسلمون، مدرس عقد زواجه على فتاة وعنده بيت على الهيكل ليس معه مال لكسوته لم يدع طريقة، مضى شهر، اثنين، سنة، سنة وشهران، أهل الفتاة قرروا فسخ العقد ما في أمل، تكلم لأصدقائه عن حاله أحد الأصدقاء أصحاب المروءة قال له عندي بيت فارغ أعيرك إياه إلى أن تكسو بيتك، عاره البيت وتزوج وتمّ العقد وانتهى كل شيء، من ذوقه العالي انتظره أربع سنوات ثم طرق بابه قال له ما الذي حصل ؟ قال له أنا والله منذ وقت طويل كسيته وأجرته، ما هذا الكلام ؟ قال له أنا ما أجرتك البيت أنا أعرتك إعارة، قال أنا مستأجر وهذا الواقع وهذه المحاكم، مدرس تربية إسلامية، وكل أحد إخواننا مقيم هنا في الشام يتوسطوا معه، قال له يا رجل الصلاة في هذا البيت لا تجوز، قال له أنا أصلي في المسجد.
مثل هؤلاء المسلمين يريدون قهراً، يريدون أن يكونوا في الدرجة الدنيا في الحياة، أنا اعتراضي أن واقع العالم الإسلامي لا يرضي الله عز وجل أبداً، والدليل:
﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾
( سورة النور الآية: 55 )
فإن لم يمكنهم معنى ذلك أن فهمهم للدين، تطبيقهم للدين، عرضهم للدين، لم يرضِ الله عز وجل، الله لا يحابي أحداً.
بر الوالدين يزيد في الرزق و يبارك في العمر :
أيها الأخوة:
(( تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الْأَهْلِ مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ مَنْسَأَةٌ فِي الْأَثَرِ ))
[البخاري، الترمذي عن أبي هريرة]
بروا آبائكم يزيد رزقكم
مَنْسَأَةٌ فِي الْأَثَرِ: في العمر.
((البر يزيد في الرزق ))
[ صحيح عن ثوبان]
بر الوالدين يزيد في الرزق.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم:
(( مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ ))
[أبو داود، أحمد، الترمذي عن أبي بكرة]
(( إن الله ليعمر بالقوم الديار، ويثمر لهم الأموال وما نظر إليهم منذ خلقهم بغضاً لهم '. قيل: وكيف ذلك يا رسول الله ؟ قال: ' بصلتهم أرحامهم ))
[رواه الطبراني عن ابن عباس]
(( إِنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَارِ ))
[متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ]
أعلى صلة رحم أن تأخذ بيد المسلمين إلى الله عز وجل :
أيها الأخوة، آخر شيء إياكم ثم إياكم ثم إياكم أن تفهموا صلة الرحم جاء عيد الأضحى نضع البطاقات في الجيب، نعمل قائمة إن شاء الله ما نجده ما في وقت، نطرق الباب نضع كرت ونمشي، خلاص، هذا المعنى السخيف ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم صلة الرحم أن تزوره على موعد، أن تجلس إليه، أن تحادثه، أن تحاوره، أن تستمع إلى شكواه، كيف وضعه الصحي ؟ لك أصدقاء أطباء، وضعه الاجتماعي، وضعه التربوي، وضعه العلمي، وضعه الاقتصادي، عليه ديون ساعد من حولك لتقدم شيئاً لدينك
أنت إنسان قوي، دائماً القوي والغني هو الذي يكلف بادئ ذي بدء أن يبدأ بالصلة، أن تمده بالمال، أن تعيّن له ابنه عندك في المحل التجاري وابنه بطال وعبء على أبيه وأنت عندك مجال للوظيفة، لما أنت تفكر تزور أقرباءك تحل مشاكلهم أحياناً الدينية، عندهم أخطاء كثيرة دلهم على جامع أنت واثق منه، أعطيهم شريطاً، أو حالتهم الاقتصادية بحاجة إلى دعم مالي، أو مشكلات اجتماعية في خلاف بين الأب والأولاد ادخل وسيطاً، ما لم تفكر تفكيراً جاداً بخدمة من حولك فلا أمل في هذا الدين الذي تعتنقه، ما قدمت شيئاً، الناس هل يهتمون بصلاتك ؟ صلِّ ما تشاء، يهمهم المعاملة لهم، فيا أيها الأخوة، تصورت أن صلة الرحم تبدأ باتصال ثم بزيارة ثم بتفقد ثم بمساعدة وأعلى صلة رحم أن تأخذ بيدهم إلى الله عز وجل.
أنا أعرف شخصاً سمع خطبة صلة الرحم فدعا أخواته البنات إلى درس أسبوعي عنده في البيت، أخواته وبنات أخواته، السبب أن إحدى أخواته البنات على خلاف مع زوجها فقدم لها مبلغاً من المال مساعدة لها كي يرأب الصدع بينها وبين زوجها، هذا المبلغ ترك فيها أثراً كبيراً، طلبت منه درساً أسبوعياً هو ما له علاقة بالعلم الشرعي، لكن درس آية وحديث يشرحهم لأخواته وبنات أخواته، أقسم لي بالله بعد حين معظم بنات أخوته تحجبن والتزمن، هذه صلة رحم، اعمل لهم لقاء أسبوعياً، لقاء كل أسبوعين، تفقد أحوالهم، وضعهم المادي، المعنوي، التربوي، الديني، العلمي، الاقتصادي، أنت أقوى يمكن تحل مشكلتهم بتزويج بنت من بناتهم، تحل مشكلتهم بتعين أحد أبنائه موظفاً عندك ممكن، هذا العمل.
فيا أيها الأخوة الكرام، موضوع صلة الرحم السبب الرابع لزيادة الرزق.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين، أستغفر الله.
* * *
الخــطــبـة الثانية :
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الجهل أعدى أعداء الإنسان :
أيها الأخوة الكرام، أثناء مراجعتي لما أودعته من قضايا يمكن أن نستفيد منها قرأت حكماً أصدرته محكمة الجنايات في حمص على أحد الدجاجلة بالحبس والأشغال الشاقة لمدة خمسة عشر عاماً وحجره وتجريده مدنياً، ماذا فعل هذا الإنسان ؟
الجهل عدو الإنسان
لا بد من مقدمة ؛ زوجته جاهلة تركها جاهلة منعها من درس علم، أخطأت معه لا تعلم حقوق الزوج، فلما أخطأت معه أعرض عنها وتوعدها أن يتزوج عليها امرأة ثانية، أو أن يطلقها، خافت مالها مصدر ثان لجأت إلى بعض الدجاجلة، بعض الدجاجلة أوهموها وابتزوا مالها واغتصبوها، هذا الدجال اغتصب، القرار بحيثياته تجريم المتهم بجرم اغتصاب النسوة، وتصويرهن، وابتزازهن، وجرم الاحتيال، وجرم التهديد، والتعرض للآداب العامة، حيث كان يقوم بممارسة الدجل باسم الدين , ويدّعي لقاء الأنبياء والصديقين والصحابة , وقد استغل ذلك في اغتصاب العشرات من النساء من محافظات حمص و إدلب واللاذقية ودمشق، وقد ذاع صيت المتهم كواحد من أصحاب الكرامات , هذا الجهل. يجب أن تتعلم الزوجة حقوق زوجها واجباته، ومقدرته على الشفاء من الأمراض المستعصية عبر لقائه المزعوم مع الأنبياء والصحابة , حيث وقعت في شركه العشرات من النساء وبخاصة المتدينات منهن , وبعضهن بقيت على قناعة بقدرات المتهم الخارقة بالتواصل مع الصحابة والأنبياء على الرغم من توقيفه , واعترافه أمام القضاء بالجرم المسند إليه.
طبعاً القصة منذ سنتين، أنا أراجع الأرشيف عندي وجدت هذه القصة وهي مناسبة جداً، هذا الجهل، يجب أن تتعلم الزوجة في قواعد لو أنها أدتها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لكانت أسعد زوجة، تجهل القواعد أساءت لزوجها، أعرض عنها، هددها بالطلاق أو بزواج ثان، لجأت إلى الدجاجلة، بسذاجة.
العلم بداية الطريق لإصلاح الأمم و انتصارنا على أعدائنا :
العلم بداية الطريق
أيها الأخوة، الجهل أعدى أعداء الإنسان، نحن في عندنا أعداء تقليديون، الاستعمار والصهيونية العالمية، أكبر عدو لنا جهلنا، الجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، وإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظنّ أنه قد علم فقد جهل.
العلم العلم، العلم بداية الطريق لإصلاح الأسر، بداية الطريق لإصلاح الأمم، بداية الطريق لانتصارنا على أعدائنا وما أكثرهم.

الدعاء :
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في كل مكان، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين.
والحمد لله رب العالمين

ا

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون... حديث اليوم: عن أم المؤمنين صفية بنت حُيَيّ رضي الله عنها، قالت:
كان النبي صلى الله عليه وسلَّم معتكفاً في رمضان فأتيته أزوره ليلاً ـ المتكلمة السيدة صفية ـ فحدثته، ثم قمت لأنقلب إلى بيتي فقام معي ليردني إلى البيت، فمرَّ رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي عليه الصلاة والسلام أسرعا، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( على رسلكما ـ أي انتظرا ـ هذه صفية بنت حُيَيّ زوجتي ))
ـ فقالا: سبحان الله يا رسول الله !!
ـ فقال عليه الصلاة والسلام
" ((. إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً أو شيئاً ))
( رواه البخاري ومسلم )
هذا الحديث تعرفونه جميعاً، وأنا كثيراً ما أسترشد به، ولكن لي وقفة تحليلية أستنبط منه بفضل الله تعالى أحكاماً كثيرة.
قبل أن أشرع في شرح الحديث، بادئ ذي بدء النبي عليه الصلاة والسلام قال:
((الزكاة في الأربعة: الحنطة والشعير والتمر والزبيب))
( من الجامع الصغير: عن " ابن عمر " )
نص الحديث يوحي أنه لا زكاة فيما سوى هذه المحاصيل
((الزكاة في الأربعة: الحنطة والشعير والتمر والزبيب ))
الآن، في سؤال: الإنسان الذي يملك مزرعة حمضيَّات، وضمنها بمليون، ليس عليه زكاة ؟ والذي عنده مزرعة كرز، أو مزرعة تفاح، والذي عنده أعشاش عسل بكميات تجارية كبيرة، ألا تجب عليه الزكاة ؟ كيف نوفق بين نص الحديث وبين الأحكام الفقهية ؟ مَن يعرف الجواب ؟
الجواب الفقهي أن الفقهاء قالوا: لا تجب الزكاة في عينها بل في علتها، علتها أنها محصولٌ أساسي، محصولٌ ذو قيمةٍ كبيرة، إذاً من هذا يستنبط أن كلام النبي عليه الصلاة والسلام واسع الدلالة، هو ضرب مثلاً وذكر شيئاً، ويستنبط من هذا الشيء أشياء ن فتجب الزكاة لا في هذه المحاصيل الأربع، بل في علتها، وعلتها أنها محصول يدر على صاحبه دخلاً كبيراً، فالعلة واحدة في محصول الحمضيات، محصول العنب، التفاح، محصول القمح والشعير.
هذا ينقلنا إلى حديثٍ آخر، حينما قال عليه الصلاة والسلام:
((.والله ما آمن بي))
فقال أصحاب النبي عليهم رضوان الله: خاب وخسر ـ مَن هو ؟
قال:
((.من بات شبعان وجاره إلى جانبه جائع وهو يعلم))
( من الجامع الصغير: عن " أنس " )
وقد يقول قائل: أنا لا أعلم. نقول له: مَن لم يتفقد شؤون المسلمين فليس منهم، لكن فقط الجائع ؟ هل الجوع مثل الطعام والشراب ؟ إذا كان هناك حاجة إلى مأوى، حاجة إلى مسكن، حاجة إلى ملبس، حاجة إلى عمل. فأحياناً نعبر عن شدة الحاجة إلى هذا الشيء بالجوع، فنقول: فلان جائع إلى طلب العلم، مثلاً، فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما قال:
(( والله ما آمن بي))
فقال أصحاب النبي عليهم رضوان الله: خاب وخسر ـ مَن هو ؟ قال:
((".من بات شبعان وجاره إلى جانبه جائع وهو يعلم))
( من الجامع الصغير: عن " أنس " )

فإذا قسنا هذا الحديث الثاني على الحديث الأول، بأن المقصود ليس الشيء ذاته بل المقصود علته، إذاً حينما تجد جارك المسلم في حاجةٍ ماسةٍ إلى أي شيء، وأنت يتوافر عندك هذا الشيء، وحرمته منه، فو الله ما آمنت، فو الله ما آمنت، فو الله ما آمنت.
أردت من هذين الحديثين أن أنقلكما نقلةً خفيفة، من نص الحديث إلى مضمونه، من ظاهر كلماته إلى فحواها، من المنطوق إلى المفهوم، فحينما قال الله عز وجل:
﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾
( سورة الإسراء: من آية " 23 " )
المنطوق ؛ منطوق هذه الآية نهيٌ عن أن تقول كلمة (أف) لأمك ولأبيك، لكن المفهوم أن كل تصرفٍ فيه إيذاءٌ للوالدين منهيٌ عنه، أن تشد نظرك إليه كقولك ( أف )، أن تغلق الباب، أن تغلق سماعة الهاتف مثلاً، أن تحدَّ النظر إليهما، هذا كله مما يفهم من قوله تعالى:
﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً (23)﴾
من هذه الأحاديث حديث:
(( الزكاة في الأربعة: الحنطة والشعير والتمر والزبيب "))
( من الجامع الصغير: عن " ابن عمر " )
والعلماء قالوا: لا تجب في عينها بل في علَّتها، وحديث النبي عليه الصلاة والسلام:
((والله ما آمن، والله ما آمن، والله ما آمن من بات شبعان وجاره إلى جانبه جائع وهو يعلم ))
مفهوم هذا الحديث أوسع بكثيرٍ جداً من مدلوله المحدود، أوسع من منطوقه، مفهوم هذا الحديث ؛ إذا كان أخوك المسلم بحاجةٍ إلى شيءٍ، وأنت يتوافر هذا الشيء لديك، ومنعته عنه، فلست مؤمناً، فلست مؤمناً، فلست مؤمناً.
لذلك حينما اخترت هذا الحديث، الذي تعرفونه جميعاً، وأنا كثيراً ما أردده، أردت أن نتوسع في فهم معناه، عن أم المؤمنين صفية بنت حُيَيّ رضي الله عنها قالت
((: كان النبي صلى الله عليه وسلم معتكفاً في المسجد في رمضان فأتيته أزوره ليلاً ـ وفي بعض الروايات: أتيت أجلب له طعاماً ـ فحدثته، ثم قمت لأنقلب، فقام معي ليردني إلى البيت ))
الاستنباط الأول: لا ينبغي أن تتحرك المرأة وحدها، فيجب أن تكون معها، والدليل: حينما خرجت بنتا سيدنا شعيب ولقيهما سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام وقال:
﴿مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾
( سورة القصص: من آية " 23 " )
أي نحن لا نزاحم الرجال، هذا استنباط أيضاً، امرأة تدخل في ازدحام، تدخل في مركبة الازدحام لا يحتمل، والله لأن تمشي على قدميها ولأن تتعب أفضل عند الله ألف مرة من أن تدخل بين الرجال في مركبةٍ عامة..
﴿ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23)﴾
يعني علة وجودنا هنا أن أبانا شيخ كبير، ولولا أن أبانا شيخٌ كبير لما كان من المعقول أن تجدنا في الطريق.
فيستنبط من هذا الحديث الاعتكاف في رمضان، يستنبط وفاء الزوجة، خدمة الزوجة للزوج، يستنبط صون الزوجة من أن تكون وحدها في الطريق، من أن تتحرك في ساعةٍ متأخرةٍ من الليل، من أن تنطلق وهي شابة وحدها إلى بيت أهلها.
فقالت السيدة صفية بنت حيي رضي الله عنها وهي أم المؤمنين
(( فقام معي ليردَّني، فمرَّ رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا.))
وهذا من أدب أصحاب رسول الله، أي:
(( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ))
( من الأذكار النووية: عن " أبي هريرة " )
من هذه التي معه ؟ دائماً في أسئلة فيها فضول، في أسئلة حشرية، كم المهر ؟ ماذا قدم لها في العُرس ؟ ماذا ألبسها من الذهب؟ كم دخلك أنت ؟ كم تتقاضى على هذه الوظيفة ؟ هذا البيت اشتريته، أم هو مستأجر ؟ أسئلةٌ كثيرةٌ، كم ربحتم هذا العام ؟ أنت ليس لك علاقة بذلك. هو حر، يريد أن يعرف كم تربح، وأين تسهر، وهذا البيت ما وضعه، ووبكم استأجرته، ومتى استأجرته، ولماذا أنت فيه، وهل اشتريته ؟؟
(( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ))
( من الأذكار النووية: عن " أبي هريرة " )
و..
(( طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ))
( من الجامع الصغير: عن " أنس" )
فهذان الصحابيان الأنصاريان حينما رأيا النبي عليه الصلاة والسلام أسرعا، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( على رسلكما ـ أي تمهَّلا ـ إنها ـ هناك روايات كثيرة ـ إنها صفية بنت حُيَيّ زوجتي، وإنها أمكم صفية ))
فقال
(( سبحان الله يا رسول الله ))
أي أنهما ذابا من الخجل. أي اتهمك يا رسول الله، معاذ الله !! ـ فقال عليه الصلاة والسلام:
((إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يخرج في قلوبكما شراً ـ أو قال ـ شيئاً ))
( رواه البخاري ومسلم )
إذا أردنا أن نطبق هذا الحديث على القاعدة السابقة، أن كلام النبي عليه الصلاة والسلام له مفهومٌ وله منطوق، له معنى محدود بنص الحديث وله معنى واسع، فكيف نستنبط من هذا الحديث أحكاماً فقهيةً أخرى ؟ من عنده جواب ؟
شخص أعطاك مثلاً مبلغاً من المال قال لك: اشتري به لي هذه الحاجات، بعدما اشتريتها له وأنت في أعلى درجات الأمانة، قال لك: كم الثمن ؟ قلت له: طلعنا خلاص. لا يشك في أمانتك، لكن يا ترى كم الأسعار ؟ كم ثمن هذه الحاجة ؟ أنت أوقعت الشك في قلبه، أنت بريء، هنا النقطة الدقيقة أنك قد تكون في أعلى درجات النزاهة، وفي أعلى درجات الأمانة، وفي أعلى درجات الطُهر، وفي أعلى درجات الإخلاص، ومع ذلك ليس هذا هو المقصود، المقصود انطباع الناس عنك، فلو سلكت امرأةٌ عفيفةٌ سلوكاً يجر لها التهمة، واتهمها الناس بالفاحشة، لو إنها بريئة ؛ جلبت لنفسها متاعب لا تحصى، إذاً ليس المقصود أن تكون بريئة أو غير بريئة، المقصود أن تَجُبَّ المغيبة عن نفسها، وهذا ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام:
((.رحم الله عبداً جب المغيبة عن نفسه))
لذلك، البطولة إذا أردت أن تتحرك، أو أن تتصرف، أو أن تسلك سلوكاً معيناً، دقق، هذا السلوك كم تفسير له ؟ إن كان له تفسير واحد هذا من أرقى أنواع السلوك، لا يستطيع خصومك، ولا أعداؤك، ولا حُسَّادك أن يجرِّحوا فيك. أما السلوك الذي يحتمل له تفسيران، يجب أن تبادر إلى توضيح التفسير الثاني.
يعني إنسان له محل تجاري بسوق مغلق، واضطر إلى أن يسافر في اليوم الثاني باكراً، ويحتاج إلى دفتر من هذا المحل، وجاء إلى السوق ليلاً، وفي للسوق حارس، ينبغي أن يوضح لهذا الحارس الذي لا علاقة له بهذا الموضوع: أنني جئت لآخذ هذا الدفتر من المحل فأنا في الغد مسافر، لأنه لو دخل دكانه ليلاً وله شريك، فهذا الدخول في الليل يثير الشبهات.
فأي عملٍ يمكن أن يفسَّر تفسيراً آخر، كأن تكون في محل تجاري، ودخلت عليك امرأة، فاستقبلتها استقبالاً حاراً، ولك أخ بالطرف الثاني قل له: هذه أختي. وإلا يسيء الظن بك، فإذا في استقبال غير استقبال الإنسانة العادية فلابد من التوضيح، وقد قيل: البيان يطرد الشيطان.
فدائماً المؤمن ليس شاكاً في نفسه بل هو يعرف نفسه علم اليقين، يعلم طهارته، ونبله، لكن المشكلة ما يأخذ الناس عنك من انطباعات، فلو سلكت سلوكاً شائناً، أو سلوكاً صحيحاً لكن يفسَّر تفسيراً آخر، يعني أنت كلَّفت أخو زوجتك بغيابك بالسفر أن يأتي إلى البيت ليتفقد أحوال أختك ـ زوجتك ـ ولك جيران، فإذا أعلمتهم أنني كلفت أخا زوجتي أن يتفقد أخته، هذا من الضروري، لأنهم إذا رأوا رجلاً لا يعرفونه دخل إلى بيتك في سفرك، ماذا يقولون؟ لو أنهم أخلاقيون لوقعوا في شك، لو أنهم غير أخلاقيين للاكتك الألسنة، ففي كل حركةٍ، في كل سكنةٍ، في كل تصرف بيّن الحساب، بيّن من هذا الذي تحدثه سراً، بيِّن من هذه التي رحبت بها، كلما بيَّنت أبعدت عن نفسك التُهَم، ومَن وضع نفسه موضع التهمة واتهمه الناس، فلا يلومن إلا نفسه.
أنت جالس عند صديقك بالمحل التجاري، ووراء الطاولة، ودرج الغلَّة مفتوح، ويلزمك صرف مائة ليرة، يمكن تضع المائة ليرة ثم تأخذ ما يقابلها، قد يراك أحدهم تأخذ من الدرج مبلغاً من المال، استئذنه: أتسمح لي أن أصرف مائة ليرة، أنت بريء مائة في المائة، ألف بالمائة، لكن حينما تفتح درج المال وتأخذ من هذا الدرج، ويراك إنسان أخذت ولم يرك قد وضعت، فأنت وضعت نفسك موضع التهمة، تريد أن تتصل بالهاتف قل له: أتسمح لي، لعل هي مخابرة خارجية، تصير، أريد أن أخبر فلان، أنت دقيت طلعوا ثمانية أو تسعة أرقام بدلاً من ستة، أنت الرقم ما ظبت فأعدته مرة ثانية، فظنها مخابرة خارجية، قل له: سأخبر فلان في الحي الفلاني.
((فدائماً وأبداً حينما تطبِّق سنة النبي عليه الصلاة والسلام ))
((على رسلكما هذه زوجتي فلانة. ))
وانتهى الأمر، كن واضحاً، هذا ابني، هذا الشيء اشتريته أنا. أحياناً تدخل على محل تجاري ومعك بضاعة ليست من بضاعة هذا المحل، حينما تريد أن تأخذها وتخرج، يقال لك: إلى أين آخذها، ما دفعت ثمنها ؟ هذه ليست من هنا، فتجبه: هذه أنا اشتريتها، فإذا دخلت قل: هذه ليس من عندك. هذا يحدث.
أحياناً تدخل على محل ومعك بضاعة من نوع بضاعة المحل، فإذا حملتها وخرجت، وكان لك هيبة، واستحيا صاحب المحل التجاري أن يقول لك: لم تدفع ثمنها، وهذه ليست من عنده. دائماً فكر: هل موقفي له تفسير آخر ؟ هل أنا متهم بهذا التفسير ؟
فهذه صفية التي حدَّث النبي عنها فقال:
((هذه صفية بنت حُيَيّ زوجتي ))
قالوا: سبحان الله يا رسول الله !! النبي عليه الصلاة والسلام يعلم علم اليقين أنه أنقى من ماء الثلج، ويعلم علم اليقين أنه أطهر من الملائكة، ويعلم علم اليقين أنه معصوم، ومع ذلك خاف على أصحابه.
وأنت أيضاً أيها الأخ، لك معاش محدود، جاءك مبلغ من مال من طريق الإرث، غيَّرت مصروفك، وغيرت، فظن الناس أن لك دخلاً غير مشروع، فبيِّن: أنا والله الله عزَّ وجل أكرمني بمبلغ من المال ورثته عن فلان، فإذا غيرت فرش البيت، أو أي شيء سيسألون: من أين أتى به هذا معاشه محدود ؟ دائماً بيِّن، البيان يطرد الشيطان، ولاسيما ومع الشركاء، ولاسيما مع الأقرباء.
قال: هذه صفية بنت حيي، كان النبي عليه الصلاة والسلام يرحم ضعفها، ويقوم لها مقام الأب الحنون والولد البار، والزوج الكريم، كانت معه في حجة الوداع، وقد علم أنها لم تطف طواف الإفاضة، وكانت في الحيض، فكاد يؤخِّر المسلمين جميعاً من أجل طوافها، تكريماً لها، وعطفاً عليها.
وقد تطاول عليها بعض نسائه، وتِهْنَ عليها بشرفهن ونسبهن، فعلَّمها عليه الصلاة والسلام أنه إذا تطاول عليها أحد من زوجاته أن تقول له
((أبي هارون، وعمي موسى، وزوجي محمد ))
((. قال لها هكذا قولي لهن، وهي بنت حيي بن أخطب. فحينما تتيه عليها ضُرَّاتها كان عليه الصلاة والسلام يعلمها أن تقول لهن: قولي لهن ))
(( أبي هارون، وعمي موسى، وزوجي محمد.))
مرةً في مرض وفاته صلى الله عليه وسلم، كانت صفية تعاني من ألمٍ شديد لما ألمَّ بالنبي، فقالت له ببراءةٍ وبحبٍ وبإخلاصٍ: لو أن الذي تشكو منه كان بي يا رسول الله. أي أتمنى أن يكون هذا الوجع بي وليس بك، ضرَّاتها سمعن قولها، فتغامزن عليها، فعليه الصلاة والسلام،
((أمرهن أن يتمضمضن من قولهن فيها ))
أي تكلمتن كلاماً فأغسلوا فمكم منه.
والكلمة التي قلتها البارحة حينما قالت السيدة عائشة: إنها قصيرة، فقال:
(( يا عائشة لقد قلت كلمةٍ لو مزجت بمياه البحر لأفسدته ))
إذاً هذه زوجة النبي عليه الصلاة والسلام.
الشيء الآخر الذي يستنبط: أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن التجسس ونهى عن التحسس.
(( إياكم وسوء الظن فإنه أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا ))
( من مختصر تفسير ابن كثير )
فالتجسس تتبع الأخبار السيِّئة، والتحسس تتبع الأخبار الطيبة، وأنت يجب أن تنصرف عن تتبع الأخبار كلها
(( طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ))
و..
((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".))
الآن نريد أن نأخذ أمثلة مما يشير إليه هذا الحديث الشريف، أي أن النبي الكريم ما أراد من هذين الصحابيين الجليلين الأنصاريين أن يقعا في سوء ظن، فأوقفهما، وأخبرهما بأنها زوجته، لكن هل هناك موقف يدعو للتهمة، وقد تكون أنت بريئاً جداً يفيدنا فيه هذا الحديث ؟
(( الخلوة بامرأةٍ أجنبية.))
أي إذا دخلت على بيت وليس فيه الزوج، ودخلت إلى غرفة الضيوف وقيل لك: انتظره هنا، وليس في البيت إلا أنت وهي، وأنت أطهر من ماء السماء وأنقى من الثلج، لو نجوت من فتنة الخلوة لا تنجو من سوء الظن بك، فلذلك مما يستنبط من هذا الحديث الشريف الذي قال فيه النبي
عليه الصلاة والسلام
((على رسلكما هذه زوجتي صفيَّة بنت حيي))
أنه لا يجوز أن تخلو بامرأةٍ أجنبيَّة، طبعاً لا يجوز لأنه لا يجوز، لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهاك عن أن تخلو بامرأةٍ أجنبية.
فلو أنت في البيت وحدك، طرق الباب، جاءت أخت زوجتك، أنت في المهاجرين وهي قد أتت من الميدان، تفضلي والله غير موجودة، تفضلي، وأنت أنقى من ماء السماء، وأنت أنقى من ماء الثلج، إذا قلت لها: تفضلي، وبقيت في البيت وهي أخت زوجتك ؛ لا تحل لك، ولا أن تنظر إليها، ولا أن تجلس معها، ولا أن تكلمها فضلاً عن أن تخلو بها، فإذا قلت: والله استحييت، فإذا كان الأمر ضروري فقل: تفضلي واخرج أنت من البيت، ما في مانع، رأساً قال لها: تفضلي وأنا سأخرج، هذا استنباط.. النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((. إياكم والدخول على النساء ))
( من الجامع الصغير: عن " عقبة بن عامر " )
والمقصود من هذا الحديث الخلوة بهن، وأكرر بشكلٍ دقيق: إذا نجوت من فتنة الخلوة بها لا تنجو من سوء الظن بك، و..
((رحم الله عبداً جبَّ المغيبة عن نفسه ))
يقابلها بالمصعد. وقف المصعد وفيه امرأة وحدها، الأكمل لأنك مؤمن أن لا تخلو بها في المصعد، إن نجوت من الفتنة لا تنجو من سوء الظن، هذا يستنبط من على رسلكم
(( هذه زوجتي ..))
((" وضِّح.))
والحقيقة الشيء الذي يلفت النظر: أنه إذا خلوت بامرأةٍ من أحمائك، أي أخت زوجتك، هذه الخلوة مألوفة عند الناس أن هذه أخت زوجته، وابنة حماه، والمألوف عند الناس ما فيها شيء، فقال عليه الصلاة والسلام
((الحمو الموت ))
وسأريكم الحديث، قال عليه الصلاة والسلام:
(( إياكم والدخول على النساء. فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحَمْوَ ؟ ـ أي بنت حماي ـ فقال: الحمو الموت " ))
( من الجامع الصغير: عن " عقبة بن عامر " )
والفاحشة التي وقعت في هذه البلدة بسبب التهاون بهذا الحكم، وقعت الفاحشة بين الأحماء بسبب التهاون بهذا الحكم.
وفي حديثٍ آخر يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إياك والخلوة بالنساء، والذي نفسي بيده ما خلا رجلاً بامرأةٍ إلا ودخل الشيطان بينهما، ولأن يزحم رجلٌ خنزيراً متلطخاً بطينٍ أو حمأةٍ خيرٍ له من أن يزحم بمنكبه امرأةً لا تحل له ))
( من كنز العمال: عن " أبي أمامة " )
أعيد عليكم نصَّ الحديث:
(( إياك والخلوة بالنساء، والذي نفسي بيده ما خلا رجلاً بامرأةٍ إلا ودخل الشيطان بينهما، ولأن يزحم رجلٌ خنزيراً متلطخاً بطينٍ أو حمأةٍ خيرٍ له من أن يزحم بمنكبه امرأةً لا تحل له ))
( من كنز العمال: عن " أبي أمامة " )
مركز ضعف الرجل المرأة والمال، فإذا تحصَّن من أن يأكل مالاً حراماً، ومن أن يلتقي بامرأة لا تحل له، فقد تحصَّن من كل الجوانب، وأساساً خصوم الإنسان لا يستطيعون أن يصلوا إليه إلا من هذين البندين ؛ المرأة والمال.
في كتب الفقهاء من باب نظر الرجل إلى المرأة قولهم: يجوز نظر الطبيب إلى ما يحتاج إليه من المرأة الأجنبيَّة وقت علاجها، بشرط أن يكون معها زوجٌ أو ذو محرم، وبشرط ألا تكون ثمَّة امرأةٌ طبيبةٌ تحسن من العلاج ما يحسنه الرجل، مادام هناك طبيبة بمستوى الطبيب فالأولى الطبيبة، والأولى أن يكون الزوج مع زوجته، أو معها ابنها، أو أخوها، أو أبوها حينما يخلو بها الطبيب.
فيما يبدو أن العلاقات المالية تحتاج إلى توضيح، بيِّن الحساب، بين التفاصيل، هذه ثمن المواد، وهذه الأجرة، طلب منك رقم كبير، يا ترى أنت ببالك الأجرة ألف فظهر أنها بثلاثة آلاف الأجرة، المواد سألت عنها فرأيتها رخيصة جداً، وهنا غالية كثيراً، بين المواد والأجرة، بين التكاليف، أما كل حساب تأخذه خفيةً ولو كنت مُحِقَّاً به، وما بينت، ربما يسبب هذا أن تتهم في أمانتك، فيبدو أن الإنسان في أكثر الحالات التي ينطبق عليها هذا الحديث ؛ العلاقات المالية، والعلاقات الاجتماعية ، فإذا كنت منزَّهاً، وهذه المشكلة.
درسنا اليوم نحن فيه لا نتحدث عن إنسان يعصي، ولا عن إنسان يعتدي على عرض الآخرين، ولا على إنسان يأكل أموال الناس أبداً، ليس هذا موضوع الدرس، موضوع الدرس المؤمن المستقيم، النظيف، المخلص، التقي، النقي، هذا إذا لم يبيِّن جرَّ لنفسه سوء الظن، مَن أنت؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام الذي هو فوق الشبهات، وفوق التُهَم، وفوق الظن، وهو في أعلى عليين، وهو ذو الخلق العظيم، وهو العفيف، وهو الشريف، وهو ذو النسب، ومع ذلك قال لهما:
((هذه زوجتي "))
فالإنسان أحياناً يكون معه زوجته ويحدثها، فليسلك سلوك النبي، في ظروف الإنسان دخل هذا ابني مثلاً، هذه ابنتي مثلاً، وضِّح في العلاقات النسائية وفي العلاقات المالية، كل شيء وضحه، طبعاً لو كان ممكن تأكل مال حرام فهذه مشكلة، لكنني أنا أتحدث عن المؤمنين، أنا أتحدث عن المستقيمين، أنا أتحدث عن الأنقياء، عن الأتقياء هؤلاء مكلَّفون أن يفعلوا ما فعل النبي عليه الصلاة والسلام.
فمثلاً أنا كلَّفني صاحب العمل أشتري المواد الأولية، سأضيف له على الفاتورة عطلتي، لكن سأدخلها مع المواد، لا، اكتب ثمن المواد واكتب أجرة جلب هذه المواد، لو سأل ووجد السعر أقل اتهمك بقلة الأمانة، أنت أضفت الأجرة، تضيفها مع الفاتورة ببند مستقل، ولا تضيفها مع المواد، كن صريح، ما عجبه لا يعجه، فالرزق على الله عزَّ وجل، أنا سأعطل يوم لتأمين حاجاتك، أنا يومي بمائة ليرة، أنا سأأمّن لك أفضل الحاجات بأرخص الأسعار. اتفق معه، كلما كنت صريحاً وواضحاً، أي اعمل تحت ضوء النهار ولا تعمل في الظلام ؛ لا خفيةً، ولا موارباً، ولا هارباً، ولا معتماً، ولا ضبابياً، بل كن صريحاً واضحاً.
((إياكم وسوء الظن فإنه أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا))
( من مختصر تفسير ابن كثير )

والتحسس تتبع الأخبار الطيبة، لكن لا شأن لك بها، والتجسس تتبع الأخبار السيئة، ومن كمال الإنسان عدم تتبعه للأخبار الطيبة وللأخبار السيئة في وقتٍ واحد.
أحياناً يكون الطريق مزدحم بالنساء في وقت العصر، ويكون الطريق كله يبيعون حاجات النساء، فإذا سرت من هذا الطريق، أيضاً جلبت لنفسك سوء ظنٍ بك، إذا كنت مضطراً أن تصل إلى أحد محلات هذا الطريق خذه عرضاً ولا تمشِ به طولاً، أيضاً تبرئةً لسمعتك، فهناك أماكن مشبوهة، ذات مرة واحد قال لشخص في بائع أحذية ممتاز في مدخل سينما، قال له: والله أستغني عن ألف حذاء ولا أدخل هذا المدخل أمام طلابي. فإذا دخل، هو دخل يشتري حذاء لكن ماذا يقول طلابه لو رأوه ؟
يعني مثلاً دائماً هذه النقطة مهمة جداً، وأتمنى على الله سبحانه وتعالى أن ينظر الإنسان في هذا الموضوع جليلاً، لأن أكثر التهم، والأراجيل، والأقوال السيئة، ما في إنسان ما له خصوم، ما في إنسان ما له حسَّاد، ما في إنسان ما له أعداء، ودائماً أعداء الدين يسلطون الأضواء الكاشفة على المؤمن، فإذا زلَّت قدمه، إذا وقع في غلطٍ طفيف، نشروا هذا الخطأ، وكبَّروه، وروَّجوه، وأرجفوا به، حتى يشوهوا سمعة المؤمنين، لذلك الله عزَّ وجل قال:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾
( سورة النور: من آية " 19 " )
يعني يحب أن تشيع الفاحشة، فأنت ممكن تمنع خصومك وحسَّادك وأعداءك من أن ينالوا منك بتطبيق السنة، وممكن تتساهل قليلاً، فتتهم بتهمٍ أنت غنيٌ عنها.
(( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ))
كل إنسان معه قرين من الشيطان، ففي ساعة غفلة يأتي الشيطان ويوسوس له، هذا الذي ينصحك أنظر ماذا يفعل !! فأنت إذا نصحت الناس كن دقيق جداً، كن ورع جداً، كن فوق الشبهات حتى لا تخلق عند المستمع اختلال توازن، فأصعب شيء بالحياة أن يختل عندك المثل الأعلى، اهتزاز المثل الأعلى من أصعب مِحَن الإنسان، تكون أنت ظانن بهذا الإنسان خير، ويهتز هذا المثل، هو قد لا يهتز لكن يهتز لو أن هذا المثل ما طبَّق سنة رسول الله.
وأعيد وأكرر: أكثر ما نحتاج إلى هذا الحديث في النواحي المالية، وفي النواحي النسائية، ومادمت قانعاً بهذا الدخل، ومادمت تأخذ حقك الثابت، لا تستحي بحقك، سجله وأبلغه وأعطيه، أما الحسابات غير الواضحة، غير الدقيقة، المعمَّاة، المغطَّاة، سيدي طلعنا خلاص، ماشي الحال، خير إن شاء الله هذا كله كلام عام، هو دافع لك ثمن الحاجة قل له: هذه كلفت هكذا، فيها حاجات كذا، واضح، كن واضحاً ونم على ريش النعام ـ كما يقولون ـ
أكثر نقطة أتمنى على الإخوان الكرام أن يعقلونها في هذا الحديث: أن كلام النبي عليه الصلاة والسلام فيه إشارات، وفيه دلائل واسعة جداً، فأنت ليس من العقل، ولا من الحكمة أن تفهم الحديث فهماً محدوداً، أي إذا قال لك:
(( واللهِ ما آمن، والله ما آمن، والله ما آمن. من بات شبعان وجاره إلى جانبه جائع وهو يعلم ))
معنى ذلك أنه أي إنسان مسلم بحاجة إلى الشيء، وهذا الشيء متوافر لديك، يجب أن تبذله له، لتكون مؤمناً، أما أن تَقْصُرَهُ على الطعام فقط !! أعرف أباً عنده بيوت كثيرة، وابنه يتضور، يتلوَّى على غرفةٍ يسكنها، فو الله ما آمن، لو صلَّى هذا الأب، بيوت فارغة وابنه من صلبه، لو أنه صلى وصام وزعم أنه مسلم.
(( واللهِ ما آمن، والله ما آمن، والله ما آمن. من بات شبعان وجاره إلى جانبه جائع )
فهمنا هذا الحديث فهماً موسعاً، كما فهمنا أن الزكاة تجب في الشعير والقمح والزبيب والتمر، والعلماء قالوا: تجب في علتها لا في عينها، فأي محصول زراعي في عليه زكاة، وأي إنسان بحاجة لشيء في عليه زكاة، وأي شبهة يمكن أن تنسحب عليك وضِّحها وبينها، ولا تنسوا هذا القول الدقيق: البيان يطرد الشيطان.
في إنسان طبعه سكوتي، وهذا السكوتي يُتَّهم كثيراً، حركاته كلها بدون توضيح، تصرفاته كلها بدون توضيح، فمثل هذا الإنسان تأتيه متاعب كثيرة جداً من سكوته، في موطن السكوت سكوت شيطان، وفي موطن التكلم تكلم شيطان، فالحكيم مَن يحسن الكلام في موطن الكلام، والسكوت في موطن السكوت.
والشيء الثاني: أي موضوع الخلوة بالمرأة الأجنبية موضوع له علاقة ماسَّة بهذا الحديث، فإذا نجوت من فتنة الخلوة، لا تنجو من فتنة سوء الظن، والحمو.
(( الحمو الموت))
أي لا نسمح للزوجة أن تلتقي مع إخوة زوجها، ولا للزوج أن يلتقي مع إخوة زوجته، لأن طبيعة القرابة تسبب، أو تتيح للإنسان التكلُّم، والنظر، والمزاح، وكما قال النبي
((الحمو الموت. ))
والإنسان بعد ذلك يقول لك: والله أستحي، مع النساء الأجنبيات إذا كان موقفك هكذا قاسي أو جاف أكمل، امرأة فإذا ابتسمت لها، وإذا سألتها عن صحتها، وعن أهلها، صار في حديث، صار في مشاعر مشتركة وأنت لا تملك قلبك، هنا ما في لباقة، اللباقة معه الرجال، لكن المرأة الأجنبية لا تحل لك، سؤال وجواب، ما في كلمة أروع من كلمة سيدنا موسى..
﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾
( سورة القصص: من آية " 25 " )
قبل ذلك، لما رأى امرأتين تزودان ماذا يقول لهما ؟..
﴿مَا خَطْبُكُمَا ﴾
( سورة القصص: من آية " 23 " )
لو درست اللغة العربية كلها، أو أية لغة، ما وجدت كلمةً أشد إيجازاً، وأشد جديةً، وأشد وضوحاً، وأشد اختصاراً وإيجازاً من هذه الكلمة، من الآنستين مثلاً ؟ صار في..
﴿مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾
هي لما جاءت قالت:
﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ ﴾
انظر لدقة الآية..
﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾
لماذا لم تقسِّم الكلام ؟ والله إن أبي يدعوك، فيقول هو: خير إن شاء الله، ما المناسبة؟ ما أتاحت له أن يسألها وأن يجيبها..
﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾
هذا الكلام للنساء إذا اشترين من البائعين لا يجب أن يقلن: راعينا، وجيرانك، وزبائنك، وقلبك قاسي علينا، هذا لا يجوز..
﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (32)﴾
( سورة الأحزاب )
فهذا الكلام اللطيف، وتكسر الكلمات، والاسترحام، والاستعطاف بين رجل وامرأةٍ أجنبية هذه فتنة كبيرة جداً، فالمؤمن ما في عنده كلام لين زائد، وكذلك ليس جفص، يتكلم كلام معروف لا يعني شيئاً من كلامه.
فموضوع العلاقات المالية، والعلاقات مع النساء، والخلوة بالمرأة الأجنبية، والحمو، هذه كلها حالات تنسحب على قول النبي عليه الصلاة والسلام، ولا تنسوا أن هذا الحديث يستنبط منه الاعتكاف، وخدمة الزوجة، ورعاية الزوجة، وعدم السؤال عما لا يعني، فمرَّ أنصاريان، فلما رأيا النبي أسرعا، والنبي وضَّح وبيَّن، وهو يعلم أنه معصومٌ ونقيٌ، لكن لئلا يتيح للشيطان أن يأتي هذين الصحابيين فيلقي فيهما شيئاً عن النبي عليه الصلاة والسلام، و.. " رحم الله عبداً جبَّ المغيبة عن نفسه ".. والبيان يطرد الشيطان. وهذا الحديث له نص وله فحوى، فحواه أن توسِّعه على كل شيء.
يعني ملخَّص الدرس: إياك أن تسلك سلوكاً له تفسيران، التفسير الأول طيب، أما التفسير الثاني سيئ، فأعداؤك، وخصومك، وحسادك يختارون التفسير الثاني، فإذا كنت بطلاً لا تسمح لأعمالك، وأفعالك، وتصرُّفاتك أن تفسَّر غير التفسير الذي هو واقع فعلاً، وطبعاً فهمكم كفاية. ضربت مثل واثنين وثلاثة وخمسة، لكن أنت ممكن أن تطبق الحديث على آلاف الحالات.
قلت لكم هذه النقطة: أنت تريد أن تصرف مائة ليرة من عند صديقك قل له: اصرفها لي، ولا تفتح الدرج لوحدك، قال لك: اجلس في المحل، وهذا المحل يمكن يكون له شريك سيئ الظن فلا ترضى، دائماً ممكن يسيئوا الظن فيك ؟ إذا ممكن لا ترضى، ابقى أنقى من ماء السماء، وقلنا لكم كلمة: ليست العبرة أن تكون أنت نقياً، ليست هنا المشكلة، الحديث عن المؤمنين، العبرة ألا تؤخذ عنك فكرة سيئة، لأن أنت رأس مالك سمعتك، هذا هو عرض الإنسان، عرض الإنسان موضع المدح والذم فيه، فإذا هو تساهل في هذه النقطة، سبب للمسلم، أنا والله لا أبالغ آلاف القصص سمعتها لا أصل لها، لكن سببها أن أخاً كريماً تصرف تصرفاً من دون دقة، فخصومه وأعداؤه فهموا الجانب الآخر، فروجوا بين الناس. أنا الآن لو أردت أن آتي بقصص كثيرة جداً، ولكن اخترت ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام، دائماً كن في الدرجة الأولى من النزاهة والنقاء
والحمد لله رب العالمين

مجلس في فضل يومعاشوراء وما جاء فيه
٣٩٥ وفي صيامه من الفضل العظيم
اعلمواعباد االله أن االله سبحانهوله الحمد والمنة قد فضل هذه الأمة بفضائل خص هبا أمة محمد {صلى االله عليه
وسلم} من سائرالأمم
الحكمة في ذلك أن االله تعالى لما جعل أمة محمد أقصرالأمم أعمارا جعل لهم هذه الفضائل وهذه الدرجات ورفع لهم
بذلك الدرجات والمنازل في الجنة وهي كالأيام البيض من كل شهر وكيومعرفة ورجب وشعبان والستة أيام بعد
الفطر ومثلها كثير
فهذه أمة قد رفق االله هبا وجعل لها من اليسير كثيرا ووعد لهاعلى ذلك في الآخرة أجرا كبيرا فيومعاشوراء يوم
تغفر فيه الذنوب والخطيات ويتقرب فيه بالصدقات وأفعال الخيرات إلى عالم الخفيات وصومه سنة مستحبة لما روي
عن رسول االله {صلى االله عليه وسلم} أنه قال
٣٩٦ ثواب صيامه
من صام يومعاشوراء أعطاه االله تعالى ثواب عشرة آلاف ملك وثواب عشرة آلاف شهيد وثواب كل حاج
ومعتمر في ذلك العام وثواب تسبيح ملائكة السبع سموات ومن فيهن {
وروي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } من صام يومعاشوراء كتب االله لهعبادة ستين سنة صيام أيامها
وقيام لياليها وكأنما حجواعتمر سبعين مرة{
فاالله االله عباداالله تقربوا إلى االله في يومعاشوراء أيما استطعتم من نوافل الخير وسبل البر فإن يومعاشوراء يوم يوصل
فيه الرحم ويضاعف الأجر للمؤمن السخي الكريم ومجزي االله جل جلاله معطي الزكاة جنات النعيم ويبذل فيه
السخط على الشقي اللئيم
الذي يمنع الزكاة المفروضة في القرآن الحكيم
فاالله االله معشر المؤمنين وجماعة الموحدين ارغبوا في هذه الفضيلة الجزيلة تفوزوا بالنعمة الدائمة الطويلة التي ليس لها
زوال ولا انقطاعولا لصاحبهاعنها صد ولا امتناع
روي عن رسول االله {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } من أفطرعنده مؤمن في يومعاشوراء فكأنما أفطرعنده جميع
أمة محمد {صلى االله عليه وسلم} وأشبع بطوهنم ومن مسح على رأس يتيم في يومعاشوراء رفع االله له بكل شعرة
على رأسهدرجة في الجنة ومن كسا فيه مسكينا فكأنما كسامساكين أمة محمد {صلى االله عليه وسلم} وكساه االله
سبعين حلة من حلل الجنة { فقال عمر بن الخطاب رضي االله عنه يا رسول االله صلى االله عليك لقد فضلنا االله عز
وجل بيومعاشوراء فقال رسول االله {صلى االله عليه وسلم} } نعم ياعمر خلق االله السموات والأرض في يوم
عاشوراء وخلق الشمس والقمر في يومعاشوراء والنجوم كمثله وخلق العرش والكرسي في يومعاشوراء وخلق
القلم في يومعاشوراء واللوح كمثله وخلق جبريل في يومعاشوراء وملائكته كمثله وخلق آدم في يومعاشوراء
وحواء كمثله وخلق الجنة في يومعاشوراء وأسكن آدم الجنة في يومعاشوراء وولد إبراهيم عليه السلام في يوم
عاشوراء ونجاه االله من النار في يومعاشوراء وهداه االله في يومعاشوراء وأغرق االله فرعون في يومعاشوراء ورفع
عيسى في يومعاشوراء ورفع االله إدريس في يومعاشوراء وولد عيسى بن مريم في يومعاشوراء وتاب االله على آدم
في يومعاشوراء وغفر ذنبه في يومعاشوراء واستوت سفينة نوح على الجودي في يومعاشوراء وأخرج يوسف من
السجن في يومعاشوراء وتاب االله على قوم يونس في يومعاشوراء وأعطى سليمان الملك يومعاشوراء ويوم القيامة
يومعاشوراء
ويروى أن أول مطر ينزل من السماء يومعاشوراء
٣٩٧ الغسل يومعاشوراء
وقال رسول االله {صلى االله عليه وسلم} } من اغتسل يومعاشوراء لم يمرض إلا مرض الموت ومن اكتحل بالاثمد
يومعاشوراء لم ترمد عيناه في تلك السنة كلها ومن عاد مريضا يومعاشوراء فكأنماعاد جميع ولد آدمعليه السلام
وعلى جميع الأنبياء الكرام ومن سقى مؤمنا شربة من ماء يومعاشوراء فكأنما سقى جميع ذرية آدم وكانواعطاشا
ومن صلى يومعاشوراء أربع ركعات ويقرأ فيكل ركعة بفاتحة
الكتاب وقل هو االله أحدخمس عشرة مرةغفراالله له خمسين عاما ماضيا وخمسين عاما مقبلا وبنى له االله ألف منبر
من نور االله عباداالله ارغبوا في فضل هذا اليوم المرغوب فعسى االله أن يغفرلكم ما أسلفتم من الأوزار والذنوب
ويسترعليم ما أتيتم من القبائح والعيوب
روي أن موسى عليه السلام قال مكتوب في التوراة من صام يومعاشوراء فكأنما صام الدهر كله ومن تصدق يوم
عاشوراء فكأنما لم يترك سائلا إلا أعطاه ومن كسا فيهعريانا فكأنما كسا جميع خلق االله ومن مسح على رأس يتيم
فكأنما مسح رؤوس اليتامى وغرس االله له بكل شعرةعلى رأسه سبعمائة شجرة تحمل من الحلي والحلل عدد نجوم
السماء ومن أرشد فيه ضالا دفع االله عنه ظلمة القبر وملأ قلبه نورا ومن كظم غيظا كتب من الراضين بقسم االله
تبارك وتعالى ومن شهد جنازة يومعاشوراء فله بكل شيء خلقه االله وهو خالقهدرجات في الجنة ومن ترك فيه
شهوة وأطعمها أخاه المسلم لم يقبض روحه ملك الموت حتى يطعمه من طعام الجنة ويسقيه من شراهبا ومن اغتسل
في يومعاشوراء كان عند االله طاهرا ومن قرأ آية في كتاب االله في ليلةعاشوراء أو في يومها أعطي من الثواب مثل
ما أعطي لإدريس عليه السلام ومن أحيا ليلةعاشوراء فكأنماعبد االله بعبادة الملائكة المقربين ومن بكى يومعاشوراء
أو ليلةعاشوراء أو فاضت عيناه من خشية االله تعالى كتب االله له نصيبا في عبادة الخائفين ومن أتى عالما في يوم
عاشوراء ليسمعه أويتعلم منه مسألة في دينه وما ينفعه لآخرته أعطي مثل ثواب المهاجرين والأنصار وأوجب االله له
الجنة ويكتب له الملكان الحسنات إلى يومعاشوراء من العام الذي يأتي ومن صام يومعاشوراء محتسباعالما بفضله
سخر االله له بكل ساعة من ليله وهناره من ذلك اليوم الذي صامه مائة ألف ملك يدعون له إلى يوم القيامة ومن أراد
صيام يومعاشوراء وأصبح فيه آكلا وهو لا يعلم فليمسك عن الأكل في بقيته وله فضله كاملا إن شاء االله تعالى

بسم االله الرحمن الرحيم
مجلس في الاستعاذة
تفسير الاستعاذة
قال االله تبارك وتعالى { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ باالله إنه هوالسميع العليم } الأعراف ٢٠٠ وقال
تعالى { فإذا قرأت القرآن فاستعذ باالله } النحل ٩٨ المعنى فاستعذ باالله إذا أردت أن تقرأ القرآن أعوذبااللهملاذا
وعياذا ويقال هذاعوذ لي مما أخاف منه أي مجيري والدافع عني وتسمى المرأةعائذا لأهنا تعوذ بولدها
والتعوذ بالقرآن هو الشفاء من آفات الشيطان
وكان النبي {صلى االله عليه وسلم} يتعوذ من آفات كثيرة تواترت هبا الأخبار
وكان رسول االله{صلى االله عليه وسلم} يتعوذ من البخل والجبن والهرم والكسل وعذاب القبر وفتنة الدجال
فتعوذوا مما تعوذ منه نبيكم {صلى االله عليه وسلم} واعتصموا بمولاكم العظيم من كيد الشيطان الرجيم
أعوذ باالله وأحتمي باالله وأستكفي باالله يا قارئ يا تالي بمن تعوذبمن تلوذ بمن تستغيث بمن تستجير بمن تستنصر بمن
تعتصم بمن تحتمي بمن تستكفي إلا باالله
نصائح
اعلم أن المستعيذ باالله من الشيطان الرجيم معتصم بحبل االله المتين
أعوذ باالله من الذنوبوالعصيان أعوذباالله من الضلال والخذلان أعوذ باالله من سخط الرحمن
اعلم يا أخي أن العبد إذا اعتصم بحبل السلطان المخلوق سلم من شرالظالمين فأحرى أن يسلم المستعيذ برب
العالمين من الشيطان العدواللعين
روى عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } من استعاذ باالله في اليومعشر مرات من الشيطان الرجيم وكل االله
به ملكا يذودعنه شر الشيطان كما تذاد الغريبة من الإبل عن الحوض فكيف لا يسلم المستعيذ باالله من الشيطان
والملك يذودعنه بأمر الملك الديان
٣ كيفية الاستعاذة
أعوذ باالله من أكل الحرام أعوذ باالله من ظلم الضعفاء والأيتام أعوذ باالله من ارتكاب الكبائر والآثام أعوذ باالله من
سخط الملك العلام
أعوذ باالله من عدم التوفيق لحسن العمل أعوذ باالله من الركون إلى طول الأمل أعوذ باالله من تمزيق الأعمار في مخالفة
هدي الأبرار ونستعينهعلى تطهير القلوب من طوالع الارتيابوجنايات الاغتياب فإنه داء قد أعيا دواؤهوتعذر
شفاؤه وعم بلاؤه وكما نستعين بهعلى تطهير ضمائرنا من حب الدنيا فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة وأصل كل
بلية فلذلك نسألهعلما نافعا وعملا متقابلاوإيمانا صريحا ويقينا صحيحا
أعوذ باالله من رأي يكون ضلالا أعوذ باالله من عمل يصير حسرة ووبالا أعوذ باالله من نية تعقب وزرا أعوذ باالله من
عزيمة تجلب شرا أعوذباالله من عدم التوفيق أعوذ باالله من ترك التحقيق أعوذ باالله من ترك السعة والرجوع إلى
الضيق
تحذير من الشيطان
عباد االله تفكروا في إخراج أبيكم آدم من الجنة دار الأمان وهبوطه إلى دار الذل والهوان وكان سبب ذلك الملعون
الشيطان
وقد هناكم مولاكم عن طاعته وأمركم بمعصيته فإن في طاعته سخط الرحمن ومعصيته توجب سكنى الجنان ونزول
محل الرضوان
قال االله سبحانهوتعالى { الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء}
البقرة ٢٦٨ فمن أطاعه خذلهوصدهعن الهدى وفتح في قلبه أبواب الضلالةوالردى
قال االله تبارك وتعالى { وكان الشيطان للإنسان خذولا } الفرقان ٢٩ أعوذ باالله من وسواس الصدر أعوذ باالله من
المكر والغدر أعوذ باالله من شتات الأمر أعوذ باالله من قلة الشكر أعوذ باالله من عذاب القبر أعوذ باالله من ترك
المتاب أعوذباالله من شدة العذاب أعوذ باالله من مناقشة الحساب أعوذباالله من غضب رب الأرباب
٥ التعوذعبادة
واعلمواعباد االله أن التعوذ باالله من الشيطان الرجيم هو من أفضل العبادات لأن االله تعالى قد أمرعبده المؤمن أن
يتعوذ به من الشيطان الرجيم في محكم القرآن الكريم
االله االله لا تقرواعين عدوكم الشيطان فإنه يؤديكم إلى عذاب النيران ويصدكم عن دار الخلد وسكنى الجنان
أعوذ باالله من مرديات الأعمال أعوذ باالله من الغي والمحال أعوذباالله من سخط ذي الجلال
واعلموا وفقنا االله وإياكم أن من دخل الحصن سلم من شرالأعداء وصار في حرز ذي النعم والآلاء ومن استعاذ
بالملك الرحمن سلم من شر العدوالشيطان
والاستعاذة أحصن حصن لدين المؤمن من كيد الشيطان الرجيم وأحرز حرز لقلبه من وسواس العدواللئيم
أعوذ باالله من شهادة الزور أعوذ باالله من ركوب الفجور أعوذ باالله من الغي والنفور أعوذباالله من الشيطان المبعد
المثبور أعوذباالله من الركون إلى دار الغرور أعوذ باالله من سخط الملك الغفور
٦ تعوذ النبي{صلى االله عليه وسلم}
روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه كان يقول } اللهم إني أعوذبك من صاحب غفلة وقرين سوء وروح
أذى { أعوذ باالله من شماتة الأعداء أعوذ باالله من خيبة الرجاء أعوذ باالله من عضال الداء أعوذ باالله من مخالفة الهدى
أعوذ باالله من أفعال الردى أعوذ باالله من سخط ذي النعيم والآلاء أعوذباالله من عثرات اللسان
أعوذ باالله من النميمة والخذلان أعوذباالله من الغيبة والبهتان أعوذ باالله من عقوبة الملك الديان ٧
أحاديث في عذاب القبر
روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه مرعلى البقيع فوقف على قبر ثم قال } الآن أقعدوه والآن سألوه والذي
بعثني بالحق لقد ضربوه بأرزبة من نار لقد تطاير قلبه نارا { ثم وقف على قبر آخر فقال مثل مقالتهعلى القبر الأول
ثم قال {صلى االله عليه وسلم} لأصحابه} ولولا أني أخشى على قلوبكم لسألت االله أن يسمعكم من عذاب القبر
مثل الذي أسمع { فقالوا يا رسول االله ما كان فعل هذين الرجلين فقال عليه السلام } أما أحدهما فكان يمشي
بالنميمة بين الناس وكان الآخر لا يستنزه من البول
٨ - أسباب عذاب القبر
وقد روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } لا يعذب أحد في قبره إلا بإحدى ثلاث في الغيبةوالنميمة
والبول { فاالله االله عباداالله تعوذوا باالله من الغيبةوالنميمة والبهتان وأذى الجيران فإن ذلك كله يبعد عن الرحمن
ويقرب من الشيطان ويصد عن الجبان ويؤدي إلى النيران
أعوذ باالله من علة الدين أعوذ باالله من ضعف اليقين أعوذباالله من الشيطان اللعين أعوذباالله من سخط رب العالمين
أعوذ باالله من الشيطان المثبور أعوذ باالله من عذاب القبور أعوذباالله من ترك النعيم والسرور أعوذ باالله من الصد
من دار الحبور أعوذ باالله من عذاب الويل والثبور أعوذباالله من عقوبة من يعلم ما في الصدور
٩ القرآن يأمر بالاستعاذة
واعلمواعباد االله أن من استعاذباالله العظيم من الشيطان الرجيم فقد عمل بالقرآن الحكيم وذلك أن االله تبارك
وتعالى أمره بالاستعاذة من اللعين إبليس في آي كثيرة من القرآن
فمن استعاذ بالملك الوهاب من شر الشيطان الكذاب فقد عمل بالسنةوأحكام الكتاب
والقرآن شافع لمن عمل به وخصم على من لم يعمل به
واعلمواعباد االله أن الشيطان يصدكم عن العمل بالتنزيل ويبعدكم عن الملك الجليل ويلقيكم في معصيته لتصيروا
إلى العذاب الدائم الطويل في اليوم الهائل العبوس الثقيل
٠ لكل أحد الشيطان
روي عن عائشة أم المؤمنين رضي االله عنها أهنا قالت قلت يا رسول االله ما من أحد إلا ومعه شيطان قال نعم قالت
وأنت يا رسول االله قال وأنا إلا أن االله أعانني عليه فأسلم أعوذ باالله من خشوع النفاق أعوذ باالله من البعد والفراق
أعوذ باالله من مخالفة الملك الخلاق أعوذباالله من عذاب يوم التلاق أعوذ باالله من الخلاف بعد الوفاق
وأنشدوا
ويحك عذ باالله ذي الجلال
واجملد والنعماء والإفضال
ثم اتل آيات من القرآن
ووحد االله ولا تبال
أعوذ باالله من عبد شارد أعوذ باالله من شيطان مارد أعوذ باالله من عدو حاسد أعوذباالله من قلب فاسد أعوذباالله
من بدن عن الطاعة متقاعد
واعلمواعباد االله أن االله تبارك وتعالى إذا أراد بعبده خيرا أبعد عنه شيطانه وأعانهعليه ونشطه للطاعة وأزال عن
بدنه الكسل فأقبل العبد عند ذلك على مولاه وأعرض عمن سواه وآثررضاء سيدهعلى هواه فعند ذلك يجعل االله
الجنة العالية مأواه
وإذا أراد بعبده شرا مكن منه شيطانه وسلطهعليه فأبعدهعن طاعة الجبار وكسلهعن عمل الأبرار وحبب إليه
أعمال أهل النار وبغض إليه أعمال أهل دار القرار
١ فرح الشيطان بالعاصي الجاهل
روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } إذا بلغ الرجل أربعين سنة ولم يغلب خيرهعلى شره قبله الشيطان
بين عينيه وقال فديت وجها لا يفلح أبدا فإن من االله وتاب عليه واستنقذه من الضلالة واستخرجه من غمرات
الجهالة يقول الشيطان لعنه االله واويلاه قطع عمره في الضلالة فأقر بالمعصيةعيني ثم أخرجه االله بالتوبة من الجهالة
فأكثر بالتوبة حزني
فاالله االله عباداالله لا تقبلوا وسواس العدوالشيطان وارجعوا بالتوبة إلى موالكم الرحمن فعساه أن يستر ذنوبكم
وعيوبكم بستر الغفران إنه كريم متفضل منان
أعوذ باالله من الشقاوة بعد السعادة أعوذ باالله من الغرة بعد الإرادةوأعوذ باالله من النقصان بعد الزيادة أعوذباالله
من الكفر بعد الإيمان أعوذ باالله باالله من القطيعةوالحرمان أعوذباالله من طاعة الشيطان أعوذ باالله من العقوبة
والهوان أعوذ باالله من نقض العهود أعوذباالله من مخالفة الملك المعبود أعوذ باالله من العذاب الدائم والخلود أعوذ
باالله من سخط ذي الكرم والجود
عباد االله احذروا مكائد الشيطان فإنهعارف بالعيوب بصير بإلقاء العبد في الذنوب له طرق كثيرة إلى الصدور
فاستعيذوا من شره بمولاكم علام الغيوب
أعوذ باالله من قلب لا يخشع أعوذ باالله من عين لا تدمع أعوذ باالله دعاء لا يسمع أعوذباالله من عمل لا يرفع أعوذ
باالله من علم لا ينفع
أعوذ باالله من المصير إلى عذاب االله أعوذباالله من النحيبة من رحمة االله ومن التزين بمعصيته
أعوذ باالله من زيغ القلوب أعوذباالله من تتابع الذنوب أعوذ باالله من ترادف العيوب أعوذ باالله من سخط علام
الغيوب
أعوذ باالله من مضلات الفتن أعوذ باالله من البلاء والمحن أعوذباالله من سخط ذي الجود والمنن
أعوذ باالله من النقص بعد التمام أعوذباالله من التخلف بعد الإقدام أعوذباالله من سخط أحكم الأحكام
٢ جنود إبليس
ذكر في بعض الأخبار أن إبليس لعنه االله يبعث في كل يوم ثلاثمائةوستين عسكرا لإضلال المؤمنين واالله تعالى ينظر
في قلوهبم ثلاثمائة وستين نظرة ففي كل نظرة من نظراته هتلك عسكرا من عساكره فأنى تبقى عسكرللشيطان في
جنب نظرة الرحمن
فاالله االله عباداالله لا تقبلوا وسواس الشيطان المخدوع واستعملوا قلوبكم وصدوركم بالآيات والخشوع وأسيلوا
على ما فرطتم غزيرالدموع
أعوذ باالله من عواقب الخلاف أعوذ باالله من الجرأةوالاستخفاف أعوذباالله من العصيان وقلة الاعتراف
أعوذ باالله من الباطل وشره أعوذباالله من الشيطان ومكره أعوذباالله من العصيان وذكره
أعوذ باالله من فساد القلب أعوذباالله من ترادف الذنب على الذنب أعوذ باالله من سخط الملك الرب
٣ محاورة إبليس لموسى
روي أن الشيطان لعنة االله عليه قال لموسى بن عمران صلوات االله على نبينا وعليه لا تخلون بامرأةغير ذي محرم
فأكون ثالثكما ولا تقضين فأنال منك وإذا هممت بصدقة فبادر إليها فإنك إن لم تبادر إليها فتحت لك في ذلك
سبعين بابا من الفقر أمنعك هبا من الصدقة
وقيل في قول االله عز وجل { الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء واالله يعدكم مغفرة منه وفضلا } البقرة
٢٦٨ الآية
أي يردك الشيطان إلى نفسك ولينسيك اشتغالك بربك وقيل يعدكم الفقر في طلب فوق الكفاف فيكون عندك ما
يكفيك وأنت تحرص على جمع الزيادة وهو الفقراللازم فيردك عن غني الكفاية إلى طلب المزيد وهوالفقر الحاضر
الذي يؤدي صاحبه إلى العذاب الدائم الشديد
وقيل يعدكم الفقر في البذل والعطاء في مرضاة االله عز وجل وهوالغني لأن االله تعالى يعدكم مغفرة وفضلا فينبغي
للعبد أن يذكر منن االله تعالى عليه وإحسانه إليهوإفضاله لديه
٤ أصل البخل والكرم
واعلمواعباد االله أن االله تبارك وتعالى قال في محكم التنزيل على لسان محمد رسولهعليه السلام { ومن يوق شح
نفسه فأولئك هم المفلحون } الحشر ٩ ومن هو بخيل شحيح فليس بواق ولا مفلح
واعلم أن البخل شجرة في النار وأغصاهنا مدلاةعلى الدنيا وهي شجرة الشيطان فمن تعلق بغصن منها قادته إلى
النار
وكذلك الكرم شجرة في الجنة وأغصاهنا مدلاةعلى الدنيا فمن تعلق بغصن منها جذبه إلى النعيم والكرم من أخلاق
الملك الكريم فمن تعلق به فقد أسخط الشيطان الرجيم
ودليل هذا أن االله تبارك وتعالى لم يبعث نبيا قط إلا وهو كريم ولا رأيتم عبدا صالحا إلا وهو كريم
قال فالكرم من أخلاق النبيين والصديقين وهو من أخلاق رب العالمين فاستعملوه بينكم يا معاشر المؤمنينوالمؤمنات
يا أمة محمد خاتم النبيين
أعوذ باالله من عين لا تبكي عليه أعوذ باالله من قلب لا يشتاق إليه أعوذباالله من دعاء لا يصل إليه أعوذباالله من
الذل إلا إليه
٥ نجاة المستعيذ من العذاب
واعلمواعباد االله أن المستعيذ باالله العظيم من الشيطان الرجيم ناج من العذاب الأليم وذلك أن االله سبحانه وتعالى
قال } الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء واالله يعدكم مغفرة منه وفضلا واالله واسع عليم { البقرة ٢٦٨
وإنما يأمركم الشيطان بالفحشاء ليحرق غيره كما أحرق نفسه
قال االله تعالى { ودوا لوتكفرون كما كفروا فتكونون سواء } النساء ٨٩ أعوذ باالله من اللهووالغفلات أعوذ باالله
من العذاب والحسرات أعوذباالله من غضب إله الأرض والسموات
إخواني أطيعوا مولاكم الملك الجليل ودعوا كيد الشيطان المهين الذليل واعملوا بالسنة والتنزيل
٦ خصال الخير عن الإمامعلي
روي عن علي بن أبي طالب كرم االله وجهه أنه قال من جمع ست خصال لم يدع للجنة مطلبا ولا عن النار مهربا
أولها من عرف االله فأطاعه والثانية من
عرف الشيطان فعصاهوالثالثة من عرف الحق فاتبعه والرابعة من عرف الباطل فاجتنبهوالخامسة من عرف الدنيا
فأعرض عنها والسادسة من عرف الجنة فطلبها
فاالله االله عباداالله اجتهدوا في طاعة الرحمن الرحيم
واجتنبوا كيد الشيطان الرجيم
٧ من رأى إبليس من الصحابة والصالحين
روي عن أبي سعيد الخدري رضي االله عنه قال رأيت إبليس اللعين في المنام منكوسا فهممت أن أقرعه بالعصا فقال
لي يا أبا سعيد أماعلمت أني لا أخاف من العصاولا من الأسلحة قال فقلت له يا ملعون فما الذي تخافه قال أخاف
من شيئين أحدهما استعاذة المستعيذين والثاني شعاع معرفة الصادقين
أعوذ باالله ممن لا يشفق على نفسه أعوذ باالله ممن لا يبكي على رمسه أعوذباالله ممن لا يقدم ليومه من أمسه
حكي عن الجنيد رحمه االله عليه أنه قال رأيت إبليس في المنامعريانا يتلاعب بالناس فقلت أما تستحي من الناس
فقال الملعون باالله عليك هؤلاءعندك ناس
لو كانوا من الناس ما تلاعبت هبم كما يتلاعب الصبيان بالكرة فقلت له يا ملعون ومن الناس قال ثلاثة نفربمسجد
الشيرازي كذا سمي المسجد أمرضوا كبدي وأنحلوا جسمي كلما هممت هبم أشاروا إلى االله تعالى فأكاد أن أحترق
قال الجنيد فانتبهت وقد بقي من الليل بقية فخرجت إلى المسجد الذي ذكر الملعون فدخلته فإذا بثلاثة نفر قعود
رؤوسهم في مرقعاهتم فقال لي أحدهم يا أبا القاسم أنت كلما قيل لك شيئا تقبله يا أخي اعلم أن من تعوذ باالله من
الشيطان الرجيم فقد ثبت على الدين القويم وذلك أن االله سبحانه أخبر عن إبليس اللعين { لأقعدن لهم صراطك
المستقيم } الأعراف ١٦ وذلك أنه بعثه االله تعالى قاطعا طريق الدين كما أن اللصوص قطاع لطريق الدنياعلى
المسلمين فإبليس لعنه االله قاطع طريق العقبى ليصدكم عن الحق والهدى فإذا استعذت منه هرب منك ولم يقدرعلى
قطع طريق الدين
٨ وقاية االله من إبليس
قال االله سبحانه{ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ باالله }
الأعراف ٢٠٠ وقال تعالى { إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا } النحل ٩٩ الآية وقد أمراالله تعالى عباده أن
يقولوا في الصلاة سبع عشرة مرة في سبع عشرة ركعة وهي عدد ركعات الفرض { اهدنا الصراط المستقيم }
الفاتحة ٦ فأنى يضرك كيد الشيطان الرجيم
اعلم يا أخي أن البيت المعمور كان في الأرض إلى وقت طوفان نوح عليه الصلاة والسلام فحفظ من الغرق وسلم
من الطوفان ورفع إلى السماء
وقلب المؤمن أفضل من البيت المعمور أكثر من ألف ألف مرة فهو بالحفظ أولى لأن البيت المعمور معمور بعبادة
الملائكة وقلب المؤمن معمور بنظر الخالق إليه فشتان ما بينهما
ذكرعن أبي سعيد أنه قال في قول االله عز وجل { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } الحجر ٤٢ كأنه يقول إن
كان لك عليهم أن تلقيهم في معصية االله فليس لك عليهم أن تمنعهم من مغفرة االله
وقول آخر إن كان للشيطان سلطان في إلقاء العبد في المعصية فأولى أن يكون لمغفرة االله سلطان في تطهير العبد من
الخطية وليست قوة الشيطان بأكثر قوة من مغفرة الرحمن في قلوب أهل الإيمان
أعوذ باالله من كثرة الفساد أعوذ باالله من ظلم العباد أعوذ باالله من غضب رب جواد أعوذ باالله من عذاب يوم التناد
أعوذ باالله من القطع والبعاد
وأنشدوا
أعوذ بالرحمن من موقف
يشهده المؤمن والكافر
} إن كنت بئس العبد يا سيدي
فأنت رب سيد غافر
٩ ضعف الإنسان والشيطان
واعلمواعباد االله أن االله تبارك وتعالى سمى الإنسان ضعيفا وقال في آية أخرى { إن كيد الشيطان كان ضعيفا }
النساء ٧٦ والضعيفان إذا اقتتلا ولم يكن لواحد منهما معين لم يظفر بصاحبه فأمراالله الإنسان الضعيف أن يستعين
بالرب اللطيف من كيد الشيطان الضعيف ليعصمه منه ويعينهعليه
من كان في معونته الإله العظيم لم يضره كيد الشيطان الرجيم من كان في معونته الملك الوهاب لم يضره كيد
الشيطان الكذاب من كان في معونته الملك القهار لم
يضره كيد الشيطان الفرار من كان في معونته الملك الرحمن لم يضره كيد الشيطان وأنشدوا
العبد في كنف الإلهوحفظه
من كل شيطان غوى ساه
إن عاذ بالرحمن عند صباحه
وكذاك إن أمسى بذكراالله
٠ دعاء يعصم من الشيطان
روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } من قال حين يصبح وحين يمسي أعوذباالله العظيم وبوجهه الكريم
وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم قال قرينهعوفيهذا العبد مني اليوم شعر
يا رجائي في بلائي
لا تزل عني خيرك
أنت ربي أنت حسبي
أنا لا أعبد غيرك
أعوذ باالله من عدم الإخلاص أعوذباالله من هول يوم القصاص أعوذ باالله من ترك الاستقامة أعوذ باالله من العذاب
والملامة أعوذباالله من هول يوم القيامة أعوذ باالله من الحسرةوالندامة أعوذ باالله من حرمان الكرامة
١ لماذا حجب االله إبليس
يا أخي إن االله تعالى لما قبح صورة إبليس ولعنه وشوه خلقته وأوحش هيأته وقامته لطف بعباده حيث سترهعنهم
حتى لا تستوحش قلوهبم إذا أبصرته أعينهم ولذلك جعل المولى جل جلاله السماء موضع نظرهم وزينها بعلامات
الرسوم وحفظها من الشيطان الرجيم برواصد النجوم فكأنه قال سبحانه ياعبادي لا يصلح لأبصاركم ما كان
مشوها قبيحا بل يصلح لها ما كان مزينا مليحا هذه معاملته سبحانه وتعالى مع جميع الناس في الدنيا فأولى أن يلطف
بالمؤمنين في العقبى يصون أبصارهم عن النظر إلى النار الكبرى وهي الجحيم ويكرمها بالنظر إلى الدار المزينة وهي
جنة النعيم أعوذ باالله من مخالفة الأحكام
أعوذ باالله من التمادي في الآثام أعوذباالله من معصية السلام أعوذ باالله من عذاب الغرام
٢ زينة السماء
روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } لما خلق االله تبارك وتعالى الجنة قال لها تزيني فازينت ثم قال لها
تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون فجعل االله تعالى السماء في الدنيا موضع نظرك وجعل الجنة المزينة في العقبى موضع
ترغبك فإذا ستراالله تعالى إبليس الملعون في الدنيا وغيبهعن بصرك لئلا يستوحش قلبك بقبح صورته فأولى أن
يسترأعمالك القبيحة من الفسادوالآثام من الفضيحة يوم التنادعلى رؤوس الأشهاد
لطف االله بعباده فسترإبليس عنهم فقال { إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا تروهنم } الأعراف ٢٧ فكأنه سبحانه
وتعالى قال لعبده المؤمن أنا حبيبك الأعظم وإن إبليس عدوك الأعظم فلو رأيته وهو أعظم أعدائك عليك لشق
ذلك عليك فسترتهعنك ليكون حزن الدنيا ونصبهاوترادف همومها وغمومها أهون عليك
وكان أيضا يجتمع عليك مغيب حبيبك الأعظم ورؤيتك عدوك الأعظم فغيب إبليس عنك حتى لا تراه كما لا ترى
حبيبك الأعظم فيكون الأمر أهون عليك
أعوذ باالله من التضليل والتسويف أعوذباالله من الزيغ والتحريف أعوذباالله من سخط الرب اللطيف
حكي عن سهل بن عبد االله التستري رحمة االله عليه قال رأيت إبليس اللعين في المنام فقلت له أي شيء أشد عليك
فقال استعاذة المستعيذ برب العالمين الذي هو أرحم الراحمين
٣ طهارة العاصي ونجاسة المعصية
واعلم يا أخي أن العبد المؤمن وإن أطاع الشيطان بنفسه فهوغير راض بقلبه وإنما مثله كمثل الواقع في نجاسة وبين
يديهغدير ماء طاهر فيكون قلبه مع
الماء وإن كانت نفسه في النجاسة فيكون سببا لطهارته كذلك نفس المؤمن وإن كانت في نجاسة المعصية فإن قلبه مع
االله ومع محبته فيكون ذلك سببا لطهارته من المعصية
والأصل في هذا أن االله تعالى يعامل العبادعلى عقائد قلوهبم كما قال النبي{صلى االله عليه وسلم} } إن االله لا ينظر
إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم { وفي هذا الحديث نكتة حسنة وهو أن المنافق يذكر كلمة التوحيد باللسان
وهو لا يرضاها بالقلب فهو لا يثاب يوم القيامةعلى إقراره باللسان هكذا المؤمن يعمل المعاصي بالإدمان لكنه لا
يرضاها فنرجوأن لا يعاقب شعر
} إني تعوذت بالعظيم
الأول الآخرالقديم {
} ذي الطول والفضل والمعالي الماجد الواحد الكريم {
} من شر نفسي ومن هواها وشر شيطاهنا الرجيم {
أعوذ باالله من شر لا يزول أعوذ باالله من عذاب لا يحول أعوذباالله من مخالفة الرسول
٤ التمسك بالسنة وعدم مخالفتها
عباد االله عليكم بطاعة سيد المرسلين والتمسك بسنة خاتم النبيين وبمخالفة الشيطان اللعين ينجيكم مولاكم من
العذاب المهين
ويدخلكم الجنة مع أوليائه المتقين وتنظروا إلى وجهرب العالمين
وأنشدوا
} أعوذ باالله الذي لم يتخذ ولدا
وقدر الرزق قبل الخلق تقديرا {
} أعوذ باالله العلي مكانه ذي العرش لم نعلم سواه مجيرا {
} من حر نار لا تفتر من لهب من حرها للظالمين سعيرا {
} وكذا السلاسل والعذاب لمن طغى
يدعون فيها حسرة وثبورا {
أعوذ باالله من الملوك العاتية أعوذ باالله من القلوب القاسية أعوذباالله من الهوام العادية أعوذ باالله من اللصوص
الضارية أعوذ باالله من جور السلاطين أعوذ باالله من كيد الشياطين أعوذ باالله من أذى المساكين
إخواننا إياكم ومخالفة السنة فإن ذلك يبعدكم من الجنة
روي عن مجاهد رضي االله عنه أنه قال من ذرية إبليس اللعين ولد يسمى زكبتور وهو صاحب الأسواق يضع فيها
رايته كل يوم
فاالله االله عباداالله لا تبذلوا
مهجتكم للنيران
ولا ترضوا بالزيادة والنقصان في المكيال والميزان فإن ذلك يؤدي إلى عذاب النيران
٥ كيف أهلك النبي عفريتا
روي عن ابن مسعودرضي االله عنه أنه قال كنت مع رسول االله{صلى االله عليه وسلم} وجبريل عليه السلام معه
فجعل النبي {صلى االله عليه وسلم} يقرأ فإذا بعفريت قد أقبل من مردة الجن وفي يده شعلة نار وهو يقرب من النبي
{صلى االله عليه وسلم} فقال جبريل عليه السلام يا محمد ألا أعلمك كلمات تقولها فينكب العفريت لوجهه وتطفأ
شعلته قال له قل أعوذبنور وجه االله الكريم وكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ذرأ في الأرض
وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر طوارق النهار إلا طارقا
يطرق بخير يا رحمن
فقالها النبي {صلى االله عليه وسلم} فكب العفريت على وجهه وطفئت شعلته
٦ سليمان وإبليس
وذكر أن إبليس لعنه االله لقي سليمان {صلى االله عليه وسلم} فقال له سليمان يا ملعون ما أنت صانع بأمة محمد
{صلى االله عليه وسلم} فقال له الملعون يا سليمان لأدعوهنم حتى تكون الدنيا والدرهم أشهى عندهم من شهادة أن
لا إله إلا االله
فتحفظوا رحمكم االله من هذا كله فإهنا حبائل الشيطان
٢٧
نصائح من خطبة الوداع
روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال في خطبة الوداع } أيها الناس إني لكم ناصح أمين ألا وإن إبليس قد
يئس منكم لا تعبدون صنما أبدا ولكن والذي بعثني بالحق ليجعلنكم إبليس لعنه االله أن تعبدوا ألف إله يعبد الرجل
إبله والآخر امرأته والآخرغنمه والآخر حرثه والآخر تجارته والآخر صنعته والآخر مركبه والآخر صديقه يقول
الرجل للرجل كيف حالك فيقول له لولا تجارتي ما كان لي حال والآخر يقول لولا حرثي والآخر يقول لولا امرأتي
والآخر يقول
لولا مركبي والآخر يقول لولا صديقي فينسيه ذكر مولاهويتبعه في دنياه ويقطعهعن أخراه
يا ابن آدم ما اغترارك بمن إليه اضطرارك وما احتقارك بمن إليه افتقارك يا ابن آدم إن كنت بالنهار هائما وبالليل
نائما متى ترضى من كان بأمرك قائما يا ابن آدم توكل على الملك الخلاق الذي يتكفل بقسمة الأرزاق توكل يا
أخي عليه وأسند أمورك إليه فإنه لا يملكهاغيره
٨ أعوان الشيطان من بني آدم
روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال إن للشيطان أعوانا من بني آدم يبعثهم الملعون إلى المؤمنين يشغلوهنم
عن الصلاة وعن الصدقة وعن ذكر االله ويحبب إليهم كسب السحت والحرام والذي بعثني بالحق ليعبدون الدنيا
والدرهم أشد من عبادة الأوثان أعوذباالله من الركون إلى الهوى أعوذباالله من الضلالةوالردى
أعوذ باالله من معصية إله السما
٩ آدم وخروجه من الجنة
ذكر أن عبد االله بن سهل التستري رحمه االله قال لما أخرج آدم من الجنة دار الكرامة والأمان وأنزله إلى دار الذل
والهوان والبلاء والامتحان قال االله تعالى يا ابن آدم أسكنتك في جواري فعصيتنيوأطعت الشيطان وتركتني وعزتي
وجلالي لأسكننك في جواره لتطيعني وتعصيه وتحبني وتبغضه فإذا كان يوم القيامة أقول لك طاعة بطاعة ومعصية
بمحبة ثم أدخلك الجنة
جاء في بعض الأخبار أن االله تبارك وتعالى لما خلق آدم وولده أودع قلبه أربعة أشياء وهي المعرفة والعقل والإيمان
واليقين
فصار خزانةلهذه الأشياء وسلط على قلبه أربعة أعداء وهم إبليس والهوى والنفسوالدنيا وضمن إبليس لأصحابه
الوصول إليها كما قال تعالى في كتابه { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيماهنم وعن شمائلهم } الأعراف
١٧ فلما علم المولى جل جلاله من ضعف ابن آدم وقلة مقدرتهعلى مدافعتهعلمه أربعة أسماء من أسمائه يتحصن هبا
من إبليس وجنوده وهي يا أول يا آخريا ظاهر يا باطن فكأنه قال تعالى يا ابن آدم أنا الأول احفظ معرفتك لي من
بين يديك وأنا الآخر احفظ
عقلك وأنا الظاهراحفظ إيمانك عن يمينك وأنا الباطن احفظ يقينك عن شمالك
٣٠ اختصاص إبليس ببعض الجهات
سئل بعض الحكماء ما الحكمة في أن لم يعط إبليس اثنان من ابن آدم وأعطى أربعة أعطي من بين يديه ومن خلفه
وعن يمنيه وعن شماله من الجهات الأربع لم يعط إبليس أن يأتيه من فوق ولا من تحت قال لأن الأربع جهات تدخلها
المشاركة في الأعمال وفوق موضع نظرالرب جل جلاله إلى قلوب عباده المؤمنين وتحت موضع سجود الساجدين
بين يدي رب العالمين عصمنا االله وإياكم من فتنتهعصمة يدخلنا هبا في رحمته وتاب علينا وعلى جميع المذنبين إنه
تواب رحيم ولا حول ولا قوة إلا باالله العلي العظيم

بسم االله الرحمن الرحيم
مجلس في الاستعاذة
تفسير الاستعاذة
قال االله تبارك وتعالى { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ باالله إنه هوالسميع العليم } الأعراف ٢٠٠ وقال
تعالى { فإذا قرأت القرآن فاستعذ باالله } النحل ٩٨ المعنى فاستعذ باالله إذا أردت أن تقرأ القرآن أعوذبااللهملاذا
وعياذا ويقال هذاعوذ لي مما أخاف منه أي مجيري والدافع عني وتسمى المرأةعائذا لأهنا تعوذ بولدها
والتعوذ بالقرآن هو الشفاء من آفات الشيطان
وكان النبي {صلى االله عليه وسلم} يتعوذ من آفات كثيرة تواترت هبا الأخبار
وكان رسول االله{صلى االله عليه وسلم} يتعوذ من البخل والجبن والهرم والكسل وعذاب القبر وفتنة الدجال
فتعوذوا مما تعوذ منه نبيكم {صلى االله عليه وسلم} واعتصموا بمولاكم العظيم من كيد الشيطان الرجيم
أعوذ باالله وأحتمي باالله وأستكفي باالله يا قارئ يا تالي بمن تعوذبمن تلوذ بمن تستغيث بمن تستجير بمن تستنصر بمن
تعتصم بمن تحتمي بمن تستكفي إلا باالله
نصائح
اعلم أن المستعيذ باالله من الشيطان الرجيم معتصم بحبل االله المتين
أعوذ باالله من الذنوبوالعصيان أعوذباالله من الضلال والخذلان أعوذ باالله من سخط الرحمن
اعلم يا أخي أن العبد إذا اعتصم بحبل السلطان المخلوق سلم من شرالظالمين فأحرى أن يسلم المستعيذ برب
العالمين من الشيطان العدواللعين
روى عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } من استعاذ باالله في اليومعشر مرات من الشيطان الرجيم وكل االله
به ملكا يذودعنه شر الشيطان كما تذاد الغريبة من الإبل عن الحوض فكيف لا يسلم المستعيذ باالله من الشيطان
والملك يذودعنه بأمر الملك الديان
٣ كيفية الاستعاذة
أعوذ باالله من أكل الحرام أعوذ باالله من ظلم الضعفاء والأيتام أعوذ باالله من ارتكاب الكبائر والآثام أعوذ باالله من
سخط الملك العلام
أعوذ باالله من عدم التوفيق لحسن العمل أعوذ باالله من الركون إلى طول الأمل أعوذ باالله من تمزيق الأعمار في مخالفة
هدي الأبرار ونستعينهعلى تطهير القلوب من طوالع الارتيابوجنايات الاغتياب فإنه داء قد أعيا دواؤهوتعذر
شفاؤه وعم بلاؤه وكما نستعين بهعلى تطهير ضمائرنا من حب الدنيا فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة وأصل كل
بلية فلذلك نسألهعلما نافعا وعملا متقابلاوإيمانا صريحا ويقينا صحيحا
أعوذ باالله من رأي يكون ضلالا أعوذ باالله من عمل يصير حسرة ووبالا أعوذ باالله من نية تعقب وزرا أعوذ باالله من
عزيمة تجلب شرا أعوذباالله من عدم التوفيق أعوذ باالله من ترك التحقيق أعوذ باالله من ترك السعة والرجوع إلى
الضيق
تحذير من الشيطان
عباد االله تفكروا في إخراج أبيكم آدم من الجنة دار الأمان وهبوطه إلى دار الذل والهوان وكان سبب ذلك الملعون
الشيطان
وقد هناكم مولاكم عن طاعته وأمركم بمعصيته فإن في طاعته سخط الرحمن ومعصيته توجب سكنى الجنان ونزول
محل الرضوان
قال االله سبحانهوتعالى { الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء}
البقرة ٢٦٨ فمن أطاعه خذلهوصدهعن الهدى وفتح في قلبه أبواب الضلالةوالردى
قال االله تبارك وتعالى { وكان الشيطان للإنسان خذولا } الفرقان ٢٩ أعوذ باالله من وسواس الصدر أعوذ باالله من
المكر والغدر أعوذ باالله من شتات الأمر أعوذ باالله من قلة الشكر أعوذ باالله من عذاب القبر أعوذ باالله من ترك
المتاب أعوذباالله من شدة العذاب أعوذ باالله من مناقشة الحساب أعوذباالله من غضب رب الأرباب
٥ التعوذعبادة
واعلمواعباد االله أن التعوذ باالله من الشيطان الرجيم هو من أفضل العبادات لأن االله تعالى قد أمرعبده المؤمن أن
يتعوذ به من الشيطان الرجيم في محكم القرآن الكريم
االله االله لا تقرواعين عدوكم الشيطان فإنه يؤديكم إلى عذاب النيران ويصدكم عن دار الخلد وسكنى الجنان
أعوذ باالله من مرديات الأعمال أعوذ باالله من الغي والمحال أعوذباالله من سخط ذي الجلال
واعلموا وفقنا االله وإياكم أن من دخل الحصن سلم من شرالأعداء وصار في حرز ذي النعم والآلاء ومن استعاذ
بالملك الرحمن سلم من شر العدوالشيطان
والاستعاذة أحصن حصن لدين المؤمن من كيد الشيطان الرجيم وأحرز حرز لقلبه من وسواس العدواللئيم
أعوذ باالله من شهادة الزور أعوذ باالله من ركوب الفجور أعوذ باالله من الغي والنفور أعوذباالله من الشيطان المبعد
المثبور أعوذباالله من الركون إلى دار الغرور أعوذ باالله من سخط الملك الغفور
٦ تعوذ النبي{صلى االله عليه وسلم}
روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه كان يقول } اللهم إني أعوذبك من صاحب غفلة وقرين سوء وروح
أذى { أعوذ باالله من شماتة الأعداء أعوذ باالله من خيبة الرجاء أعوذ باالله من عضال الداء أعوذ باالله من مخالفة الهدى
أعوذ باالله من أفعال الردى أعوذ باالله من سخط ذي النعيم والآلاء أعوذباالله من عثرات اللسان
أعوذ باالله من النميمة والخذلان أعوذباالله من الغيبة والبهتان أعوذ باالله من عقوبة الملك الديان ٧
أحاديث في عذاب القبر
روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه مرعلى البقيع فوقف على قبر ثم قال } الآن أقعدوه والآن سألوه والذي
بعثني بالحق لقد ضربوه بأرزبة من نار لقد تطاير قلبه نارا { ثم وقف على قبر آخر فقال مثل مقالتهعلى القبر الأول
ثم قال {صلى االله عليه وسلم} لأصحابه} ولولا أني أخشى على قلوبكم لسألت االله أن يسمعكم من عذاب القبر
مثل الذي أسمع { فقالوا يا رسول االله ما كان فعل هذين الرجلين فقال عليه السلام } أما أحدهما فكان يمشي
بالنميمة بين الناس وكان الآخر لا يستنزه من البول
٨ - أسباب عذاب القبر
وقد روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } لا يعذب أحد في قبره إلا بإحدى ثلاث في الغيبةوالنميمة
والبول { فاالله االله عباداالله تعوذوا باالله من الغيبةوالنميمة والبهتان وأذى الجيران فإن ذلك كله يبعد عن الرحمن
ويقرب من الشيطان ويصد عن الجبان ويؤدي إلى النيران
أعوذ باالله من علة الدين أعوذ باالله من ضعف اليقين أعوذباالله من الشيطان اللعين أعوذباالله من سخط رب العالمين
أعوذ باالله من الشيطان المثبور أعوذ باالله من عذاب القبور أعوذباالله من ترك النعيم والسرور أعوذ باالله من الصد
من دار الحبور أعوذ باالله من عذاب الويل والثبور أعوذباالله من عقوبة من يعلم ما في الصدور
٩ القرآن يأمر بالاستعاذة
واعلمواعباد االله أن من استعاذباالله العظيم من الشيطان الرجيم فقد عمل بالقرآن الحكيم وذلك أن االله تبارك
وتعالى أمره بالاستعاذة من اللعين إبليس في آي كثيرة من القرآن
فمن استعاذ بالملك الوهاب من شر الشيطان الكذاب فقد عمل بالسنةوأحكام الكتاب
والقرآن شافع لمن عمل به وخصم على من لم يعمل به
واعلمواعباد االله أن الشيطان يصدكم عن العمل بالتنزيل ويبعدكم عن الملك الجليل ويلقيكم في معصيته لتصيروا
إلى العذاب الدائم الطويل في اليوم الهائل العبوس الثقيل
٠ لكل أحد الشيطان
روي عن عائشة أم المؤمنين رضي االله عنها أهنا قالت قلت يا رسول االله ما من أحد إلا ومعه شيطان قال نعم قالت
وأنت يا رسول االله قال وأنا إلا أن االله أعانني عليه فأسلم أعوذ باالله من خشوع النفاق أعوذ باالله من البعد والفراق
أعوذ باالله من مخالفة الملك الخلاق أعوذباالله من عذاب يوم التلاق أعوذ باالله من الخلاف بعد الوفاق
وأنشدوا
ويحك عذ باالله ذي الجلال
واجملد والنعماء والإفضال
ثم اتل آيات من القرآن
ووحد االله ولا تبال
أعوذ باالله من عبد شارد أعوذ باالله من شيطان مارد أعوذ باالله من عدو حاسد أعوذباالله من قلب فاسد أعوذباالله
من بدن عن الطاعة متقاعد
واعلمواعباد االله أن االله تبارك وتعالى إذا أراد بعبده خيرا أبعد عنه شيطانه وأعانهعليه ونشطه للطاعة وأزال عن
بدنه الكسل فأقبل العبد عند ذلك على مولاه وأعرض عمن سواه وآثررضاء سيدهعلى هواه فعند ذلك يجعل االله
الجنة العالية مأواه
وإذا أراد بعبده شرا مكن منه شيطانه وسلطهعليه فأبعدهعن طاعة الجبار وكسلهعن عمل الأبرار وحبب إليه
أعمال أهل النار وبغض إليه أعمال أهل دار القرار
١ فرح الشيطان بالعاصي الجاهل
روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } إذا بلغ الرجل أربعين سنة ولم يغلب خيرهعلى شره قبله الشيطان
بين عينيه وقال فديت وجها لا يفلح أبدا فإن من االله وتاب عليه واستنقذه من الضلالة واستخرجه من غمرات
الجهالة يقول الشيطان لعنه االله واويلاه قطع عمره في الضلالة فأقر بالمعصيةعيني ثم أخرجه االله بالتوبة من الجهالة
فأكثر بالتوبة حزني
فاالله االله عباداالله لا تقبلوا وسواس العدوالشيطان وارجعوا بالتوبة إلى موالكم الرحمن فعساه أن يستر ذنوبكم
وعيوبكم بستر الغفران إنه كريم متفضل منان
أعوذ باالله من الشقاوة بعد السعادة أعوذ باالله من الغرة بعد الإرادةوأعوذ باالله من النقصان بعد الزيادة أعوذباالله
من الكفر بعد الإيمان أعوذ باالله باالله من القطيعةوالحرمان أعوذباالله من طاعة الشيطان أعوذ باالله من العقوبة
والهوان أعوذ باالله من نقض العهود أعوذباالله من مخالفة الملك المعبود أعوذ باالله من العذاب الدائم والخلود أعوذ
باالله من سخط ذي الكرم والجود
عباد االله احذروا مكائد الشيطان فإنهعارف بالعيوب بصير بإلقاء العبد في الذنوب له طرق كثيرة إلى الصدور
فاستعيذوا من شره بمولاكم علام الغيوب
أعوذ باالله من قلب لا يخشع أعوذ باالله من عين لا تدمع أعوذ باالله دعاء لا يسمع أعوذباالله من عمل لا يرفع أعوذ
باالله من علم لا ينفع
أعوذ باالله من المصير إلى عذاب االله أعوذباالله من النحيبة من رحمة االله ومن التزين بمعصيته
أعوذ باالله من زيغ القلوب أعوذباالله من تتابع الذنوب أعوذ باالله من ترادف العيوب أعوذ باالله من سخط علام
الغيوب
أعوذ باالله من مضلات الفتن أعوذ باالله من البلاء والمحن أعوذباالله من سخط ذي الجود والمنن
أعوذ باالله من النقص بعد التمام أعوذباالله من التخلف بعد الإقدام أعوذباالله من سخط أحكم الأحكام
٢ جنود إبليس
ذكر في بعض الأخبار أن إبليس لعنه االله يبعث في كل يوم ثلاثمائةوستين عسكرا لإضلال المؤمنين واالله تعالى ينظر
في قلوهبم ثلاثمائة وستين نظرة ففي كل نظرة من نظراته هتلك عسكرا من عساكره فأنى تبقى عسكرللشيطان في
جنب نظرة الرحمن
فاالله االله عباداالله لا تقبلوا وسواس الشيطان المخدوع واستعملوا قلوبكم وصدوركم بالآيات والخشوع وأسيلوا
على ما فرطتم غزيرالدموع
أعوذ باالله من عواقب الخلاف أعوذ باالله من الجرأةوالاستخفاف أعوذباالله من العصيان وقلة الاعتراف
أعوذ باالله من الباطل وشره أعوذباالله من الشيطان ومكره أعوذباالله من العصيان وذكره
أعوذ باالله من فساد القلب أعوذباالله من ترادف الذنب على الذنب أعوذ باالله من سخط الملك الرب
٣ محاورة إبليس لموسى
روي أن الشيطان لعنة االله عليه قال لموسى بن عمران صلوات االله على نبينا وعليه لا تخلون بامرأةغير ذي محرم
فأكون ثالثكما ولا تقضين فأنال منك وإذا هممت بصدقة فبادر إليها فإنك إن لم تبادر إليها فتحت لك في ذلك
سبعين بابا من الفقر أمنعك هبا من الصدقة
وقيل في قول االله عز وجل { الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء واالله يعدكم مغفرة منه وفضلا } البقرة
٢٦٨ الآية
أي يردك الشيطان إلى نفسك ولينسيك اشتغالك بربك وقيل يعدكم الفقر في طلب فوق الكفاف فيكون عندك ما
يكفيك وأنت تحرص على جمع الزيادة وهو الفقراللازم فيردك عن غني الكفاية إلى طلب المزيد وهوالفقر الحاضر
الذي يؤدي صاحبه إلى العذاب الدائم الشديد
وقيل يعدكم الفقر في البذل والعطاء في مرضاة االله عز وجل وهوالغني لأن االله تعالى يعدكم مغفرة وفضلا فينبغي
للعبد أن يذكر منن االله تعالى عليه وإحسانه إليهوإفضاله لديه
٤ أصل البخل والكرم
واعلمواعباد االله أن االله تبارك وتعالى قال في محكم التنزيل على لسان محمد رسولهعليه السلام { ومن يوق شح
نفسه فأولئك هم المفلحون } الحشر ٩ ومن هو بخيل شحيح فليس بواق ولا مفلح
واعلم أن البخل شجرة في النار وأغصاهنا مدلاةعلى الدنيا وهي شجرة الشيطان فمن تعلق بغصن منها قادته إلى
النار
وكذلك الكرم شجرة في الجنة وأغصاهنا مدلاةعلى الدنيا فمن تعلق بغصن منها جذبه إلى النعيم والكرم من أخلاق
الملك الكريم فمن تعلق به فقد أسخط الشيطان الرجيم
ودليل هذا أن االله تبارك وتعالى لم يبعث نبيا قط إلا وهو كريم ولا رأيتم عبدا صالحا إلا وهو كريم
قال فالكرم من أخلاق النبيين والصديقين وهو من أخلاق رب العالمين فاستعملوه بينكم يا معاشر المؤمنينوالمؤمنات
يا أمة محمد خاتم النبيين
أعوذ باالله من عين لا تبكي عليه أعوذ باالله من قلب لا يشتاق إليه أعوذباالله من دعاء لا يصل إليه أعوذباالله من
الذل إلا إليه
٥ نجاة المستعيذ من العذاب
واعلمواعباد االله أن المستعيذ باالله العظيم من الشيطان الرجيم ناج من العذاب الأليم وذلك أن االله سبحانه وتعالى
قال } الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء واالله يعدكم مغفرة منه وفضلا واالله واسع عليم { البقرة ٢٦٨
وإنما يأمركم الشيطان بالفحشاء ليحرق غيره كما أحرق نفسه
قال االله تعالى { ودوا لوتكفرون كما كفروا فتكونون سواء } النساء ٨٩ أعوذ باالله من اللهووالغفلات أعوذ باالله
من العذاب والحسرات أعوذباالله من غضب إله الأرض والسموات
إخواني أطيعوا مولاكم الملك الجليل ودعوا كيد الشيطان المهين الذليل واعملوا بالسنة والتنزيل
٦ خصال الخير عن الإمامعلي
روي عن علي بن أبي طالب كرم االله وجهه أنه قال من جمع ست خصال لم يدع للجنة مطلبا ولا عن النار مهربا
أولها من عرف االله فأطاعه والثانية من
عرف الشيطان فعصاهوالثالثة من عرف الحق فاتبعه والرابعة من عرف الباطل فاجتنبهوالخامسة من عرف الدنيا
فأعرض عنها والسادسة من عرف الجنة فطلبها
فاالله االله عباداالله اجتهدوا في طاعة الرحمن الرحيم
واجتنبوا كيد الشيطان الرجيم
٧ من رأى إبليس من الصحابة والصالحين
روي عن أبي سعيد الخدري رضي االله عنه قال رأيت إبليس اللعين في المنام منكوسا فهممت أن أقرعه بالعصا فقال
لي يا أبا سعيد أماعلمت أني لا أخاف من العصاولا من الأسلحة قال فقلت له يا ملعون فما الذي تخافه قال أخاف
من شيئين أحدهما استعاذة المستعيذين والثاني شعاع معرفة الصادقين
أعوذ باالله ممن لا يشفق على نفسه أعوذ باالله ممن لا يبكي على رمسه أعوذباالله ممن لا يقدم ليومه من أمسه
حكي عن الجنيد رحمه االله عليه أنه قال رأيت إبليس في المنامعريانا يتلاعب بالناس فقلت أما تستحي من الناس
فقال الملعون باالله عليك هؤلاءعندك ناس
لو كانوا من الناس ما تلاعبت هبم كما يتلاعب الصبيان بالكرة فقلت له يا ملعون ومن الناس قال ثلاثة نفربمسجد
الشيرازي كذا سمي المسجد أمرضوا كبدي وأنحلوا جسمي كلما هممت هبم أشاروا إلى االله تعالى فأكاد أن أحترق
قال الجنيد فانتبهت وقد بقي من الليل بقية فخرجت إلى المسجد الذي ذكر الملعون فدخلته فإذا بثلاثة نفر قعود
رؤوسهم في مرقعاهتم فقال لي أحدهم يا أبا القاسم أنت كلما قيل لك شيئا تقبله يا أخي اعلم أن من تعوذ باالله من
الشيطان الرجيم فقد ثبت على الدين القويم وذلك أن االله سبحانه أخبر عن إبليس اللعين { لأقعدن لهم صراطك
المستقيم } الأعراف ١٦ وذلك أنه بعثه االله تعالى قاطعا طريق الدين كما أن اللصوص قطاع لطريق الدنياعلى
المسلمين فإبليس لعنه االله قاطع طريق العقبى ليصدكم عن الحق والهدى فإذا استعذت منه هرب منك ولم يقدرعلى
قطع طريق الدين
٨ وقاية االله من إبليس
قال االله سبحانه{ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ باالله }
الأعراف ٢٠٠ وقال تعالى { إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا } النحل ٩٩ الآية وقد أمراالله تعالى عباده أن
يقولوا في الصلاة سبع عشرة مرة في سبع عشرة ركعة وهي عدد ركعات الفرض { اهدنا الصراط المستقيم }
الفاتحة ٦ فأنى يضرك كيد الشيطان الرجيم
اعلم يا أخي أن البيت المعمور كان في الأرض إلى وقت طوفان نوح عليه الصلاة والسلام فحفظ من الغرق وسلم
من الطوفان ورفع إلى السماء
وقلب المؤمن أفضل من البيت المعمور أكثر من ألف ألف مرة فهو بالحفظ أولى لأن البيت المعمور معمور بعبادة
الملائكة وقلب المؤمن معمور بنظر الخالق إليه فشتان ما بينهما
ذكرعن أبي سعيد أنه قال في قول االله عز وجل { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } الحجر ٤٢ كأنه يقول إن
كان لك عليهم أن تلقيهم في معصية االله فليس لك عليهم أن تمنعهم من مغفرة االله
وقول آخر إن كان للشيطان سلطان في إلقاء العبد في المعصية فأولى أن يكون لمغفرة االله سلطان في تطهير العبد من
الخطية وليست قوة الشيطان بأكثر قوة من مغفرة الرحمن في قلوب أهل الإيمان
أعوذ باالله من كثرة الفساد أعوذ باالله من ظلم العباد أعوذ باالله من غضب رب جواد أعوذ باالله من عذاب يوم التناد
أعوذ باالله من القطع والبعاد
وأنشدوا
أعوذ بالرحمن من موقف
يشهده المؤمن والكافر
} إن كنت بئس العبد يا سيدي
فأنت رب سيد غافر
٩ ضعف الإنسان والشيطان
واعلمواعباد االله أن االله تبارك وتعالى سمى الإنسان ضعيفا وقال في آية أخرى { إن كيد الشيطان كان ضعيفا }
النساء ٧٦ والضعيفان إذا اقتتلا ولم يكن لواحد منهما معين لم يظفر بصاحبه فأمراالله الإنسان الضعيف أن يستعين
بالرب اللطيف من كيد الشيطان الضعيف ليعصمه منه ويعينهعليه
من كان في معونته الإله العظيم لم يضره كيد الشيطان الرجيم من كان في معونته الملك الوهاب لم يضره كيد
الشيطان الكذاب من كان في معونته الملك القهار لم
يضره كيد الشيطان الفرار من كان في معونته الملك الرحمن لم يضره كيد الشيطان وأنشدوا
العبد في كنف الإلهوحفظه
من كل شيطان غوى ساه
إن عاذ بالرحمن عند صباحه
وكذاك إن أمسى بذكراالله
٠ دعاء يعصم من الشيطان
روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } من قال حين يصبح وحين يمسي أعوذباالله العظيم وبوجهه الكريم
وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم قال قرينهعوفيهذا العبد مني اليوم شعر
يا رجائي في بلائي
لا تزل عني خيرك
أنت ربي أنت حسبي
أنا لا أعبد غيرك
أعوذ باالله من عدم الإخلاص أعوذباالله من هول يوم القصاص أعوذ باالله من ترك الاستقامة أعوذ باالله من العذاب
والملامة أعوذباالله من هول يوم القيامة أعوذ باالله من الحسرةوالندامة أعوذ باالله من حرمان الكرامة
١ لماذا حجب االله إبليس
يا أخي إن االله تعالى لما قبح صورة إبليس ولعنه وشوه خلقته وأوحش هيأته وقامته لطف بعباده حيث سترهعنهم
حتى لا تستوحش قلوهبم إذا أبصرته أعينهم ولذلك جعل المولى جل جلاله السماء موضع نظرهم وزينها بعلامات
الرسوم وحفظها من الشيطان الرجيم برواصد النجوم فكأنه قال سبحانه ياعبادي لا يصلح لأبصاركم ما كان
مشوها قبيحا بل يصلح لها ما كان مزينا مليحا هذه معاملته سبحانه وتعالى مع جميع الناس في الدنيا فأولى أن يلطف
بالمؤمنين في العقبى يصون أبصارهم عن النظر إلى النار الكبرى وهي الجحيم ويكرمها بالنظر إلى الدار المزينة وهي
جنة النعيم أعوذ باالله من مخالفة الأحكام
أعوذ باالله من التمادي في الآثام أعوذباالله من معصية السلام أعوذ باالله من عذاب الغرام
٢ زينة السماء
روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } لما خلق االله تبارك وتعالى الجنة قال لها تزيني فازينت ثم قال لها
تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون فجعل االله تعالى السماء في الدنيا موضع نظرك وجعل الجنة المزينة في العقبى موضع
ترغبك فإذا ستراالله تعالى إبليس الملعون في الدنيا وغيبهعن بصرك لئلا يستوحش قلبك بقبح صورته فأولى أن
يسترأعمالك القبيحة من الفسادوالآثام من الفضيحة يوم التنادعلى رؤوس الأشهاد
لطف االله بعباده فسترإبليس عنهم فقال { إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا تروهنم } الأعراف ٢٧ فكأنه سبحانه
وتعالى قال لعبده المؤمن أنا حبيبك الأعظم وإن إبليس عدوك الأعظم فلو رأيته وهو أعظم أعدائك عليك لشق
ذلك عليك فسترتهعنك ليكون حزن الدنيا ونصبهاوترادف همومها وغمومها أهون عليك
وكان أيضا يجتمع عليك مغيب حبيبك الأعظم ورؤيتك عدوك الأعظم فغيب إبليس عنك حتى لا تراه كما لا ترى
حبيبك الأعظم فيكون الأمر أهون عليك
أعوذ باالله من التضليل والتسويف أعوذباالله من الزيغ والتحريف أعوذباالله من سخط الرب اللطيف
حكي عن سهل بن عبد االله التستري رحمة االله عليه قال رأيت إبليس اللعين في المنام فقلت له أي شيء أشد عليك
فقال استعاذة المستعيذ برب العالمين الذي هو أرحم الراحمين
٣ طهارة العاصي ونجاسة المعصية
واعلم يا أخي أن العبد المؤمن وإن أطاع الشيطان بنفسه فهوغير راض بقلبه وإنما مثله كمثل الواقع في نجاسة وبين
يديهغدير ماء طاهر فيكون قلبه مع
الماء وإن كانت نفسه في النجاسة فيكون سببا لطهارته كذلك نفس المؤمن وإن كانت في نجاسة المعصية فإن قلبه مع
االله ومع محبته فيكون ذلك سببا لطهارته من المعصية
والأصل في هذا أن االله تعالى يعامل العبادعلى عقائد قلوهبم كما قال النبي{صلى االله عليه وسلم} } إن االله لا ينظر
إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم { وفي هذا الحديث نكتة حسنة وهو أن المنافق يذكر كلمة التوحيد باللسان
وهو لا يرضاها بالقلب فهو لا يثاب يوم القيامةعلى إقراره باللسان هكذا المؤمن يعمل المعاصي بالإدمان لكنه لا
يرضاها فنرجوأن لا يعاقب شعر
} إني تعوذت بالعظيم
الأول الآخرالقديم {
} ذي الطول والفضل والمعالي الماجد الواحد الكريم {
} من شر نفسي ومن هواها وشر شيطاهنا الرجيم {
أعوذ باالله من شر لا يزول أعوذ باالله من عذاب لا يحول أعوذباالله من مخالفة الرسول
٤ التمسك بالسنة وعدم مخالفتها
عباد االله عليكم بطاعة سيد المرسلين والتمسك بسنة خاتم النبيين وبمخالفة الشيطان اللعين ينجيكم مولاكم من
العذاب المهين
ويدخلكم الجنة مع أوليائه المتقين وتنظروا إلى وجهرب العالمين
وأنشدوا
} أعوذ باالله الذي لم يتخذ ولدا
وقدر الرزق قبل الخلق تقديرا {
} أعوذ باالله العلي مكانه ذي العرش لم نعلم سواه مجيرا {
} من حر نار لا تفتر من لهب من حرها للظالمين سعيرا {
} وكذا السلاسل والعذاب لمن طغى
يدعون فيها حسرة وثبورا {
أعوذ باالله من الملوك العاتية أعوذ باالله من القلوب القاسية أعوذباالله من الهوام العادية أعوذ باالله من اللصوص
الضارية أعوذ باالله من جور السلاطين أعوذ باالله من كيد الشياطين أعوذ باالله من أذى المساكين
إخواننا إياكم ومخالفة السنة فإن ذلك يبعدكم من الجنة
روي عن مجاهد رضي االله عنه أنه قال من ذرية إبليس اللعين ولد يسمى زكبتور وهو صاحب الأسواق يضع فيها
رايته كل يوم
فاالله االله عباداالله لا تبذلوا
مهجتكم للنيران
ولا ترضوا بالزيادة والنقصان في المكيال والميزان فإن ذلك يؤدي إلى عذاب النيران
٥ كيف أهلك النبي عفريتا
روي عن ابن مسعودرضي االله عنه أنه قال كنت مع رسول االله{صلى االله عليه وسلم} وجبريل عليه السلام معه
فجعل النبي {صلى االله عليه وسلم} يقرأ فإذا بعفريت قد أقبل من مردة الجن وفي يده شعلة نار وهو يقرب من النبي
{صلى االله عليه وسلم} فقال جبريل عليه السلام يا محمد ألا أعلمك كلمات تقولها فينكب العفريت لوجهه وتطفأ
شعلته قال له قل أعوذبنور وجه االله الكريم وكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ذرأ في الأرض
وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر طوارق النهار إلا طارقا
يطرق بخير يا رحمن
فقالها النبي {صلى االله عليه وسلم} فكب العفريت على وجهه وطفئت شعلته
٦ سليمان وإبليس
وذكر أن إبليس لعنه االله لقي سليمان {صلى االله عليه وسلم} فقال له سليمان يا ملعون ما أنت صانع بأمة محمد
{صلى االله عليه وسلم} فقال له الملعون يا سليمان لأدعوهنم حتى تكون الدنيا والدرهم أشهى عندهم من شهادة أن
لا إله إلا االله
فتحفظوا رحمكم االله من هذا كله فإهنا حبائل الشيطان
٢٧
نصائح من خطبة الوداع
روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال في خطبة الوداع } أيها الناس إني لكم ناصح أمين ألا وإن إبليس قد
يئس منكم لا تعبدون صنما أبدا ولكن والذي بعثني بالحق ليجعلنكم إبليس لعنه االله أن تعبدوا ألف إله يعبد الرجل
إبله والآخر امرأته والآخرغنمه والآخر حرثه والآخر تجارته والآخر صنعته والآخر مركبه والآخر صديقه يقول
الرجل للرجل كيف حالك فيقول له لولا تجارتي ما كان لي حال والآخر يقول لولا حرثي والآخر يقول لولا امرأتي
والآخر يقول
لولا مركبي والآخر يقول لولا صديقي فينسيه ذكر مولاهويتبعه في دنياه ويقطعهعن أخراه
يا ابن آدم ما اغترارك بمن إليه اضطرارك وما احتقارك بمن إليه افتقارك يا ابن آدم إن كنت بالنهار هائما وبالليل
نائما متى ترضى من كان بأمرك قائما يا ابن آدم توكل على الملك الخلاق الذي يتكفل بقسمة الأرزاق توكل يا
أخي عليه وأسند أمورك إليه فإنه لا يملكهاغيره
٨ أعوان الشيطان من بني آدم
روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال إن للشيطان أعوانا من بني آدم يبعثهم الملعون إلى المؤمنين يشغلوهنم
عن الصلاة وعن الصدقة وعن ذكر االله ويحبب إليهم كسب السحت والحرام والذي بعثني بالحق ليعبدون الدنيا
والدرهم أشد من عبادة الأوثان أعوذباالله من الركون إلى الهوى أعوذباالله من الضلالةوالردى
أعوذ باالله من معصية إله السما
٩ آدم وخروجه من الجنة
ذكر أن عبد االله بن سهل التستري رحمه االله قال لما أخرج آدم من الجنة دار الكرامة والأمان وأنزله إلى دار الذل
والهوان والبلاء والامتحان قال االله تعالى يا ابن آدم أسكنتك في جواري فعصيتنيوأطعت الشيطان وتركتني وعزتي
وجلالي لأسكننك في جواره لتطيعني وتعصيه وتحبني وتبغضه فإذا كان يوم القيامة أقول لك طاعة بطاعة ومعصية
بمحبة ثم أدخلك الجنة
جاء في بعض الأخبار أن االله تبارك وتعالى لما خلق آدم وولده أودع قلبه أربعة أشياء وهي المعرفة والعقل والإيمان
واليقين
فصار خزانةلهذه الأشياء وسلط على قلبه أربعة أعداء وهم إبليس والهوى والنفسوالدنيا وضمن إبليس لأصحابه
الوصول إليها كما قال تعالى في كتابه { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيماهنم وعن شمائلهم } الأعراف
١٧ فلما علم المولى جل جلاله من ضعف ابن آدم وقلة مقدرتهعلى مدافعتهعلمه أربعة أسماء من أسمائه يتحصن هبا
من إبليس وجنوده وهي يا أول يا آخريا ظاهر يا باطن فكأنه قال تعالى يا ابن آدم أنا الأول احفظ معرفتك لي من
بين يديك وأنا الآخر احفظ
عقلك وأنا الظاهراحفظ إيمانك عن يمينك وأنا الباطن احفظ يقينك عن شمالك
٣٠ اختصاص إبليس ببعض الجهات
سئل بعض الحكماء ما الحكمة في أن لم يعط إبليس اثنان من ابن آدم وأعطى أربعة أعطي من بين يديه ومن خلفه
وعن يمنيه وعن شماله من الجهات الأربع لم يعط إبليس أن يأتيه من فوق ولا من تحت قال لأن الأربع جهات تدخلها
المشاركة في الأعمال وفوق موضع نظرالرب جل جلاله إلى قلوب عباده المؤمنين وتحت موضع سجود الساجدين
بين يدي رب العالمين عصمنا االله وإياكم من فتنتهعصمة يدخلنا هبا في رحمته وتاب علينا وعلى جميع المذنبين إنه
تواب رحيم ولا حول ولا قوة إلا باالله العلي العظيم
مجلس في ذكر القيامة وأهوالها أجارنا االله منها
٣١ سورة الزلزلة وما تشير إليه
قال االله عز وجل { إذازلزلت الأرض زلزالها } الزلزلة ١ هذه السورة مكية محكمة بالوعد والوعيد يخوف االله
تبارك وتعالى هباعبادهويذكرهم فيها تزلزل الأرض وقيام الساعة لينتهواعما هناهم عنه من العصيان ويمتثلوا ما
أمرهم به من الطاعة والإيمان وخوفهم االله تبارك وتعالى من يوم القيامة ليستعدوالها ولعظيم أهوالها
قال االله سبحانهوتعالى { إذازلزلت الأرض زلزالها } يقول إذا تحركت الأرض بأهلها فزلزلت من نواحيها وارتجت
من مشرقها ومغرهبا فلا تزال كذلك حتى يكسر ماعلى ظهرها من جبل وبناء فلا تسكن حتى يدخل في بطنها جميع
ما خرج منها
وزلزلتها من شدة صوت إسرافيل عليه السلام وذلك إذا فرغت أحيان الدنيا وساعاهتا وشهورها وأوقاهتاوأعوامها
وأيامها وحلالها وحرامها
وذلك إذا خمد الحق وظهرالباطل وترك الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وركبوا المآثم واستحلوا المحارم
وكثر بينهم التظالم وترك الجهاد وظهرالفساد وفشا الربا وكثر اللواط والزنا وركبوا الفواحش والفجور واستعانوا
على ذلك كله بشرب الخموروأمر قوم بالمعروف وتركوه وهنواعن المنكر وفعلوه وكرهوا الحق واتبعوا أهواءهم
وقرئ القرآن فلم يعمل به واسودت القلوب وكثرت الفواحش والعيوب وتزين الفساق بالمعاصي والذنوب فإذا
كانوا كذلك اشتد غضب الجبار جل جلالهعليهم فعند ذلك يقول االله يا إسرافيل انفخ الصعق فينفخ إسرافيل عند
ذلك كما أمره الجبار حل جلاله فتزلزل الأرض من مشرقها إلى مغرهبا وذلك من غضبة يغضبها الجبارعلى المنافقين
والفجار
٣٢ صفة إسرافيل
وإسرافيل عليه السلام ملك عظيم جناح له بالمشرق وجناح له بالمغرب ورجلاه تحت تخوم الأرض السابعة السفلى
بخمسمائةعام والسموات السبع إلى ركبتيه وعنقه ملوي تحت العرش والعرش على كاهله
وقد مد الرجل اليمنى وأخراليسرى واللوح المحفوظ بين عينيه وقد التقم الصور وشخص ببصره نحو العرش
وأنصت بأذنيه ينتظر متى يؤمربالنفخ في الصوروالصور قرن من نور
قال النبي{صلى االله عليه وسلم} } الصور قرن من نوروالذي نفسي بيده إن أعظم ثارة فيه كما بين السماء
والأرض {
وروي عنه{صلى االله عليه وسلم} أنه قال } كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم الصور وحنى جبهتهوشخص
ببصره نحو العرش وأنصت بأذنيه ينتظر متى يؤمر أن ينفخ في الصور فإذا نفخ فيه مات أهل السموات والأرض إلا
أربعة أملاك فإهنم لا يموتون إلا بعد موت الخلائق وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت فمن شدة صوت
إسرافيل تتحرك الأرض من مشرقها إلى مغرهبا فلا يبقى بناء إلا اهندم إلا المساجد فإن أساسها يبقى لا ينهدم لفضلها
عند االله تبارك وتعالى لماعبد فيها ووحد وقرئكلامه فيها وذلك قوله تعالى { كل شيء هالك إلا وجهه} القصص
٨٨ جاء في التفسير أن الأشياء كلها هتلك إلا عملا يراد به وجه االله تعالى والمساجد لا هتلك لأهنا إنما بنيت لوجه
االله تعالى
٣٣ خشية النبي من هبوب الريح
روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه كان إذا هبت الريح تغير لونه وكان يخرجويدخل مرة بعد أخرى من
شدة خوف قيام الساعة وزلزلة الأرض فإذا كان رسول االله {صلى االله عليه وسلم} يخاف هذا الخوف كله وهو
أكرم الخلق على االله فكيف بمن أفنى عمره في السهو
والغفلات وقطع أيامه باللهو والبطلاتوضيع أوقاته في العصيان حتى مات وأنشدوا
هنارك يا مغرور سهو وغفلة
وليلك نوم والردى لك لازم
وشغلك فيما سوف تكرهغبه
كذلك في الدنيا تعيش البهائم
وفعلك فعل الجاهلين برهبم
وعمرك في النقصان بل أنت ظالم
فلا أنت في الأيقاظ يقظان حازم
ولا أنت في النوام ناج وسالم
تسربما يقنى وتفرح بالمنى
كما سر باللذات في النوم حالم
فلا تحمد الدنيا لكن قذمها
ولا تكثر العصيان إنك ظالم
روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } انتهيت ليلة أسري بي إلى السماء السابعة فرأيت إسرافيل قد حنى
جبهته وقدمرجلاوأخرأخرى والعرش على منكبه والصور في فيه بين شدقيه وقد هتيأ للنفخ في الصور فما ظننت
أن أبلغ الأرض حتى تبلغني النفخة كما رأيت من هتيئته للنفخ
سئل رسول االله {صلى االله عليه وسلم} عن إسرافيل فقال } له جناح بالمشرق وجناح له بالمغرب ورجلاه تحت
الأرض السابعة السفلى والعرش على كاهله وإنه ليفكر في كل يوم ثلاث ساعات في عظمة االله تعالى فيبكي من
خوف الجبار حتى تجري دموعه كالبحار فلو أن بحرا من دموعه أذن له أن يسكب لطبق بين السموات والأرض وإنه
ليتواضع ويصغر حتى يصير كالوضع والوضع طير صغير يشبه العندليب والعندليب أصغر ما يكون من الطير فاالله
االله يا معشر من آمن باالله واليوم الآخراستعدوا لقيام الساعة وزلزالها
قال االله تعالى { إذازلزلت الأرض زلزالها } الزلزلة ١ تتحرك الأرض وتتمخضوتتطاير الجبال وتنقلع الشجر
وتنهدم المباني فلا يبقى على ظهرها من جبالها وشجرها ونباهتا شيء إلا دخل في جوفها
قال عكرمة إنما تقوم الساعةعلى شر الخلق
٣٤ متى ينفخ في الصور
قال حذيفة كان الناس يسألون النبي {صلى االله عليه وسلم} عن الخير وكنت أنا أسألهعن الشر مخافة أن يصيبني
فكان النبي{صلى االله عليه وسلم} يقول } في آخرالزمان فتن كقطع الليل المظلم
فإذاغضب االله تعالى على أهل الأرض أمراالله تعالى إسرافيل أن ينفخ نفخة الصعق فينفخ على غفلة من الناس فمن
الناس من هو في وطنه ومنهم من هو في سوقه ومنهم من هو في حرثه ومنهم من هو في سفره ومنهم من يأكل فلا
يرفع اللقمة إلى فيه حتى يخمد ويصعق
ومنهم من يحدث صاحبه فلا يتم الكلمة حتى يموت فتموت الخلائق كلهم عن آخرهم
وإسرافيل لا يقطع الصيحة حتى تغورعيون الأرض وأهنارها ونباهتا وأشجارهاوجبالها وبحارها ويدخل الكل بعضه
في بعض في بطن الأرض والناس خمود صرعى فمنهم من هو صريع على وجهه ومنهم من هو صريع على ظهره
وعلى جنبه وعلى خده ومنهم من يكون اللقمة في فيه فيموت وما أدرك أن يبتلعها وتنقطع السلاسل التي فيها
قناديل النجوم فتستوي بالأرض من شدة الزلزلة وتموتملائكة السبع سموات والحجب والسرادقات والصادقون
والمسبحون وحملة العرش والكرسي وأهل سرادقات اجملد والكروبيون ويبقى جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك
الموت عليه السلام
٣٥ كيف يموت جبريل
يقول الجبار جل جلاله يا ملك الموت من بقي وهو أعلم فيقول ملك الموت سيدي ومولاي أنت أعلم بقي إسرافيل
وبقي جبريل وبقي ميكائيل وبقي عبدك الضعيف ملك الموت خاضع ذليل قد ذهلت نفسه لعظيم ماعاين من
الأهوال
فيقول له الجبار تبارك وتعالى انطلق إلى جبريل فاقبض روحه فينطلق ملك الموت إلى جبريل عليه السلام فيجده
ساجدا راكعا فيقول له ما أغفلك عما يرادبك يامسكين قد مات بنو آدم وأهل الدنيا والأرض والطير والسباع
والهوام وسكان السموات وحملة العرش والكرسي والسرادقاتوسكان سدرة المنتهى وقد أمرني المولى بقبض
روحك فعند ذلك يبكي جبريل عليه السلام ويقول متضرعا إلى االله تعالى يا االله هون علي سكرات الموت
فيضمه ملك الموت ضمة يقبض فيها روحه فيخر جبريل منها صريعا فيقول الجبار جل جلاله من بقي يا ملك الموت
وهو أعلم فيقول مولاي وسيدي بقي ميكائيل وإسرافيل وعبدك الضعيف ملك الموت
٣٦ كيف يموت ميكائيل
فيقول الجبار جل جلاله انطلق إلى ميكائيل فاقبض روحه فينطلق ملك الموت إلى ميكائيل كما أمره االله تعالى فيجده
ينتظر الماء ليكيلهعلى السحاب فيقول له ما أغفلك يامسكين عما يراد بك ما بقي لبني آدمرزق ولا للأنعام ولا
للوحوش ولا للهوام قد مات أهل السمواتوأهل الأرضين وأهل الحجبوالسرادقات وحملة العرش والكرسي
وسرادقات اجملد والكروبيون والصادقون والمسبحون وقد أمرني ربي بقبض روحك فعند ذلك يبكي ميكائيل
ويتضرع إلى االلهويسأله أن يهون عليه سكرات الموت فيحضنه ملك الموت ويضمه ضمة يقبض فيها روحه فيخر
صريعا ميتا لا روح فيه فيقول الجبار جل جلاله من بقي وهو أعلم يا ملك الموت فيقول مولاي وسيدي أنت أعلم
بقي إسرافيل وعبدك الضعيف ملك الموت
٣٧ كيف يموت إسرافيل
فيقول الجبار تبارك وتعالى انطلق إلى إسرافيل فاقبض روحه فينطلق كما أمره الجبار إلى إسرافيل فيقول له ما أغفلك
يا مسكين عما يرادبك قد ماتت الخلائق كلها وما بقي أحد وقد أمرني ربي ومولاي أن أقبض روحك فيقول
إسرافيل سبحان من قهر العباد بالموت سبحان من تفرد بالبقاء ثم يقول مولاي هون علي مرارة الموت فيضمه ملك
الموت ضمة يقبض فيها روحه فيخر ميتا صريعا فلو كان أهل السموات في السماوات وأهل الأرض في الأرض لماتوا
كلهم من شدة رجة وقعته
٣٨ كيف يموت ملك الموت
فيقول الجبار تبارك وتعالى من بقي يا ملك الموت وهو تعالى أعلم فيقول مولاي وسيدي أنت أعلم بمن بقي بقي
عبدك الضعيف ملك الموت فيقول الجبار تعالى وعزتي وجلالي لأذيقنك ما أذقت عبادي انطلق بين الجنة والنار ومت
فينطلق بين الجنة والنار فيصيح صيحة لولا أن االله تبارك وتعالى أمات الخلائق لماتوا من عند آخ هم من شدة صيحته
فيموت فتبقى السموات خالية من أملاكها ساكنة أفلاكها وتبقى الأرض خاوية من إنسها وجنها وطيرها وهوامها
وسباعها وأنعامها ويبقى الملك الله الواحد القهار الذي خلق الليل والنهارفلا ترى أنيسا ولا تحس حسيسا قد
سكنت الحركات وخمدت الأصوات وخلت من سكاهنا الأرضون والسماوات
٣٩ لمن الملك اليوم
ثم يطلع االله تبارك وتعالى إلى الدنيا فيقول يا دنيا أين أهنارك وأين أشجارك وأين سكانك وأين عمارك أين الملوك
وأبناء الملوك وأين الجبابرة وأبناء الجبابرة أين الذين أكلوا رزقي وتقلبوا في نعمتي وعبدواغيري لمن الملك اليوم فلا
يجيبه أحد فيقول تعالى الملك الله الواحد القهار فينظر الجبار جل جلاله إلى عباده موتى من بين صريع على خده ومن
بين بال في قبره ثم يقول يا دنيا أين أهنارك وأين أشجارك وأين سكانكوأين عمارك وأين الملوك وأين الجبابرة لمن
الملك اليوم فلا يجيبه أحد فيقول االله تعالى الله الواحد القهار فتبقى الأرضون والسموات ليس فيهن من ينطق ولا من
يتنفس ما شاء االله من ذلك وقد قيل تبقى أربعين يوما وهو مقدار ما بين النفختين ثم بعد ذلك ينزل االله تبارك وتعالى
من السماء السابعة من بحر يقال له بحر الحيوان ماؤه يشبه مني الرجال ينزله ربنا أربعين عاما فيشق ذلك الماء
الأرض شقا فيدخل تحت الأرض إلى العظام البالية فتنبت بذلك الماء كما ينبت الزرع بالمطر
٤٠ كيفية بعث الموتى
قال االله تعالى { وهوالذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته} الأعراف ٥٧ إلى قوله { كذلك نخرج الموتى }
الأعراف ٥٧ الآية كما أخرج النبات بالمطر كذلك يخرج الموتى بماء الحياة فتجتمع العظام والعروق واللحوم
والأشعار فيرجع كل عضو إلى مكانه الذي كان فيه في دار الدنيا فتلتئم الأجساد بقدرة الجبار جل جلاله وتبقى بلا
أرواح ثم يقول الجبار جل جلاله ليبعثن إسرافيل فيقوم إسرافيل عليه السلام حيا بقدرة االله تعالى فيقول له الجبار يا
إسرافيل التقم الصور وازجرعبادي لفصل القضاء فأول ما يحيي االله تبارك وتعالى إسرافيل ويأمره أن يلتقم الصور
٤١ صفة الصور
والصور قرن من نور فيه أثقاب على عددأرواح العباد فتجتمع الأرواح كلها فتجعل في الصور
٤٢ أين يقف إسرافيل
ويأمر الجبار إسرافيل أن يقومعلى صخرة بيت المقدس وينادي في الصور وهو في فيه قد التقمه والصخرة أقرب ما
في الأرض إلى السماء وهو قوله تعالى { واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب } ق ٤١ ويقول إسرافيل في ندائه
أيتها العظام البالية واللحوم المتقطعةوالأشعار المتبددة والعروق المتمزقة لتقمن إلى العرض على الملك الديان
ليجازيكن بأعمالكن فإذا نادى إسرافيل عليه السلام في الصور خرجت الأرواح من أثقاب الصور فتنتشر بين
السماء والأرض كأهنا النحل يخرج من كل ثقب روح ولا يخرج من ذلك الثقب غيره فأرواح المؤمنين تخرج من
أثقاهبا نائرة بنور الإيمان وبنور أعمالها الصالحة وأرواح الكفار تخرج مظلمة بظلمات الكفروإسرافيل يديم الصوت
والأرواح قد انتشرت بين السماء والأرض ثم تدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد فيدخل كل روح جسده الذي
فارقه في دار الدنيا فتدب الأرواح في الأجساد كما يدب السم في الملسوع حتى ترجع إلى أجسادها كما كانت في
دار الدنيا ثم تنشق الأرض من قبل رؤوسهم فإذاهم قيامعلى أقدامهم ينظرون إلى أهوال يوم القيامة وإسرافيل
عليه السلام ينادي هبذا النداء لا يقطع الصوتويمدهمدا والخلائق يتبعون صوته والنيران تسوق الخلائق إلى أرض
القيامة
٤٣ ملازمة الأعمال للأجساد
فإذا خرجوا من قبورهم خرج مع كل إنسان عمله الذي عمله في الدنيا لأن عمل كل إنسان يصحبه في قبره فإن
كان العبد مطيعا لربه وعمل عملا صالحا كان أنيسه في الدنياويكون أنيسه إذا خرج من قبره يوم حشره يؤنسه من
الأهوال ومن هموم القيامة وكروهبا كلما نظرالعبد المؤمن إلى نار أو إلى هول من أهوال القيامة جزع فيقول له
عمله يا حبيبي ماعليك من هذا شيء ليس يراد به من أطاع االله وإنما يراد به من عصى االله تعالى مولاه ثم كذب
بآياته واتبع هواه وأنت كنت عبدا
مطيعا لمولاك متبعا لنبيك تاركا لهواك فماعليك اليوم من هم ولا حزن حتى تدخل الجنة
٤٤ العمل السوء وهيأته
وإذا كان العبد خاطئا وعاصيا لذي الجلال ومات على غير توبة وانتقال فإذا خرج المغرور المسكين من قبره خرج
معهعمله السوء الذي عمل في دار الدنيا وكان قد صحبه في قبره فإذا نظرإليه العبد المغتربربه رآه أسودا فظيعا
فلا يمرعلى هول ولا نار ولا شيء من هموم القيامة إلا قال لهعمله ياعدو االله هذا كله لك وأنت المراد به
وأنشدوا
أي يوم يكون يوم النشور
يوم فيه يفوز أهل القبور
يوم فيه الجزاء جنةعدن
لمطيع ومن عصى في سعير
خاب من قد عصى وفاز مطيع
راقب االله في جميع الأمور
قام في الليل للإله ذليلا
ليس يخلو من خوفه للقدير
خاف من عظم يوم هول شديد
شدة الهول من عذاب الزفير
فاالله االله عباداالله معشر المريدين انتبهوا من هذا المنام واهجروا الفواحش والآثام وارجعوا إلى طاعة الملك العلام من
قبل أن يأتي يوم تشقق السماء فيه بالغمام
٤٥ إخراج الأرض ما فيها
قال االله تعالى { وأخرجت الأرض أثقالها} الزلزلة ٢ يعني ما فيها من الموتى والكنوز وما أودعها من أعمال العباد
ومن مخبآت أسرارهم من أعمال الطاعة وأعمال العصيان
فيأمر االله تعالى أن تخرج أعمال العباد وذلك أن العبد إذا خرج من قبره يجد عملهعلى شفير قبره فإن كان عمله
صالحا وجده نورا يستره ويحجبه يسترعورته من أعين الناس ويحجبهعن النيران التي تسوق الناس إلى أرض القيامة
وإن كان عملا سيئاوجده ظلمة سوداء تكون عليه أشد من كل هول يلقاه من أهوال يوم القيامة
هذا كله في النفخة الثانيةوبين النفخة الأولى والثانية أربعون سنة فهو قوله { وأخرجت الأرض أثقالها }
فمثل لنفسك يا مغرور وقد ترادفت عليك الهموم والكروب وأحاطت بك الأهوال والخطوب وأظهرت لك
القبائح والعيوب وأثقلت ظهرك الأوزار والذنوب وأنشدوا
قد سودت وجهي المعاصي
وأثقلت ظهري الذنوب
أورثني ذكرها سقاما
فليس لي في الورى طبيب
يا شؤم نفسي غداة حشري
إذا أحاطت بي الكروب
وصوت داع دعا باسمي
أين مفري وما أجيب
هذا كتاب الذنوب فأقرأ
فعندها تظهرالعيوب
ذكر أن العبد إذا خرج من قبره وجد عمله السوء حزمة وملك من ملائكة العذاب واقف عليها فإذا نظرإلى ما
قدم في أيامه قال له الملك ياعدواالله خذ عملك فاحملهعلى ظهرك كما كنت تلتذ به في الدنيا ولم تراقب مولاك
وقد علمت أنه مطلع عليك ويراك فيأخذ العبد المسكين تلك الحزمة فيجدهاعلى ظهره أثقل من جبال الدنيا والنار
تسوقه إلى الموقف وملك يسوقه سوقا حثيثا بالعنف والانتهار والإغلاظ عليه وآخر يشهد عليه مع علم االله تعالى فيه
وأنشدوا
كيف احتيالي إذا جاء الحساب غدا
وقد حشرت بأثقالي وأوزاري
وقد نظرت إلىصحفي مسودة
من شؤم ذنب قديم العهد أوطاري
وقد تجلى لهتك الستر خالقنا
يوم المعاد ويوم الذل والعار
يفوز كل مطيع للعزيزغدا
بدارعدن وأشجار وأهنار
لهم نعيم خلود لا نفاذ له
يخلدون بدار الواحد الباري
ومن عصى في قرار النار مسكنه
لا يستريح من التعذيب في النار
فابكوا كثيرا فقد حق البكاء لكم
لا يستريح من التعذيب بدمع واكف جاري
فاالله االله يا أولي الألباب تفكروا في هول يوم الحساب ولا تنسوا المطالبة بردالجواب وأشفقواعلى أنفسكم من أليم
العذاب وأرجعوا إلى طاعة رب الأرباب وابكواعلى ما سلف من ذنوبكم بانتحاب٤٦
مدة النفخ في الصور
ذكر أن إسرافيل عليه السلام لا يقطع النداء في الصور حتى تخرج الأرض
جميع ما فيها من الموتى ومما أودعها االله تعالى من شيء فإذا كمل العباد في الموقف وكل إنس الأرض وجنها
ووحوشها ودواهبا وطيرها وأنعامها وهوامها حتى الذباب قطع إسرافيل النداء بأمراالله تعالى وذلك بعد تبديل
الأرض غير الأرض والسموات ففي تبديلها قولان
٤٧ هيأة أرض الحساب
أحدهما أن الأرض التي يحاسب العبادعليها هي أرض من فضة بيضاء لا جبل فيها ولا بناء ولا بحار ولا أهنارولا
أشجار ما سفك عليها دم ولا عصى االله تعالى عليها يأتي هبا من غامض علمه ويقول لها كوني فتكون وقد أضرم
تحتها النيران وتكون هذه الأرض في عظم تلك الأرض مثل الشعرة البيضاء في الثور الأسود
وقد قيل إن تبديل الأرض هدم مبانيها وغور مياهها وانقطاع أشجارها وتسجير بحارها وتسيير جبالها وتبديل
السماء وتكوير شمسها وقمرها وانكدار نجومها وتعطيل أفلاكها وتشققها
فهذه تبديل الأرض والسماوات واالله أعلم بحقيقةذلك
٤٨ كيف يقف الناس في المحشر
فإذا قطع إسرافيل عليه السلام النداء وقف الخلائق كل واحد منهم ينظر إلى السماء ولا يرتد إليه طرفه ولا يدري
أحد من يقف بجواره لا رجل ولا امرأة ولا يدري الأخ بأخيهولا الوالد بولده ولا الأم بابنها
كل إنسان منهم مشغول بما هو فيه من عظيم الأهوال وكل واحد منهم يفكر فيما قد جاء به من العصيان وفرط
فيه من الطاعة والنسيان فالكل ينظر إلى ما ينزل به الأمر من السماء من شقاوة أو سعادة
٤٩ مقدار زمن الحشر
ويقال واالله أعلم إن الوقوف يكون مقدار ثلاثمائة سنة من سنين الدنيا لا خبر يتنزل ولا خبر يصعد
قد كثر الزحام فلا تسمع إلا همس الأقدام حيارى نادمون فيما فرطوا فيه من استزلال القدم يومئذ لا ينفع البكاء
ولا الندم
ليس في الدنيا لمن آمن
بالبعث سرور
إنما يفرح بالدنيا
جهول أو كفور
إنما يفرح بالدنيا
جهول أو كفور {
} فتذكر هول يوم السما فيه تمور
٥٠ بكاء النبي من أهوال القيامة
روي عن رسول االله {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } خوفني جبريل عليه السلام من أهوال يوم القيامة حتى أبكاني
فقلت له حبيبي جبريل أليس قد غفر االله لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر فقال يا محمد لتشاهدن من الأهوال يوم
القيامة ما ينسيك المغفرة فبكى رسول االله{ صلى االله عليه وسلم} حتى بلت دموعه لحيته فإذا كان رسول االله
{صلى االله عليه وسلم} يبكي من هول يوم الحساب وقد أمنه الجبار من أليم العذاب ووعده بالجنة وحسن المآب
فكيف بأمثالنا المساكين وكيف بمن ترك الحق والصواب وخالف السنةوالكتابوأطاع الشيطان وأفنى عمره في
معصية الملك الوهاب وقد قيل في قوله تعالى { كلا إذا دكت الأرض دكا دكا } الفجر ٢١ هو تحريكها وقيل دكا
دكا إذهابا
٥١ معنى دك الأرض وانشقاقها
سئل بعض العلماءعن معنى تكرار هاتين الكلمتين دكا دكا وصفا صفا فقال تدكدك الأرض دكا بعد دك أي تحرك
مرة بعد أخرى حتى لا يبقى عليها أثر من بناء أو جبل أو شجر
وقوله صفا صفا تأتي الملائكة صفا بعد صف كل ملك قد شغل بنفسه لعظم ما يرى من ظهور الأهوال
فإذا كثرزلزال الأرض { وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة } الحاقة ٤١ حتى تنقطع الجبال من أصولها
وتنشق الأرض وتغور فيها أهنارها وعيوهنا ويدخل فيها كل قصر شديد من بين قديم وجديد فيا له من يوم ما أهوله
ومن بلاء ما أطوله ومن جبار ما أعدله
قد أفنى العباد بالحمام فلا يرى أحد من الأنام
فإذا استوى الأولون والآخرون في أرض القيامة أمراالله تبارك وتعالى السموات أن تنشق فتنشق كل سماء وتنقطع
مثل قطع السحاب وقيل كما يتطاير القطن بين يدي القطانين إذا ندفوه
فمثل لنفسك صوت انشقاقها في سمعك وكيف يثبت له فؤادك ويستقر لفظاعة هوله قدمك فقدم في أيام حياتك ما
يقيك تلك الأهوال لأن الخلق في أهوال يوم القيامةعلى قدر أعمالهم في الدنيا من خير وشر فمن عمل صالحا
وخاف من ربه وخاف من هول ذلك اليوم آمنه مولاه من جميع أهواله وكروبه ومن لم يقدم في دنياهعملا صالحا
لأخراه لقيته صعاب الخطوب وترادفت عليه الهموم والكروب فيندم حين لا تنفعه الندامة إذا حل في أهوال القيامة
٥٢ الأمن والخوف
روي عن رسول االله {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } يقول االله تبارك وتعالى إذا خافني عبدي في الدنيا آمنته يوم
القيامةوإذا آمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة { فإذا انشقت السموات بلغت القلوب الحناجر وأيقن كل عبد وأمة
أنه قادمعلى ماعمل في الظواهر والسرائر إذا انشقت السماوات عظمت المصائب وكثرت النوائبوندم العبد
على ما فرط في الدنياوضيع من الثواب والرغائب
فإذا انشقت السماوات عظمت الرزيات وكثرت الآفات وظهرالعذاب وحلت العقوباتوأظهراالله مخبآت
السريرات وندم العبد المغرورعلى ما أذنب في الأيام والأوقات وما جنى في الشهوروالساعات
فإذا انشقت السماوات كثرت الأحزان وبرزت النيران وأزلفت الجنان وندم العاصي على ماعمل من العصيان
وعلى ما فرط فيه من طاعة الرحمن فانتبهوالهذه الأهوال يا معشرالأخوان يا أهل الإسلام والإيمان فإن الهول واالله
عظيم والخطب كبير جسيم
٥٣ ملائكة سماء الدنيا
فإذا انشقت السماواتوتقطعت ونزلت الملائكة بأجمعها فإذا نزلتملائكة سماء الدنيا فزع منهم أهل الأرض
وظنوا أهنم قد أمر فيهم بأمر فتقول لهم ملائكة سماء الدنيا لا تجزعوا منا فإنا نخاف من الذي تخافون وتكون ملائكة
سماء الدنيا أكثر من أهل الأرض إنسهاوجنهاوأنعامها وطيرها ووحشها وجميع ما خلق برها وبحرها سبعين ضعفا
فتبقى العباد يموج بعضهم في بعض
٥٤ ملائكة السماء الثانية
ثم تنزل ملائكة السماء الثانية وهم أكثرعددا وأعظم خلقا ممن اجتمع في الأرض سبعين ضعفا فتجزع منهم ملائكة
سماء الدنيا وجميع من في الأرض فيقولون لهم لا تجزعوا نحن مشغولون بأنفسنا ونخاف مما تخافون منه
فلا تزال ملائكة كل سماء تنزل ويجزع منهم جميع من سبقهم ويكون أهل كل سماء أكثر وأعظم ممن سبقهم سبعين
ضعفا
وكأن أهل كل سماء في صف واحد على حدة كل واحد منهم قد شغل بنفسه من عظيم ما يرى وما يبدو له
وأنشدوا
ياغافلين أفيقوا قبل بعثكم
وقبل يؤخذ بالأقدام واللم
والناس أجمع طرا شاخصون غدا
لا ينطقون بلابكم ولا صمم
والخلق قد شغلوا والحشر جامعهم
واالله طالبهم بالحل والحرم
وقد تبدى لأهل الجمع كلهم
وعد الآله من التعذيب والنقم
وكل نفس لدي الجبار شاخصة
لا ينطقون بلا روح من الزحم
٥٥ الجبابرة في الحشر كالذر
روي أن الجبابرة يحشرون يوم القيامةعلى صورة الذر أصغرالناس خلقة لتجبرهم على العباد في الدنيا قد صارت
العزة للغني الحميد ولزمت الذلة كل جبارعنيد وشيطان مريد قد ترادفت عليهم الهموم والأهوال وظهرت لهم
العقوبات والأنكال وندم كل مذنب بطالفحينئذ لا حيلة لمحتال في يوم لا بيع فيه ولا خلال شعر
} مقام المذنبين غداعسير إذا ما النار قرهبا القدير
وقد نصب الصراط لكي تجوزوا فلا ينجوالكبير ولا الصغير
وقد نسفت جبال الأرض نسفاويبست البحور فلا بحور
وبرزت الجحيم لكل عبد على أهل المعاد لها زفير
عباد االله تفكروا واعتبروا وابكوا وتباكوا
واستعدوا لليوم الثقيل والهول الكبير والخطب الجليل والعذاب الشديد الطويل
٥٦ حديث في أهوال يوم القيامة
ذكر في بعض الأخبارعن النبي المصطفى المختار{صلى االله عليه وسلم} وعلى آله الأخيار
دوام اختلاف الليل والنهار أنه قال } ليوم القيامة مائة ألف هول كل هول أعظم من الموت مائة ألف مرة { فاندم
يا مسكين على ما صنعت وفات وأصلح بالتوبة النصوح ما هو آت من قبل أن تأتي يوم لا مرد له من االله ليس
للظالمين من نصير ولا للعاصين من مجير ولا لأحد من ملجأ ولا نكير
٥٧ شدة الحروالظل
فإذا تكامل أهل السموات وأهل الحجب والسرادقات وحملة العرش والكرسي وجميع أهل الأرض في عرصة يوم
القيامةوازدحمت الخلائق واختلفت الأقدام وشخصت الأحداق وتطاولت الأعناق وانثنت من شدة العطش واجتمع
زحام الخلائق وأنفاسهم وشدة حرالشمسوضيق البأس ارتفع العرق على وجه الأرض حتى يعلوعلى الأبدان
ويعم العبادعلى قدر منازلهم ورتبتهم التي أنزلتهم عليها أعمالهم التي عملوها في دار الدنيا وقد زيد في حرالشمس
ما يتضاعف قيل حرعشر سنين ولا ظل يومئذ إلا ظل العرشفلا يصيب منهعبد ولا أمة إلا على قدرعمله فكم
بين مستظل ناعم بظل العرش وبين صاح باد بحرالشمس
٥٨ مطر الرحمة
وقد قيل إن االله تبارك وتعالى يمطر يوم القيامة الغيث على طائفة من عباده وترمي جهنم شررهاعلى طائفة أخرى
فكم من مستريح ببرد ماء الأمطار وبين ملتهب بحر شرر النار فمن قطع عمره في الدنيا بطاعة الرحمن وعمل بالسنة
والقرآن خلصه مولاه من جميع الهموم والأحزان
٥٩ ترهيب من أهوال الحشر
فمثل لنفسك وقد نظرت للجبال قد تقلعت من أصولهاوصارت مثل السراب وتقطعت السماوات وتطايرت مثل
قطع السحاب وقد أيقن كل فاجر وكافر بالحلول في أليم العذاب وقد صارت العزة لذي البطش الشديد ولزمت
الذلة كل جبارعنيد ثم رجعت السماء كالمهل وهو دردي الزيت الذي يجلس في قعر الإناء قيل ترجع السماء
كالدهن الرقيق وترجع الجبال كالعهن المنفوش وهو أضعف ما يكون من الصوف وتصير الخلائق كالفراش وهو
البعوض وقيل كالجراد
المنتشرإذا خرجت عليه الشمس لا يأخذ بجهة واحدة كذلك الخلق يموج بعضهم في بعض لكل امريء منهم يومئذ
شأن يغنيه
قد اجتمعت القيامة بأهوالها ووضعت الحوامل أحمالها وزلزلت الأرض زلزالهاوأخرجت الأرض أثقالها وشهد على
الأمم بأعمالها وشاب الوليد وحضرالوعد وحق الوعيد وعظم الهول الشديد وذل كل متكبر وجبارعنيد
قد خضعت الرقاب لرب الأرباب وخاب كل كفار كذاب واشتد الهول وعظم العذاب فتفكروا فيما تسمعون يا
معشر الأحباب وانظروا لأنفسكم يا جماعة الإخوان والأصحابواستعدوا لأهوال القيامة يا أولي العقول والألباب
وأنشدوا
مثل لقلبك أيها المغرور
يوم القيامةوالسماء تمور
قد كورت شمس النهار وأضعفت
حراعلى روسالعبادتقور
وإذا الجبال تعلقت بأصولها
فرايتها مثل السحاب تسير
وإذا النجوم تساقطت وتناثرت
وتبدلت بعد الضياء كدور
وإذا العشار تعطلت عن أهلها
خلت الديار فما هبا معمور
وإذا الوحوش لدى القيامة أحضرت
وتقول للأملاك أين نسير
فيقال سيروا تشهدون فضائحا
وعجائبا قد أحضرت وأمور
وإذا الجنين بأمه متعلق
خوف الحساب وقلبه مذعور
} هذا بلا ذنب يخاف لهوله
كيف المقيم على الذنوب دهور
٦٠ جهنم في المحشر
فإذا اشتد الفرق وسال العرق أمر الجبار جل جلاله أن يؤتى بجهنم أعاذنا االله وإياكم منها وزحزحناوإياكم عنها
برحمته فيؤتى هبا وأهوالها وأنكالها وسلاسلهاوأغلالها وقد اشتد جحيمها وغلا حميمها وكثر زقومها وغضب زبانيتها
وعظم سم حياهتا وعقارهباواسودت جبالها وهاجت بحارهاونتن غسلينها وغلى سمومها وقد اجتمعت مما خلق االله
فيما من عظيم بلائها فأبرزت للخلائق وهم ينظرون إليها من مسيرة خمسمائةعام
٦١ وصف جهنم
قال االله تعالى { وبرزت الجحيم لمن يرى } النازعات ٣٦ فيراها
الخلائق كلها وهي تغتاظ على العباد وتغضب لغضب الجبار جل جلاله وتتغيظ وتتسعرعليها سبعون ألف زمام من
حديد قد تعلق بكل زمام سبعون ألف ملك من ملائكة النار يحبسوهناعن الخلائق وهي تريد أن تنفلت من أيديهم
وتأتي على أهل الموقف والملائكة التي يحبسوهنا وجوههم مثل الجمر وأعينهم مثل البرق الخاطف فإذا تكلم أحدهم
تناثرت النار من فيه بيد كل واحد منهم أرزبة من حديد من نار فيها إثنان وسبعون ألف رأس من نار كأمثال الجبال
الراسيات العظام ورؤوسها كرؤوس الأفاعي وهي أخف في يدي الملك من الريشة وأعينهم زرق ووجوههم كلحة
قد خلقوا من نار السموم فتريد جهنم أن تنفلت من أيدي الملائكة من غضب الجبار جل جلاله
هذا كله قاله الضحاك عن الأئمةعن ابن عباسرضي االله تعالى عنهم
٦٢ بطش جهنم
فإذا جاءت جهنم بأمراالله تبارك وتعالى جاءت بالهول الأكبر والفزع الأعظم فيخرج من نفسها وهج شديد ويسمع
من جوفها دوي سلاسل الحديد
فإذا قربت من الخلائق سمعوا لها شهيقا ورأوا لها حريقا فإذا نظرت في أهل المعاصي ثارت وفارت وأرادت أن تثب
عليهم فاغتاظت وتمحمحت إليهم وأرادت أن تأتي على جميع الخلائق وتريد أن تنفلت من أيدي الخزان فتهرب
الخلائق فلا يجدون منفذا ولا مكانا يستغيثون إليه ومنادي ينادي { يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا
من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان } الرحمن ٣٣ أي بحجة ثم ترجع جهنم بسلطاهناعلى
خزاهنا لشدةغضب الجبارعلى من عصى االله وخالف رسوله فإذا انفلتت من أيدي الزبانية أرادت أن تقبض على
كل من في الموقف فيعرض لها صلوات االلهوسلامهعليه محمد الرسول وكل نبي يومئذ بنفسه مشغول
٦٣ رد الرسول جهنم عن الخلائق
فيأخذ محمد {صلى االله عليه وسلم} بزمامها ويقبض على خطامها فيردهاعلى عقبها وهو{صلى االله عليه وسلم}
يقول لها كفي عن أمتي فتخمد من نوره{صلى االله عليه وسلم} وتناديه أيها النبي المكرم والرسول المشرف المعظم
خل سبيلي من يديك فما جعل االله لي ولا لغيري من سلطان
عليك فيناديها الملك الجليل الجبار هذا محمد حبيبي سيد الأبرار ووزيرالأخيار فالطاعة لمن له الوسيلة والشفاعة
فعند ذلك تضع جهنم رأسها خاضعة كالحة كليلة تحت سكون وخمود بإذن الملك المعبود لمحمد {صلى االله عليه
وسلم} صاحب الحوض المورود والمقام المحمودواللواء المعقود والكرم والجود وإقامة الحقائق والحدود
ولو تركها خاتم النبيينوسيد المرسلين لأهلكت الخلائق أجمعين غضبا لغضب رب العالمين
أعاذنا االلهوإياكم برحمته منها إنه أرحم الراحمين
٦٤ جهنم وزفيرها
وقيل إن جهنم أعاذنا االله منها وزحزحناوإياكم برحمتهعنها إذا نظرت إلى الكفار والمنافقين والفجار وأصحاب
الخطاياوالأوزار زفرت زفرة فترمي شرراعلى رؤوس الخلائق مثل عدد نجوم السماء وزبد البحر ورمل البر فتقع
٨ على رؤوس الكافرين والعاصين لرب الأولينوالآخرين
فلو كانت الدنيا باقية لأهنارت جبالها وجفت أزهارهاويبست عيوهنا وأهنارها من شدة حر جهنم ولو كان ثم موت
لمات الخلق كلهم
٦٥ الزفرة الثانية
ثم تزفر أخرى أعظم من الأولىفلا تبقى دمعة في عين إلا قطرتويغلب بياض العين على سوادها وتبلغ القلوب
الحناجر ولا يسأل أحد إلا نفسه البر والفاجر
٦٦ الزفرة الثالثة
ثم تزفر الثالثة وهي أعظم من الأولى والثانية فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا ولي ولا صديق إلا جثاعلى
ركبتيه حتى إبراهيم وجميع المرسلين إلا ما خلا من حبيب رب العالمين محمد {صلى االله عليه وسلم} خاتم النبيين فإنه
لا يسأل عن هول النار قد خلصه االله من أهوالها
٦٧ الزفرة الرابعة
ثم تزفر الرابعة وهي أعظم من الأولى والثانية والثالثة فتلقى الزبانيةعلى
وجوههم أجمعين وتفر الخلائق كلهم هاربينويتعلق جبريل وميكائيل عليهما السلام بساق العرش وكل ملك ينادي
نفسي نفسي لا أسألك اليومغيرها
ويقول أيضا كل واحد منهم بحرمة محمد وبقدر محمد {صلى االله عليه وسلم} نجني من عذابك لما يرون من حرمته
وجلالة قدره وعظيم منزلتهعند ربه فإذا هرب الخلائق وجهنم تريد أن تأتي عليهم وقد غلا بعضها في بعض ويقلب
بعضهاعلى بعض ولا يبقى غل ولا سربال ولا سلسلة ولا قيد ولا حية ولا عقرب إلا ألقت الكل على متنها
٦٨ بماذا تخمد النار
فعند ذلك يقبل إليها محمد {صلى االله عليه وسلم} ويلقى يده في زمامها ويلوح إليها بحلة خضراء فتخمد من نور
وجهه المبارك وهو{صلى االله عليه وسلم} يضرع إلى العلي اجمليد وهو يقول يا سلام سلم أمتي من العذاب الشديد
وأنشدوا
الدمع في خد من عصى حسن
حسب الفتى من دموعه الحزن
يا من شكى حافظاه حلوته
لما خلا والعباد ما فطن
قد كان ربي عليك مطلعا
وأنت لاهي الفؤاد مفتتن
لم هتتك السر إذ خلوت به
ولا انقضت من عطائه المنن
النار تسعى إلى العصاةغدا
لم يعلم المذنبون وماوسن
يا قوم العجب من القلوب التي بليت بالعباد وغفلت عن أهوال يوم المعاد وتمادت على معصية الرب الكريم الجواد
يا أخي كأن المراد هبذا كلهغيرنا
ليبعثن الجبار الذليل والحقير ويسألهم عن الفتيل والنقير وعن الذرة والقطمير وعن القليل والكثير في اليوم المهول
العبوس العسير الذي يشيب من فظاعة هوله الطفل الصغير رفق االله بنا وبكم في ذلك اليوم إنهعلى ما يشاء قدير
ثم يبعث االله تعالى جبريل عليه السلام إلى جهنم فيقول لها االله تعالى يقول لك الطاعة فتقول وعزة االله وعظيم جلاله
لأنتقمن اليوم ممن لا يعمل بطاعة االلهواستعان بنعمتهعلى معصيته
ثم تقول يا جبريل هل خلق االله خلقا يعذبني به فيقول جبريل لا ما خلقك االله إلي إلا نقمة لمن عصاه
فتقول جهنم عند ذلك الحمد الله الذي جعلني نقمة لمن عصاه ولم يجعل من خلقه من ينتقم مني عند
ذاك واالله تعظم الخطوبوتظهرالقبائح والعيوب ويندم أهل المعاصي والذنوب
وأنشدوا
ليس في الدنيا لمن
آمن بالبعث سرور
فإن الله وإنا إليه راجعون على من باع نفسه في سوق الخسران وترك العز ورضي بالهوان وبذل مهجته لعذاب
النيران وبارز بالخطايا الملك الديان
٦٩ من أسباب غفران الذنوب
حكي عن بعض العارفين رحمه االله أنه قال حضرت سنة من السنين الوقوف بعرفات فإذا بضجة الناس فتذكرت يوم
القيامة وذكرت رحمة االله فأردت أن أحلف أن االله قد غفرلكل من في الجمع فذكرت أني فيهم فأمسكت
شدواوأن
يا كثير الذنوب أقصر قليلا
قد بلغت المدى من الإسراف
فإذا اشتد بالخلائق الهلع وكثر منهم الخوفوالجزع وبلغت القلوب الحناجر من خوف من يعلم الظواهر والسرائر
نادى الملك الرحمن ياعبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون
فإذا سمعت الخلائق هذا النداء طمع كل منهم فيه
فيقول سبحانه{ الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين } الزخرف ٦٩ فعند ذلك ييأس من الرحمن جميع الكفار
والمنافقين والفجار ويطمع فيها من آمن بالواحد القهار واتبع سنة محمد المختار
عند ذلك تنشر الدواوين وتوضع الموازين وتتطاير الصحف في الألف فكل امرئ بما اكتسب معترف فندم الظالم
وخسرالآثم وظهرت في الصحائف الفضائح وكثر الخجل واشتد الوجل وبدت الفضائح وشهدت على كل امرئ
حفظته والجوارح
وأنشدوا
طال واالله بالذنوب اشتغالي
وتماديت في قبيح فعالي
ليت شعري إذا أتيت فريدا
والموازين قد نصبن حيالي
والدواوين قد نشرن وجئنا
والنبيون يشهدون سؤالي
ما اعتذراي وما أقول لربي
في سؤالي وما يكون مقالي
أورثتني الذنوب دار هموم
لست أبقى لها ولا تبقىلي
ياعظيم الجلال مالي عذر
بل حقيق أنا بنار السفالي
٠ غير أن الرجاء فيكمكين
فارحم العبد يا جميل الفعال {
وتفضل على عبد مسيء
ليس يرجو سواك يا ذا الجلال
٧٠ هذا يوم الدين
روي عن رسول االله {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } إذا جمع االله تبارك وتعالى الأولين والآخرين نادى منادهذا
يوم الدين هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون فانظر لنفسك يا مسكين يا ضعيف الإيمان واليقين يا من يقول إنه
من المؤمنين المصدقين
وهو يعمل أعمال المكذبين المخالفين التاركين لسنن سيد المرسلين وخاتم النبيين
ما أجراك أن تكون عند االله من الكاذبين لو خفت من عذاب يوم الدين لعملت بالقرآن المبين ولو كنت من المؤمنين
المصدقين لأطعت رب الأولين والآخرين
فسل مولاك أن يفرج عنك ما قد نزل بك من داء الذنوب وهتك سترك من القبائح والعيوب
وأنشدوا
} يا طبيب الذنوب والآثامهل دواء أبرأ به من سقامي
إن داء الذنوب أضعف جسمي ومشيبي موكل بحمامي
وشفائي أعيا الأطباء إني قد تغذيت مدتي بالحرام
وركبت الذنوب سرا وجهرا وتباعدت من محل الكرام
كيف بالطب أن يعالج سقمي وكلامي يزيد قرح كلامي
أيها الناس قد علمتم ذنوبي واغتراري وشقوتي واجترامي
وأنا أرغب الدعاء فجدوا في فكاكي من الذنوب العظام
واشتياقي إلى الطواف شديد وإلى الركن والصفا والمقام
وإلى يثرب يحن فؤادي كي أزور النبي خير الأنام
فسلوا االله في الوصول فإني ذو اشتياق لحج بيت حرام
فلعل الإله يغفر جرمي وينجي من هول يوم القيام
} ويفك المنان عبدا ضعيفا مات خوفا من العذاب الغرام
٧١ موعظة كعب الأحبار
روي أن عمر بن الخطاب رضي االله عنه قال لكعب يا كعب خوفنا
فأطرق برأسه ثم رفع رأسه وعيناه تذرفان دموعا فقال يا أمير المؤمنين والذي نفس كعب بيده أن جهنم لتزفر زفرة
فتقطع السلاسل التي بأيدي الزبانية الذين يمسكوهنا هبا
حتى تفيض على أهل الجمع وتلقي الزبانيةعلى وجوههم وينهزم مالك خازهنا من بين يديها فلو كان لكل آدمي
عمل مائة ألف نبي ومائة ألف صديق ومائة ألف شهيد لحقرعمله ولظن أنه لا ينجو منها
فعند ذلك يعرض لها النبي {صلى االله عليه وسلم} وقد أشرقت القيامة من نور وجهه فيأخذ بزمامهاويقول لها كفي
عن أمتي كفي عن أمتي ثلاثا
فتقول له يا أيها النبي الكريم والرسول الرؤوف الرحيم ما جعل االله لي عليك ولا على أمتك من سبيل
فعند ذلك يتعلق العبد المذنب إذا رأى الأهوال العظام بالنبي عليه الصلاة والسلام فيقول يا رسول االله أنقذني من
عذاب االله فيقول له ألم أبلغك رسالة ربي فلم عصيت فيقول له العبد المذنب يا رسول االله غلبت علي شقوتي
فيقول {صلى االله عليه وسلم} لا شقوةعلى أحد نم أمتي ولا على من قال في الدنيا مخلصا لا إله إلا االله محمد
رسول االله
فيشفع له إلى االله تعالى فيشفع فيه
وأنشدوا
ألا أكرم بأحمد ذي الأيادي
شفيع الناس في يوم التنادي
إذا نشر الخلائق من قبور
عراة يبتغون ندا المنادي
وقربت الجحيم لمن يراها
فيا الله من خوف العباد
وقد زفرت جهنم فاستكانوا
سقوطا كالفراش وكالجراد
وقد بلغت حناجرهم قلوب
وقد شخصوا بأبصار حداد
فيا جبارعفوا منك فالطف
ويا رحمن رفقا بالعباد
ونودوا للصراط ألا هلموا
فهذا ويحكم يوم المعاد
تسوقكم إليه سوق عنف
مقامع من زبانية شداد
ألا يا معشرالإسلام هبوا
من الإغفال في غمرالرقاد
٧٢ حديث في الترهيب
روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } كل عين باكية يوم القيامة إلا عين بكت من خشية االله وعين
غضت عن محارم االله وعين باتت تحرس في سبيل االله
فقدمواعباداالله في اليسير من الأيام ما يقيكم الأهوال العظام والخطوب الجسام والزلازل والطوام والعذاب الغرام
فإن العمر يسير والأجل قصير والزاد قليل والهول جليل والعذاب طويل واليوم مهول ثقيل
فإنا الله وإنا إليه راجعون على من قطع أيامه في العصيان واستبدل الجنة بالنيران والربح بالخسران وترك العز ورضي
بالهوان وعوض عن الزيادة والنقصان ففكر فيما تسمع أيها الإنسان وأناوأنت وكلناذلك الإنسان وأنشدوا
مقام المذنبين غدا ذليل
وقدر الطائعين غدا جليل
إذا مد الصراط على جحيم
تصول على العصاة وتستطيل
ونادى مالكا خذ من عصاني
فإني اليوم لست لهم أقيل
٧٣ سجود جهنم
ذكر في بعض الأخبار أن جهنم أعاذنا االله منها وزحزحنا برحمتهعنها تستأذن يوم القيامة في السجود فيأذن لها
فتسجد ما شاء االله من ذلك ثم يقال لها ارفعي فترفع رأسها وهي تقول الحمد الله الذي خلقني لينتقم بي ممن عصاه
ولم يجعل شيئا من خلقه ينتقم به مني
إلهي قد اشتد بلائي وأخمدت ناري وغلا حميمي وزقومي وكثرنتني وغسليني وأكل بعضي بعضا
إلهيعجل بأهلي فوعزتك لأنتقمن لك ممن عصاك واتبع هواه وجحد آياتك وكذب رسلك وجعل معك إلهاغيرك
لا إله إلا أنت
فتنادى نداء يسمعه أهل الموقف جميعا ثم تغتاظ على أهل المعاصي فترمي بشرر كعد النجوم في السماء وزبد البحر
ورمل البر ونبات الأرض على رؤوس الخلائق فيقع على رؤوس العصاة فمن كان لهعمل صالح صار حجابا بينه
وبين شرر جهنم ومن لم يكن لهعمر صالح صار رأسهغرضا لشرر جهنم أعاذنا االله منها وزحزحناعنها برحمته يا
رب العالمين آمين
٣ مجلس في ذكر الميزان والصراط
٧٤
قال االله سبحانهوتعالى {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا} الأنبياء ٤٧ الآيةعباداالله ما
لقلوبكم لا تخشع وما لآذانكم لا تسمع وما لدعائكم لا يسمع وما لعيونكم لا تدمع وما لبطونكم من السحت
والحرام لا تشبع وما لعملكم المحمود لا يرفع إخواني من شغل نفسه بخدمة المعبودالمحمود من خاف من ورودالناس
وبئس الورد والمورود
٧٥ افتخار الوحوش على بني آدم
ذكر في بعض الأخبار أن الوحوش تجتمع يوم القيامة فتخر ساجدة فيقال لها ما هذا يوم السجود فتقول إنما سجدنا
شكرا الله الذي لم يجعلنا من ولد آدم وجعلنا ممن يشهد فضائح بني آدم
فاالله االله يا إخواني اقبلوا النصيحة قبل يوم الخجل والفضيحة
فإذا كان يوم القيامة وجاءت جهنم بأهوالها يضرب الصراط على متنها طوله خمسمائةعام وقد قيل طوله ستة
وثلاثون ألف سنة من سنين الدنيا أرق من الشعروأحد من الموسى وقيل أحد من السيف وأحر من الجمر وقد قيل
إنه شعرة من جفن مالك خازن جهنم يمدهاعلى متن جهنم عليه حسك وكلاليب قد تعلق بكل كلوب منهاعدد
نجوم السماء من الزبانية لو أن واحدا منهم أذن االله له أن يتنفس في الدنيا لأحرقها بإنسها وجنها وجميع ماذرأ فيها
ولأذاب جبالها وجفف بحارها
٧٦ صفة الصراط
والصراط أسود مظلم من شدة سواد جهنم فلا يجوز يومئذ إلا من كان له
نور ولا يكون النور يومئذ إلا من الأعمال الصالحة فمن عمل عملا صالحا نجاه من النار وجاز إلى دار الراحة
والقرار
ومن لم يقدم في الدنياعملا صالحا حجب عن النظر إلى وجه الجبار وهوى في دار الندامة والبوار
في دارعذاهبا سموم وشراهبا حميم وظلها لا بارد ولا كريم وطعامها الزقوم يتردىواالله في دارعذاهبا أليم ومسكنها
جحيم وساكنها أبدا في العذاب مقيم يتردى واالله في نار قعرها بعيد وعذاهبا شديد وشراهبا صديد ومقامعها حديد
وما هي من الظالمين ببعيد
وأنشدوا
أما آن يا أخ أن تستفيقا
وأن تتناسى الحمى والعقيقا
وقد ضحك الشيب في عارضيك
وبانتمساويك فيه بروقا
وركب أتاهم وقد عرضوا
على أتباع المنايا طروقا
أدارت عليهم كؤوس الحمام
صبوحا } تلازمهم
أوغبوقا )
وما زال فيهم غراب الحمام
فيسمعهم للمنايا نعيقا
ويحجل في عرصات القصور
وحتى أعادالفسيحات ضيقا
ألا فازجرالنفس عن غيها
عساك تجوز الصراط الدقيقا
مقام به تذهل المرضعات
وتلقى الحوامل وعدا صدوقا
وتبرز للناسنار الجحيم
لهاعنق تترامى حريقا
شراهبم المهل في قعرها
تقطع أمعاءهم والعروقا
إذا طبقت فوقهم لم يكن
لتسمع إلا البكا والشهيقا
أذلك خير أم القاصرات
تخال مباسمهن البروقا
قصرن على حب أزواجهن
فمشتاقة تتلقى مشوقا
} لقد فاز من كان للمصطفى
بدار المقامة يوما رفيقا
٧٧ حسن العمل والصراط
فمثل لنفسك يا مسكين وقد جئت إلى الصراط وقد رأيت العاملين وقد جازوا وأنوارهم تسعى بين أيديهم وبأيماهنم
ورأيت الباطلين في ظلمات البطالات وغمرات الجهالات
فاالله االله يا جماعة الضعفاء يا من قطع عمره في الخلاف والجفاء خذوا لانفسكم بالاحتياط واحذروا الأهوال الصعبة
عند جواز الصراط
لأن الصراط لا يجوزه آثم ولا ينجو منه ظالم
والصراط حق رقيق لا
ينجو منه من خالف التحقيق وترك السنة ومنهاج الطريق الصراط طويل بعيد لا يجوز إلا من أخذ نفسه بالحزم
الشديد واستقامعلى طاعة الولي الحميد
الصراط مهول مخوف ولا يجوزه إلا من أغاث الملهوف وأطاع الرحيم الرؤوف الصراط صعب مهول ولا يجوزه إلا
من اتبع سنة محمد الرسول وأطاع ربا لا يحول ولا يزول الصراط كثير الزبانية لا يجوزه إلا من أطاع مولاه في
الفانية وراقب االله في السر والعلانية
وذكر في بعض الأخبار أنه لا يجوز الصراط العبد والأمة إلا من بعد نشرالدواوين ووضع الموازين
٧٨ الموازين يوم القيامة
ذكر أن لكل إنسان ميزانا يوزن بهعمله فمن عمل عملا سيئا خفت موازينه وهوى في النار وقد قيل إن الميزان هو
منصوب بين يدي عرش الرحمن يوزن به أعمال العباد
وكان الحسن رضي االله عنه يقول لكل إنسان ميزان يوزن بهعمله من خير وشر واستدل على ذلك بقوله تعالى {
ونضع الموازين القسط ليوم القيامة } الأنبياء ٤٧ الآية
وأما قوله تعالى { فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه} القارعة ٨ فهو ميزان
الحسنات وميزان السيئات وقوله { ثقلت } و { خفت } فقوله { ثقلت } بقول لا إله إلا االله بالإخلاص و {
خفت } من الحسنات بالشرك والنفاق والرياء والسمعة
لأن العبد قد يقول لا إله إلا االله على معصيةويقول لا إله إلا االله واالله أكبر على أخذ مال مسلم فإنماذلك نفاق
لأن النبي{صلى االله عليه وسلم} قال } من قال لا إله إلا االله مخلصارجح ميزانه ونجا من النار ودخل الجنة{ فقيل
يا رسول االله وما إخلاصها فقال أن تزحزحكم عما حرم االله عليكم
٧٩ وزن الأعمال
ذكر في بعض الأخبار أنه يقدمعبد يوم القيامة للحساب فيخرج له تسعة
وتسعون سجلا مملوءة بالسيئات فتوضع في كفة الميزان فيشتد هم العبد وكربه فيقول الجبار جل جلاله لعبدي
عندي ذخيرة ادخرهتا له فيأمراالله تبارك وتعالى أن يخرج له رقعة صغيرة فيها مكتوب ماتفلان وهو يشهد ويقول
لا إله إلا االله مخلصا
٨٠ كلمة التوحيد
فيقول االله تعالى ضعوها في ميزان عبدي فتوضع في ميزانه فتميل الميزان هبا وترجح على جميع سيئاته فعند ذلك يفرح
العبد فيأمراالله تبارك وتعالى به إلى الجنة وأنشدوا
أعددت الله حين ألقاه
أشهد أن لا إله إلا االله
أقولها للإله خالصة
يرحمني في القيامة االله
لعل يوم الحساب أنج هبا
يوم العقوبة يوم زادبلواه
يوم يفوزعلى الأشهاد قائلها
ويخسر الجاحدون نعماه
فهي لدار الخلود قائدة
ومن عصى فالجحيم مأواه
من قالها للإله مخلصة
فهو الذي قد أتاه تقواه
وهو الذي في الخلد مسكنه
االله قد خصه فيها وأرضاه
قد فازعبد يكون ذاكرها
بدارعدن جوار مولاه
يحظى بدار الخلود قائلها
طوبى لمن قالها وطوباه
من كان عند الممات قائلها
فاز بدنياهوأخراه
فاالله الله عباداالله ارغبوا إلى مولاكم أن يثبتكم على الكلمة المباركة الخفيفة في اللسان الثقيلة في الميزان المزينة
للديوان هبا يرضى الملك الرحمن وهبا يسخط اللعين الشيطان وهبا ينجوالعبد المذنب من النيران وهبا يصل العبد إلى
نعيم الخلد والآمان
٨١ فضل الصدقة
ذكر أن العبد إذا قدم إلى ميزانه وأخرجت سجلات سيئاته أعظم من جبال
الدنيا فإذا وجدت له صدقة طيبة تصدق هبا لم يرد هبا إلا وجه االله تعالى ولم يطلب هبا جزاء من مخلوق ولا رياء ولا
سمعة ولا محمدة ولا شكر فإن تلك الصدقة توضع في الميزان بأمر الملك الخلاق فترجح على جميع سيئاتهولو كانت
سيئاته مثل وزن الجبال وأنشدوا
يا جامع المال يرجو أن يدوم له
كل ما استطعت وقدم للموازين
ولا تكن كالذي قد قال إذ حضرت
وفاته ثلث مالي للمساكين
واعملواعباد االله أن الميزان إذا نصب للعبد فهو من أعظم الأهوال يوم القيامة لأن العبد إذا نظر إلى الميزان انخلع
فؤاده وكثرت خطوبه وعظمت كروبهفلا هتدأ روعة العبد حتى يرى أيثقل ميزانه أم يخف فإن ثقل ميزانه فقد سعد
سعادة لا يشقى بعدها أبدا وإن خف ميزانه فقد خسر خسرانا مبينا ولقى من العذاب أمراعظيما
٨٢ شفاعة الرسول
ذكر في الأخبار أن أمة محمد {صلى االله عليه وسلم} إذا قدموا إلى الميزان عظمت كروهبم حين أظهرت لهم قبائحهم
وعيوهبم ووزنت أوزارهم وذنوهبم وضاقت حيلهم وتغيرت أحوالهم فعند ذلك يأتيهم النبي الشفيع محمد {صلى االله
عليه وسلم} فإذا نظر إلى أمته قد تحيرواعند الميزان دعا االله أن يثقل موازينهم فيأمره االله تعالى أن ينظر إلى موازين
أمته فينظر{صلى االله عليه وسلم} إليها فترجح موازينهم من نظره ونوروجهه{صلى االله عليه وسلم}
ذكر أن الميزان بيد جبريل عليه السلام وله كفتان أحدهما بالمشرقوالأخرى بالمغرب وأن الذرةوالخردلة والحبة من
أعمال العباد من الخير والشرلتوضع في الكفة فتميل هبا بقدرة االله تعالى فاالله أعلم بحقيقةذلك
فلا يحقرن أحدكم حسنة يعملهاوإن صغرت في عينه فربما ثقلت الميزان ولا يحقرن أحدكم سيئة يعملها وإن صغرت
فربما خففت الميزان
لأن الذنب الصغير في عين محتقره يأتي يوم القيامة وهو في الميزان أعظم من الجبال الرواسي
٨٣ ما يثقل الميزان
قال االله تعالى { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا}
الأنبياء ٤٧ الآية
روى أبو هريرة رضي االله عنه قال قال رسول االله {صلى االله عليه وسلم} } كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان
في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان االله وبحمده سبحان االله العظيم { وقيل جاء رجل إلى رسول االله تعالى فقال يا
رسول االله جئتك تعلمني علما يدخلني الجنة وينجيني من النار
فقال له النبي {صلى االله عليه وسلم} } ألا أدلك على كلمتين ثقيلتين في الميزان خفيفتين على اللسان ترضيان
الرحمن وتسخطان الشيطان تقول سبحان االلهوالحمد الله فإهنما المقربتان يقربان من الجنةويبعدان من النار { فكل
من زعم أن الميزان ليس هو حق فقد ردعلى االله في كتابه وعلى رسوله{صلى االله عليه وسلم} في سنته
٨٤ الرأس في الخير والرأس في الشر
روي عن الحسن رضي االله عنه أنه قال يؤتى يوم القيامة بالميزان فتوضع بين يدي االله تبارك وتعالى ثم يدعى العباد
للحساب فإذا كان العبد أوالأمة رأسا في الخير يدعو إليه ويأمر به دعي باسمه ثم يقرب من الميزان فتوزن حسناته
وسيئاته ولو كانت حسنة واحدة ولو كانت سيئاته أكثر من حسناته وأثقل من جبال الدنيا لأن االله تبارك وتعالى إذا
تقبل من العبد أوالأمة حسنة واحدةغفر له جميع ذنوبه وإن كثرت ذنوبه
وقد قال رسول االله {صلى االله عليه وسلم} لعائشة ياعائشة لو قبل االله تعالى من العبد سجدةواحدة لأدخله هبا
الجنة فقالت يا رسول االله فماذا يصنع بأعمال العباد فقال رسول االله {صلى االله عليه وسلم} يأكلها الرياء والسمعة
كما تأكل النار الحطب وإذا كان العبد أو الأمة رأسا في الشر يأمربه ويدعوإليه دعي باسمه فقدم إلى الميزان فتوضع
حسناته وسيئاته فترجح سيئاتهعلى حسناته ولو كانت سيئاته واحدة ولو كانت حسناته أكثروأثقل من جبال
الدنيا لأن االله تعالى أحبطها ولم يتقبل منها حسنة واحدة ويأمر هبم ذات الشمال إلى النار
فقال أصحابه رضي االله عنهم يا رسول االله أما كانوا مسلمين فقال {صلى االله عليه وسلم} كانوا يصلون كما
تصلون ويصومون كما تصومون ويزكون كما تزكون ويقومون من الليل برهة ولكن كانوا إذاعرض لهم درهم
حرام وثبوا
عليه كالذئاب فأحبط االله أعمالهم بذلك ولم يتقبل منهم حسنة واحدة وإذا لم يتقبل االله من العباد حسنة واحدة
فأحرى أن لا يؤثر في الميزان لأن الحسنات لا تنفع ولا تثقل الميزان إذا لم يتقبلها االله تعالى لأنه تعالى لا يقبل إلا ما
كان لوجهه خالصا
فاالله االله عباداالله إذاعملتم عملا فأخلصوا الله فإن االله لا ينفعكم ولا يتقبل منكم إلا ما كان لوجهه خالصا
وأنشدوا
من كان يعلم أن االله باعثه
يوم الحساب لدى نشر الدواوين
فلا يزد بفعال البر أجمعها
إلا الحسابوتثقيل الموازين
فقدمواعباداالله للميزان بلزوم طاعة الرحمن
قدموا للموازين بطاعتكم لسلطان السلاطين
إخواني وأعظم مصيبة وحسرة من خفت موازينه من الحسناتوأمر به إلى العذاب والعقوبات
والويل ثم الويل لمن خفت موازينه من صالح الأعمال وغضب عليه ذو الجود والإفضال وأمر به إلى العذاب
والنكال وإلى السلاسل والأغلال
٨٥ وزن أعمال العباد
يا إخواني فإذاوزنت أعمال العباد وخف من خف وثقل من ثقل أمروا أن يمضوا إلى الصراط فيجيء كل إنسان إلى
الصراط فيقحم الصراط فمن الناس من يضع عليه قدمه فيزل من أول قدم يضعه فيهوي في النار ومن الناس من
يمشي القليل منه ويزل في النار ومنهم من يجوزه كالبرق الخاطف ومنهم من يجوزه كالريح الهبوب ومنهم من يجوزه
كالطير السريع في طيرانه ومنهم من يهرول ومنهم من يكون كالضعيف إذا مشى ومنهم من يكون كالمبطون الذي
يمشي على يديهورجليه ومن الناس من يأتي إلى الصراط فتخرج النار فتأخذه فتهوي به كل هذاعلى قدر أعمال
العباد وأنوارهم ورتبتهم على قدر القبول من االله تبارك وتعالى هبا وعلى قدر تثقيل الموازين وتخفيفها
فإذا أتى العبد من أمة محمد {صلى االله عليه وسلم} إلى الصراط فمن كان من أهل الذنوب ولم يكن لهعمل يجوز
بهعلى الصراط بقي متحيرا لا يقدرعلى الجواز
فبينما هم في شدة الفزع من هول الصراط إذ أقبل محمد {صلى االله عليه وسلم}
٨٦ نور الرسول على الصراط
فإذا نظر صلوات االلهوسلامهعليه إليهم كساهم نور وجهه{صلى االله عليه وسلم} ما يجوزهم الصراط فيأخذ كل
واحد من نور وجه المصطفى {صلى االله عليه وسلم} على قدر صلاتهعليه في الدنيا فيستبق العباد في الجوازعلى
قدر ما أخذوا من النور الذي أخذوه من نوروجه المصطفى وكلما أخذ الخلق من نور وجهه {صلى االله عليه
وسلم} زاداالله تبارك وتعالى في النور في وجه الحبيب محمد {صلى االله عليه وسلم} فأكثروا من الصلاةعلى نبيكم
{صلى االله عليه وسلم} فإن صلاتكم عليه مبلغة إليه
٨٧ فضل الصلاةعلى النبي
قال النبي{صلى االله عليه وسلم} } أنجاكم من أهوال يوم القيامة ومواطنها أكثركم علي صلاة وأولاكم بشفاعتي
أكثركم علي صلاة { فأكثروا من الصلاةعليه يا معشر المذنبين فهو شفيعكم يوم الجزاء والدين {صلى االله عليه
وسلم} وعلى آلهوصحبه أجمعين وجعلنا بالصلاةعليه من الآمنين من عقابه والفائزين برحمته من عذابه إنه منعم
كريم
وأنشدوا
} ألا أكرم بأحمد ذي المعالي
شفيع الناس في يوم السؤال {
} إذا مد الصراط على جحيم تصول على العباد باستطال {
} إذا كان النبي لنا شفيعا سننجوا من سلاسلها الطوال {
} ولو كانت خطايانا جساما
تشبه بالثقال من الجبال {
} لجزنا في الصراط بغير حزن إلى دار الخلود مع الجلال {
روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } يمر الناس على الصراط فالزالون والزالات كثير وأكثر ما تزل
النساء ذكر أن الصراط عليه زبانية ينظرون إلى وجوه العباد فمن رأوا في وجهه نورا تركوه أن يتحول ويجوز ومن
لم يروا في وجهه نورا كبكبوه في النار ولا يكون النور يومئذ إلا من العمل الصالح
٨٨ جسور جهنم
روى بعض العلماءعن التابعين وعن بعض الصحابة أهنم قالوا إن جهنم أعاذنا االله منهاعليها سبعة جسور وهي
القناطرثلاثة دون الرب سبحانه وتعالى الرابعة الوسطى عليها الرب جل جلاله لأحد ولا كيف تسليما وإيمانا
وتصديقا
٨٩ القنطرة الأولى
والصراط أحد من السيف فيقول االله تبارك وتعالى حين يبلغون القنطرة الأولى وقفوهم إهنم مسؤولون ما لكم لا
تناصرون فيحبسون فيحاسبون على الصلاة فمن وجدت صلاته تامة نجا من تلك القنطرة ومن لم توجد له صلاة
تامة هوى في النار فينجو من نجا ويهلك من هلك
٩٠ القنطرة الثانية
ثم يحبسون على القنطرة الثانية فيحاسبون على الأمانة وهي أمانة الخالق وأمانة الخلق وإذا أراد بعبده خيرا جعل
الغنى في قلبه وجعله أمينا الله وأعانهعلى أداء الأمانات التي افترض عليه جل جلاله من الوضوء والاغتسال والصلاة
والصيام والزكاة وإعطاء كل ذي حق حقه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكروالحفظ لحدوداالله فذلك العبد الذي
ألهمه االله تعالى رشدهوبصرهعيوب نفسه وجعل غناه في قلبه
تأدية الأمانة وتضييعها وإذا أراد بعبده شرا جعل فقره بين عينيهوفي قلبه وكسلهعن إداء الأمانات من المفترض
الذي افترض عليه وعلى جميع عباده وغيب عنه رشده وسلط عليه الشيطان فزين له سوءعمله وحبب إليهعيوبه
فإذا كان العبد كذلكفلا يبالي عما قال ولا عما قيل فيه ولا يكون همه إلا في دنياه وإصلاحها ولا يبالي بتلاف دينه
فذلك العبد الذي قد سخط عليه مولاه وأبعدهعن أبواب الخير كلها وقربه من أبواب الشر كلها
قال االله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا االله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون } الأنفال ٩١٢٧
تضييع الأمانة
ذكر في بعض الأخبار أنه يؤتى بمضيع الأمانة فيقال له أد ما ضيعت فيقول يارب ذهبت عني الدنيا فمن أين أؤديها
فيخلق له مثلها في قعر جهنم أعاذنا االله منها فيقال إنزل إليها وأخرجها إلى صاحبها فينزل العبد المسكين إليها
فيرفعهاعلى كتفه فهي أثقل من جبال الدنيا كلها فإذا صار الشقي المسكين إلى أعلا جهنم وقعت من كتفه إلى قعر
جهنم فيقال له انزل إليها فينزل مرة أخرى ويرفعها فإذا صار إلى أعلا جهنم وقعت منه فلا يزال هذاعذابه إلى ما
شاء االله تعالى من ذلك
هذا كلهعند جواز الصراط واالله أعلم
وهذا العبد واالله أعلم الذي ضيع أمانات الناس
وأنشدوا
خرجت من الدنيا وقد خنت أهلها
وصرت إلى النيران بالوزروالإثم
وطالبني الجبار بالصدق والوفا
وبان لأهل الجمع ما كان من جرمي
وقيل لكل الخلق هذامضيع
أمانةرب العرش والذكر والحكم
٩٢ القنطرة الثالثة
ثم يحاسبون على القنطرة الثالثة وهي أدنى من الرب جل جلاله بلا تكييف ولا تحديد فيحاسبون على صلة الرحم
كيف وصلوها
٩٣ صلة الرحم
ولم قطعوها والرحم يومئذ تنادي اللهم من وصلني فصله ومن قطعني فاقطعه
فينجو من نجا ويهلك من هلك
٩٤ القنطرة الرابعة
ثم يمرون على القنطرة الرابعة فيحاسبون على برالوالدين فينجو من نجا ويهلك من هلك وهو السؤال العظيم لأن
االله تعالى قد قرن شكره بشكرالوالدين فقال جل اسمه وعز وجهه { أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير } لقمان ١٤
فاالله تعالى يقول في بعض كتبه المنزلة
٩٥ شكرالوالدين
أرض والديك فإن رضائي في رضا الوالدين وسخطي في سخط الوالدين فلو أن عبدا جاء يوم القيامة بعمل ألف
صديق وكان عاقا لوالديه ما نظراالله تبارك وتعالى في شيء من عمله وكان مصيره إلى النار وما من عبد مسلم أو
أمة مسلمة ضحك فيوجه والديه أو أحدهما إلا غفراالله له ما كان منه من الذنوب والخطايا وكان مصيره إلى الجنة
وأنشدوا
} الوالدان إلى شكر الإله وصول والوالدان إلى دار السلام سبيل
} صل والديك ولا تقطع حبالهما ليجزينك في دار البقاء جليل
٩٦ القنطرة الخامسة
ثم يحبسون على القنطرة الخامسة فيحاسبون على حفظ اللسان من الغيبة والنميمة وشهادة الزور فينجو من حفظ
لسانه ويهلك من سرح لسانهبما لا يعنيه
لأنه ليس من جوارح العبد أشد ذنبا من اللسان لأن كلمة يتكلم هبا العبد أو الأمة تكون سببا لدخول النار
٩٧ ترك الغيبة والنميمة
وقد كان بعض الخائفين إذا أصبح أخذ لوحا ودواة وجعلهما بجواره فإذا تكلم كلمة كتبها في اللوحويقول لنفسه
هكذا أثبتهاعليك الملك بأمر الملك فإذاغربت الشمس وصلىصلاة المغربوضع اللوح بين يديه وجعل يقرأ
ويبكي ويقول في بكائه ونحيبه وتقريره لنفسه يا نفس كأني بك وقد سئلت عن هذاعند جواز الصراط يا نفس
تراك بأي كلمة من هذه تدخليني النار فلا يزال يبكي حتى لا يجد بكاء وتفرغ دموعه فيغشى عليه فإذا أفاق مما هو
فيه أخرج اللوح وكتب ما فيه بقرطاس وهو يقول متضرعا يا االله عفواورفقا ولطفا بعبدك
فلم يزل هذا دأبه حتى مات فرآه بعض الصالحين في المنام في حالة حسنة فسألهعما لقي من االله تعالى فقال ما يلقى
من الكريم إلا الكرم جعل محاسبتي لنفسي في الدنيا بدلا عن الحساب في الآخرة وجعل دموعي التي بكيت في الدنيا
أهنارا ترويني يوم العطش الأكبر وتفضل الكريم علي بدخول الجنة وبجواز الصراط ومن علي بالفضيلة العظيمة
والزيارة الكبرى إلى وجهه الكريم
٩٨ كلمة الشر وعذاهبا
وقد روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } إن الرجل ليتكلم بالكلمة فينزل هبا في النار بعد ما بين
المشرق والمغرب فإذا أراداالله تبارك وتعالى بعبده خيرا أعانهعلى حفظ لسانه وشغله بعيوب نفسهعن عيوب غيره
قيل مر رجل على رجل فسلم عليه فقال له الرجل الذي سلم عليه يا أخي لو كشفت لك عن حالي ما سلمت علي
فقال له الرجل الذي سلم عليه يا أخي لو كشفت لي عيوبك لكان في عيوبي ما يشغلني عن جميع عيوبك
فجلس كل منهما يبكي في ناحية حتى بل كل واحد منهما الأرض بدموعه ثم تفرقا
٩٩ شهادة الزور
وروي عن رسول االله {صلى االله عليه وسلم} أنه قال
من شهد شهادة زورعلى ذمي أو مسلم أو من كان من الناس علق بلسانه في الدرك الأسفل من جهنم
وفي بعض الأخبار أن شهادة الزور من أعظم الكبائرعند االله تعالى وشاهد الزور يعلق بلسانه بكل كلمة في شهادة
الزور وبكل حرف كتب فيها شهادته ألف عامعلى الصراط عند القنطرة الخامسة
ولو أن شاهد الزور جاء يوم القيامة بعمل سبعين نبيا ما نظراالله إليه
وكذلك صاحب الغيبة والنميمة لا يجوز من هذا الصنف الصراط إلا أن يعفواالله أو تدركه الشفاعة
وأنشدوا
} إذا ازدحم العبادلكي يجوزوا تساقط كل جبار أثيم
بقعر النار ليسلهم مغيث
ولا للعاصي يوما من حميم
ومن يطع الإله فسوف ينجو
من التعذيب في قعر الجحيم
إذا نصب الصراط على جحيم
فياالله من هول عظيم
ألا يا معشرالإسلام توبوا
من العصيان للرب الرحيم
إخواني أطيعوا االله في السر والإعلان واعملوا بالسنة والقرآن واتركوا الأوزار والعصيان واحذروا من هول
الصراط المنصوب على سموم النيران
٠٠ القنطرة السادسة
ثم يحبسون على القنطرة السادسة فيحاسبون على حفظ الجار فينجو من حفظ جاره وأكرم ضيفه ويهلك من خان
جاره ولم يكرم ضيفه
٠١ إكرام الضيف
روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } من كان يؤمن باالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه{
وكرامته أن يكرمه لوجه االله وتكون ضيافته من حلال وأما من أنفق على ضيفه من حرام فإنه لا ثواب له
فما أنفق على الضيف في الخمر أومما لا يرضى االله تعالى به فإن ذلك الضيف يأتي يوم القيامة يتعلق هذا هبذا ويلعن
هذا هبذا ثم يأتيان إلى الصراط وكل واحد منهما يلوم صاحبه ويقول له لعنك االله الذي ساعدتني على الإنفاق في
غير االله ثم يقال لهما جوزوا الصراط ففي أول قدم يضعان على الصراط يهويان في النار
٠٢ البركة مع الضيف
وقال رسول االله {صلى االله عليه وسلم} }الضيف إذادخل بيت المؤمن دخلت معه ألف بركة وألف رحمة ويكتب
االله تعالى لصاحب المنزل بكل لقمة يأكلها الضيف حجة وعمرة {
وعن ابن عباسرضي االله عنهما أن النبي {صلى االله عليه وسلم} قال درهم ينفقه الرجل على ضيفه أفضل من ألف
دينار ينفقها في سبيل االله ومن أكرم الضيف لوجه االله أكرمه االله تعالى يوم القيامة بألف كرامة وخلصه من النار
وأدخله الجنة
وقد جاء في حديث عائشة رضي االله تعالى عنها أن النبي {صلى االله عليه وسلم} كان يقول لها ياعائشة لا تتكلفي
للضيف فتمليه وإنما أراد{صلى االله عليه وسلم} مداومتهاعلى إكرام الضيف
وفي حديث علي بن أبي طالب رضي االله عنه قال قال لي رسول االله {صلى االله عليه وسلم} ياعلي إذا جاءك
الضيف فاعلم أن االله تعالى قد من عليك إذ بعثه إليك ليغفرلك ذنبك بذلك
٠٣ ينزل الضيف برزقه
وفي حديث أبي هريرة رضي االله تعالى عنه قال قال رسول االله {صلى االله عليه وسلم} } أيها الناس لا تكرهوا
الضيف فإنه إذا نزل نزل برزقه وإذا رحل رحل بذنوب أهل المنزل {
وفي حديث معاذبن جبل رضي االله تعالى عنه ما من منزل ينزل فيه ضيف إلا بعث االله تبارك وتعالى إلى ذلك المنزل
قبل نزول الضيف به بأربعين يوما ملكاعلى صورة طائرينادي يا أهل المنزلفلان بن فلان ضيفكم في يوم كذا
وكذا والخلف من االله من باب كذا وكذا فتقول الملائكة الذين وكلوا بأهل الدار وبعد الخلف ما يكون فيخرج لهم
ذلك الملك كتابا فيه مكتوب قد غفراالله لأهل المنزل ولو كانوا في ألف
وفي حديث آخر أنه قال ما من عبد من عباد االله المؤمنين أكرم ضيفا لوجه االله الكريم إلا نظراالله إليهم إن كانوا
جماعة فإن كان الضيف من أهل الجنة وكان رب المنزل من أهل النار جعله االله تعالى من أهل الجنة بإكرامه ضيفه
وفي حديث آخر أن الضيفورب المنزل وأرباب المنزل إن كانوا جماعة يأتون الصراط فيأخذ كل واحد منهم بيد
صاحبه فيجوز الصراط أسرع من البرق اللامع فإن لم يكن فيهم من لهعمل يجوز الصراط أمراالله الملك الموكل
بنفقة الضيف أن يأخذ بيدهم ويجوز الصراط ولو كانوا مئة ألف
٠٤ إطعام الطعام
وإطعام الطعام ينقسم على ثلاثة أوجه مخلوف ومسلوف ومتلوف فالمخلوف الذي يطعم لوجه االله لا يريد بهغير االله
تعالى ولا يطلب به جزاء من مخلوف والمسلوف الذي تضيفه مرة ويضيفك أخرى
والمتلوف كل ما كان إطعامهعلى المعاصي
والمخلوف والمسلوف فيهما الأجرإلا أن المخلوف أعظم أجرا والمتلوف هو حسرة وندامة يوم القيامة
وأنشدوا
يا مكرم الضيف للرحمن خالقنا
عند الصراط ستلقى الخير موفورا
} أكرم ضيوفك كي ترجو الجوازغدا
على الصراط وترجو الخلد مجبورا
٠٥ حفظ الجار
وأما حفظ الجار فإن العبد أوالأمة يسأل عن حفظه فمن حفظ جاره جاز
الصراط ونجا من العذاب الأليم وصار إلى جنة الخلد ودار النعيم
وروي عن رسول االله {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } ما آمن باالله واليوم الآخر من بات شبعان وجاره جوعان أو
بات ريان وجارهعطشان { ومن كرامة حفظ الجار أن توقظه من الغفلات تلهمه إلى الطاعات وتأمره بإقامة
الصلوات
٠٦ تعلق الجار بالجار
ذكر في بعض الأخبار أن الجار يتعلق بجاره يوم القيامة فيقول يارب جاري هذا خانني في الدنيا
فيقول االله تبارك وتعالى لم خنت جارك فيقول وعزتك وجلالك ما خنته لا في مال ولا في أهل وأنت أعلم بذلك
فيقول له جاره ما فعلت ذلك ولكن رأيتني على المعاصي فلم تزجرني عنها فيؤمربه وبصاحبه إلى النار ولا يغفراالله
لهما
وما من عبد مسلم أو أمة مسلمة حفظ جاره وأمره بالمعروف وهناهعن المنكر إلا جوزه االله تبارك وتعالى على
الصراط قبل العباد بخمسمائةعام
٠٧ الوصية بحفظ الجار
وروي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } لقد أوصاني ربي ليلة أسري بي بحفظ الجار حتى ظننت أنه سيورثه
{ وبعض العلماء يرى شفاعة الجار
فكل من حفظ الجيران فقد أطاع الرحمن وأسخط الشيطان وعمل بالسنة والقرآن
روي أن الرجل الصالح والمرأة الصالحة يشفعان يوم القيامة في سبعين من جيراهنما ويجوزاهنم على الصراط
عباد االله من حفظ الجار نجا من النار وجاز الصراط إلى دار القرار ومن حفظ الجار فقد عمل بالسنةوالكتاب
وأطاع الملك الوهابوأسخط الشيطان اللعين الكذاب وما من جار يلقى جاره المسلم فيسلم عليه إلا غفر االله
لجاره ولو كان له ألف جار
حفظ الجار قربة ووسيلة ودرجةعند االله وفضيلة
وأنشدوا
يا حافظ الجار ترجو أن تنال به
عفو الإله وعفو االلهمذخور
الجار يشفع للجيران كلهم
يوم الحساب وذنب الجار مغفور
٠٨ القنطرة السابعة
ثم يحبسون على القنطرة السابعة فيسألون عن الصدق فمن حفظ لسانهعن الكذب نجا من الصراط ونجا من النار
وصار إلى الجنة مع الأبرار
٠٩ الصدقوالكذب
ومن كذب فقد خالف الكتاب والسنة وقد حرم نعيم الجنة
روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } إذا كذب المؤمن كذبة من غير عذر تباعد منه الملكان مسيرة سنة
من نتن ما جاء به وكتب االله تبارك وتعالى عليه بكذبةثمانين خطيئة أقلها كمن يزني بأمه١١٠
كذبة المؤمن بثمانين خطيئة
وإذا كذب المؤمن من غير عذر يخرج من فيه شيء منتن حتى يبلغ العرش فتلعنه حملة العرشويلعنه ثمانون ألف ملك
ويكتب عليه ثمانون خطيئة أقلها مثل جبل أحد
الكذب نفاق والكذب من الكبائر وإذا استحل العبد الكذب فقد استحل المحارم كلها وإذا لم يستحل العبد الكذب
لم يقدر أن يباشر شيئا من محارم االله وأن الصادق إذا جاء الصراط سبقه نور وجهه مسيرة مئةعام يعني على
الصراط ومن صدق عمل بكتاب االله واتبع سنة رسول االله والصادق أسرع جوازاعلى الصراط وأسرع الناس
دخولا الجنة
والكاذب في أول قدم يضعهاعلى الصراط يهوي في النارفلا ينجو من الجسرالسابع وهوأصعبها إلا من صدق
ويهلك من كذب جعلنا االلهوإياكم برحمته ممن صدق فنجا
وأنشدوا
أصدق يريك إله العرشجنته
يوم المعاد ولا تولع بتكذيب
إن الصدوق لدى الرحمن منزله
دار الخلودبلا موت وتعذيب
يوم الجزاءعلى متن الصراط إلى
دار النعيم بلا حزن وتكئيب
ذكر في بعض الأخبار أن الصادق يجوزعلى الصراط وهو لا يشعر به ولا يهوله فاالله االله عباداالله كونوا من
الصادقين ولا تكونوا من الكاذبينوتأسوا بخاتم النبيين وسيد المرسلين صلى االله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين
١١ نجاة الصادقين
ذكر في بعض الأخبار أن الناس الذين ينجون من الصراط وهوله يحبسون بقنطرة بين الجنة والنار يتقاصون مظالم
كانت بينهم في الدنيا حتى إذا نقوا وهذبوا أذن لهم بدخول الجنة
قال رسول االله {صلى االله عليه وسلم} } فوالذي نفسي بيده إن أحدهم مسكنه في الجنة أدل منه لمسكنه الذي كان
في الدنيا { يا لها من كرامة ويا لها من نعمة ويا لها من منة ويا لها من فرحة
فقدمواعباداالله في اليسير من الأوقات والقليل من الساعات ما يجوزكم الصراط ويقيكم الآفات
الصراط على متن جهنم ممدود لا يجوزه إلا من خاف من أهوال اليوم الموعود وأطاع الملك المعبودالغفور الودود
١٢ الصلاة تجوزعلى الصراط
ذكر في بعض الأخبار أن من صام ثلاثة أيام من كل شهر وقام في ليلة من لياليها يصلي عشر ركعات يقرأ فيكل
ركعة بفاتحة الكتاب وقل هواالله أحد ثلاث مرات فإذا فرغ من صلاته صلى على محمد {صلى االله عليه وسلم}
عشر مرات ثم يقول سبحان من كان ولا مكان سبحان الموجود بكل حين وأوان سبحان المعبود فيكل أوان
سبحان المسبح بكل لسان سبحان المنجي من الهلكات سبحان خالق الأرضين والسموات جوزه االله تبارك وتعالى
على الصراط أسرع من البرق الخاطف ولا يؤذيه حرالنار ويمضي إلى الجنة مع أول زمرة من الصحابة والتابعين
ويشفعه االله تعالى في سبعين من أهله وجيرانه
وهي أفضل ما يصام من الشهر وهي يوم ثلاثةعشروأربعةعشر وخمسةعشر
روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } يمر الناس على الصراط فالزالون والزالات كثير وأكثر ما يزل
النساء وجبريل عليه السلام آخذ بحجزتي إذاعصفت الريح بأمتي فصاحوا يا محمداه فلولا أن جبريل عليه السلام
آخذ بحجزتي لأغثت أمتي
فيبادرون جوازا فلا يجوزه ظالم فيبقون متحيرين ثم يتداركهم االله برحمته وبفضل دعائي لهم فيقول جوزواعلى
الصراط بعفوي فيجوزوا اللهم اغفر لنا جميعا برحمتك
وأنشدوا
لوعلم الخلق ما يراد هبم
وأيما موردغدا يردوا
ما استعذبوا لذة الحياةولا
طاب لهم عيش إذا رقدوا
خوفا من العرض والصراط على
نار تلظى وحرها يقد
والناس في هول موقف عسر
قد عاينوا هوله الذي وعدوا
يا لك من موقف يفوز به
قوم هم للجنان قد وفدوا
مع النبي قد اصطفاه خالقنا
صلى عليه المهيمن الصمد
عباد االله اشتروا أنفسكم من مولالكم باليسير من الأعمال وبالقليل من الأفعال وبالطيب من الأقوال من قبل
حبسكم على الصراط لشدة الأهوال يوم لا بيع فيه ولا خلال بين يدي الكبير المتعال
١٣ كيفية الجوازعلى الصراط
ذكر في بعض الأخبار أن الناس ينقسمون في جواز الصراط سبعة أقسام فيجوز أول قسم من الرجال والنساء
كطرفةعين والقسم الثاني كالبرق الخاطفوالقسم الثالث كالريح العاصف والقسم الرابع كالطير اجملد والقسم
الخامس كالخيل في جريها والقسم السادس كالماشي والقسم السابع كالمهرول
١٤ أقسام الناجين على الصراط
فأما القسم الأول فهم أصحاب الصدقات وقوام الليل والعلماء يقدموهنم
والقسم الثاني هم الذين استقامواعلى أداء الفرائض ولم يفرطوا فيها وأدوها في أوقاهتا
والقسم الثالث هم الذين أدوا الزكاة ولزموا صحبة العلماء وأحبوهم
والقسم الرابع هم الذين وصلوا أرحامهم وطلبوا بصلتها رضاء مولاهم
روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه أوصى عند موته بصلة الرحم وما من عبد وصل رحمه بنفسه أو ماله إلا
جعله االله تعالى يوم القيامةعلى الصراط كالذي يمشيفي
رياض الجنةولا يرى من أهوال الصراط شيئا ويدخل الجنة مع أول زمرة تجوز الصراطوأنوارهم تسعى بين أيديهم
وبأيماهنم
والقسم الخامس هم الذين غضوا أبصارهم عن محارم االله وصانوا فروجهم عن الفواحش وحفظوا أزواجهم عما لا
يحل لهن وحجبوهن ولاطفوهن ورفقوا هبن كما قال {صلى االله عليه وسلم}
١٥ حديث في العناية بالنساء
النساء ودائع الأحرارولا يعزهن إلا عزيز ولا يذلهن إلا ذليل والذليل عند االله في النار وكذلك المرأة إذاعزت
زوجهاوأطاعته فيما يرضي االله تعالى
والقسم السادسهم الذين تجنبوا الرباوالحرام وتجنبوا الخيانة في المكيال والميزان
وقد قال رسول االله {صلى االله عليه وسلم}
كل مال خالطه الربا فهو زاد صاحبه إلى النار
١٦ آكل الربا
وقد ذكر أن آكل الربا يأتي الصراط فيجعل االله تبارك وتعالى كل درهم وكل حبة وكل ثوب وكل لقمة وكل شيء
أكل أواكتسبت يداه من الربا ثعبانا من نار يخطفه من على الصراط يهوي به في قعر جهنم مع اليهود ومن تاب
تاب االله عليه وغفر له ما جنى
والقسم السابع هم الذين بروا الوالدين وبروا الأزواج وبروا الجيران وبروا الإخوان ولزموا المساجد وأمروا
بالمعروف وهنواعن المنكروحفظوا حدوداالله ولم تأخذهم في االله لومة لائم وعملوا بكتاب االله وسنة رسوله {صلى
االله عليه وسلم}
وأنشدوا
} أتطمع بالنجاة وكيف تنجو ولست على نجاتك بالحريص
ولو في نيلها أعملت حرصا
لنلت الفوز بالثمن الرخيص
ولكني أراك تريد عزا
وحالك حال ممتهن نقيص
} وليس لمن تعرض للمعاصي
هديت عن الضلالة من محيض
١٧ المتصدقين سرا وعلانية
يا أحبابي إذا جاز الناس الصراط وجدوا خلقا كثيرا نساء ورجالا قد سبقوهم إلى الجنة فيقولون من هؤلاء الذين
سبقونا فتقول لهم الملائكة هؤلاء الرجال
الذين تصدقوا في السرابتغاء وجه االله وتصدقوا في العلانية ليحببوا الصدقة إلى عباداالله هؤلاء الذين فرجواعن
المكروبين
وهؤلاء النسوة اللواتي أطعن أزواجهن وحفظن فروجهن وحفظن ألسنتهن عن أذى الزوج وعن أذى الجيران
وتصدقن في السر والإعلان تسبق هذه الزمرة جميع الناس إلى الصراطوجوازه بخمسمائةعام
ومن كان من إخواهنم من أهل الذنوب جازوا في شفاعتهم فإذا جازت أول زمرة من الأولين السابقينوزمرة
المتأخرين يبقى رجل واحد فيضع قدمه الواحدة فتنزل فيبقى بالقدم الأخرى فيركب الصراط على بطنهوالنار
تصيبهعلى قدر ذنوبه
١٨ آخر من يبقى على الصراط
فلا يزال يحبو ويتدرج ويبكي ويتضرع إلى االله تعالى حتى يجوز فإذا جاز ونجا ردرأسهونظر إلى الصراطوأهواله
وأهوال أهل النار وعواء أهل النار في النار فيقول سبحان الذي خلصني منك ونجاني من أهوال النار
فبينما هو ينظر إلى الصراطويقول هذا القول يبعث االله تعالى إليه بلطفه ملكا من ملائكته فيأتيه فيأخذه بيده ويقول
له قم ياعبد االله فينطلق إلى غدير من ماءعلى باب الجنة فيقول له الملك اغتسل من هذه الماء واشرب منه فيغتسل
العبد ويشرب كما أمره الملك فيعود كالقمرالطالع ليلة التمام وتعودرائحته كرائحة أهل الجنةولونه كألوان أهل
الجنة ثم ينطلق به إلى قرب جهنم فيقول له قف ها هنا حتى يأتيك إذن من ربك فينظرإلى أهل النار ويسمع عواءهم
كعواء الكلب يستغيثون من شدة العذاب فإذا سمع العبد أهل النار وما هم فيه بكى وقال يارب اصرفوجهي عن
أهل النار حتى لا أنظر إليهم ولا أسمع صوهتم ولا أسألك غير هذا فيأتيهذلك الملك من عند رب العالمين فيحول
وجههعن أهل النار إلى أهل الجنة فينظر إلى ناحية أهل الجنة فيرى بينهوبين باب الجنة روضة خضراء ما رأى أحد
قط مثلها ثم ينظر إلى باب الجنة وجماله وعرضه مسيرة أربعين يوما للطير المسرعواالله أعلم من أي الأعوام يقول يا
رب قد أحسنت إلي الإحسان كله جوزتني الصراط وأنجيتني من النار وأدنيتني من باب الجنة هذه الروضة أسألك
أن تبلغني إليها ولا أسألك غير ذلك فيأتيهذلك الملك فيقول له يا ابن آدم ما أكذبك ألست قد عزمت أنك لا
تسأل غير هذا المقام فيأخذ بيده وينطلق به للروضة فيدخله فيها
١٩ باب الجنة
فينظر إلى باب الجنة وإلى هبجة تلك القصور وأطرافها من الجندل الأخضروحصباؤها من الياقوت الأحمر فيستنشق
نسيم طيب الكافور والمسك ويسمع حسن تغريد الأطياروخرير تلك الأهنار وما لا تصفه ألسنة الواصفين ولا يخطر
ببال المتفكرين فإذ ١ ا سمع العبد ذلك كله استخفه الطرب فيقول يا مولاي لقد أنعمت علي نعمنا أكمل النعم
جوزتني الصراط وأنجيتني من النار وصرفتوجهي عن أهل النار حتى لا أراهم ولكن أسألك يا سيدي ومولاي أن
تدخلني الجنة فاجعل هذا الباب بيني وبين أهل النار حتى لا أسمع حسيسهم ولا أرى عذاهبم فيأتيه ذلك الملك فيقول
له ابن آدم ما أكذبك ألست قد زعمت أنك لا تسأل غير ما قد سألت فيقول وعزتك يا رب لا سألتك غيره
فيأخذ الملك بيده فيدخله الباب فينظرالعبد عن يمينه وعن شماله مسيرة سنة فلا يرى إلا الشجرالمثمر ما رأى قط
مثلها ولا خطرعلى قلب آدمي ولا جني فينظر إلى أدنى شجرة فيرى عندها روضة فيها شجرة أصلها ذهب
وأغصاهنا فضة وورقها حلو ما رأى مثلها قط آدمي ولا جني ولا خطرعلى قلب بشر وثمرها ألين من الزبد وأحلا
من العسل فيقول العبد يا رب لقد أنعمت علي عبدك وتفضلت نجيتني من النار وأدخلتني الجنةوأعطيتني وأرضيتني
وإنما بيني وبين هذه الروضة قليل فبلغني إليها فوعزتك لا سألتك غيرها
فيأتيه ذلك الملك فيقول له يا ابن آدم ما أكذبك ألست قد زعمتا أنك لا تسأل غير ما سألت يا ابن آدم أين
أقسمت به أما تستحي من االله
٢٠ منازل الجنة
فيأخذ بيده فينطلق به إلى أدنى منزل من منازلها فإذا هو بقصر من لؤلؤة بيضاء بين يديه فلا يملك نفسه حين ينظر
إليه فيقول يارب أسألك هذا المنزل ولا أسألك غيره
فيأتيه الملك من عند االله سبحانه فيقول له الله يا ابن آدم ما أكذبك ألست أنك قد زعمت أنك لا تسأل غير ما أنت
فيه فينظر بين يديه فإذا بمنزل كأنما المنزل الأول والثاني وجميع ما خلق ورآه حلما فيسأله فيعطىفلا يزال كذلك
حتى يعطى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطرعلى قلب بشر فلو نزل في أدنى قصر من قصور الجن والإنس
لكان عنده من الكراسي ما يجلسون ويتكئون عليها ولكان عنده من الموائد ما يفضل عنهم ولكان عندهم من
الطعام والشراب
ما يأكلون وإذا أكلوا وشربوا لم ينقص من الطعام والشراب إلا بقدر ما أصاب رجل واحد { وماعند االله خير
وأبقى للذين آمنوا وعلى رهبم يتوكلون } الشورى ٣٦ وأنشدوا
مقام المتقين غدا جليل
يطيب لهم مع الحور المقيل
} وأنوارعليهم مشرقات
إذا ناداهم الملك الجليل
٢١ فائدة للجوازعلى الصراط
ذكر في بعض الأخبار أن العبد أو الأمة إذا ذكر الصراط وهولهوصعوبتهورقته وطوله وبعد مسافته ثم بكى ثم قام
فصلى عشر ركعات يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة وقل هواالله أحد ثلاث مرات ويسلم عن كل ركعتين
فإذا فرغ من العشر ركعات صلى على لنبي {صلى االله عليه وسلم} وشرف وكرم مائة مرة ثم قال سبحان االله من
خلق ما شاء وقضى بما شاء والحمد الله على كل شيء ثلاث مرات ثم يقول اللهم جوزني الصراط ونجني من هوله
االله لا إله إلا أنت لا شريك لكوصلى االله على سيدنا محمد وآله
فمن صلى هذه الصلاة وقال هذا القول جوزه االله تبارك وتعالى الصراط وهو لا يشعر به ولا يهوله مع أول زمرة
تمر إلى الجنة
فاغتنموا رحمكم االله هذا الثواب وتحصنوا به من أليم العذاب يا أولي العقول والألباب لأن الصراط حاد رقيق
وطريقه أبعد الطريق يا له من طريق ما يعين على جوازه أخ ولا صديق إلا عمل صالح ورب رفيق
واعلموا وفقنا االله وإياكم أن العمر يذهب والدنيا تفنى وتخربوالنفس تموت والمرد إلى الحي الذي لا يموت
فاستعدوا بكثرة الأنواروبالصلاة وفعل الخير في الليل والنهار وبالطاعة للنبي السيف المختار وبالعمل بكتاب الملك
الواحد القهار وابكواعلى هول الصراط المنصوب على متن النار يسره االله لنا وهونهعلينا آمين رب العالمين إنه
قريب مجيب
٢٢ شفاعة الناس بعضهم لبعض
ذكر أن العبد إذا جاوز الصراطوخلص ذكر في ذلك الموقف أباهوأبناءه وإخوانهوجيرانه فعند ذلك يسأل
الصديق في صديقه والوالد في ولده والجار في جارهوالرجل في زوجته والمرأة في زوجها والإمام في جماعته التي كان
يصلي هبا فيشفع كل واحد منهم على قدرعمله ومنزلتهعند ربه
روى قتادةعن الحسن البصري رضي االله عنه أن رسول االله{صلى االله عليه وسلم} قال له بعض أهله يا رسول االله
هل يفكر الرجل يوم القيامة في حميمه فقال رسول االله {صلى االله عليه وسلم} ثلاثة مواطن لا يذكر فيها أحد أحدا
عند الميزان حتى ينظرأيثقل ميزانه أم يخف وعند الصراط حتى ينظر أيجوز أم لا وعند الصحف حتى ينظرأبيمينه
يأخذ الصحيفة أم بشماله فهذه ثلاثة مواطن لا يذكر فيها أحد حميمه ولا صديقه ولا حبيبهولا قريبه ولا بنيه ولا
والديه وذلك قول االله تبارك وتعالى { لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه } عبس ٣٧ هو مشغول بنفسهعن غيره
من شدة الأهوال العظام أسأل االله أن يسهلها لنا برحمته ويهوهناعلينا بمنه ولطفهوأنشدوا
بكيت على هول الصراط وذكره
وهو زفير النار من أعظم الذكر
وكيف يطيق الصبر من كان عاصيا
لخالق كل الخلق في السروالجهر
ومن يك ذا خوف شديد لهوله
فإن له أمنا من الهول في الحشر
فليس لمن يبكي لهول صراطه
جزاء سوى دار النعيم مع الفخر
فيا له من هول فظيع يجوزه
رجال أطاعوا االله في سالف العمر
عباد االله تفكروا في هول الصراط الرقيق البعيد وأشفقوا من الهول العظيم الشديد وأطيعوا الجبار الولي الحميد
٢٣ لا تقبل صلاة شراب الخمر
ذكر أن شراب الخمرإذا أتواعلى الصراط تخطفهم الزبانية فتهوي هبم إلى عين الخبال وهي قيح أهل النار فيسقون
بكل كأسشربوا من الخمر في الدنيا شربة من الخبال لو أن تلك الشربة تصب من السماء السابعة لأحرقت
السماواتوالأرضين بمن فيهن ومن عليهن والأصل في شارب الخمرأنه يخطف من على الصراط لأنه ليس في
وجهه نور لأن النور لا يكون من العمل الصالحوشارب الخمرليس لهعمل صالح والأصل فيه أن الأعمال كلها لا
تقبل إلا ممن صلى لأن الصلاة هي رأس الأعمال وشارب الخمر لا تقبل منه صلاة مادام مصراعلى شرب الخمر
فإذا لم تقبل منه صلاة فلم لا يقبل منه سائرعمله فيأتي إلى الصراط ووجهه أسود وقد عهد إلى الزبانية الذين على
الصراط أن لا يتركوا أن يجوز إلا
من له ومن ليس له نور أن يكبوه في النار إلا من تاب وترك الخمر ورجع إلى االله تعالى
٢٤ التوبة من الخمر وثواهبا
يا إخواني اعلموا أن شارب الخمر إذا تاب وترك الخمر لوجه االله تعالى كان يوم القيامة أفضل وأكثر نوراعلى
الصراط وأسرع جوازا ممن لم يشرهبا فاالله االله يا معشر المذنبين توبوا إلى مولاكم أسرع الحاسبين يغفر لكم ذنوبكم
أجمعين
٢٥ فضل المؤذنين
ذكر في بعض الأخبار أن المؤذنين إذا أتوا إلى الصراط يجدون نجائب من نور مسرجة بسرج الياقوتوالزبرجد
فيركبوهنا فتطير هبم على الصراطويشفع كل واحد منهم عند جواز الصراط في أربعين ألفا كلهم قد استوجبوا النار
ويجوز في نور المؤذن ألف رجل وألف امرأة وفي حديث آخرأن المؤذن إذا جاء إلى الصراط سبقه نور الآذان ونور
لا إله إلا االله ونور محمد رسول االله ونور الدعاء الذي يدعوالناس إلى توحيد االله تبارك وتعالى فيجوز الصراط في
نور المؤذن أربعون ألفا ممن ليسلهم نور وهم أهل الذنوب والخطايا
روي عن رسول االله {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } ما من عبد مسلم حان عليه وقت الصلاة في أرض قفراء أو
موضع ليس فيه جماعة فقام فأذن ثم أقام فصلى إلا وأم من جنود الأرض ما لا يحصي عددهم إلا االله تبارك وتعالى
ويكتب االله له بعددهم حسنات ويمحو بعددهم سيئات ويرفع له بعددهم في الجنة درجات لو دخل في أدنى درجة
من درجاته الجن والإنس لوسعتهم ولكان فيها من الفرش والأسرة والموائد والطعام والشراب والخدم ما يفضل
عنهم وإن لم يؤذن واقتصرعلى الإقامةوحدها لم يصل خلفه إلا ملكاه اللذان يكتبان {
وفي حديث آخر إذا أذن العبد المسلم في فلاة من الأرض ثم أقام فصلى جعل االله تبارك وتعالى خلفه سبع صفوف
من الملائكة المقربين أحد طرفي الصف بالمشرقوالآخر بالمغرب فإذا فرغ من صلاته ودعا أمنواعلى دعائه ويكتب
االله تبارك وتعالى له بعددهم حسناتويمحوعنه جل وعلا بعددهم سيئات ويرفع له تعالى بعددهم درجاتكل
درجة أعظم من الدنيا سبعون ألف مرة فيها من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن
سمعت ولا خطرعلى قلب بشر
فإذا جاء يوم القيامة إلى الصراط جاء معه أصحابه من الملائكة الذين صلوا خلفه كل ملك منهم معه نور من نور
الجنة فيأخذون بيده وبأيدي أهله وبأيدي إخوانه الذين صحبوه وأحبوه في االله فيفرقون عليهم من تلك الأنوار
ويجوزوهنم الصراط في شفاعته ويمضون معه إلى الجنةولا يرون من هول الصراط ولا من حرهولا صعوبته شيئا
٢٦ فضل العلماء
ذكر في بعض الأخبار أن العلماء إذا أتوا إلى الصراط تكون وجوههم كالشمس الضاحية وأنوارهم بين أيديهم وبيد
كل عالم منهم لواء من نور الجنة يضيء له مسيرة خمسمائةعام وتحت لواء العالم كل من اقتدى بعلمه وكل من
أحبه في االله ومنادينادي هؤلاء أحباء االله هؤلاء أولياء االله هؤلاء الذين خلفوا الأنبياء هؤلاء الذين علمواعباداالله
هؤلاء الذين دعوا إلى االله هؤلاء الذين حفظوا حدوداالله هؤلاء مصابيح الدجى هؤلاء أئمة الهدى
فإذا دنوا من الصراط يوضع على رأس كل واحد منهم تاج من نور الجنة لو وضع ذلك التاج في السماء السابعة
العليا لخرق نوره إلى الأرض السابعة السفلى ويكسى كل واحد منهم حلة من حلل الجنة لونشرت تلك الحلة بين
السماء والأرض لغطى نورها نور الشمس ولمات الخلائق كلهم عشقا إلى رؤيتها ولملأت الأرضوالبحار من رائحة
المسك وينزل على رأس كل واحد منهم غمامة من نور تقيه من حر شرر جهنم ومن حرالشمس
وأنشدوا
يا طالب العلم ترجو أن تنال به
عفو الإله وعفو االله موجود
اطلب بعلمك وجه االله خالقنا
إن الصراط على النيران ممدود
عفو الإله لأهل العلم نائلهم
وعفوهعند أهل الجهل مفقود
فاحرص هديت على التعليم مجتهدا
وأنت عند إله العرش محمود
فاعمل بعلم رسول االله سيدنا
وأنت بين عباداالله مسعود
واعلموا أن االله تبارك وتعالى لا يقبل عملا بلا علم
قال االله تبارك وتعالى { إنما يخشى االله من عباده العلماء } فاطر ٢٨ فالعلماء قد أثبت لهم الجبار الخشية والتقى
قال االله تعالى { إنما يتقبل االله من المتقين } المائدة ٢٧ ومن لا يعلم لا يتقي وكيف يتقي من لا يدري ما يتقي
وقد قال رسول االله {صلى االله عليه وسلم}
} تعلموا العلم فإن تعلمه الله خشية وطلبهعباده ومدارسته تسبيح والبحث عنه جهادوتعليمه لمن لا يعلمه صدقة به
يعرف االله ويعبد وبه يحمد االله ويوحد { هو إمام العمل والعمل تابعه يرفع االله بالعلم أقواما فيجعلهم للخير قادة
وأئمة يقتدى هبم وينتهي إلى رأيهم
فقد بين رسول االله {صلى االله عليه وسلم} أن العبادة لا تكون إلا بالعلم لقوله{صلى االله عليه وسلم} } به يعرف
االله ويعبد { ويستوفي ذكر فضل العلم في قول االله تبارك وتعالى { إنما يخشى االله من عباده العلماء } والمقصود في
هذا الموضع ذكرالصراط والجوازعليه
٢٧ فضل حملة القرآن
ذكر في بعض الأخبار أن حملة القرآن يحشرون يوم القيامةعلى كثبان من مسك أسود وأنوار وجوههم تغشى
بالأبصار فإذا أتوا إلى الصراط تلقتهم الملائكة الذين وكلوا بحملة القرآن فتأخذ بأيديهم وتضع التيجان على
رؤوسهم والحلل على أجسامهم وتقرب إليهم خيلا من نور ا لجنةعليه سرج من المسك الأذفر والعنبر الأشهب
ألجمها من اللؤلؤ والياقوت يركبوهنا فتطير هبم على الصراط ويجوز في شفاعة كل واحد مائة ألف ممن قد استوجب
النار ومنادينادي هؤلاء أحباب االله هؤلاء أولياء االله الذين قرءوا كتاب االله وعملوا به فلا خوف عليهم ولا هم
يحزنون
وهم أهل االله وهم أحباب االله من أحبهم في الدنيا أحبه االله فجاوزا الصراط وخلفوه بلا هول ولا هم ولا حزن ولا
غم
وهذا إذاعملوا بالقرآن ووقفواعند أوامره ونواهيه وأحلوا حلالهوحرموا حرامه وآمنوا بمحكمه ووقفواعند
متشاهبه وسارعوا إليه { أولئك حزب االله ألا إن حزب االله هم المفلحون } اجملادلة ٢٢ } أولئك الذين هدى االله
فبهداهم اقتده } الأنعام ٩٠ أولئك أولياء االله الصالحون أولئك الذين رضي االله عنهم ووفقهم وهداهم وآتاهم
تقواهم
٢٨ من لم يعمل بالقرآن
وأما حامل القرآن إذا لم يعمل به فإنه يأتي إلى الصراط فتستقبله الزبانية بمقامع الحديد وأرازب النار وتسود
وجوههم على قدر ما ضيعوا من العلم فمن تعلم علما للتجبر والمباهاة أو الرياء أوالسمعة ولم يردبه وجه االله تعالى
وطلب
عليه الرشاوالبراطيل وكتمه ولم ينصح بهعباداالله وطلب به الرياسةوصحبة الملوك ومشى به إلى أبواب أبناء الدنيا
وإلى دور الظلمة وأهل الجور وحكم به بغير العدل ألجم بلجام من نار جهنم وكان عملهعليه حجة وغمة ومحنة
وحسرة وندامة وظلمةعلى الصراط
ثم يكون العلم للعامل نورا وفرحة وسروراوجنة وحبورا ينظر المغرور المسكين إلى وفود العلماء وزمرالأولياء
وألويتهم على رؤوسهم منشورة وقلوهبم مما بشروا به من الفوز بالجنان مسرورةوأنوارهم تسعى بين أيديهم
وبأيماهنم والملائكة تنادي أدخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون وأنت في ظلمك حيران أيقنت بالحلول في
سموم النيران إلا أن يتداركك بعفوه الملك الديان
وقد أخذ الملك بيدك وهو ينادي عليك ولجام النار في فمك لو كان ذلك اللجام في الدنيا لأحرقها من مشرقها إلى
مغرهبا وينادي عليك هذا الذي ضيع حدوداالله هذا الذي خالف أوامراالله هذا الذي بدل عهد االلهوخالف كتاب
االله وسنة رسول االله {صلى االله عليه وسلم} وآثر حب الدنياعلى ماعند هؤلاء
يا مسكين أخذت على العلم أجرة وبرطيلا واشتريت به ثمنا قليلا ولم تراقب مولى كريما جليلاوتركت وراءك يوما
هائلا ثقيلا وخسرت يا مغرور ملكا كبيرا دائما جزيلا
٢٩ فسقة حملة القرآن
ذكر في بعض الأخبارعن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } الزبانية أسرع إلى فسقة حملة القرآن منهم إلى
عبدة الأوثان والنيران فيقولون ويبدأ بنا قبل عبدة الأوثان والنيران فتقول لهم الملائكة ليس من يعلم كمن لا يعلم
وفي حديث آخر إن الملائكة الذين جعلهم االله على الصراط إذا نظروا إلى حملة القرآن الفساق أخذوهم
وزجوا في أقفيتهم وألقوهم في جهنم أويعف االله تعالى عنهم
اللهم اعف عنا وعن جميع إخواننا المسلمين واجعل القرآن حجة لنا لا تجعله حجةعلينا يا أرحم الراحمين
وأنشدوا
عظمت مصيبة حامل القرآن
إن كان ملجأه إلى النيران
فهو الجزاء لمن عصى رب العلا
دار العذاب وموقف الخسران
عظمت خسارته وجل مصابه
عند الصراط بظلمة وهوان
يا رب عفواعن قبيح فعالنا
أنت الدليل لجنة الرضوان
فاتقوا االله معشرأهل القرآن في كتابه وأشفقوا من أليم عذابهواعملوا بالقرآن وارغبوا في جزيل ثوابه لأن القرآن
هو لكم وهوعليكم إن تعملوا به ويل وثبور { فلا تغرنكم الحياة الدنياولا يغرنكم باالله الغرور} لقمان٣٣
روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } عرضت علي الذنوب كلها فلم أر فيهاذنبا أعظم من ذنب حامل
القرآن وتاركه {
ومعنى تاركه تارك العمل به العمل مع قلة العلم أفضل من كثرة العلم وقلة العمل
روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } يسأل حامل القرآن عما يسأل عنه الأنبياء { وإذاغضب حامل
القرآن يقول له القرآن أما تستحي أنا معك وأنت تغضب اقتد بي تنجووأكرمني بالطاعة أنجيك من الأهوال
وأجوزك الصراط وأدخلك الجنة
ويروى عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } ما من شفيع أفضل منزلةعند االله من القرآن نبي ولا ملك ولا
غيره { فإنا اللهوإنا إليهراجعون على من لا يعمل بالسنة والقرآن كيف اختار النارعلى الجنان وعصى مولاه
وأطاع الشيطان لقد ضل ضلالا بعيداوتبوأعذابا شديدا وبقي من الخير فريداوحيدا
فيا لها من مصيبة ما أعظمها ومن حسرة ما أدومها
٣٠ ما خلف الصراط
روي الحسن عن رسول االله {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } خلف الصراط جسرعليه الأمانة وجسرعليه الرب
جل جلاله وجسرعليه الرحمة فيا أيها السامع لما جاء من أحاديث الصفات والآثار المشكلات سلم الأمور لباريها
واترك تأويلها إن كنت تاليها وقاريها وعليك بخويصة نفسك واعمل ليوم رمسك وذلك الجسرعليه
السؤال ذلك الوقت يقول االله جل جلاله وتقدست أسماؤهعبدي عملت كذا وفي يوم كذا فيقول العبد نعم يا رب
فلا يزال الرب جل جلاله يعرف العبد والعبد يعترفويقول نعم حتى يقول العبد لإرسالك بي إلى النار أهون علي
من هذا التوبيخ فيقول له جل وتعالى ياعبدي بعيني إذا كنت عملت ذلك وكنت عليك شهيدا وملائكتي وأرضي
ولكن سترت عليك بحلمي وجودي ياعبدي أنا سترهتا في الدنياعليك وأنا أغفرها اليوم لك
غفر االله لنا أجمعين وأماتنا برحمته مسلمين تائبين على السنة والجماعةعلى أن لا إله إلا االلهوحده لا شريك له وأن
محمدا رسول االله {صلى االله عليه وسلم}
٤ مجلس في قوله سبحانه وتعالى وتقدست أسماؤه{ وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم }
١٣١ هؤلاء الذين ذكرهم المولى جل جلاله بقوله{ وعلى الأعراف رجال } الأعراف ٤٦ هم قوم استوت
حسناهتم وسيئاهتم فحبسواعلى الأعراف والأعراف هي مواضع مرتفعةعلى الصراط لأن الصراط سبع قناطر
وهي الجسور بعضها أصعب من بعضوبعضها أشد سؤالا من بعض وبعضها أكثرارتفاعا من بعض وعند كل جسر
يسأل العبد فيهاعن عبادته التي افترضها االله عليه في الدنيا
فنسأل االله التوفيق في الدنياوالتسهيل في الآخرة في تلك المقامات
٣٢ سؤال العباد يوم القيامة
فأول ما يسأل عنه العبد الصلاة ثم الزكاة ثم الصيام ثم الحج ثم الأمانة ثم برالوالدين ثم حفظ اللسان ثم حفظ الجار
ثم صلة الرحم وكذلك جميع ما أمراالله عزو وجل به وجميع ما هنى عنه فكل من جاء إلى جسر من جسور الصراط
سئل عن عبادته فإن أجاهبا جاز وصار إلى الجنة ونور الإيمان يسعى بين يديه وعن يمينه وعن شماله وإن لم يأت هبا
نقص نوره وهو نور الإيمان لأن الإيمان يزيد وينقص يزيد بطاعة االله وينقص بمعصية االله فكل من نقص ثوابه بالمعصية
نقص نورهعلى الصراط
فمن أراد مولاه أن يعذبه أتم له النور في بعض جسور الصراط وطفأ النورعنه في بعضه والصراط أسود مظلم من
شدة سواد جهنم لو أن قطرة من ظلمة الصراطوضعت في الدنيا لأظلم مشرق الدنيا ومغرهبا ولمات الخلق من شدة
الظلمة وإنما حبس االله تعالى هؤلاء القومعلى أعراف الصراط ليبين لأهل الجنة والملائكة والجن والإنس ولجميع ما
خلق االله تبارك وتعالى فضل نبينا محمد {صلى االله عليه وسلم} وليظهر فخره وجاهه وقدره وحرمتهعند ربنا جل
جلاله وذلك أن االله تبارك وتعالى يأمرالعباديمضون على الصراط
منصوب على متن جهنم وتأتي الخلائق إلى الصراط المؤمنون والكافرون فأما المؤمنون فيمضون وأنوارهم تسعى بين
أيديهم وبأيماهنم أي عن أيماهنم
٣٣ ظلمات الكفر والمعصية
وأما الكافرون فإهنم يمضون في ظلمات الكفر وظلمات أعمالهم التي عملوا في حال الكفر في دار الدنيا فإذا أتوا إلى
الصراط فأول قدم يضعوهناعلى الصراط يهوون في النار فتخطفهم الملائكة بالكلاليب فتلقيهم في قعر جهنم فإذا
مضى المؤمنون بنورهم مضى المنافقون في آثارهم يتبعوهنم وينادوهنم انظرونا نقتبس من نوركم فنمشي في ضوئكم
فيقال ارجعواوراءكم فالتمسوا نورا
وهو قوله تعالى { إن المنافقين يخادعون االله وهو خادعهم } النساء ١٤٢ وذلك أهنم كانوا في الدنيا إذا لقوا الذين
آمنوا قالوا آمناوأظهروا لهم الإيمان بألسنتهم واعتقدوا الكفر بقلوهبم واالله تعالى يعامل العبادعلى عقائد قلوهبم
والمنافقون كانوا يتربصون بالمؤمنين الدوائر فإذا كانواعلى الصراط على آثار المؤمنين ليمشوا في نورهم قالوا
للمؤمنين انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فيظنون أن وراءهم نورا يلتمسونه فيرجعون
وراءهم فيرفع لهم سرداب فيظنون أن في السرداب نورا يجوزهم على الصراط فيقتحم هبم إلى أبواب جهنم فإذا
رأى المؤمنون المنافقين قد تساقطوا وهتافتوا في النار فزعوامما حل بالمنافقين فعند ذلك يقال لهم بشراكم اليوم جنات
تجري من تحتها الأهنار وهذا العذاب الذي فزعتم منه هو للمنافقين الذين عصوا االله ورسولهوجحدوا بآيات االله
وخالفوا كتابه فعند ذلك يضرب بينهم بسور له باب
٣٤ السور الحاجز بين الجنة والنار
والسور هو الحائط له باب إلى الجنة وهو حائط بين الجنة والنار باطن ذلك الحائط في الرحمة وظاهره من قبله
العذاب يعني جهنم والباطن فيه الرحمة يعني الجنة فإذا رأى المنافقون المؤمنين لم يعرجواعليهم ولم يلتفتوا إليهم
ورأوهم في حال السلامة والفوز فيقول لهم المنافقون ألم نكن معكم في الدنياعلى التوحيد وكنا نصلي معكم فيقول
لهم المؤمنون بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم أي عذبتم وأحرقتم أنفسكم بالنار بخلافكم لرسول االله {صلى االله عليه
وسلم} وقولكم
بألسنتكم ما ليس في قلوبكم وتكذيبكم بلقاء االله تبارك وتعالى وكذبتم هبذا اليوم وتربصتم برسول االله {صلى االله
عليه وسلم} وبالمؤمنين الدوائر وغرتكم الأماني حتى جاء أمراالله وغركم باالله الغرور فيما فعلتم برسول االله {صلى
االله عليه وسلم} وبالمؤمنين فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا يعني لا يؤخذ من كافر ولا منافق فداء
٣٥ صفة المنافق
فالكافر هوالذي كفر في السر والإعلان والمنافق الذي كفر في السر وآمن في الإعلان وآمن بلسانه وكفربقلبه
وقوله مأواكم النار أي مرجعكم إليها ومستقركم فيها هذا كلهغرور الشيطان بكم حتى جاءكم الموت ومتم على
النفاق فإذا رجعوا وراءهم ليلتمسوا النور رأوا سردابا فيدخلون ذلك السرداب ويظنون أن النور فيه فيهجم هبم
على أبواب جهنم فتخطفهم الملائكة بالكلاليب فتقذفهم في جهنم حتى يجاوزن الباب الأول من جهنم ثم يلقون في
الباب الثاني حتى يجاوزونه فلا يزالون من باب إلى باب حتى يجاوزن الباب الأول من جهنم ثم يلقون في الباب الثاني
حتى يجاوزنهفلا يزالون من باب إلى باب حتى ينتهوا إلى الدرك الأسفل من النار فينتهي هبم إلى جب يقال له جب
الحزن في ذلك الجب بئريقال لها الهبهب فيها توابيت من نار وعليها أقفال من نار
٣٦ بئر الهبهب
على تلك البئر صخرة من كبريت في تلك البئر باب إذا رفعت تلك الصخرة استغاثت نيران جهنم من تلك النار
التي تخرج منها فتأكل تلك النار التي تخرج من تلك البئر نيران جهنم وما فيها أسرع من طرفة العين فيؤتى بالمنافقين
فيلقون في تلك البئر وتوضع عليهم تلك الصخرةفلا يخرجون منها أبدا كلما أكلت تلك النار لحومهم جدداالله لهم
لحوماغيرها فلا يخرجون من تلك البئرأبدا فذلك قولهعز وجل { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النارولن تجد
لهم نصيرا } النساء ١٤٥ وقوله { إن المنافقين يخادعون االله وهو خادعهم } النساء ١٤٢ يعني بقوله ارجعوا
وراءكم فالتمسوا نورا
وأما المؤمنون الذين استوت حسناهتم وسيئاهتم فإهنم يمشون على الصراط وأنوارهم تسعى بين أيديهم وبأيماهنم حتى
إذا كانواعلى جسرالصراط وهو أعلا الجسور من الصراط وهي الأعراف وهي
المواضع المرتفعة واحدهاعرف وتسمى النشز من الأرض وهو الموضع المرتفع عرفا ومنهاعرف الديك
٣٧ أهل الأعراف
فإذا صارعلى تلك المواضع من الصراط نقص نورهم وبقواعلى أطراف أنامل أرجلهم ورأوا أن ذلك ظلمة وذلك
أن الخلق على الصراط على قدر أعمالهم في الدنيا فمن الناس من يكون له من النور ما يضيءعلى الصراط مسيرة
مائةعام ومنهم من يعطي من النور ما يضيء له مسيرة سنة وما يضير مسيرة شهر ومسيرة جمعة ومسيرة يوم
ومسيرة ساعة ومن الناس من يعطي من النور ما يضيء له موضع قدميه
على قدر منازلهم عند االله تبارك وتعالى وعلى قدر أعمالهم في الدنيا فيستبقون في الجوازعلى قدر أنوارهم التي معهم
فمن كان له نور كثير جاز في السعة ومن كان له نور قليل جاز في الضيق على قدر ما أعطى االله لكل عبد فإذا ثبت
أصحاب الأعراف على أنامل أرجلهم في ذلك ولا ينظرون إلى موضع أقدامهم من شدة الظلمة والظلمة هي شدة
سواد جهنم أعاذنا االله وإياكم منهاوسهل لجميعنا شدائدها وظلمتها وثبت على الصراط أقدامنا بمنه وفضله
والصراط أحد من السيف وأرق من الشعرةوأحر من الجمرعليه من الحسك والكلاليب أكثر من عدد الإنس
والجن قد تعلق بكل كلوب من الزبانيةعدد نجوم السماء إذا تكلم واحد منهم تناثرالنار من فيه لو أن واحدا منهم
بصق في البحار الزاخرة لجففهاوإذا تكلم واحد منهم فزع صاحبه منه ولو سمع أهل الدنيا صوت واحد يتكلم
بالكلام لماتكل من فيها من إنسهاوجنها وجميع ما خلق االله تبارك وتعالى فيها من برها وبحرها من فظاعة كلامه
ومن شدة صوته وإذا صاح مالك خازن جهنم على خزنة جهنم يغشى عليهم من شدة صوته
والصراط مع دقته ورقته يضطرب كما تضطرب السفينة بأهلها إذا كانت الريح عاصفة فإذا ثبت القومعلى
أناملهم من أرجلهم ولا يستطيعون الجواز وهم ينظرون إلى أهل النار كيف يعذبون في النار قال االله تعالى { وإذا
صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } الأعراف ٤٧ وهم يستغيثون
ويتضرعون إلى مولاهم جل جلاله ويسألونه النجاة من النار ومن هول ما هم فيه من صعوبة الصراط فيمكثون
كذلك ما شاء االله تبارك
وتعالى مغمومين مكروبين محزونين لا يدرون أينجون أم يهلكون مع كل إنسان منهم حافظاه اللذان كانا يكتبان
عليهعمله في الدنيا فبينماهم كذلك إذيلقى االله تبارك وتعالى ذكرهم في قلوب إخواهنم من أهل الجنة وعلى
ألسنتهم فيقول بعضهم لبعض يا ليت شعرنا ما فعل إخواننا من أهل الأعراف فيقولون ما لناعلم بما صنعوا ولكنا
نسأل الحفظة ومن معهم حتى يخبرونا ما فعلوا فينادون من قصورهم يا معشر الملائكة الذين مع أصحاب الأعراف
ما فعل أخواننا من أصحاب الأعراف
٣٨ شفاعة أهل الجنة في أصحاب الأعراف
فيقول الملائكة يا معشر أهل الجنة أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون بدخولها قد قل نورهم وطفئ
سراجهم وبقواعلى أطراف أناملهم وأرجلهم وهم وقوف ينتظرون رحمة رهبم فذلك قوله تعالى { ونادوا أصحاب
الجنة }الأعراف ٤٦ يعني نادت الملائكة أصحاب الجنة{ أن سلامعليكم لم يدخلوها وهم يطمعون } الأعراف
٤٦
٣٩ حياء آدم
فعند ذلك يلبس أهل الجنة الحلي والحلل ويضعون التيجان على رؤوسهم ثم يمصون بأجمعهم حتى يأتوا آدمعليه
الصلاة والسلام وهو في قصره فينادون بأجمعهم يا أبانا أنت الذي خلقك االله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك
كرام ملائكته وأسكنك جنته إن ناسا من ولدك محبوسون على الصراط قل نورهم وطفئ سراجهم فاشفع لهم عند
ديان يوم الدين فيقول آدمعليه السلام لست هنالك أنا الذي عصيت ربي وأكلت من الشجر فغفر لي وأنا أستحي
أن أساله بعد المغفرة شيئا ولكن عليكم يا بني بنوح الذي حمله االله في الفلك
٤٠ حياء نوح
فيأتون نوحاعليه السلام فينادون بأجمعهم يا نوح فيشرف عليهم من قصره فينظرإلى جماعتهم فيقول لهم نوح يا
أهل الجنة ما الذي أزعجكم من منازلكم وما الذي جاء بكم فيقولون له يا نوح أنت الذي حملك االله في الفلك إن
ناسا محبوسون على الصراط قل نورهم وطفئ سراجهم فاشفع لهم عند ديان يوم
الدين فيقول لهم نوح لست هنالك أنا الذي خاطبت ربي فيما ليس لي بهعلم فغفر لي وأنا أستحي أن أسأله بعد
المغفرة شيئا ولكن عليكم بإبراهيم الذي اتخذه االله خليلاوجعل النارعليه برداوسلاما فيأتون إبراهيم عليه السلام
وهو في قصره فينادون بأجمعهم يا إبراهيم أنت الذي اتخذك االله خليلا إن ناسا محبوسون على الصراط قل نورهم
وطفئ سراجهم فاشفع لهم عند ديان يوم الدين فيقول لهم لست هنالك أنا الذيكذبتكذبتين وقيل ثلاث فغفر
لي وأنا أستحي أن أسأله بعد المغفرة شيئا ولكن عليكم بموسى بن عمران كليم االله ونجيه
٤١ حياء موسى
فيأتون موسى عليه السلام فينادونه فيشرف عليهم فيقول له يا موسى أنت الذي كلمك االله بغير ترجمان وأنزل عليه
التوراة وضرب لك طريقا يبسا في الأرض وأراك العجائب من قدرته إن ناسا من إخواننا محبوسون على الصراط قل
نورهم وطفئ سراجهم فاشفع لهم عند ديان يوم الدين فيقول لهم موسى لست هنالك أنا الذي وكزت الرجل
فقتلته فغفر لي وأنا أستحي أن أسأله بعد المغفرة شيئا ولكن عليكم بعيسى بن مريم العذراء البتول البكر
٤٢ حياءعيسى
فيأتون عيسى وهو{صلى االله عليه وسلم} في قصره فينادون بأجمعهم ياعيسى فيشرف عليهم من قصره فيقول لهم
يا أهل الجنة ما الذي أزعجكم من منازلكم وما الذي جاء بكم فيقولون له ياعيسى أنت الذي خلقك االله من غير
بشر وأنت الذي جعلك االله آية للناسوأنت ابن الطاهرة البكرالعذراء البتول إن ناسا محبوسون على الصراط قل
نورهم وطفئ سراجهم فاشفع لهم عند ديان يوم الدين فيقول لست هنالك أنا الذي زعمت النصارى أني قلت لهم
اتخذوني وأمي إلهين من دون االله فاستحي منه أن أسأله شيئا ولكن عليكم بالذي كان آخر المرسلين وهواليوم أولهم
عليكم به فهو إمام المتقين وسيد العالمين وخاتم النبيين محمد {صلى االله عليه وسلم}
٤٣ شفاعة محمد
فيأتون النبي {صلى االله عليه وسلم} وهو في قصره خير قصور الجنة فيقفون حول القصر
والقصر قد أشرق نوره وهبجتهعلى جميع قصور أهل الجنة فينادون بأجمهم يا محمد يا أبا القاسم يا أحمد يا سيد
العالمين يا إمام المتقين يا خاتم النبيين فيشرف عليهم {صلى االله عليه وسلم} من قصره والنور من وجهه قد أشرق
على قصور الجنة كلها فيقول لهم صلوات االله وسلامهعليه ما الذي أزعجكم من منازلكم وما الذي جاء بكم
فيقولون له أنت الذي جعلك االله خاتم النبيينوسيد العالمين وإمام المتقين إن ناسا من أمتك على الصراط محبوسون
قل نورهم وطفئ سراجهم فاشفع لهم عند ديان يوم الدين
٤٤ دخوله جنةعدن
فيقول النبي{صلى االله عليه وسلم} أنا لها فيلبس صلوات االله وسلامهعليه الحلي والحلل ويضع على رأسه التاج
صلوات االلهوسلامهعليه ويتبعه أهل الجنة حتى ينتهي إلى باب جنةعدن فيستفتح فيقال من هذا قال {صلى االله
عليه وسلم} فأقول أنا أحمد فيفتح لي فإذا خلف السرداق ملك يتلألأ نور فيهولني ما أرى منه فيؤنسنيويمسحني
فيقول يا أحمد أنت عبد وأناعبد مثلك ثم أمضي فأنتهي إلى سرداق ثاني فأستفتح فيقال من هذا فأقول أنا أحمد
فيفتح لي فإذا خلف سرداق ملك عظيم أعظم خلقا وأشد نورا من الذي رأيت فيهولني مارأيت من عظمه فيؤنسني
ويمسحني ويقول يا أحمد أنت عبد وأناعبد مثلك فلا أزال أمشي في عظم الملائكةوبعضهم أشد نورا من بعض حتى
أنتهي إلى السرداق السابع فأستفتح فيقال من هذا فأقول أنا أحمد فيفتح لي فإذا خلف السرداق جبريل عليه الصلاة
والسلام فيقول مرحبا هبذا الصوت لقد كنت إليهمشتاقا فأمضي حتى أنتهي إلى الحجب فترتفع الحجب فيتجلى لي
رب العالمين جل جلاله وعظمت قدرته فإذا نظرت إليه خررت له ساجدا فأحمده بتحميد ما حمده بمثله ملك من حملة
العرش ولا من حملة الكرسي ولا نبي مرسل حينئذ في ذلك المكان حتى يقول الكروبيون والروحانيون وأصحاب
السرادقات إن هذا لأهل أن يشفعه االله فيمن يشفع
٤٥ سجوده بين يدي االله تعالى
فيقول الجبار جل جلاله وعظمت قدرته يا أحمد ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع قال رسول االله{صلى االله
عليه وسلم} فأرفع رأسي من السجود فإذا نظرت إلى ربي جل جلاله خررت ساجدا وأحمده وأثني عليه بمثل ما
حمدته به في المرة الأولى
فأفعل ذلك ثلاث مرات وربي جل جلاله يقول لي في كل مرة ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع فأقول يا رب
ناسا من أمتي محبوسون على الصراط قل نورهم وطفئ سراجهم فأتمم لهم نورهم وأضيء سراجهم وهم الذين
يقولون عند ذلك { ربنا أتمم لنا نورنا واغفرلنا إنك على كل شيء قدير} التحريم ٨ متى تمضي كما مضى
اخواننا إلى الجنة فيبعث االله تبارك وتعالى الملائكة فيأتون بالنور من جنةعدن ثم يغمسون غمسا فيحي االله نورهم
ويضيء سراجهم ثم تقبل الملائكةعلى أهل جهنم فيقولون لهم { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم االله برحمة ادخلوا
الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } الأعراف ٤٩ وذلك أن أهل جهنم لما نظروا إلى أصحاب الأعراف
محبوسين على الصراط قال بعضهم لبعض واالله ما حبسوا هؤلاء إلا ليدخلوا معنا في جهنم فمن أجل ذلك قالت لهم
الملائكة { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم االله برحمة} الأعراف ٤٩ ثم تقبل الملائمةعلى أصحاب الأعراف١٤٦
جاه المصطفى العظيم
فيقولون لهم { ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } الأعراف ٤٩ أي لا تحزنون ولا تموتون في الجنة
أبدا فيمضون والنور الذي جاءهتم به الملائكة في جنةعدن يسعى بين أيديهم وبأيماهنم حتى يجوزوا الصراطويدخلوا
الجنة ويلحقوا بمنازلهم وإخواهنم ونبيهم محمد {صلى االله عليه وسلم} وإنما حبسهم الجبار جل جلاله وعظمت قدرته
ليظهر جاه محمد {صلى االله عليه وسلم} وفضله وحرمته ودرجته ومنزلته ومكانهعند االله تبارك وتعالى من الشفاعة
{صلى االله عليه وسلم} صلاة تشرف هباعقباه وتبلغه هبا من الشفاعة العظمى رضاه آمين يارب العالمين صلاة
دائمة منتهى الآباد طيبة باقية بلا انقطاع ولا نفاد صلاة تنجينا هبا من حر جهنم وبئس المصير وتدخلنا الجنة مع
صحابته الأبرار الطيبين آمين يارب العالمين
٥ مجلس في قوله تعالى
{ يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها
٤٧ في حساب الملائكة والرسل واللوح المحفوظ
روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } تقف للعرض الأكبر بين يدي رب العالمين فيغرقون على قدر
أعمالهم {
وروي عن ابن عباسرضي االله عنهما أنه قال يقول االله تبارك وتعالى يوم القيامة يا بني آدم انصتوا فطالما نصت لكم
وفي رواية أخرى فقد نصت لكم من يوم خلقتكم إلى يوم هذا أسمع قولكم وأنظر أعمالكم فانظروا اليوم أعمالكم
تعرض عليكم فمن وجد خيرا فليحمد االله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه احشرواعلي عبادي فوعزتي
وجلالي لا يجوزني ظلم ظالم
فكيف بك يا مسكين يا مغرور يا تارك الحق والصواب يا مخالف السنة والكتاب يا ظالما لنفسه ياغافلا عن الحساب
يا من بذل نفسه لأليم العذاب يا من تمادى في معصيةرب الأرباب ونسي الجنةوحسن المآب
وأنشدوا
} إلى كم لا تفيق من التصابي
وهذا العمر يؤذن بالذهاب {
} ويرضى بالقليل المرء حظا ويزهد في الكثير من الثواب {
} فقدماغرت الدنيا أناسا كماغر المحين بالشراب {
} تمنيهم غرورا باطلات
وتخدعهم بآمال كذاب {
كأنك لا ترى في كل يوم
جنائز تستحث إلى الخراب
خلقت من التراب وعن قريب
ستلحق غير شك بالتراب
وتحيا بعد موتك كي تجازي
بما قدمت في يوم الحساب
فإنك تك بالمسيء بقبح فعل
فحسبك بالعقاب مع العذاب
} وإن كنت الذي قدمت خيرا
جزيت بهغدا حسن المآب
٤٨ تبكيت االله تعالى للجبابرة
ذكر في بعض الأخبار أن الجبار جل جلاله إذا اجتمع الأولون والآخرون في عرصة القيامة نادى سبحانه وتعالى أين
الجبابرة وأبناء الجبابرة أين الملوك وأبناء الملوك قصمت الجبابرة بسلطاني وأفنيت الملوك بعظمتي
ذكر في الخبر أن الجبابرة يحشرون يوم القيامةعلى صور الذر أصغرالخلائق خلقة لتجبرهم على العبادوالجبابرة هم
الذين تجبرواعلى الخلق وعن اتباع سنة رسول االله {صلى االله عليه وسلم}
وقيل الجبابرة هم الذين جبروا المساكينوالضعفاءعلى ما لم يطيقوا وهذا الاسم قد اشترك فيه الخالق والمخلوق
فالخالق جل جلاله هو جبارعلى الحقيقة
٤٩ تفسير الجبار
وتفسير الجبار في حق االله تعالى الذي جبر عبادهعلى ما أراد وقيل الذي يجبر عن ظلم العباد إن االله تعالى جل اسمه
لا ينسب إليه الظلم لأن حد الظلم وضع الشيء في غير موضعه لأن الدنيا والآخرة ملك االله تعالى والجبار من العباد
هو الظالم الذي يضع الشيء في غير موضعه يأخذ ما ليس له بحق ويرده إلى ما قد ملكه االله تبارك وتعالى وإذا قضى
االله تعالى على عبده بقضاء فهو له خيرا
لقول رسول االله {صلى االله عليه وسلم} } لا يكمل للمؤمن إيمانه حتى يرى أن الذي قضاه االله عليه أو له خير له
من الذي أراد لنفسه { وقال رسول االله {صلى االله عليه وسلم} } في قضاء االله تعالى خيرا إلا قضاء النار{ وإذا
قضى االله تبارك وتعالى على عبده بالنار فهوعبده وهو خلقه لم يعنه أحد على خلقه ولا على رزقه وهو يفعل ما
يريد لا شريك له في ملكه
ثم ينادي الجليل جل جلاله{ ياعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون } الزخرف ٦٩ فإذا سمع الخلق هذا
النداء رفعوا رؤوسهم وطمعوا كلهم في هذا النداء وقالوا كلهم نحن عباداالله ثم ينادي ثانية { الذين آمنوا بآياتنا
وكانوا مسلمين } الزخرف فعند ذلك ينكس رأسه كل من لم يكن مسلما فتبقى أهل الأديان متحيرين ويفرح
المسلمون ثم ينادي ثالثة{ الذين آمنوا وكانوا يتقون } يونس ٦٣ أي كانوا يتقون الكبائر فينكس أهل الكبائر من
أهل التوحيد رؤوسهم ويرفع رؤوسهم سائر أهل التوحيد الذين اجتنبوا الكبائر وتابواعنها توبة نصوحا
فكيف بك يا مغرور يا مسكين قد ارتكبت الكبائر والصغائر وعصيت مولاك في الخفيات والظواهر وأيقنت أنك
مسئول يوم تبلى السرائر ولاق من العقوبةعلى ذلك الحظ الجزيل الوافر
وأنشدوا
} عصيت االله ألوان المعاصي
كأني لست أوقن بالقصاص {
} فمالي لا أنوح على ذنوبي وأبكي يوم يؤخذ بالنواصي
٥٠ نصيحة
فانظر لنفسك يا مسكين يا ضعيف الإيمان واليقين قبل حلول الندم وزوال النعم ونزول النقم حيث لا ينفع الندم
فاستعد للسؤال وهتيأ للجدال قال االله الكبير المتعال { يوم تأتيكل نفس تجادل عن نفسها وتوفىكل نفس ما
عملت وهم لا يظلمون } النحل١١١
٥١ السائق والشهيد
فإذا سمع العبادالنداء وعلم كل عبد وأمة منزلته من جميع أهل الأديان نشرت الدواوين ووضعت الموازين وجيء
بالنبيين ونصبت المنابربالأنبياء والرسل فيجلس كل نبي على منبره وأمته قد أحدقت بهونصبت الكراسي
للصديقين والشهداء
{ وجاءتكل نفس معها سائق وشهيد } ق ٢١ سائق يسوقها وشاهد يشهد عليها فالناس ينقسمون في السياقة
على قسمين قسم تسوقه الملائكة ببر وإكرام ورقوإجلال وتؤمنهم وهتديء روعاهتم كلما نظر العبد إلى من يعذب
أو ينكل يقول له سائقه من الملائكة ياعبد االله ما أنت مثل هذا هذاعصى االله وأنت أطعته
والقسم الثاني يساقون بالانتهاروالسطوة والإغلاظ يسوقه سائقه وهو يروعه ويقول له ياعدواالله هذا الحساب
سوف تدري كلما نظر المسكين إلى من يعذب أوينكل قال له سائقه الساعة تكون أنت مثل هذا هذاعصى االله
وأنت عصيته أماعلمت ياعدواالله أن الحسابوالحشرأمامك
وأنشدوا
كأني بنفسي قد بلغت مدى عمري
وأنكرت ما قد كنت أعرف من دهري
وطالبني من لا أقوم بدفعه
وحولت من داري إلى ظلمة القبر
وفاز بميراثي أناس فشتتوا
بإفسادهم ما كنت أجمع من أمري
وأغفلني من كان يبدي محبتي
فأخلصه ودي ويغمره بري
فلم يسخ لي منهم صديق بدعوة
إذا ما جرى يوما بحضرته ذكرى
وأضحى لبيتي ساكن مبهج به
وفي اللحد بيتي لا أقوم إلى الحشر
فيا شقوتي إن لم يجد بنجاته
إلهي ولم يجبر برحمته فقري
فقد أثقلت ظهري ذنوب لو أهنا
على ظهر طور أثقلته في الوزر
فما أعظم مصيبتكم وما أطول حسرتكم إن لم يعف عنكم مولاكم وجعل النار مأواكم فاغتنموا التجارة في دار
الفناء والذهاب يجازيكم هبا مولاكم عند مناقشة الحساب فالحساب عظيم عسير والهول واالله جليل كبير والناقد مميز
بصير واليومعبوس قمطرير
٥٢ اللوح المحفوظ
ذكرعن ابن عباسرضي االله عنهما أنه قال إذا جمع االله تبارك وتعالى الأولين والآخرين في صعيد واحد ونشرت
الدواوين ونصبت الموازين وأحضرت الأنبياء بأممها وحضرالصديقيون والشهداء وحشر وحوش الأرض وهوامها
وطيورها وأنعامها وسكان جبالها وبحارها
ينادي مناد من قبل العرش أين اللوح المحفوظ فيؤتى باللوح المحفوظ فيوقف بين يدي الجبار جل جلاله خاضعاذليلا
فيقول له تبارك وتعالى ما صنعت بالوحي الذي أنزلت فيك واللوح من درة بيضاء صفحتاه من ياقوتة حمراءعرضه
كما بين السماء والأرض ينظراالله تبارك وتعالى فيه في كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة فيخلق في كل نظرة ويحيي
ويميت ويعز ويذل ويرفع أقواما ويفعل هبم الخير ويوقفهم بفضله ويخفض أقواماويصدهم عن منهاج الهدى بعدله لا
يسأل عما يفعل وهم يسألون يوم القيامة لأهنم ما قدروا االله حق قدره ولا عبدوه حق عبادته لأنه جل جلاله أجل
وأعظم من أن يوفى في العبادة والطاعة والمعرفة حقه ما قدرعلى هذا نبي مرسل ولا ملك مقرب فسبحان من لا
سبيل إلى معرفته إلا بالعجزعن معرفته
قال فيقف اللوح بين يدي الجبار جل جلاله وعظمة قدرته فيقول له أيها اللوح المحفوظ ما صنعت بالذي أنزلته فيك
فيقول اللوح المحفوظ سيدي ومولاي بلغتهعبدك ميكائيل
٥٣ رسالة ميكائيل
فينادي أين ميكائيل فيؤتى به{صلى االله عليه وسلم} وهو ملك عظيم له ستةعشرألف جناح لونشر منها جناحا
واحدا في الدنيا لما وسعته فيقف بين يدي االله تبارك وتعالى خاضعا ذليلا قد بلغت نفسه إلى حنجرتهفلا هي تدخل
ولا هي تخرج خوفاوجزعا وهيبة من الجبار جل جلاله فيقول االله له ما صنعت بالوحي الذي بلغ إليك اللوح
المحفوظ وهل تشهد له بالتبليغ وأنا أعلم بذلك منك ولكن سبق في علمي أني أسألك اليومعبادي وجميع خلقي
واستشهد بعضهم على بعض فيقول ميكائيل يارب بلغني اللوح المحفوظ وبلغتهعبدك إسرافيل وأنت أعلم
٥٤ رسالة إسرافيل
فيبرأ اللوح المحفوظ بشهادة ميكائيل له ثم ينادي أين إسرافيل فيؤتى به{صلى االله عليه وسلم} وهو ملك عظيم له
جناح بالمشرق وجناح بالمغرب ورجلاه تحت تخوم الأرض السابعة السفلى والعرش على رأسه فيقف بين يدي االله
تبارك وتعالى وجل مع عظم خلقه خاضعاذليلا قد ذهلت نفسهوتغير لونهوارتعدت فرائصه واضطربت أوصاله
واصطكت ركبتاه وقد بلغت نفسه إلى حلقه فلاهي تدخل ولا
هي تخرج خوفا وجزعا وهيبة من االله تبارك وتعالى
فيقول له الجبار جل جلاله ما صنعت بالوحي الذي بلغك ميكائيل وهل بلغك وهل تشهد له بالتبليغ وأناعلام
الغيوب
فيقول إسرافيل عليه السلام نعم يا سيدي ومولاي قد بلغني وأنت أعلم وقد بلغتهعبدك جبريل عليه السلام فيبرأ
ميكائيل بشهادة إسرافيل عليهما السلام
٥٥ رسالة جبريل
ثم ينادي أين جبريل فيؤتى بجبريل عليه السلام وقد تغير لونه وتبلبل لبهوارتعدت فرائصه واضطربت أوصاله
واصطكت ركبتاه وقد بلغت نفسه إلى حلقه فلاهي تدخل ولا هي تخرج جزعا وخوفا من الجبار جل جلاله فيقول
االله تبارك وتعالى يا جبريل ما صنعت بالوحي الذي بلغك عبدي إسرافيل وهل تشهد له بالتبليغ فيقول جبريل عليه
السلام نعم يا سيدي ومولاي بلغني وبلغته نبيك نوحاعليه السلام وأنت أعلم
فيبرأ إسرافيل بشهادة جبريل ١٥٦
شهادة نوح
فيؤتى بنوح عليه السلام حتى يوقف بين يدي الجبار جل جلاله وقد ذهبت نفسه وتغير لونه وقد مات فزعا وخوفا
من الجبار جل جلاله فيقول الجبار جل جلاله يا نوح ما صنعت بالوحي الذي بلغك عبدي جبريل عليه السلام وهل
تشهد له بالتبليغ فيقول عليه الصلاةوالسلام نعم يا سيدي ومولاي قد بلغني عبدك جبريل عليه السلام وقد بلغته
قومي وأنت أعلم من جميع عبادك بذلك
فيقول االله تبارك وتعالى صدقت أنا أعلم من جميع خلقي ولكن قد سبق في علمي أن أسأل جميع خلقي وأستشهد
بعضهم على بعض وأنا الحاكم الجبار الذي لا أجور في حكمي
ثم يدعي بقوم نوح عليه السلام فيقول لهم ما صنعتم بالوحي الذي بلغكم نوح عليه السلام وهل بلغكم وهل
تشهدون له بالتبليغ فيقول قوم نوح ربنا ما جاءنا من نذير ولا رأيناه يوما قط ولا سمعنا به ولا بلغ إلينا رسالة فإذا
سمع نوح عليه السلام كلام قومه ذهبت نفسه وود لوابتلعته الأرض ولو قضى االله تبارك وتعالى بالموت لمات نوح
حين جحده قومه حياء من االله تبارك وتعالى فيقول االله تبارك وتعالى يا نوح هل تجد من يشهد لك أنك قد بلغت
قومك
الرسالة فينظر نوح عليه السلام في الموقف يمينا وشمالا ومشرقا ومغربا يتضح ويتبصر من بين سائرالأنبياء والمرسلين
وبين كراسي الشهداء والصديقين فلا يرى في المنابر أعلا ولا أنور ولا أحسن ولا أزهى من منبر محمد {صلى االله
عليه وسلم}
٥٧ جاه الرسول الأعظم
ولا يرى في الأنبياء أحسن وجها من وجه محمد {صلى االله عليه وسلم} ولا يرى نوح في الكراسي أنور ولا أحسن
من كراسي أمة محمد {صلى االله عليه وسلم} ولا يرى أهبى ولا أنور ولا أحسن من كرسي أبي بكرالصديق رضي
االله عنه
ولا يرى في الوجوه أحسن وجها من وجوه أمة محمد {صلى االله عليه وسلم} ولا يرى في الصديقين والشهداء
أحسن ولا أهبى ولا أنور من وجه أبي بكر الصديق رضي االله عنه
٥٨ فضل أبي بكر الصديق
فيقول له نوح قد أصبت من يشهد لي يا مولايوسيدي فيقول االله تبارك وتعالى وهو أعلم من يشهد لك يا نوح
فيقول نوح عليه السلام يشهد لي محمد {صلى االله عليه وسلم} وأمته بأني قد بلغت قومي الرسالة فينادي منادأين
النبي الأمي العربي التهامي أين أحمد أين سيد العالمين أين خاتم النبيين والمرسلين أين إمام المتقين فعند ذلك يقوم محمد
{صلى االله عليه وسلم} وعند ذلك يرفع أهل الجمع رؤوسهم إذا رأوا رسول االله {صلى االله عليه وسلم} فيمضي
صلوات االله عليه حتى ينتهي إلى ربهعز وجل فيقول له ربه يا أحمد ونوح قائم ينظر ما تقول هل بلغ نوح الرسالة
إلى قومه فيقول محمد {صلى االله عليه وسلم} نعم يا سيدي ومولاي قد بلغ وأقام يدعوهم إلى الإيمان ألف سنة إلا
خمسين عاما
فيقول الجبار جل جلاله صدقت يا أحمد
فعند ذلك يفرح نوح عليه السلام ويتهلل وجهه
ثم يقول االله تعالى يا محمد هلم أمتك إلى الحساب والشهادة فبينما الخلائق في الموقف إذ يموج بعضهم في بعض
ويفزعون فزعةعظيمة فتجتمع كل أمة حول نبيها وتنظرأمة محمد {صلى االله عليه وسلم} يمينا وشمالا فلا يرون
النبي محمد {صلى االله عليه وسلم} والأمم قد أحدقت بأنبيائها وينظرالأنبياء والأمم إلى منبر رسول االله {صلى االله
عليه وسلم} خاليا
٥٩ منبر الرسول والمحشر
فيقول بعضهم لبعض لمن هذا المنبر الذي لا يرى في الموقف مثله لحسنه
وجماله ولا يرى أنور منه ولا أعلا ولا أهبى منه ونراه خالياولا نرى له صاحبا فبينما هم ينظرون إلى منبر النبي
{صلى االله عليه وسلم} إذ ينادي المنادي ألا إن هذا المنبر منبر محمد {صلى االله عليه وسلم} وأن محمدا {صلى االله
عليه وسلم} يناجي ربه في المذنبين من أمته يشفع لهم إلى االله تعالى فبينما هذه الأمة وقوف مغمومون محزونون بما
يأتي النبي {صلى االله عليه وسلم} من عند ربهعز وجل إذ يخرج إليهم صلوات االله وسلامهعليه من عند ربه جل
جلاله حتى ينتهي إليهم فيقوم بينهم فيرفعون رؤوسهم وينظرون إليه فإذا رآهم صلوات االله وسلامهعليه أرسل
عينيه بالبكاء فإذا نظروا{ تجد كل نفس ماعملت من خير محضرا } آل عمران ٣٠ الآيةذلك يوم مهول عبوس
يوم تشيب فيه الرؤوس وتذهل فيه النفوس وتبلو كل نفس ما أسلفت وتقدم كل أمةعلى ما قدمت وتذهل كل
مرضعةعما أرضعت يجد وااللهكل عبد وأمة ماعمل وقدم من خير ثوابا ونعيماوسرورا مقيما وربا كريما رؤوفا
بعباده رحيما ويجد كل عبد وأمة ماعمل من شر خزيا جسيما ونارا وجحيما وعذابا مقيما ونكالا أليما وربا
غضباناعظيما { يوم تجد كل نفس ماعملت } آل عمران ٣٠
٦٠ الثواب والعقاب
يجد الطائع الثواب ويجد الفاسق العذاب يجد المؤمن لذة الوصال بالنظرإلى الكبير المتعال في دار الخلد والجلال ويجد
الكافر العذاب والنكال والسلاسل والأغلال والجحيم والخبال وفظاعة الأهوال { يوم تجد كل نفس ماعملت }
آل عمران ٣٠ يجد المؤمن النعيم والكرامة والأمن في القيامة والعافية والسلامة والحلول في دار المقامة ويجد الكافر
الخزي والندامة والعذاب والملامة { يوم تجد كل نفس ماعملت } آل عمران ٣٠ يجد المؤمن الدرجات ويجد
الكافر العقوبات يجد المؤمن السرور ويجد الفاجر الثبور يجد المؤمن النعيم والخلود ويجد الفاجرعذاباغير مردود
ويجد المؤمن ما قدم من الإحسان في درجات الجنان في جوار الرحمن مع الخيرات الحسان ويجد الفاجر ماعمل من
العصيان في سموم النيران في جوار الشيطان مع الذل والهوان
يوم تجد كل نفس ماعملت في يوم هائل عظيم يوم تكثر فيه الغموم وتعظم فيه الهموم ويفصل الرب بين عباده وهو
الحي القيوم { يوم تجد كل نفس } آل عمران ٣٠ يوم تندمعلى القبائحوتتأسف عند معاينة الفضائح وتوجد
الأعمال في الصحائف
الصحائح
{ يوم تجد كل نفس } آل عمران ٣٠ يوم يندم الظالم ويخسرالآثم ويكون الجبار جل جلاله في ذلك اليوم العدل
الحاكم ذلك يوم الندامة والحسرةوالأهوال والعبرة
وأنشدوا
يا واحدا صمدا بغير قرين
ارحم ضراعةعبدك المسكين
واعطف علي إذا وقفت مروعا
حيران بين يديك يوم الدين
يا حسرتي بين العبادإذا همو
خافوا الحسابفخف عنهم دوني
ما حيليتي في يوم نشر صحيفتي
إذ قيل لي خذها بغير يمين
ما حيلتي عند الحساب وهوله
إذ قصرت بي قوتي ويقيني
لا حيلةعندي ولا لي موثل
إن خانني طمعي وحسن ظنوني
يا رب لا تترك عبيدك هالكا
وارحم بفضلك عبرتي وشئوني
{ يوم تجد كل نفس ماعملت من خير محضرا } آل عمران ٣٠ أيتجده حاضراعتيدا وتسأل عن أعمالك سؤالا
شديدا { وماعملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا } آل عمران
قيل الأمد البعيد الذي يود من عمل سوءا وعصى مولاه أن يكون بينه وبين عمله السوء كما بين المشرقوالمغرب
وقيل الأمد البعيد الغاية في البعد الذي يتمنى أنه تاب في الدنيا وتبدل الشر بالخير حتى يمحي عنه السوء بالتوبة فلا
يراهولا يسمعه ولا يعاقب عليه إذا رأى التائبين غفر لهم بالتوبة وبدلت سيئاهتم بالحسنات والأوبة كما قال تعالى {
والذين لا يدعون مع االله إلها آخرولا يقتلون النفس التي حرم االله إلا بالحق ولا يزنون } الفرقان ٦٨ الآية
٦١ فائدة التوبة
وقال رسول االله {صلى االله عليه وسلم} } كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون { فإذا رأى المسكين الذي
عمل السوء وقد أحاطت به الكروب وترادفت عليه الهموم
والخطوب وأسود وجهه من ظلمات الذنوب وقد غضب عليهعلام الغيوب ورأى الذين تابوا من أخوانه وأهله
وأصحابه وجيرانه قد فازوا بالملك الكبير والحساب اليسير ولباس السندس والحرير والنظر إلى وجه السميع البصير
ورأى نفسه قد خسر وخاب وحرم الثواب ونوقش الحساب وحجب عن رب الأرباب وصار إلى أليم العذاب يود
لو كان تائبا ولم يكن من الرحمة خائبا يود لو كان السوءعنه بعيدا ولم يكن حاضراعتيدا ولم يكن العذاب عليه
شديدا
يود لو كان من التائبين ولم يكن من المحرومين يود لو كان من الآمنين ولم يكن من المخالفين يود لو كان من الطائعين
ولم يكن من العاصين يود لو كان من المحسنين ولم يكن من الظالمين يود لو كان من أهل الجنان ولم يكن من أهل
النيران يودلو كان من أهل الثواب ولم يكن من أهل العقاب يود لو كان من أهل النعيم ولم يكن من أهل الجحيم
يود لو كان من الأولياء ولم يكن من الأشقياء
يود لو كان من أهل الوفاق ولم يكن من أهل النفاق
يود لو كان من أهل الفوز بالجنة ولم يكن من أهل العذاب والمحنة
يود لو كان سعيدا رشيدا ولم يكن عن االله بعيدا
لا أبعدنا االلهوإياكم من رحمته وقربناوإياكم بالفوز لجنته
٦٢ عمل العبد يلازمه
ذكر في بعض الأخبار أن العبد إذا مات أحضرعمله كلهعند رأسه حين يغسل خيرا كان أو شرا فإذا صلى عليه
ومضى إلى قبره وانصرف الناس عنه بقي عمله معه في قبره ولا يزال معه في قبره إلى يوم يخرج من قبره فإذا خرج
خرج معه فإذا قدم إلى الحساب اجتمع عمله كله خيره وشره حتى حركاته وأنفاسه ووفاقه وخلافه يجد الكل
مجموعا لم ينس منه شيء من الكبائرولا من الصغائر ولا من الظواهرولا من السرائر
٦٣ الحض على التوبة
فاالله االله معشر المذنبين مثلي أبعدواعن عمل السوء بالتوبة إلى الرحمن ولا تغرنكم الحياة الدنيا فإهناغرور الشيطان
واعلموا أن االله تبارك وتعالى يمحوعنكم سيئاتكم بترك الذنوب والعزمعلى التوبةويرحمكم يوم الحساببحسن
الأوبة
يا أخي يا أخي وماعسى أن أقول لك من كرم مولاك الجليل جل جلاله لوأن الذنوب التي عملت في أيام طغيانك
وعصيانك كانت مثل جبال الدنيا برمالها وبحارها وأهنارها وتبت توبة واحدة بصدق وحرقة وندامة ليغفرها لك
مولاك الكريم بكرمه وفضله ولا تسأل عنها يوم القيامة وأنشدوا
هناك الطبيب محيلا على
مطاعم لو نلتها لم تمت
وخاطبك االله جل اسمه
بترك الذنوب التي حرمت
فأعرضت عن أمره لاهيا
وأمنت نفسك ما خوفت
فأطمعتها أن تنال الرضا
بجهلك في فضل من قد عصت
فماذا تقول إذا أزعجت
لتخرج بالكره فاستسلمت
فلا ندم حط أوزارها
ولا توبةغسلت ما جنت
} وأفردت وحدك في ملحد
بكت فيه نفسك ما أسلفت
٦٤ ما تحويه الآية
يا أهل الذنوب تدبروا هذه الآية فإن فيها بلاغة لمن تذكر وزجرا لمن اعتبر وتخويفا لمن تدبر وهنيا لمن تفكر
فالفكرةعبادة وخير وزيادة لأن مولاكم الكريم قد خوفكم وهددكم وزجركم هبا زجرا شديدا فقال { يوم تجد كل
نفس ماعملت من خير محضرا وماعملت من سوء تود لو أن بينهاوبينه أمدا بعيدا } آل عمران ٣٠ ثم قال {
ويحذركم االله نفسه} آل عمران ٣٠ أي يحذركم عقابه وعذابه إذاعصيتموه ويجزل لكم ثوابه إذا أطعتموهفلا
يحقرن أحدكم من الذنوب شيئا وإن صغر فربما كان فيه شدة العذاب والعقاب ولا يحقرن أحدكم حسنة يعملها
وإن قلت فربما كان فيه الرضا من الملك الوهاب
واعلموا أن الذنب الذي يحقره صاحبه يكون يوم القيامة في ميزان فاعله أثقل من جبال الأرض فازجر نفسك عن
غيها وقدم في حياتك
ليوم فقرك
والأصل في الذنب الصغير أن يكون سببا لدخول صاحبه في النار
إن العبد المغرور يعمل الذنب ويحقرهولا يفكر في من قد عصاه وهو الجبار جل جلاله فعند ذلك
يغضب عليه مولاه ويقول لهعبدي حقرذنبه واستخف بحقي وعزتي وجلالي لأعذبنهعليه بالنار ومن تاب تاب االله
عليه وغفر له بالتوبة
وقد قال رسول االله {صلى االله عليه وسلم} } إياكم ومحقرات الذنوب فإن لها من االله طالبا { قال االله سبحانه {
يوم تجد كل نفس ماعملت من خير محضرا وماعملت } آل عمران ٣٠ الآية
وأنشدوا
} قد ذهب الحي إلى عرسه
وعذب الميت في رمسه{
} مرهتن النفس بأعمالها لا يأمن الإطلاق من حبسه {
} لنفسه صالح أعمالها وما سوىهذاعلى نفسه{ ١٦٥
حكايةعن أحد الصالحين
حكي أن المنصور بن عمار رحمه االله دخل على عبد الملك بن مروان فقال لهعبد الملك يا منصور مسألة
وقد أمهلتك سنة كاملة من أعقل الناس ومن أجهل الناس قالفخرج منصور إلى بعض الفضاء من القصرليخرج
فإذا الجواب قد حضره فرجع إلى عبد الملك فقال لهعبد الملك يا منصور ما الذي ردك إلينا قال يا أمير المؤمنين
أعقل الناس محسن خائفوأجهل الناس مسيء آمن
فبكي أمير المؤمنين حتى بل ثيابه بدموعه ثم قال أحسنت واالله يا منصور ثم قال له إقرأعلي شيئا من كتاب االله فهو
الشفاء لما في الصدور وهو الدواء والنور
فقرأ أعوذ باالله من الشيطان الرجيم { يوم تجد كل نفس ماعملت من خير محضرا } آل عمران ٣٠ الآية
فقال عبد الملك قتلتني يا منصور ثم غشي عليه فلما أفاق قال له يا منصور ما معنى { ويحذركم االله نفسه} آل
عمران ٣٠ قال منصورعقوبته يا أمير المؤمنين فبكى عبدالملك ثم أفاق فبكى مرة أخرى ثم قال يا منصور وما معنى
{ رؤوف بالعباد } آل عمران ٣٠ قال رحيم غفار لمن تاب وأناب قال وما ومعنى { ماعملت من خير محضرا }
آل عمران ٣٠ قال كل صغيرة وكبيرة يجدها العبد يوم القيامة لم يغفراالله منها شيئا
فبكى عبد الملك حتى غشي عليه فلما أفاق قال
٦٦ رقةعبد الملك بن مروان
إن واالله من فكر في هذه الآية وعصى مولاه بعد ذلك لقد ضل ضلالا بعيدا وأنشدوا
بكيت على عظم الذنوب وغزرها
وما قل من يبكي لعظم سؤاله
تفكر في عظم السؤال وهوله
وتندب دهرا زاد قبح فعالة
لعل إله العرش يرحم عبده
ويمنحه في الحشر طول وصاله
ويغفر ما قد كان في طول جهله
ويسكنه بالعفو دار جلاله
وإن نظرالرب العظيم جلاله
فذاك جسيم من جزيل نواله
{ تجد كل نفس ماعملت من خير محضرا } آل عمران ٣٠ تجد واالله كل نفس ما قدمت في الأيام من الطاعات
والإجرام
ذلك يوم المصائب ويوم النوائب ويوم العجائب
يوم هتك الأستار يوم تسعر فيه النار يوم يفوز فيه الأبرار ويندم فيه الفجار وتعرض العبادعلى الواحد القهار
فالعجبكل العجب ممن قطع عمره في الأغفال وضيع أيامه في المحال وأفنى شبابه في الضلال ولم يعمل بما في كتاب
ذي اجملد والجلال قال االله الكبير المتعال { يوم تجد كل نفس ماعملت من خير محضرا } آل عمران ٣٠ يقول االله
تعالى يا ابن آدم تطلب موعظة ساعة وتقيم على الذنب سنة وأنشدوا
ما بال قلبك باللذات قد شغفا
وعن فوات صواب الفعل ما أسفا
} وقد توعده الجبار خالقنا
وبالذنوب وبالعصيان قد كلفا
٦٧ توبيخ االله تعالى للعباد
ذكر في بعض الأخبار أن االله تبارك وتعالى يقول في بعض كتبه المنزلةعلى أنبيائه ياعبدي ما الذي زهدك في ورغبك
في غيري عبدي أنا أتقرب إليك وهترب عني وأطلبك وتفر مني عبدي بسطت لك غرور الدنيا فاشتغلت هباعني
وآثرهتاعلي وزهدت في سعة رحمتي أهكذا يفعل المطيعون بأرباهبم المحسنين إليهم عبدي من الذي سترك وكلاءك
وحفظك ووقاك هل كانت لك شركة في نفسك معي أم هل كانت لك قوة بنفسك علي عبدي ما الذي قصرك
عن عبادتي ما الذي زهدك في طاعتي أين أنت من هادم اللذات أين أنت من نواح الآباء والأمهات أين أنت من
المفرق بين البنين والبنات أين أنت ممن لا يستأذن على أصحاب القصورولا يستأمرأرباب الدور أين أنت من
قاصم الجبارين الموكل بأرواح المخلوقين عبادي أليس قد اضمحلت آثار الماضين ودرست
معالم السالفين واتبع اثارهم الباقون
ومن ذا الذي يقوم بخلود الدهرغيري ومن ذا الذي ينفع دوام الأبد غيري عجزت عن الخلود الجبال الراسيات
والأطوادالعالياتوالبحار الطاميات
أنا الذي تفردت بالبقاء وحكمت على عبادي بالفناء أنا االله لا إله إلا أنا لا شريك معي في ملكي ولا نظير لي في
حكمي ولا ضد لي في سلطاني
وأنشدوا
أما والذي لا خلد إلا لوجهه
ومن ليس في العز المنيع له كفو
لئن كان هذا العيش مرا مذاقه
لقد يجتني من غثه الثمر الحلو
١٦٨
السؤال لا يدع ذرة
واعلموا أن االله تبارك وتعالى مسائلكم عن الكبيرة والصغيرة والخفية والسريرة وعن كل ما قل ومادق وما جل لا
يغفل عن شيء يجد العبد ماعمل حاضرا ويجزي به وافراويسأل عماعمل سرا وظاهرا { يوم تجد كل نفس ما
عملت من خير محضرا } آل عمران ٣٠ تجد واالله القليل والكثير والنقير والذرةوالقطمير
وأنشدوا
واالله لوبكينا طول الأيام
بدمع هامل سجام
وفررنا من الأهل والأوطان
إلى الجبال والآكام
خوفا من ذلك المقام لكن ذلك لنا قليلا خوفا من سؤال الملك العلام
فكيف ونحن لا نفيق من الغفلات ولا ننتبه من السكراتولا نخاف يوما نجد فيه الحسنات والسيئات ونسأل عن
المظالم والتبعات كما قال الذي فطرالأرض والسموات { يوم تجد كل نفس ماعملت من خير محضرا } آل عمران
٣٠
٦٩ سؤال االله تعالى للعباد
روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } إن االله تعالى يخلو بعبده يوم القيامة ليس بينه وبينه حجابويقول
لهعبدي عملت كذا وكذا في يوم كذا أماعلمت أني مطلع عليك ياعبدي أفجعلتني أهون الناظرين إليك أما
استحييت مني أما استحيت من ملائكتي أما خفت من عقابي عبدي أرويتك من الماء البارد وقويت جسمك
ووسعت عليك من سعة رفدي فعصيتني حتى إن العبد ليذوب حياء من االله ويغمره العرق حتى يكاديموت من
الفزع ثم يقول العبد يارب النار أهون علي من حيائي
منك ومن العباد
فيأمر االله تعالى به إلى النار فيمضي العبد وهو يردرأسه ويقول يا رب وعزتك وجلالك ماعصيت هبذا كله
استخفافا بحقك وما ظننت بك إلا أن تغفر لي كما سترت علي في الدنيا وقد أيقنت أن عصياني ذلك لا يضرك وأن
رحمتك ي لا تنقصك
فيقول االله تبارك وتعالى عبدي صدقت لم تقطع رجاءك من رحمتي
فوعزتي وجلالي لأغفرن لك اليوم يا ملائكتي مروا بعبدي إلى الجنة
ومن العباد من يقول يا رب العذاب علي أهون من توبيخك لي أرسل بي إلى النار كما يفعل بالعبد الآبق عن مولاه
فيقول االله تبارك وتعالى عبدي ما وبختك إلا لأعرفك أن ذنوبك بعيني إذعصيني هبا وجعلت توبيخي لك كفارة
لذنوبك وقد غفرهتا لك وقد رحمتك وأنا أرحم الراحمين مروا بعبدي إلى الجنة
جعلنا االله وإياكم من أهل الجنة أجمعين وتوفانا برحمته مسلمين وختم لناعند فراق الدنيا بحسن الخاتمة وكلمة التقوى
قول لا إله إلا االله محمد رسول االله {صلى االله عليه وسلم} وعلى آله وشرف وكرم وحشرنا معه في المقام الأعظم
مع أصحابه وأزواجه الكرام أمهات المؤمنين آمين يا رب العالمين
٦ مجلس ثاني في قوله سبحانهوتعالى { يوم تجد كل نفس ماعملت من خير محضرا}
١٧٠ قال االله سبحانه وتعالى { يوم تجد كل نفس ماعملت من خير محضرا } آل عمران ٣٠ يجد المؤمن الحسنات
في قرار الجنات والقصور العاليات والحور والدرجاتوالنظر إلى رب الأرضين والسموات يجد الطائع البشرى ويجد
الفاجرالنار الكبرى يجد المؤمن الأمان مع السرور والرضوان ويجد الفاجرالهوان مع الذل والخسران يجد المؤمن من
الملك الجزيل مع الثواب والتفضيل وأهنار السلسبيل والنظر إلى وجه الملك الجليل ويجد الفاجرالنوح والعويل
والحزن الدائم الطويل والعذاب الشديد الثقيل بجد المؤمن الخلاص والتبجيل والاختصاص ويجد الفاجرالعذاب
وشدة القصاص
المؤمن يوم القيامة مرحوم والفاجر باللعنة مرجوم المؤمن عند الحساب مستوروالفاجرعند السؤال مشهور
المؤمن عند الحساب يلاطف والفاجرعند السؤال يكاشف
المؤمن حسابهعتاب والفاجر سؤالهعذاب
المؤمن يجد من مولاه الرحمة والفاجر يجد من االله النقمة
المؤمن حسابه يسير والفاجر حسابهعسير
المؤمن يجد لباسه حرير الجنان والفاجر لباسه سرابيل القطران
المؤمن يجد عمله سرورا والفاجر يجد عمله ويلا وثبورا
المؤمن يجد الاتصال والفاجر يجد الانفصال
المؤمن يجد الخلاص والفكاك والفاجر يجد الهوان والهلاك
المؤمن مع محمد النبي والفاجر مع الشيطان الغوي
المؤمن في وجهه نضرة النعيم والفاجر في وجهه ظلمة الجحيم المؤمن في الحساب ريان والفاجر في الموقف عطشان
وأنشدوا
أنت المخاطب أيها الإنسان
فأصخ إلي يلح لك البرهان
أودعت ما لو قلته لك قلت لي
هذا لعمرك كله هذيان
فانظر لعقلك من بيانك واعتبر
إتقان صنعته فثم الشان
وجزا محاسن فعلهم في حشرهم
عند الإله وعنده الرضوان
هذا لعمري ظاهر لا يختفي
نطق الرسول وبين الفرقان
٧١ حكم قدسية
ذكر في بعض الحكم التي أنزلت على الأنبياءعليهم الصلاة السلامعجبا لمن لا يرحم نفسه كيف يرحم وعجبا لمن
يدومعلى المعصية كيف يرجو حسن المآب وعجبا لمن يعمل أعمال النيران وهو يطلب نعيم الجنان كأنك يا أخي قد
قربت من العرض والحساب ووقفت بين يدي الملك الوهاب فيأمربك إلى الجنةوحسن المآب أو إلى النار وأليم
العذاب تفكر في هذا كله يا مغرور لعل القسوة تنجلي من قلبك والوقر أن يزول عن سمعك والغطاء أن يرتفع عن
بصر قلبك فإهنا لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور
فانظر يا أخي بنور فكرتك وأطلق الموعظةعلى بحرعبرتك فلعل العين إن تدمع ولعل القلب أن يرق ويخشع فإذا
جرت الدموع وخشعت القلوب محيت الذنوبوبلغت المنى والمرغوب ويسر حسابك علام الغيوب
وأنشدوا
} تذكري المكث في التراب حتى أنادي إلى الحساب
هون كل البلاءعندي وهكذا الفقد للشباب
فليت شعري وكم مقامي تحت الثرى أو متى أيابي
لو كان لي عقل ما هناني نومي ولا ساغ لي شرابي
} ولا ضحكت ولست أدري مالي لدى االله من حساب
٧٢ النداء بأسماء الخلائق
ذكر في بعض الأخبار أن الخلائق إذا وقفوا في أرض القيامة فيقف كل عبد وأمة إذنادى المنادي باسمك يا مغرور
على رؤوس الأولين والآخرين أين فلان بن فلان أوأين فلانة بنت فلان هلم إلى الحساب بين يدي رب العالمين
فاستقر في سمعك يا مسكين إنك أنت المنادي من جميع الخلق فقمت على قدميك قد تغير من الفزع لونك وانخلع من
الجزع قلبك واضطربت من الهلع مفاصلك وقد سمع من كان حولك حسيس قلبك بالخفقان وأوصالك قد اشتدت
في
الطيران فكادت نفسك أن تزهق من خوف الرحمن فإذا نظر الملك الموكل بسوقك وقد تغير لونك وتحير لبك علم
أنك أنت المنادى باسمه فإذا كنت من أهل النفاقوالعصيان للملك الخلاق نظرعلى وجهك ظلمة الذنوب فعلم
أنك عدو لعلام الغيوب فجمع بين ناصيتك وقدميك غضبا لغضب االله عليك
٧٣ أهل الرشاد وال توفيق
قال االله تبارك وتعالى { يعرف اجملرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام } الرحمن ٤١ وإن كنت من أهل
الرشاد والتوفيق والسدادالذين وفوا االله بالميعاد وخافوا مولاهم رب العبادأخذ بيدك الملك وقادك يجوز بك بالرفق
ورفع الخلائق أبصارهم إليك وتمنوا مثل ما من االله عليك وأنت سائر إلى ربك ليجازيك بسعيكويعدل عليك
بكسبك فلما انتهى بك الملك إلى سلطان العظمة فإن كنت من أهل السير الصالح في الدنيا سترك جل جلاله بالنور
وأبدى لك البشرىوالسرور وقربك وأدناك وفضلك وحاباك فلم يطلع على حسابك ملك ولا نبي ولا رسول إلا
الملك الجبار الذي لا يحول ولا يزول فيقول لك عبدي أنت الذي كنت تسهر والعبادنائمون وتصوم والعباد
يشبعون وتبكي والعباديضحكون وتحزن والعباد يفرحون وتخافني والعباد آمنون أنت الذي كنت تجتهد في عبادتي
والعباد بطالون وتتصدق والعباديبخلون وتبذل المعروف بين عبادي والناس يمنعون
يقول المولى جل جلاله فوعزتي وجلالي وملكي ومجدي وكبريائي وعظيم سلطاني وقدرتي على جميع العباد لأومنن
روعك ولأبيحنك جنتي ولأوسعنك مغفرتي ورحمتيولأعطينك من جزيل ثوابي وحسن مآبي ما لا عين رأت ولا أذن
سمعت ولا خطرعلى قلب بشر
ولأبيحنك النظر إلى وجهي ولأرفعن قدرك وجاهك ولأشفعنك في إخوانكوأهلك وأحبابك وجيرانك من أهل
الذنوب والخطايا
٧٤ شفاعة العبد المؤمن
يقول المولى جل جلاله ياعبدي أخرج إلى موقف الحشر فانظر إلى من لقيني من أهل الذنوب على التوحيد قد
شفعتك فيه خذ بيده وانطلق به إلى الجنة
بلا خوف ولا حزن واالله تعالى أعلم
وأنشدوا
عني إليك فما اللذات من شغلي
ولا سبيل الصباواللهو من سبلي
حال التقى دون ما قد كنت تعرفه
فلست منهعلى زيغ ولا زلل
في الحشر لي شغل عن كل مشتغل
بلذة وعن الألحاظوالمقل
هذا إطار الكرى عن مقلتي وزوى
عني المنى وطوى المبسوط من أملي
كم ليلة بت فيها ساهرا أرقا
أخشى العقابوأخشى سرعة الأجل
قال االله تعالى { يوم تجد كل نفس ماعملت من خير محضرا وماعملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا
ويحذركم االله نفسه واالله رؤوف بالعباد} آل عمران ٣٠ رؤوف واالله بالمؤمنين ذونقمةعلى الظالمين رؤوف بأهل
الإحسان وذوانتقام من أهل العصيان رؤوف بأهل السداد وذوانتقام من أهل العناد يا مغرور تفكر في هذه الآية
فلك فيها من التخويف غاية ومن الزجر والتقريع هناية فازجر نفسك عن هواهاعساك تبلغها يوم العرض مناها
٧٥ حكايةعن ذي النون المصري
حكي عن ذي النون المصري بن إبراهيم الأخميمي رحمه االله تعالى عليه أنه قال خرجت مرة من المرات إلى ناحية
الأردن من أرض الشام فلماعلوت الوادي فإذا أنا بسواد قد اقبل وهو يقول { وبدالهم من االله ما لم يكونوا
يحتسبون } الزمر ٤٧ فلما قرب مني السوادإذا هو شخص فتأملته فإذا هو امرأةعليها جبة صوف وخمار من
صوف وبيدها ركوة وبيدها الأخرى عكاز فقالت لي غير فازعة مني من أنت فقلت لها رجل غريب فقالت ياهذا
وهل يوجد مع االله غربة وهو مؤنس الغرباء ومعين الضعفاء فاجعله أنيسك إذا استوحشت وهاديك إذا ضللت
وصاحبك إذا احتجت
قال ذو النون فبكيت من كلامها فقالت مم بكاؤك قلت لها وقع دواؤك على دائي وأنا أرجو أن يكون سببا
لشفائي قالت فإن كنت صادقا في مقالتك فلم بكيت قلت لها رحمك االله والصادق لا يبكي قالت لا قلت لها لم لا
يبكي الصادق قلت لأن البكاء راحة القلب وملجأ يلجأ إليه وما كتم القلب أحر من الزفير والشهيق وذلك ضعيف
عند أوليائه قال ذوالنون فبقيتواالله متعجبا من قولها فقالت لي مالك قلت أناواالله متعجب من قولك قالت وهل
نسيت القرحة التي ذكرهتا قال
قلت لها رحمك االله إن رأيت أن تمني علي الزيادة
فقالت وما أفادك الحكيم في مقامك بين يديه من الفوائد ما يستغني بهعن طلب الزوائد قال قلت لها رحمك االله ما
أنا بمستغن عن طلب الزوائد قالت صدقت يامسكين حب مولاك واشتق إليه فإن له يوما يذيق فيه أولياءه كأسا لا
يظمئون بعده أبدا
ثم علا شهيق ثم قالت يا حبيب قلبي إلى كم تخلفني في دار لا أجد فيها صادقا بريئا من الدعاوى الكاذبة يسعدني
البكاءعن أيام حياتي
ثم تركتني وانحدرت في الوادي وهي تقول اللهم إليك لا إلى النار حتى غاب شخصهاعن بصري وانقطع صوهتاعن
سمعي
قال ذو النون فواالله ما ذكرت كلامها قط إلا كدرعلي أحشائي وعيشي
قال ذو النون فلقد أدبتنيواستقام حالي مذ رأيتها
وأنشدوا
أريد وأنت تعلم ما مرادي
وتعلم ما تلجلج في فؤادي
} فهب لي ذلتي واغفرذنوبي
وسامحني هبا يوم التنادي
٧٦ رجع إلى الموعظة
يا أخي مالك لا تفكر في قول مولاك الذي لم يزل عليك شهيدا وهو يسمعك ويراك قوله تعالى { يوم تجد كل نفس
ماعملت من خير محضرا وماعملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا } آل عمران ٣٠ الآية
أقرع يا مسكينهبذا الكلام باب قلبك فعساك تزيل عنه الأقفال وتردهعن الغي والمحال وتوقظهعن السهو
والإغفال قال االله الكبير المتعال { أفلا يتدبرون القرآن أمعلى قلوب أقفالها } محمد ٢٤ } يوم تجد كل نفس ما
عملت من خير محضرا } آل عمران ٣٠ يوم يظهر الخفي من أعمالك يوم تبكي على قبيح أفعالك يوم يجزن المسيء
من أقوالك يوم تنوح على خطاياك وضلالك
٧٧ جهنم وشدهتا
ذكر أن الخلق إذا اجتمعوا في الموقف وضاق المتسع وعظم الفزع واشتد الجزع واختلفت الأقدام وكثرالازدحام
وجاءت جهنم بالهول الأعظم والعذاب المقيم الألزم ووقفت بين يدي الجبار خاضعة للملك القهار أمر الجبار جل
جلاله أن تفتح أبواهبا وترفع كل جلال عليها وهي سبعة أبواب على كل باب سبعمائة ألف جلال وهي الحجب
ولولا تلك الاجلال لاحترقت السموات
ومن فيها والارضون ومن عليهاغلظ كل جلالخمسمائةعام فإذا فتح منها الأبواب رفعت تلك الحجب من عليها
ورمت النفط والقطران وحجارة الكبريت ويخرج منهاعنق من نار أسود فيلتقط من الموقف كل ذهب وفضة
وياقوتة وزبرجدة ولؤلؤة استعدت لزينة الدنيا
٧٨ زينة الدنيا الزائلة
فيأخذ الكل ويجمعه والجبار جل جلاله يقول لها اتركي ما لم يكن لنا فكل ما كان من زينة لم يرد به وجه االله تعالى
أخذته النار ومنادينادي أصحاهباهذه زينتكم التي اشتغلتم هباعن طاعة االله عز وجل وآثرتموهاعلى ماعند االله ولم
تتبعوا سنن النبيين ولا سير الصالحين
ثم ينادي المنادي اتبعوا زينتكم فتخرج عنق من النار مرة أخرى فتلتقط أصحاهبا إلا من رحم االله
٧٩ صاعقة جهنم
فعند ذلك يقول كل عبد وأمة يا ليت هذا كله جعلته في جنب االله يا ليته لم يكن معي يا ليته بعد عني ثم يأمر االله
تعالى أن ترتفع صاعقة من جهنم سوداء فتسودوجوه أقوام من الرجال والنساء وتعمى أبصار قوم من الرجال
والنساء وتختم على أفواه قوم من الرجال والنساء فذلك قول االله عز وجل { يوم تبيض وجوهوتسودوجوه } آل
عمران ١٠٦ يا أخي يا مسكين يا ضعيف اليقين مثلي أتراك من أي الفريقين تكون أمن الذين ابيضت وجوههم
ففي رحمة الملك الرحيم أو من الذي اسودت وجوههم في العذاب الأليم أفهل تكون من الذين ابيضتوجوههم
بالرحمة أم من الذين اسودت وجوههم بالنقمة فكل من اسود وجهه قد أيقن بالنار وكل من ابيض وجهه قد أيقن
أنه من أهل دار القرار فيا لها من فرحة ما أعظمها ويا لها من مصيبة ما أدومها فإذا نزل السواد فيوجه من شاء االله
تبارك وتعالى صارذلك السواد حجابا بينه وبين النظر إلى وجه مولاه وإذا نزل البياض في وجه من أراداالله تبارك
وتعالى يبيض وجهه رفع ذلك النور حجاب الذنوب الذييحجب العبد عن النظر إلى وجهعلام الغيوب
٨٠ من ابيض وجهه
وذلك أن البياض نور المغفرة وهو نور الرحمة وهو نور القرب وهو نور
الوصال والسوادأيضا هو سواد البعد وهو سوادالانفصال وهو سوادالنكال وهو سوادالنقمة وهو سوادالحجبة
قال االله تعالى { كلا إهنم عن رهبم يومئذ لمحجوبون } المطففين ١٥ فالحجاب يامسكين يا مغرور في الدنيا وقع على
قلبك باكتساب السيئات ودوامك على الخطيئات واشتغالك عن رب الأرضين والسموات قال االله تبارك وتعالى {
يوم تجد كل نفس ماعملت من خير محضرا } آل عمران ٣٠ فيا معشر المذنبين أبعدوا السوء وأبدلوه بالإحسان
وارغبوا في نعيم الجنان وارجعواعن الأوزار والعصيان فإهنا تزيدكم من عذاب النيران
يا أخي أبعد السوء وأبغضه بغضا شديدا وكن على إبعاده بالتوبة جلدا جليدا من قبل أن يأتي يوم تود أن لو كان
السوءعنك بعيدا ولم تتبع شيطاناغويا مريدا
وأنشدوا
يا من إليه جميع الخلق يبتهلوا
وكل حي على رحماه يتكل
يا من نأى فرأى ما في الغيوب وما
تحت الثرى وحجاب الليل منسدل
يا من دنا فنأى عن أن تحيط به
الافكار طرا أوالأوهام والعلل
أنت الملاذإذا ما أزمة شملت
وأنت ملجأ من ضاقت به الحيل
أنت المنادى به في كل حادثة
أنت الإلهوأنت الذخروالأمل
أنت الغياث لمن سدتمذاهبه
أنت الدليل لمن ضلت به السبل
إنا قصدناك والآمال واقعة
عليك والكل ملهوف ومبتهل
} فإن غفرت فعن طول وعن كرم
وإن سطوت فأنت الحاكم العدل
٨١ حكايةذي النون عن الراهب الصامت
قال ذو النون رحمه االله ذكر لي عن راهب بالشام أنه لم يكلم أحدا مدة أربعين سنة فنهضت إليه فلم أزل أنادي تحت
صومعته وأقسم أن يشرف علي حتى أشرف من أعلا صومعته فراودتهعلى الكلام فأبى علي فقلت له بالذي سكت
من أجله ومن خوفه إلا أجبتني عما أسألك عنه فقال لي قل ولا تطيل الكلامعلي قلت له منذ كم أنت في هذا
الموضع فقال منذ يوم واحد فقلت له وكيف ذلك قال سمعت الناس يقولون أمس واليوم وغدا فأما أمس فقد فات
وأما اليوم فلي وأما الغد فلا أدري أبلغه أم لا ثم أدخل رأسه فما كلمني وهو
يبكي ويقول لا صبر لي على النار
وأنشدوا
أيا نفس لا صبراعلى النار فاعلمي
وكوني على خوف من النار ماعشت
ودومي على الأحزان ما دمت حية
عسى تذهب الأحزان عنك إذا مت
يقولون في طول الكلام بلاغة
وقد علموا أن البلاغة في الصمت
إذا العبد لم يلعب هواه بعقله
عصى ربه وازداد مقتاعلى مقت
٨٢ تقسيم العمرعلى الأعمال
معشر المذنبين اجعلوا أعماركم ثلاثة أيام يوم مضى يوم أنتم فيه يوم تنتظرونه لا تدرون بما يأتيكم من صلاح أو
فساد ولعلكم لا تبلغونه فأصلحوا اليوم الذي مضى بالندمعلى ما فاتكم فيه من الطاعة والإحسان وما اقترفتم فيه
من الذنوب والعصيان واليوم الذي مضى إنما تصلحونه في اليوم الذي أنتم فيه بالبكاء والندامة وذم النفس مع
الملامة
وأنشدوا
} حتى متى نحن والأيام نحسبها وإنما نحن فيها بين يومين
يوم تولى ويوم أنت تأمله لعله أجلب الأيام للحين
آنس االله روعتي وروعتكم يوم النشور وآنس وحشني ووحشتكم في القبور إنهعلى ذلك قدير وهوعليه يسير
وأماتنا وإياكم على هذه الكلمة شهادة أن لا إله إلا االله محمد رسول االله غير مبدلينولا مغيرين ولا مبتدعين آمين
رب العالمين
٧ مجلس في قوله تعالى { فأما من أوتي كتابه بيمينه } الآية
١٨٣ يا أخي يا مسكين يا حيران من الذنوب والعصيان يا من تعرض لسخط الملك الديان يا من أقرعين عدوه
الشيطان بتماديهعلى الخذلان والضلال والبهتان والأوزاروالطغيان يا مغرور إنك آخذ كتابا ووارد حسابا ونازل
ثوابا أوعذابا
فقدم ياغافل في دار الغرور ما تجده في الكتاب المنشور من الثواب والحبور والفرحوالسروروالضياء والنور من
رحمة العزيزالغفور
٨٤ أين الكتب يوم القيامة
روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } الكتب كلها تحت العرش فإذا كان يوم القيامة بعث االله تبارك
وتعالى ريحا تطيرها بالإيمان وبالشمائل أول حرف في الكتاب { اقرأ كتابك كفى بنفسك اليومعليك حسيبا }
الإسراء ١٤ ما أعدل الملك الوهاب إذ جعل الإنسان حسيب نفسه في قراءة الكتاب
يا مسكين يا مغرور إن أخذت الكتاب بالشمالفحسبك العذاب والنكال والمحن والأهوال والسلاسل والأغلال
والحميم والخبال واللعنة والانفصال من ذي الجودوالجلال
وإن أخذت الكتاب باليمين فحسبك المقام الأمين في أعلا عليين مع الولدان والحور العين والاتصال برب العالمين
وبمحمد خاتم النبيين صلى االله عليه وآله وصحبه أجمعين
وإن أصررت في الدنياعلى جرمك ولم تتب إلى مولاك عن قبيح ذنبك فسوف تأخذ كتابك من وراء ظهرك فتجد
فيه ما يحزن قلبك ويعظم حزنك ويكثر كربك فيا معشر المذنبين اعلموا أنما جعل االله الدنيا ابتلاء واختباراوأوجب
عليكم فيها حقوقا كبارا فمتى ضيعتموها فقد أودعتم كتبكم آثاما وأوزارا ومتى وفيتم هبا فقد ملأتم كتبكم سرورا
وأنوارا
وما من عبد ولا
أمة إلا وله كتاب يقرؤه يوم العرض والحساب وإنما مثل الناس عند قراءهتم الكتاب كمثل الزارع إن زرع طيبا
رفع طيبا وإن زرع خبيثا رفع خبيثا
يا أخي فكأنك أنت كتبته بأقوالك وملأته بأفعالك وسودته بالقبائح من أعمالك
وأنشدوا
كأني بنفسي في القيامة واقف
وقد فاض دمعي حين أعطي كتابيا
لعلمي بأفعالي وسوء مناقبي
وأن كتابي سوف يبدي المساويا
فيا أهل الذنوب مثلي اعلموا أن الأعمال قد أثبتت عليكم في الديوان من الإحسان والعصيان والزيادةوالنقصان
والنفاق والإيمان وأنت غافل في سكرة الغرور وكتابك مملوء بالويل والثبور فبادروا إلى الصحائف وأمحوا ما فيها من
القبائح ومحصوا ما قد ثبت عليكم من الفضائح وذلك باكتساب الحسنات كما قال رب الأرضينوالسموات { إن
الحسنات يذهبن السيئات } هود١١٤
٨٥ أول الناس حسابا
ذكر في بعض الأخبار أن أول ما يحاسب االله من الأمم أمة محمد {صلى االله عليه وسلم} فإذا اجتمع الأولون
والأخرون في أرض القيامة وقفت أمة محمد {صلى االله عليه وسلم} فأول من يدعي منهم إلى الحساب رجل من
قريش من بني مخزوم يقال لهعبد االله بن عبد الأسد وله أخ يقال له الأسود بن عبد الأسد وفيهما نزلت هاتان
الآيتان { فأما من أوتي كتابه بيمينه} الحاقة ١٥ إلى قوله { في الأيام الخالية } الحاقة ٢٤ نزلت هذه الآية في عبداالله
بن عبد الأسد { وأما من أوتي كتابه بشماله} الحاقة ٢٥ وهو الأسود بن عبد الأسد فأماعبد االله وهو المؤمن
فيدخل من وراء الحجب فيوقف بين يدي االله عز وجل فترعد فرائصهوتنفك أوصاله وتذهل نفسه من شدة الخوف
من االله تعالى فبينما هوعلى أشد الأحوال من الخوف بين يدي الجبار جل جلاله إذيأتيه ملك من عند االله تعالى
وبيدهصحيفة بيضاء مختومة بخاتم الخلد فيقول له الملك
٨٦ كتاب الحسنات
هذا كتابك فيتناول الكتاب بيمينه وكل من كان من أهل الشقاوة إذا أوتي كتابه يروم أن يمد اليمين لأخذه فلا
يقدر لأنه يجد يمينه كأنماعلقت فيها جبال
الدنيافلا يطيق أن يرفعها من الثقل وقيل إهنا تغل يده وقيل إهنا تلصق بجسده وقيل إن الملك يقول له ياعدواالله
خذ كتابك بشمالك فإنك من أصحاب الشمال جعلنا االلهوإياكم من أصحاب اليمين
فيتناول عبد االله أخوالأسود كتابه بيمينه ويقال له إقرأ ماعملت من خير وشر ولا تلومن إلا نفسك فيفض خاتم
الكتاب فينشر كتابه فإذا هو مكتوب بخط أبيض في باطن الكتاب السيئات وفي ظاهره الحسنات فيقال له إقرأ
سيئاتك فأول حرف يجد في الكتاب أصغرذنب عمله في الدنيا فإذا رأى ذلك الذنب ميل رأسه ونكسه حياء من
االله تعالى وسال منه من العرق ما لو أن مائتين من الإبل أكلت حمضا والتهبت عطشا ووردت على عرقه لشربت
كلها ورجعت وقد رويت وما نقص من عرقه شيء
٨٧ كيفية السؤال
هذا كله حياء من االله عز وجل فيقول الجبار جل جلالهعبدي فيقول لبيك ربي وسعديك فيقول ارفع رأسك
أتعرف ذنبك هذا فيقول مولاي وسيدي وعزتك وجلالك إني لأعرفه فيقول عبدي أتذكر يوم كذا وكذا في موضع
كذا وكذا وأنت على هذا الذنب فيقول نعم وعزتك وجلالك
فيقول له الجبار جلب جلالهعبدي إنك إذا أخفيت ذلك من الخلائق لقد علمت أني كنت مطلعاعليك فيقول بلى
يا سيدي ومولاي وعزتك وجلالك لقد علمت ذلك فيقول له جل جلاله أما استحيت مني أما راقبتني أماعلمت
أن مرجعك إلي
والعبد في هذا التوبيخ قد علاه العرق وذاب من شدة الغرق فيقول مولايوسيدي لأن ترسل بي إلى النار أهون
علي من هذا التوبيخ فيقول االله تبارك وتعالى عبدي أليس قد سترهتاعليك في الدنيا فيقول العبد مولاي لقد فعلت
ذلك بي فيقول جل جلالهعبدي وعزتي وجلالي ومجدي وجودي وكرمي لقد محوهتا من قلوب الملائكة وقلوب
الآدميين وابقيتها بيني وبينك حتى تعلم نعمتي عليك وأفضالي لديك في الدنياوالآخرة
٨٨ غفران الذنوب
فلا يزال جل جلاله يفعل بهذلك في كل ذنب حتى يقرأ جميع ما في كتابه من الذنوب فإذا أتي على آخر الكتاب
وجد فيهعبدي هذه سيئاتك قد غفرهتا لك
فعند ذلك يبيض وجهه وتحسن بشرته ويذهب عنه الحزن والهم والجزع
ثم يقول االله جل جلاله قلب كتابك فاقرأ حسناتك فيقلب العبد كتابه فيقرأ حسناته كلما
مرعلى حسنة ازداد قلبه فرحا وسرورا وازداد بياضاوحسناونورا ثم يؤتى بتاج من نور فيوضع على رأسه لو
أخرج ذلك التاج إلى الدنيا لكسف نوره ضوء الشمس والقمر
٨٩ لباس المكرمين
ويؤتى بحلتين من حلل الجنة شبر منها خير من الدنيا وما فيها مائة ألف مرة فيلبسها ويحلى كل مفصل منه بحلى
الجنة ويقال له أخرج على الناس وأخبرهم وبشرهم أن لكل عبد وأمة من المؤمنين مثل ذلك فعند ذلك يخرج عبد
االله بن عبد الأسد وكتابه بيمينه وقد أشرق وجهه نورا وقلبه قد امتلأ سرورا قد جرت على وجهه نضرة نعيم
الجنان وتلكعلامة لأهل الإيمان والملك آخذ بيمينه وهوينادي عليه نداء البشرى ألا إن فلانا لأهل الإيمان والملك
آخذ بيمينه وهو ينادي عليه نداء البشرى ألا إن فلانا قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداوالخلائق قد رفعوا
أبصارهم إليه وتمنوا مثل ما من االله بهعليه وهو يقرأ { هاؤم اقرؤوا كتابيه } ليس فيه سيئةواحدة قد غفر االله
تبارك وتعالى جميع ذنوبي ومحاهاعني { إني ظننت أني ملاق حسابيه} إني أيقنت في الدنيا أني ألقى هذا اليوم وكنت
خائفا من هوله ومن قراءتي كتابي ومن حساب ربي جل جلاله فلا يزال كذلك حتى ينتهي إلى أصحابه فيقولون من
هذا العبد الذي أكرمه االلهورضي عنه اللهم اجعله من أحبابنا وقربه منا حتى ننظر إلى ما قد فضله مولانا به فإذا
قرب منهم سلم عليهم فيقولون له من أنت ياعبد االله فيقول أو ما تعرفوني فيقولون له ياعبد االله لقد زينتك كرامة
المولى جل جلاله حتى لا نعرفك فمن أنت فيقول لهم أناعبد االله بن عبد الأسد ألا وإن لكل واحد منكم مثل هذا
وهكذا يفعل االله تبارك وتعالى بكل مؤمن يكون رأسا في الخير يدعو إليهويأمر به ثم يشفعه االله تبارك وتعالى في كل
من شاء من أهل الذنوب فعند ذلك يفرح أصحابه بما قد بشرهم به من المغفرة والفوز بالجنة والنجاة من النار {
فهو في عيشة راضية} قد رضى ورضيت نفسهورضي مولاهعنه وهوراض بتلك العيشةوالعيشة الجنة{ في جنة
عالية } في غرفة ارتفاعها مسيرة مائةعام من لؤلؤة بيضاء أو من ياقوتة حمراء ملاطها المسك الأذفر والعنبر الأشهب
والكافور الأبيض { قطوفهادانية} يعني
ثمارهادانية منهم إذا
اشتهوها نزلت عليهم حتى تدخل عليهم في منازلهم فتدنو منهم فيأكلون من ثمارها ما يشتهون وهم نيام أو قعود أو
قيامعلى أي حال أرادوا ثم ترجع إلى أماكنها وذلك قوله تعالى { كلوا واشربوا هنيئا } الحاقة٢٤ لا موت فيها
ولا حزن { بما أسلفتم في الأيام الخالية } الحاقة ٢٤ يعني الأيام االماضية وهي أيام الدنيا التي أطاعوا االله تبارك وتعالى
فيها واستقاموا ولم يزوغواعن طاعته
وأنشدوا
ببابك عبد من عبيدك مذنب
كثير الخطايا جاء يسألك العفوا
فأنزل عليه العفويا من بمنه
على قوم موسى أنزل المن والسلوى
أناعبدك المسكين فارحم تضرعي
ولا تجعل النيران يارب لي مثوى
وخفف من العصيان ظهري إنني
بلغت من الأوزارغايتها القصوى
فهذاعبد االله بن عبد الأسد الذي أنزل االله تعالى في هذه الآية وعلى سيرته في الحساب تجري سير المؤمنين من أمة
{صلى االله عليه وسلم} على قدر أحوالهم واجتهادهم في الدنيا في الخير والاستقامةعلى طاعة االله
٩٠ أشد الناس عذابا
وأما قوله تعالى { وأما من أوتي كتابه بشماله} الحاقة ٢٥ فهو الأسود بن عبد الأسد المخزومي وهوأخوعبد االله
بن عبد الأسد وذلك أن االله تعالى يدعو بهعلى أثرأخيهعبد االله فيدخل الأسود حتى يوقف وبينه وبين االله عز وجل
حجاب السخط فيكون من وراء الحجاب لأن االله تبارك وتعالى لا يراه إلا المؤمنون وأما الكفار فلا يرونه قال االله
تعالى { كلا إهنم عن رهبم يومئذ لمحجوبون } المطففين ١٥ فيوقف الأسود بين يدي الملائكة يرتعد من خوف العذاب
والملائكة الذين معه هم ملائكة العذاب فبينما هو كذلك إذ يأتيه ملك من ملائكة السخط فيأخذ بيده اليمنى ثم
يهزها فيخلعها من موضعها فيعلقها من صلبه بجلده ثم يأخذ برأسه فيلوي عنقه فيحول وجهه في قفاه
٩١ كتاب السيئات
ثم يأتيه ملك من وراء ظهره في يده صحيفة سوداء فيها كتاب بخط أسود في باطن الكتاب حسناته وفي ظاهره
سيئاته والكتاب مختوم فيقال له هذا كتابك خذه
فلا يقدر أن يتناوله بيمينه لأن يمينه مخلوعة من منكبه فيتناول كتابه بشماله فيقال له فض خاتم الكتاب فيفضه ويقال
له انشر كتابك اقرأ فينشرالصحيفة وهي سوداء فيبدأ بباطن الكتاب فتستقبله حسناته فيقرؤها ويفرح ويظن أنه
سينجو من عذاب االله تبارك وتعالى حتى إذا بلغ آخر الصحيفة وجد فيها هذه حسناتك قد ردت عليك لأنك لم ترد
هبا وجه االله تعالى والدار الآخرة وذلك قوله تعالى { من كان يريد الحياة الدنياوزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم
فيها لا يبخسون } هود ١٥ أي لا ينقصون تعجل لهم في الدنيا أجور أعمالهم ولا يثابون في الآخرة بشيء من
أعمالهم ولا تجاوزعنهم في شيء من أعمالهم السيئة حتى يعذهبم االله تعالى عليها وأعمالهم الحسنة أحبطها االله عز
وجل بالكفر والأعمال الصالحة التي يراد هبا وجه االله تبارك وتعالى يجازي االله تعالى عز وجل أصحاهبا بالثواب الباقي
وهو نعيم الجنةوالنظر إلى وجه االله الكريم فوجه االله باق ونعيم الجنة باق لأن االله تعالى خلق الجنة ثوابا لأهل
الأعمال الصالحة التي يراد هبا وجه االله تعالى { كل شيء هالك إلا وجهه} القصص ٨٨ وكل عمل يراد به وجه
االله لا يهلك يبقى ثوابه لصاحبه وثوابه الجنة فإن االله تبارك وتعالى يثيب على العمل الباقي بالنعيم الدائم الباقي
ويثيب على العمل الفاني وهو ما يعمل للدنيا وزينتها بالعرض الفاني وهو حطام الدنيا والمؤمن لا يرضى االله عز
وجل أن يثيبهعلى عمله الصالح بعرض الدنيا وإن وسع عليه في الدنيا فإنما يعطيه ذلك زيادة معونة يستعين هباعلى
طاعته وأجرعمله أدخره له ليوم فقره إذا احتاج إليه ثم يقال للأسود بن عبدالأسد إقلب كتابك فاقرأ فيقلب
ظاهره فتستقبله سيئاته مثل الجبال الرواسي وهي سود بخط أسود لأهنا محبوطة بالكفرغير مقبولة فأول سيئة يقرؤها
يسود وجهه ويسمج لونه كلما قرأ سيئة ازداد سماجة وقبحا فإذا بلغ آخر الصحيفة وجد فيها هذه سيئاتك قد
أضعفت إني قد أضعف عليك العذاب
بعملك السيئات
٩٢ صفة العذاب للكافر
فيرجع وجهه أشد سوادا من القار وهو الزفتويعظم جسده للنار حتى يكون ما بين منكبيه مسيرة شهر وغلظ كل
فخذ من فخديه مسيرة ثلاثة أيام وما بين شفتيه العليا والسفلى أربعون ذراعا وقد خرجت أنيابه وأضراسه من بين
شفتيه
بادية وعيناهزرقوحدقتاه قد وقعتاعلى وجهه من شدة ما هو فيه من العذاب وكل ضرس من أضراسه أعظم من
جبل أحد شعره كآجام القصب وله سبعة جلودغلظ كل جلد منها أربعون ذراعا ما بين الجلد إلى الجلد مسيرة
ثلاثة أيام فيها ديدان لها جلبة كجلبة الوحوش في البرية في جسده من الشعر ما لا يحصي عدده إلا االله تعالى في أصل
كل شعرة من الآلام والوجع والعذاب ما لو قسم على أهل الدنيا من يوم خلقهم االله تعالى إلى يوم يبعثهم لماتوا
كلهم في أسرع من طرفةعين
ثم يؤتى بسلسلة ذرعها سبعون ذراعا فتغل هبا يداه وعنقه ويدخل طرفها في فيه وتخرج من دبره ثم يلف ما بقي منها
على عنقه يتوقد ويشتعل نارا ثم يؤتى بصخرة من كبريت أعظم من الجبل العظيم لووضعت على جبال الدنيا
لذابت من حرها فتعلق في عنقه وهي تشتعل نارا ثم يؤتى بتاج من نار فيوضع على رأسه فيصعد حرالصخرة إلى
وجهه وينزل حرالتاج إلى وجهه ويجتمع مع حرالصخرة ولا يقدر أن يرفع عن وجهه بيديه لأهنما مغلولتان إلى
عنقه قال االله تعالى { أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة } الزمر ٢٤ وقال عز وجل { وتغشى وجوههم
النار } إبراهيم ٥٠ تغشى وجوه الكفار
ثم يؤتى بسربال من قطران وهو نحاس جهنم قد انتهى في شدة الحر فيلبسه لو أن ذلك السربال ألقي في الدنيا
لصارت الدنيا من مشرقها إلى مغرهبا جمرة واحدة أسرع من لمح البصر ثم يقرن مع شيطان يكون ذلك الشيطان
عليه أشد من كل عذاب يعذب به ثم يقال له أخرج على الناس وأخبر أصحابك أن لكل واحد منهم مثل هذا
العذاب
فيخرج الأسودعلى أقبح الأحوال وكتابه بشماله ليس فيه حسنةواحدة وسيئاته ظاهرة للخلق والملك ينادي على
الأسد بن عبد الأسود يا أهل الموقف قد شقي الأسود شقاوة لا يسعد بعدها أبدا
إلعنوه فإن االله تعالى قد لعنه وسخط عليه فينادي بأعلا صوته نداء يسمعه أهل الجمع { يا ليتني لم أوت كتابيه }
الحاقة ٢٥ أي يا ليتني لم أعط كتابي بشمالي ولا يحل بي هذا البلاء الذي أنا فيه { ولم أدر ما حسابيه } الحاقة ٢٦
أي يا ليتني تبت وآمنت ولم أحاسب هبذا الحساب ولا نزل بي هذا العذاب { يا ليتها كانت القاضية} الحاقة ٢٧
أي يا ليت الموت عادإلي حتى يريحني من هذا العذاب { ما أغنى عني ماليه } الحاقة ٢٨ يعني المال الذي كان معه
في الدنيا وكان ينفقه في غير االلهويبخل به في ذات االله تبارك وتعالى { هلك عني سلطانيه} الحاقة ٢٩ أي انقطعت
عني حجتي واضمحلت
ثم يأمراالله تبارك
وتعالى أن يخرج له منبر من جهنم من نار فينصب له ويصعد عليه وتبدو كل قبيحةعملها في الدنياويلعنه كل من
في الموقف ويعبره حتى يود لو أمربه إلى النار ثم يقول االله تبارك وتعالى للملائكة{ خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم
في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه } الحاقة ٣٠ ٣١ ٣٢ فيبتدره سبعون ألف ملك خلقوا من نار السموم
مع كل ملك منهم من العذاب خلاف ما مع الآخر فيأخذونه بينهم فيلقونه في الهاوية من النار الحامية ويدخلون
بسلسلة في فيه ويخرجون طرفها من دبره كما تصنع الخرزة في السلك ثم يطعم الغسلين وهو شيء أسود نتن لوأن
قطرة من الغسلين أخرجت إلى الدنيا لمات جميع أهلها من النتن
٩٣ طعام أهل النار
وإنما يطعم أهل النار الغسلين لأهنم كانوا في الدنيا لا يرون أن يغتسلوا من الجنابةولا يتوضؤوا للصلاة فيحرق
الغسلين مواضع الوضوء والاغتسال وما سقط منه أطعموه إياه جزاءبما ضيعوا في الدنيا من حقوق االله تعالى وهذا
العذاب كله للأسود بن عبد الأسد وكذلك لكل من كان في الشررأسا يأمر به ويدعوإليه يفعل به كما فعل
بالأسود بن عبد الأسد وكل من كان في الدنيا في الخير رأسا يأمر به إليه يفعل به كما بالأسود بن عبد الأسد وكل
من كان في الدنيا في الخير رأسا يأمر ويدعوا إليه يفعل به كما فعل بعبد االله ابن عبد الأسد يجزي االله تعالى الناس
كلهم على هذا المنهاج في الخير والشرواالله يفعل ما يشاء لا إله إلا هو وهو حسبنا ونعم الوكيل فنعوذباالله من
أعمال أصحاب الشمال
٨ مجلس في قوله تبارك وتعالى { ووضع الكتاب } الآية
١٩٤ يا أهل الذنوب مثلي يا أهل العيوب مثلي يا من يعصي ولا يتوب يا من ألغي والمحال له صحوب يا من ضيع
غاية المنى والمرغوب يا من سود كتابه بمعصيةعلام الغيوب اعلمواعصمنا االله وإياكم أن للعبادغداصحائف
يقرؤون فيها الحسنات والقبائح فمن كتب له حافظاه خيرا في الدار الفانية فهو خير له في الدار الباقية ومن كان
خائفا في الدنيا من العذاب متحفظا مما يثبت عليه في الكتاب متجنبا لمعصية رب الأرباب وفقه االله مولاه للحق
والصواب ويسرعليه برحمته الحساب ومحيت أوزاره من الكتاب ورضي عنه الملك الوهاب وأمر به إلى الجنة
وحسن المآب ومن علم أن عمله يثبت عليه في الديوان وهو يقرؤه لا محالة بين يدي الرحمن فكيف يألف العصيان
وكيف يتحرك منه اللسان بالزور والبهتان ومخالفة كتاب الملك الديان
٩٥ الفرق بين الحسنة والسيئة
ذكر في بعض الحكم أن رجلا كان يسوق دابته فعثرت فقال الرجل تعست الدابة يعني عثرت فقال ملك اليمين
لملك الشمال ليست بحسنة فاكتبها فأوحي االله تعالي لملك الشمال ما ترك صاحب اليمين فاكتبه أنت فكتب صاحب
الشمال قول الرجل تعست الدابة واعظم من هذا انه ما من عبد ولا أمة يتنفس نفسا إلا اثبت عليه في الكتاب فان
خرج النفس في طاعة االله تعالى أثبته صاحب اليمين وان خرج النفس في غير طاعة االله أثبته صاحب الشمال حتى
يحكم االله تبارك وتعالي يوم الحساب فيه بحكمه فمن علم هذا يقينا فلا يحتاج أن تمرعليه ساعة من ساعاته ولا وقت
من أوقاته ولا لحظة من لحظاته إلا في ذكراالله وفي الفكرة في عظمة االله
٩٦ النجاة في ذكراالله
روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال
ليس شيء أنجى للمؤمن من عذاب االله من ذكراالله وأكثر ما يجد المؤمن في صحيفته يوم القيامة الاستغفار في الليل
والنهار فكل من كان في الدنيا من قراءة كتابه خائفا مشفقا كان االله تبارك وتعالى بهعند قراءته إياه رحيما مرفقا
ومن كان في الدنيا من الغافلين كان عند قراءته من النادمين فلو رأيتم يا أهل الذنوب ما قد أثبت عليكم في الديون
من الخطايا والعصيان والزور والبهتان والزيادة والنقصان والغفلة والنسيان لعظمت منكم المصائب وكثرت منكم
النوائب ولسارعتم إلى الثواب والرغائبولثبتم إلى رب المشارق والمغارب وأنشدوا
} ما بال عينك لا تبكي لما سلفا ذكر الذنوب وخوف النار والتلفا
يا أيها المذنب المحصى جرائمه
لا تنس ذنبك واذكر منه ما سلفا
من الذنوب التي لم تبل جدهتا
كيف تبلى وقد أودعتها صحفا
أما تخاف أما تخشى فضائحها
إذا الغطاء انجلى عنهن وانكشفا
اعلموا معاشر المذنبين لوأن االله تعالى اطلع بعضناعلى صحائف بعض وكشف له ما فيها من الذنوب لكان الناس
يشتغلون عن معايشهم بتعيير بعضهم لبعض ولعنة بعضهم لبعض فإنا الله وإنا إليه راجعون
٩٧ حكايةعن رقة بن واسع
حكي عن محمد بن واسع رحمه االله أنه ما رآه أحد قط ضاحكا وإن كان ليبكي حتى ترحمه الناس فذكر لهذلك
فقال يا أحبائي وكيف يضحك من لا يدري ما أثبت عليه في كتابه ولا يدري بما يختم له
اللهم اختم لنا بخير وكان رجل يكلم محمد بن واسع في حاجة فقال له محمد بن واسع ادن مني فلو كانت للذنوب
رائحة لما قدرت أن تدنو مني فيا معشرالمذنبين مثلي ونفسي أعني وكلنا مذنب لا تغتروا بستراالله تعالى عليكم فإن
له يوما يهتك فيه الأستار ويحاسب عبادهعلى ماعملوا في الليل والنهار فقوم إلى الجنة وقوم إلى النار فالخير والشر
قد حصل عليكم الكتاب الذي يوضع لكم يوم العرض والحساب بين يدي رب الأرباب قال الملك الوهاب {
ووضع الكتاب فترى اجملرمينمشفقين مما فيه }
{ الكهف ٤٩ وضع الكتاب للمؤمنين ووضع الكتاب للمجرمينوضع الكتاب لأهل الإيمان ووضع الكتاب لأهل
الضلال والطغيان ووضع الكتاب لأهل الجنان ووضع الكتاب لأهل النيران ووضع الكتاب لأهل الثواب ووضع
الكتاب لأهل العقاب ووضع الكتاب للطائعين ووضع الكتاب للعاصين ووضع الكتاب لأهل الإخلاص والوفاق
ووضع الكتاب لأهل الرياء والنفاق ووضع الكتاب لأهل الوفاء ووضع الكتاب لأهل الجفاء ووضع الكتاب
للعاملين ووضع الكتاب للباطلين ووضع الكتاب للقائمين وضع الكتاب للنائمين ووضع الكتاب للمستغفرين
ووضع الكتاب للغافلين وضع الكتاب للسعداء وضع الكتاب للأشقياء وضع الكتاب لأهل الجنة وضع الكتاب
لأهل المحنة ووضع الكتاب للأبرار وضع الكتاب للفجاروضع الكتاب لأهل التوبة ووضع الكتاب لأهل الحوبة
وضع الكتاب لأهل الكرامةوضع الكتاب لأهل الندامة ووضع الكتاب لأهل الرشاد ووضع الكتاب لأهل الفساد
وضع الكتاب لأهل الحسنات وضع الكتاب لأهل السيئات وضع الكتاب لأهل النعيم والسروروضع الكتاب
لأهل الويل والثبور فكتب تبشربالجنة وكتب آخرها باللعنة والمحنة جعلنا االله وإياكم ممن يبشره كتابه بالجنة برحمته
٩٨ إحاطة الكتاب بكل شيء
واعلموا يا معشر المذنبين أن االله تعالى لم يدع شيئا من القول إلا وقد فسره لعباده وأنزل بذلك كتابه العزيز فقال
فيه تبارك وتعالى { ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى رهبم يحشرون } الإسراء ٣٨ وقد أعلمنا إلهنا ومولانا أن {
وكل إنسان ألزمناه طائره } الإسراء ١٣ وأن كل إنسان لا بد له من السؤال ولا بد له من حسابولا بد من
ثواب أوعذاب ومولاناعز وجل قد أمرنا بالعمل الصالح ووعدناعليه بالجنة وهناناعن المعاصي وتوعدناعليها
بالنار وما قدمتم من خير وشر قد أثبت عليكم في كتاب مكتوب بالحسنات والذنوب
٩٩ حكاية في كتابة الكتب
روي عن الحسن رحمه االله أنه قال ما من عبد ولا أمة يدفن إلا دخل عليه ملك في قبره معه دواة وقرطاس فيأخذ
الملك برأس الميت ويقعده ويرفع إليه
ذلك القرطاسويناوله قلما ويقول له اكتب جميع ماعملت في عمرك الذيوجبت عليك فيه الحدود من خير وشر
فيأخذ الميت القلم فيكتبوإن لم يكن في الدنيا كاتبا فإن كان العبد من أهل السعادة فأول ما يجري القلم بيده بإذن
االله تبارك وتعالى بسم االله الرحمن الرحيم لأن بسم االله الرحمن الرحيم لا تكون في كتاب الشقاوة وإنما تكون في
كتاب أهل الإيمان والسنة والأمان والغفران لأن بسم االله الرحمن الرحيم هي آية الإيمان وهي إخبارعن رحمة االله
ولطفه جل جلاله يا أهل السنة من هذه الأمة فإذا ثبت العبد في كتابه بسم االله الرحمن الرحيم فقد أمن في قبره من
العذاب والضيقة
٠٠ البسملة وبركتها
وإذا لم يثبت في كتابه بسم االله الرحمن الرحيم فقد حل به العذاب في قبره فإذا كتب العبد ماعمل من خير وشر
شقيا كان أو سعيدا يطوي الملك الكتابويعلقه في عنقه فإذا خرج العبد من قبره يوم القيامة جاءهذلك الملك
فأخذ الكتاب وناوله إياه وقال يا ولي االله أو ياعدواالله أتعرفهذا فيقول نعم أنا كتبتهوأناعملته فيقول له فاقرأه
فيستقبله منه ما سبق له من سعادة أو شقاوة
فاالله االله معشر المذنبين مثلي المؤمنين لا تضيعوا أيامكم بالقبائح ولا هتملوا أعماركم في الذنوب والفضائح فإن جميع
أعمالكم قد حصيت عليكم في الصحائف والصحائح وستقرؤوها بين يدي مولاكم وتشهد عليكم الجوارح بالقبيح
والحسن من أعمالكم
وأنشدوا
سوف يأتي عليك ساعة خوف
حين تعطى صحائف الأعمال
وكأني أرى فضائح قوم
قد تجلى لكشفها ذو الجلال
ليت شعري إذا قرأت كتابي
بيميني أعطاه أم بشمالي
حكايةعن عيسى عليه السلام
روي عن محمد بن اللباد رحمه االله أنه قال دخل عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام وعلى نبينا محمد {صلى االله
عليه وسلم} مدينة خربة فدخل قصرا من قصورها فنادى يا خراب الآخر بين أين أهلك وعمارك فأجابه شيء من
آخر القصريا ابن مريم بادوا وسيعودوا فاجتهد يا أخي لا تفرط فإن العظام قد بليت وبقيت أعمالهم في رقاهبم
وأنشدوا
لا تحقرن من الذنوب صغيرها
إن الصغير غدا يعود كبيرا
كل الذنوب وإن تقادمعهدها
عند الإله مسطرا مسطورا
} أيها الرجل المقنع بالمشيب الملبس حلة المعاصي المريب قد خسرت أيام الشباب وبذلت مهجتك للعذاب بغفلتك
عما في الكتابوإتباعك اللعين الكذاب وهتاونك بالحساب وصدودك عن الصواب ومعصيتك لرب الأرباب ما
حبلتك يا مكروب مثلي سودت كتابك بالذنوب وعصيت مولاكعلام الغيوب وبعت الحظ الجزيل بالكذب
المشوبوضيعت الجنة التي ليس فيها نصب ولا لغوب واعلموا يا معشرالمذنبين أن العبد إذا وفقه مولاه وأعطاه
الفكرة في قراءة كتابه كان عند مولاه مستجاب الدعاء
٠٢ حكاية في الاعتمادعلى االله
حكي عن مطرف بن الشخير رحمه االله أنه أرسل رسولا عن عوز ماء وكان في زمان الحر فأبطأعليه الرسول وكان
عنده جماعة قد عطشوا وكان معه قليل ماء فقام فتوضأ بذلك الماء ثم صلى ركعتين دعا فيهما مولاه سبحانه فأرسل
االله تبارك وتعالى سحابة حتى شرب هو وأصحابه فقيل له بم بلغت هذه المنزلة فقال جعلت كتابي نصب عيني في
ليلي وهناري حتى كأني أقرؤه بين يدي ربي جل جلاله
٠٣ حكايةعن مالك بن دينار
قال عبد الواحد بن زيد رحمه االله كناعند محمد بن واسع ومعه مالك بن دينارفجاء رجل فكلم مالكا وأغلظ عليه
في الكلام في قسمة قسمها وقال وضعتها في غير حقها وفضلت هبا أهل مجلسك ليكثروا جمعك ولتصرف وجوه
الناس إليك قال فبكى مالك بن دينار وقال ما أردتهبذا هذا الذي تقول قال بلى واالله لقد أردته فلما أكثرعلى
مالك الكلام رفع جيب يديه وقال اللهم إن هذا قد شغلناعن ذكرك فأرحنا منه كيف شئت فسقط الرجل ميتا
بإذن االله
٠٤ دعاء ابن واسع
وكان محمد بن واسع إذا جن عليه الليل يبكي ويقول في بكائه ويلي من ذنوب قد أحصيت ومن صحيفة قد ملئت
وربي قد علم ذلك ولم يخف عليه من
ذلك شيء فأورثه االله تعالى ببكائهعلى كتابه وعلى حيائه من ربه الاستجابة في الدعاء وتنور القلب وأنشدوا
أرى المشيب بالعذار قد ألم
كأن موتي عن قريب قد هجم
خط المشيب أسطرا في مفرقي
فراعني ما خطه وما رقم
هل الفتى إذا انقضى شبابه
إلا كزرع هاج سوف ينحطم
شاب الفؤاد قبل شيب لمتي
واعتادني ضعف القوي قبل الهرم
ويحي من التوبيخ من ربي غدا
من ذلك الأمر الشديد المستهم
ويحي إذا نادى المنادي بي ألا
قم عبد سوء مسرع للعرض قم
ويحي إذا ما قال لي مقررا
وخص شيئا بعد شيء ثم عم
ما قد صنعت في فروضي والذي
قضيت منهاهل صفا لي هل سلم
فجئت ربي خاسرا قد أثقلت
ظهري ذنوب كالسحاب المرتكم
قال االله تبارك وتعالى { ووضع الكتاب فترى اجملرمين مشفقين مما فيه } الكهف ٤٩ وضع الكتاب لفصل القضاء
ووضع الكتاب للحزن والبكاء وضع الكتاب لتبدو الفضائحوضع الكتاب لتظهرالقبائح ووضع الكتاب لتصح
الصحائح االله االله يا معشر المذنبين حاسبوا أنفسكم قبل يوم الحسابوارحموا أنفسكم قبل نزول العذاب وبادروا
بالتوبة قبل غلق الباب واجتهدوا في بقية أعماركم قبل وضع الكتاب وسارعوا إلى المغفرة من ربكم قبل الخجل بين
يدي رب الأرباب وقبل أن تطلبوا بردالجواب وتحبس الألسنةعن النطق والخطاب وتشهد الجوارح بماعملت من
عصيان أو ثواب وأنشدوا
أبكي لذنبك طول الدهر مجتهدا
إن البكاء معول الأحزان
لا تنس ذنبك في الكتاب وعظمه
إن الذنوب تحيط بالإنسان
مساكين أهل الذنوب أطاعوا الشيطان وعصوا الرحمن مساكين أهل الذنوب جلت كروهبم وعظمت خطوهبم
وكبرت عيوهبم وأحصيت عليهم في الكتاب ذنوهبم
مساكين أهل الذنوب عصوا الجبار في الليل والنهار وبذلوا مهجتهم لعذاب النار وسودوا صحفهم بالخطايا
والأوزار مساكين أهل الذنوب غفلواعن الطاعة وخالفوا السنة والجماعة وخسروا أنفسهم قبل قيام الساعة
وأنشدوا
من كان يخشى االله جل جلاله
فليكثر العبرات في الخلوات
فلعله بعد التذكر والبكا
بدلت له العبرات بالحسنات
وتخفف الأوزارعن منشوره
يوم الحساب وموقف الحسرات
٠٥ عجائب الكتب
قال االله تعالى { ووضع الكتاب فترى اجملرمينمشفقين مما فيه } الكهف ٤٩ عباداالله عند وضع الكتابعجائب
وأحزان ومصائب وكروب ونوائب
فواحد يوضع له الكتاب فيبكي وآخر يوضع له الكتاب فيفرحويبكي
وآخر يوضع له الكتاب فتجري على وجهه نضرة النعيم وآخر يوضع له الكتاب فتعلو وجهه ظلمة الجحيم
وآخر يوضع له الكتاب مختوما بسخط الرب الجواد
وآخر يوضع له الكتاب مختوما بالتوفيق والسداد
اللهم وفقنا للطاعة وأمتناعلى السنة والجماعة ونجنا من أهوال يوم الساعة وأدخلنا في جملة أهل الشفاعة
واعلموا معشر المذنبين أن الماءيمحوالكتاب من ألواح الصبيان والدمع يمحو من كتبكم الأوزار والعصيان والهموم
والغموم والأحزان
فاجتهدوا في البكاء معشرالإخوان وأكثروا الندامة فإهنا توجب الغفران
وأنشدوا
} دعوني على نفسي أنوح وأندب بدمع غزير وأكف يتصبب
دعوني على نفسي أنوح فإنني أخاف على نفسي الضعيفة تعطب
وإني حقيق بالتضرعوالبكا إذا ما هدا النوام والليل غيهب
وجالت دواعي الحزن من كل جانب وغارت نجوم الليل وانقض كوكب
كفى أن عيني بالدموع بخيلة وإني بآفات الذنوب معذب
فمن لي إذا نادى المنادي بمن عصى إلى أين إلجائي إلى أين أهرب
وقد ظهرت تلك الفضائح كلها وقد قرب الميزان والنار تلهب
فيا طول حزني ثم يا طول حسرتي لئن كنت في قاع الجحيم أعذب
فقد فاز بالملك العظيم عصابة تبيت قياما في دجى الليل ترهب
إذا أشرف الجبار من فوق عرشه وقد زينت حور الجنان الكواعب
فناداهم سهلا وأهلا ومرحبا أبحت لكم داري وما شئتم أطلبوا
فبادروا رحمكم االله في هذه الأيام الشريفة إلى محو السيئات من الصحيفة
٠٦ ضرب مثل في رقة القلب
يا أخي الخشبة اليابسة إذا دخل طرفها الواحد في النارعرق طرفها الآخر وكذلك القلب إذا كانت فيه حرقة ندامة
الذنوب التي حصلت في الكتاب المكتوب الموضوع جادت العينان بواكف الدموع ولانت الجوارح بالخضوع
والقلب بالإنابة والخشوع
وأنشدوا
كتبت بأدمعي فيصحن خدي
كتابا بالتذلل والخضوع
} فقالوا قد عفوناعنك لما
محوت قبيح فعلك بالدموع
٠٧ حكايةعن التوبة
ذكرعن بعض الخائفين أنه قال رأيت رجلا وافقاعلى صبي من الصبيان في المكتب وهويمحو لوحا وكان اللوح قد
كتبه بالحبر وكانت الكتابة قد ثبتت ولا تزول بالماء فجعل الصبي يحك اللوح بالحبل والتراب فقال الرجل الواقف
عليه يا بني مالك تحك اللوح بالحبل فقال ليزول الحبر الذي ثبت فيه فقال له الرجل والحبل يا بني يزيل الحبر قال
نعم ألا ترى أن الحبل إذا حك في تنور البئر يؤثر فيه وهو حجر فيصير فيه من أثرالحبل شبه الخنادق فقال الرجل
ذلك بطول المدة فقال الصبي لا يا نعم الرجل إلا بالحزم والاجتهاد وإياك يا نعم الرجل بعيد الذهن قال الرجل
كيف ذلك يا بني قال لأني قد قلت لك إشارة لوألقيتهاعلى قلبك لأفاقوامتحى الحبر الذي عليه فقال الرجل يا
بني كان على قلبي حبرا قال ياعم وأي لون هو الحبر قال هو أسود
قال الصبي ياعم ألم أقل لك إنك بعيد الذهن وأي سوادأشد من سواد الذنوب على القلوب فصاح الرجل صيحة
وخر مغشياعلى وجهه ثم أخذ في البكاء
فقال له الصبي أما الآن فقد وجدت الدواء لذنوبك ومحوها من كتابك وقلبك
فقال الرجل يا بني وما الدواء فقال له البكاء
فقال يا بني والبكاء يمحوالذنوب من الكتابوالقلب قال له نعم والدليل على ذلك قول النبي {صلى االله عليه
وسلم} إن الدموع تطفيء بحار النار يوم القيامةعن الباكي
٠٨ الدموع تمحوالذنوب
فإذا محت الدموع بحار النار فأحرى أن تمحو من الكتاب القبائحوالأوزار وإذا زالت من الكتاب الفضائحوالأوزار
رضي عنك الملك الغفار وأمربك إلى دار الراحة والقرار وخلصت من عذاب البوار
فأبكوا يا جماعة المسلمين على ما أذنبتم في الشهوروالأعواموفي الساعات والأيام من الخطاياوالأجرام واكتساب
الربا والحرام وظلم الضعفاء والأرامل والأيتام وما فرطتم فيه من أداء حقوق الملك العلام
وأنشدوا
وددت أن دموعي بحر فاسفحها
من مقلتي على ما فات من زمني
واهاعلى أسف مني على وهل
يجني التأسف إلا غلة الشجن
واالله لوصح تحقيق التأسف ما
ألفيت إلا مع النوام في الحزن
} يا ليت لي عينا في كل جارحة
تبكي علي بدمع مانع الوسن
٠٩ فضل البكاء
فالواجب واالله يا أهل الإسلامعلى كل مسلم علم من نفسه ذنبا أن يكثرالبكاءعليهعساه يمحوه من كتابه مولاه
ويتفضل عليه ويغفر له ما قد جناه فهو المنان الكريم المتفضل العظيم
اللهم يا أكرم الأكرمين ويا آخرالغافرين تفضل علينا بتوبة وعلى جميع المذنبين تنقلنا هبا من ذل المعصية إلى عز
الطاعة وثبتناعليها حتى تخرجنا من الدنيا بلا ذنبولا تباعةعلى منهاج أهل السنة والجماعة الذين أوجبت لهم
الرحمة والشفاعة
اللهم إن الطاعة والمعاصي بقدرك وفي يدك القلوب والنواصي فطهر قلوبنا بماء التوبة واغسلها من دنس الحوبة
ومتعنا بالسلامة في ديننا ودنيانا وفي أسماعنا وأبصارنا وجميع جوارحنا ما أبقيتناولا تردناعلى أعقابنا بعد إذ هديتنا
فإنك على كل شيء قدير ولا حول ولا قوة إلا باالله العلي العظيم
٩ مجلس في ذكر الجنة وأوصافها
وما أعد االله لأوليائه من النعيم فيها
٢١٠ أيها المريد إنه ينبغي لك أن تشغل قلبك وتعمل فكرك بالتطلع إلى ما أعد االله عز وجل لأوليائه في جنته
والاشتياق إلى ماوصف االله لنا من نعيمها فمن اشتغل بذكرها واشتاق إلى نعيمها لهى عن الرغبة في الدنيا والحرص
عليها والترجح بأمانيهاوترك طلب العلو فيها
١١ آيات في الجنة
وقد قال االله عز وجل { تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين }
القصص ٨٣ وقال عز وجل من قائل { مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأهنار أكلها دائم وظلها }
الرعد ١٣ وقال عز من قائل { جنات عدن يدخلوهنا يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير }
فاطر ٣٣ وقال { الحمد الله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور } فاطر ٣٤ الآية إلى { لغوب }
قال عز من قائل { في جنات النعيم على سرر متقابلين يطاف عليهم بكأس من معين } الصافات ٤٥ الآية
إلى { مكنون } وقال عز وجل { يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب } ٧١ الآية إلى { خالدين }
١٢ أحاديث في الجنة
روي عن أبي هريرة رضي االله عنه أنه قال قال رسول االله { صلى االله عليه وسلم} } ما رأيت مثل الجنة نام طالبها
ولا مثل النار نام هارهبا
روي عن علي بن أبي طالب رضي االله عنه أنه قال قال رسول االله {صلى االله عليه وسلم} } من اشتاق إلى الجنة
سارع إلى الخيرات ومن أشفق من النار لهى عن الشهوات ومن ترقب الموت هانت عليه المصيبات {
روي عن أبي هريرة رضي االله عنه أنه قال قال رسول االله {صلى االله عليه وسلم} } لما خلق االله الجنة قال لجبريل
اذهب فانظرإليها فذهب فنظرإليها ثم رجع فقال يا رب لا يسمع هبا أحد إلا دخلها ثم حفها بالمكاره فقال االله
اذهب فانظرإليها فذهب إليها فقال يا رب وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد فلما خلق االله النار قال يا
جبريل اذهب فانظرإليها فذهب إليها فقال جبريل يارب لا يسمع هبا أحد فيدخلها ثم حفها بالشهوات فقال يا
جبريل اذهب فانظرإليها فذهب فنظر إليها فقال يارب وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها فيا معشر
المشتاقين جاهدواعدوكم اللعين بترك الشهوات ونافسوا في أفعال الخيرات وتحملوا في طاعة مولاكم المكروهات
يسكنكم مولاكم الجنات وبيوئكم أعلا الغرفات ويرفع لكم الدرجات
١٣ شجرة طوبى
روي عن علي بن أبي طالب رضي االله عنهعن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } إن في الجنة شجرة يقال لها
طوبى لو يسير الراكب في ظلها مائةعام لم يقطعها { بطحاؤها ياقوت وتراهبا مسك أبيض ووحلهاعنبر أشهب
وكثباهنا كافور أصفروبسرها زمردأخضر وأفناؤها سندس واستبرق وزهرها رياض أصفر وورقها برود
خضروثمرها حلل صفر وسقيها زنجبيل وعسل وعبقها زعفران مبهج والألنجوج يتأجج من غير وقود يتفجر من
أصلها أهنار السلسبيل والرحيق وظلها مجالس أهل الجنة يألفونه ومتحدث يجمعهم تحتها
١٤ وصف الجنة
فبينما هم ذات يوم يتحدثون في ظلها إذ جاءهتم الملائكة بنجائب مزمومة بسلاسل من ذهب كأن وجوهها المصابيح
نضارة وحسنا وبرها خزأحمر وعبقري أبيض مختلطان الحمرة بالبياض والبياض بالحمرة لم ينظرالناظرون إلى مثله
حسنا وهباءذللا من غير محنة نجب من غير رياضةرحالها من الياقوت الأخضر ملبسة بالعبقري والأرجوان ولجمها
ذهب وكسوهتا سندس واستبرق فأناخوا إليهم تلك الرواحل وحيوهم بالسلام من عند الرب السلام وقالوالهم
أجيبوا ربكم جل جلاله فإنه يستزيركم فزوروه وليسلم عليكم وتسلمواعليه وينظر إليكم وتنظروا إليه ويكلمكم
وتكلموه ويحييكم وتحيوه ويزيدكم من فضله فإنه ذو رحمة واسعة وذو فضل عظيم
١٥ رواحل الجنة
فيتحول كل رجل منهم على راحلته ثم يسير هبم صفا واحدا معتدلا الرجل إلى جنب أخيهعن يمينه لا يفوت ركبة
ناقة ركبة صاحبتها ولا تعدو أذن ناقة أذن صاحبتها يمرون بالشجرة من أشجار الجنة فتميل لهم عن طريقهم كراهية
أن يفرق بينهم فإذا وقفوا بالجبار تبارك وتعالى أسفر لهم عن وجهه الكريم وتجلى لهم في عظمته العظيمة فيسلمون
عليه ويرحب هبم وسلامهم وتحيتهم أن يقولوا ربنا أنت السلام ومنك السلام ولك حق الجلال والإجلال فيقول لهم
الرب جل جلالهعبادي عليكم السلام مني وعليكم رحمتي ومحبتي مرحبا وأهلا بعبادي الذين أطاعوني بالغيب
والذي حفظوا وصيتيورعواعهدي وكانوا مني على كل حال مشفقين فيقولون وعزتك وجلالك وعظمتك وعلو
مكانك ما قدرناك حق قدرك ولا أدينا إليك كل حقك فأذن لنا بالسجودلك فيقول لهم رهبم عز وجل إني قد
رفعت عنكم مؤنة العبادة فهذا حين أرحت لكم أبدانكم وهذا حين أفضيتم إلى روحي ورحمتي وجنتي وكرامتي
ومبلغ الوعد وعدتكم فاسألوني ما شئتم وتمنوا
على أعطيكم أمانيكم فإني لن أجزيكم اليوم بقدر أعمالكم ولكن أجزيكم بقدر رحمتي وكرامتي ورأفتي وعزي
وجلالي وعلو مكاني وعظمة شأني فاسألوني ما شئتم فما يزالون في الأماني حتى ان المقصر في أمنيته يقول ربنا تنافس
أهل الدنيا في دنياهم وفخر بعضهم إلى بعض فاجعل حظي من الجنة كل شيء كان فيه أهل الدنيا من يوم خلقتها
إلى يوم أفنيتها فإنا رفضناها وزهدنا فيها وصغرت في أعيننا تشاغلا بأمرك وإعظاما لك وإجلالا وإعزازا
١٦ إكرام االله تعالى
فيقول لهم رهبم لقد قصرتم في أمنيتكم ورضيتم بدون حظكم وبأقل من حقكم فقد أوجبت لكم ما سألتم وتمنيتم
حتى تعرفه أنفسكم وألحقت بكم ما قصرت عنه أمانيكم فانظروا إلى ما أعددت لكم إلى ما لا تبلغه أمانيكم ولم
يخطرعلى قلوبكم فيؤتون ذلك فيقولون ربنا أنت أحق بالأمن والرحمةولو وكلتنا إلى أنفسنا وأمانينا لضبعنا حظنا
وإذا بقباب في الرفيع الأعلى قد نصبت وغرف من الدر والمرجان قد رفعت أبواهبا من ذهب ومنابرها من نور
وسررها من ياقوت وفرشها من سندس واستبرق يفور من أعراصها وأفواهها ماء
نور شعاع الشمس عنده كنوز الكوكب الدري فإذا هم بقصور شامخة في أعلا عليين من الياقوت يزهرنورها فلو
أهنا متخذة إذا لامتثعت الأبصار من شدة صفائها وعتق جوهرها فما كان منها أبيض فمن الياقوت الأبيض مفروشا
بالحرير الأبيض
وما كان منها أحمر فمن الياقوت الأحمر مفروشا بالعبقري الأحمر
وما كان منها أخضر فمن الياقوت الأخضر مفروشا بالسندس الأخضر
وما كان منها أصفر فمن الياقوت الأصفر مفروشا بالأرجوان الأصفر مبوبة بالذهب الأحمر والفضة البيضاء
قواعدها من جوهر وأركاهنا من ذهب وشفوفها قباب من لؤلؤ وبروجهاغرف من مرجان
١٧ براذين الجنة
فهم كذلك وإذا براذين مقربة من الياقوت الأحمر مصنوعا فيها الروح بجنبها الولدان المخلدون وبيد كل وليد
حكمة برذون من تلك البراذين على كل أربعة منها مرتبة من مراتب الجنة كالرحالة أسفلها سرير من ياقوتة وعلى
كل سرير منها قبة من ذهب مفرغة في كل قبة منها فراش من فرش الجنة ليس في الجنة لون حسن إلا
وهو فيها ولا ريحة طيبة إلا عبق هبما ينفذ ضوء وجوههماغلظ القبة حتى يظن من ينظرإليهما أهنما من دون القبة
يتبين مخها في عظامها كما يتبين السلك الأبيض في الياقوتة الصافية ثم يأمراالله عز وجل رجلا منهم فيتحول في
مركبه مع صاحبته فتعانقه وتقبله وتمنيه بكرامة االله عز وجل والقبة إما لؤلؤة وإما زمردة وإما ياقوتة وإما درةوإذا
في قبة من تلك القصور منابر من نورعليهاملائكة قعود ينتظروهنم ليهنئوهم ويحيوهم فيتحول كل رجل منهم على
مركبة تزف تلك البراذين وبجنبها الولدان المخلدون تشيعهم الملائكة المقربون يقطعون هبم رياض الجنة
فلما رفعوا إلى قصورهم هنضت الملائكة في أعراضهم فاستنزلوهم وصافحوهم وشبكوا أيديهم ثم أجلسوهم بينهم ثم
أقبلواعلى الضحك والمداعبة حتى علت أصواهتم
١٨ مصافحة الملائكة
تقول الملائكة أما وعزة وربناوجلاله ما ضحكنا منذ خلقنا إلا معكم ولا هزلنا إلا معكم فهنيئا لكم هنيئا بكرامة
ربكم
فلما ودعوهم وانصرفواعنهم دخلوا قصورهم فليس أحد منهم إلا وقد وجد االله عز وجل قد جمع له في قصره
أمنيته التي تمنى وإذاعلى كل قصر منها باب يفضي إلى واد أفيح من أودية الجنة محفوفة تلك الأودية بجبال من
الكافور الأبيض وكذلك جبال الجنة وهي معادن الجوهر والياقوت والفضة فارغة أفواهها في بطون تلك الأودية في
بطن كل واحد منها أربع جنات جنتان ذواتا أفنان فيهماعينان تجريان فيهما من كل فاكهة زوجان وجنتان
مداهامتان فيهماعينان نضاختان وفيهما فاكهة ونخل ورمان وحور مقصورات في الخيام لم يطمثهن إنس قبلهم ولا
جان كأهنن الياقوت والمرجان فلما تبؤوا المنازل واستقر قرارهم زارهم رهبم تبارك وتعالى في ملائكته فيقول لهم {
فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا} الأعراف ٤٤ قالوا نعم قال كيف وجدتم ثواب ربكم قالوا رضينا فارض عنا
فيقول لهم الجليل جل جلاله برضائي عنكم نظرتم إلى وجهي وسمعتم كلامي وحللتم داري وصافحتم ملائكتي
فهنيئا هنيئاعطائي لكم ليس فيه نكد ولا تكدير فقالوا{ الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا
يمسنا فيها لغوب } فاطر٣٥
١٩ عدد الجناتوأسماؤها
روي عن وهب بن منبهعن ابن عباس قال لما خلق االله تبارك وتعالى
الجنات يوم خلقها وفضل بعضهاعلى بعض فهي سبع جنات دار الخلد ودار السلام وجنةعدن وهي قصبة الجنة
وهي مشرفةعلى الجنان كلها وهي دار الرحمن تبارك وتعالى ليس كمثله شيء ولا يشبه شيء ولباب جنات عدن
مصراعان من زمردوزبرجد من نور كما بين المشرق المغرب وجنة المأوى وجنة الخلد وجنة الفردوس وجنة النعيم
سبع جنات خلقها االله عز وجل من النور كلها مدائنها وقصورها وبيوهتا وشرفها وأبواهبا ودرجها وأعلاها وأسافلها
وآنيتهاوحليها وجميع أصناف ما فيها من الثمار المتدلية والأهنار المطرزة بألوان الأشربة والخيام المشرفة والأشجار
الناضرة بألوان الفاكهةوالرياحين العبقةوالأزهار الزاهرةوالمنازل البهية المعجبة
٢٠ الحور العين
فيها الأزواج المطهرةوالعين الغنجات بريط النور معتجرات بوشح الكرامة متزينات بالمسك متزملات حدق أعينهن
كاحلات وأطرافهن خاشعات وفروقهن مكللة بالدر مركبة بالياقوت ينادين بأصوات غنجة رخيمة لذيذة يقلن نحن
خالدات فلا نموت أبدا ونحن الغانجات فلا نبأس أبدا ونحن المقيمات فلا نظعن أبدا ونحن الراضيات فلا نسخط أبدا
ونحن الحور الحسان أزواج أقوام كرام ونحن الأبكار السوام للعباد المؤمنين طوبى لمن كان لنا وكنا له
فذلك قولهعز وجل { إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكاراعربا } الواقعة ٣٥ ٣٧ عاشقات لأزواجهن { أترابا }
مستويات في الأسنان { وحورعين } الواقعة ٢٢ حسان جمال { كأمثال اللؤلؤ المكنون } الواقعة ٢٣ كأهنن
الياقوت والمرجان مشيها هرولة ونغمتها شهية هبية فائقة وامقة لزوجهاعاشقة وعليه محبوسة وعن غيره محجوبة
فذلك قولهعز وجل { فيهن قاصرات الطرف } الرحمن ٥٦ يقول قصرت أطرافهن عن الرجال فلا ينظرن إلى غير
أزواجهن { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان } الرحمن ٥٦ وكلما أصاهبا زوجها وجدهاعذراءعليها سبعون حلة
مختلفة الوشي والألوان حملها أهون عليها وأخف من شعرها
٢١ صفة الحور
في نحرها مكتوب أنت حبي وأنا حبك لست أبغي بك بدلا ولا عنك
معدلا
كبدها مرآته وكبده مرآهتا يرى مخ ساقها من وراء لحمها وحليها كما ترى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء
وكما يرى السلك الأبيض في جوف الياقوتة الصافية
٢٢ دار السلام
وخلق دار السلام من الياقوت كلها أزواجها وخدمها وآنيتها وأسرهتا وحجالها وقصورهاوخيامها ومدائنها
ودرجها وغرفها وأبواهبا
وثمارها من اللؤلؤ والياقوت
٢٣ جنةعدن
وخلق جنةعدن من الزبرجد كلهاعلى هذه الصفة وخلق جنة المأوى من الذهب الأحمر بجميع ما فيهاعلى هذه
الصفة
٢٤ جنة الخلد
وخلق جنة الخلد من الفضة البيضاء بجميع ما فيهاعلى هذه الصفة
والجنات كلها مائة درجة ما بين الدرجتينخمسمائةعام
حيطاهنا لبنة من ذهب ولبنة من فضة ولبنة من ياقوت ولبنة من زبرجد
ملاطها المسك وقصورها الياقوت وغرفها اللؤلؤ ومصارعها الذهب وأرضها الفضةوحصباؤها المرجان وتراهبا
المسك
أعدها االله عز وجل لأوليائه يقول االله تبارك وتعالى يا أوليائي جوزوا الصراط بعفويوأدخلوا الجنة برحمتي
واقتسموها بأعمالكم فلكم صنعت ثمار الفردوس ولكم نصبت شجرة الخلد ولكن بنيت القصور التي أسست
بالنعيم وشرفت بالملك والخلود
٢٥ درجات أهل الجنة
قال ابن عباسرضي االله عنهما فأسفل أهل الجنةدرجة من له من الجنة مسيرة خمسمائةعام ويزوج خمسمائة حوراء
وأربعة بكر وثمانية آلاف بيت وإنه ليعانق الزوجةعمر الدنيا فلا يتأخر واحد منهماعن صاحبه وإنه لتوضع المائدة
بين يديه فلا ينقضي شبعةعمر الدنيا وإنه ليوضع الإناءعلى فيه فلا ينقضي ريهعمر الدنياوإنه ليأتيه ملك بين
إصبعيه مائة حلة تحية من ربه تبارك وتعالى فيلقيهاعلى بدنه فيقول العبد الحمد الله وتبارك ربي وتعالى فماعجبت
كإعجابي هبذه الهدية
فيقول الملك أعجبتك فيقول نعم فيبادر الملك أدنى شجرة من جنة الخلد فيقول أنا رسول ربك إليك تكوني لولي االله
ما أحب فتتلون لهعلى ما يشتهي
٢٦ طعام الجنة
ويبلغ غداؤه سبعين ألف صفحة من ألوان لحوم الطير كأهنا البخت لا ريش لها ولا زغب ولا عظم فلا تطبخ بالنار
ولا تقليها القدور ولذهتا لذة الزبد وحلاهتا حلاوة العسل ورائحتها رائحة المسك
يأكل من كلها يجد لآخرها من الطعم كما يجد لأولها
وفي عشائه مثل ذلك
قال رسول االله {صلى االله عليه وسلم} } يأكلون ويشربون ويتفكهون يصير طعامهم وشراهبم رشحا كرشح المسك
يخرج من أجسادهم
ويبعث االله تبارك وتعالى إليهم الملائكة هبدية من لدن العرش
٢٧ دلال الحور
روي عن الحسن رضي االله عنه أنه قال بينما ولي االله في الجنة مع زوجته من الحور العين على سرير من ياقوت أحمر
وعليه قبة من نور إذ قال لها قد اشتقت إلى مشيتك قال فتنزل من سرير ياقوت أحمر إلى روضة مرجان أخضر
وينشئ االله عز وجل لها في تلك الروضة طريقين من نور أحدهما نبت الزعفران والآخر نبت الكافور فتمشي في نبت
الزعفران وترجع في نبت الكافور وتمشي بسبعين ألف لون من الغنج
وروي عن عبد االله بن مسعودرضي االله عنه أنه قال قال رسول االله {صلى االله عليه وسلم} } يسطع نور في الجنة
فيرفعون رؤوسهم فإذا هو نور حوراء
ضحكت في وجه زوجها{
وروي عن جابر بن عبد االله أنه قال قال رسول االله { صلى االله عليه وسلم} } إن أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا
يتمخطون ولا يتغوطون ولا يبولون ولكنه رشح كرشح المسك قد
ألهموا التسبيح والتقديس والتكبير والتحميد
٢٨ لباس أهل الجنة
وروي عن بعض العلماء أنه قال بلغني أن ولي االله في الجنة يلبس حلةذات وجهين يتجاوبان بصوت مليح تقول التي
تلي جسده أنا أكرمعلى ولي االله منك أنا أمس بدنه وأنت لا تمسين بدنه فتقول التي تلي وجهه بل أنا أكرمعلى
ولي االله منك أنا أرىوجهه وأنت لا ترين وجهه
وروي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } يبعث أهل الجنةعلى صورة آدمعليه السلام في ميلادثلاث
وثلاثين سنة جردا مردا مكحلين ثم يذهب هبم إلى شجرة في الجنة فيلبسون منها ثيابا لا تبلى ثياهبم ولا يفنى شباهبم
٢٩ أول من يدخل الجنة
وروي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } إن أول زمرة تدخل الجنةعلى صورة القمر ليلة البدر والذين
على آثارهم كأشد كوكب دري في السماء إضاءة قلوهبم على قلب واحد لا اختلاف بينهم ولا تباغض يسبحون
االله بكرة وعشيا لا يسقمون فيها ولا يموتون ولا ينزفون آنيتهم من الذهب والفضة وأمشاطهم الذهب ووقود
مجامرهم الألوة ورشحهم المسك
٣٠ مساكن الجنة
وقال الحسن رحمه االله في قولهعز وجل { ومساكن طيبة في جنات عدن } التوبة ٧٢ قيل سأله ابن أخيه في ذلك
فقال يا ابن أخي على الخبير وقعت سألت عنها أبا هريرة وعمران بن حصين فقالا على الخبير وقعت سألناعنها
رسول االله {صلى االله عليه وسلم} كما سألتنا فقال هي قصر في الجنة من لؤلؤة بيضاء فيها سبعون
دارا من ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتا من زمردة خضراء فيكل بيت سبعون سريراعلى كل سرير فراش
لون على لون على كل سرير امرأة من الحور العين
في كل بيت مائدةعلى كل مائدة سبعون قصعة وعلى كل مائدة سبعون وصيفا ووصيفة يعطي االله المؤمن في غداة
واحدة ما يأكل ذلك الطعام ويطوف على تلك الأزواج
٣١ طيور الجنة
وروي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } إنه لينظر إلى الطير في الجنة فيخربين يديه مشويا والطير أمثال
الإبل فيقول الطير منها يا ولي االله أما أنا فقد رعيت في وادي كذا وكذا وأكلت من ثمار كذا وكذا وشربت من ماء
عين كذا وكذا وسنيكذا وريحي كذا فكل مني فإذا اشتهى حسن الطير واشتهى صفته فوقع في نفسه وقع الطائر
على ما يريد قبل أن يتكلم نصفه قديدا ونصفه شواء كلما شبع ألقى االله عليه ألف باب من الشهوة في الأكل ثم
يؤتى بالشراب على برد الكافوروليسهبذا الكافور وطعم الزنجبيل وليسهبذا الزنجبيل وعلى ريح المسك وليس
هبذا المسك فإذا شربهضم ما أكل من الطعام ويأكل مقدار أربعين عاماويعطي قوة مائة شاب في الجماع ويجامع
مقدار أربعين سنة له في كل يوم مائةعذراء بذكر لا يمل ولا ينثني وفرج لا يحثى ولا يمنى
٣٢ أهنار الجنة
قال وهب بن منبه رضي االله عنه إن في رياض الجنة هنر من أهنارها فهوأصل أهنار الجنة كلها أظهره االله عز وجل
حيث ما أرادوأن النيل هنرالعسل ودجلة هنر اللبن في الجنة والفرات هنر الخمر في الجنة وسيحان هنر الماء في الجنة
وجيجان كذلك وهما بأرض الهند وهما هنرا الماء في الجنةوصفهم االله عز وجل في الدنيا حتى يصيرهم إلى الجنة
وذكر وهب عن ابن عباسرضي االله عنهما أن رسول االله {صلى االله عليه وسلم} قال } مكتوب على باب الجنة
إني أنا االله لا إله إلا أنا لا أعذب من قالها إني أنا االله لا إله إلا أنا محمد رسول االله لا أعذب من قالها {
وروي عن رسول االله {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } لشبر في الجنة خير من الدنيا وما فيها { قال االله عز وجل {
فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون } السجدة ١٧
٣٣ سرر الجنة
قال ابن عباسرضي االله عنه وذلك أن ولي االله في الجنةعلى سريروالسرير ارتفاعه خمسمائةعام وهو قول االله عز
وجل { وفرش مرفوعة } الواقعة ٣٤ قال والسرير من ياقوت أحمر وله جناحان من زمردأخضر وعلى السرير
سبعون فراشا حشوها النور وظواهرها السندس وبطائنها من استبرق ولو دلى أعلاها فراشا ما وصل إلى آخرها
مقدار أربعين عاما
٣٤ أرائك الجنة
وعلى السريرأريكة وهي الحجلة وهي من لؤلؤةعليها سبعون سترا من نور وذلك قولهعز وجل { هم وأزواجهم
في ظلال على الأرائك متكئون } يس ٥٦ يعنيظلال الأشجارعلى الأرائك يعني الأسرة في الحجال فبينما هو
معانقها لا تمل منه ولا يمل منها والمعانقة أربعين عاما فإذا رفع رأسه فإذا هو بأخرى متطلعةعليه تناديه يا ولي االله أما
لنا فيك من دولة فيقول حبيبتي من أنت فتقول أنا من اللواتي قال فيهن االله { ولدينا مزيد } ق ٣٥ قال فيطير
سريره أو قال كرسي من ذهب له جناحان فإذا رآها فهي تضعف على الأولى بمائة ألف جزء من النور فيعانقها
مقدار أربعين عاما لا تمل منه ولا يمل منها فإذا رفع رأسه رأى نورا ساطعا في داره فيعجب فيقول سبحان االله أملك
كريم زارنا أم ربنا أشرف علينا فيقول الملك وهوعلى كرسي من نور بينه وبين الملك سبعون عاما والملك في حجبته
في الملائكة لم يزرك ملك ولم يشرف عليك ربك عز وجل فيقول ما هذا النور
٣٥ زوجة الدنيا
فيقول الملك لزوجتك الدنيوية وهي معك في الجنة إهنا طلعت عليك ورأتك معانقا لهذه فتبسمت فهذا النور الساطع
الذي تراه في دارك هو نور ثناياها فيرفع رأسه إليها فتقول يا ولي االله أما لنا فيك من دولة فيقول حبيبتي من أنت
فتقول له يا ولي االله أما أنا فمن اللواتي قال االله عز وجل فيهن { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين }
السجدة ١٧ الآية
فيطير سريره إليها فإذا لقيها فهي تضعف عن هذه الأخرى بمائة ألف جزء من النور لأن هذه صامتوصلت
وعبدت االله عز وجل فهي إذا دخلت الجنة أفضل من نساء الجنة لأن أولئك أنبتن نباتا فيعانق هذه مقادر أربعين
عاما لا تمل منه ولا يمل منها ثم إهنا تقوم بين يديه وخلالها من يواقيت فإذا وطئت يسمع من خلالها صفير كل طير في
الجنة فإذا مس كفها كان ألين من المخويشم من كفها رائحة كل طيب في الجنة وعليها سبعون حلة من نور لو نشر
الرداء منها لأضاء ما بين المشرق والمغرب خلقت من نور والحلل عليها أسورة من ذهب وأسورة من فضة وأسورة
من لؤلؤ وتلك الحلل أرق من نسج العنكبوت وهوأخف عليها من النقشوانه يرى مخ ساقها من صفائها ورقتها
من وراء العظم واللحم والجلد والحلل مكتوب على ذراعها اليمين بالنور{ الحمد الله الذي صدقنا وعده } الزمر
٧٤ وعلى الذراع الآخر مكتوب بالنور { الحمد الله الذي أذهب عنا الحزن } فاطر٣٤
٣٦ تبادل الحب
ومكتوب على كبدها بالنور حبيبي أنا لك لا أريد بك بدلا وكبدها مرآته وهي على صفاء الياقوتوحسن المرجان
وبياض البيض المكنون { عربا أترابا } الواقعة ٣٧ العرب العاشقات لأزواجهن والأتراب بنات خمس وعشرين سنة
مفلجة لو ضحكت لأضاء نور ثناياها ولو سمع الخلائق منطقها لافتتن كل بر وفاجر فهي قائمة بين يديه فساقها
يضعف على قدميها بمائة ألف جزء من النور وفخدها يضعف على ساقها بمائة ألف جزء من النور وعجزها يضعف
على فخدها بمائة ألف جزء من النور وبطنها يضعف على عجزها بمائة ألف جزء من النور وصدرها يضعف على
بطنها بمائة ألف جزء من النور ووجهها يضعف على نحرها بمائة ألف جزء من النورولو تفلت في بحار الدنيا لعذبت
كلها ولو أطلعت من سقف بيتها إلى الدنيا لأخفى نورها نور الشمسوالقمرعليها تاج من ياقوت أحمر مكلل
بالدر والمرجان على يمينها مائة ألف قرن من قرون شعرها
٣٧ ضفائرالجمال
وتلك القرون قرن من نور وقرن من ياقوت وقرن من لؤلؤ وقرن من زبرجد
وقرن من مرجان وقرن من در مكلل بالزمردالأخضر والأحمر مفضص بألوان الجوهر موشح بألوان الرياحين ليس
في الجنة طيب إلا وهو تحت شعرها الواحدة تضيء مسيرة أربعين عاما وعلى يسارها مثل ذلك وعلى مؤخرها مائة
ألف ذؤابة من ذوائب شعرها فتلك القرون والذوائب إلى نحرها ثم تتدلى إلى عجزها ثم تتدلى إلى قدميها حتى تجره
بالمسك وعن يمينها مائة ألف وصيفة كل قرن بيد وصيفة وعن يسارها مثل ذلك ومن ورائها مائة ألفوصيفة كل
وصيفة آخذة بذؤابة من ذوائب شعرها
٣٨ الوصائف
ومن بين يديها مائة ألف وصيفة معهن مجامر من در فيها بخور من غير نار ويذهب ريحه في الجنة مسيرة مائةعام
حولها ولدان مخلدون شباب لا يموتون كأهنن اللؤلؤ المنثور كثرة فيه قائمة بين يدي ولي االله ترى إعجابه وسروره هبا
وهي مسرورةعاشقة له فتقول له يا ولي االله لتزدادن غبطة وسرورا فتمشي بين يديه بمائة ألف لون من المشي في
كل مشية تجلى في سبعين حلة من النور وان الماشطة معها فإذا مشت تتمايل وتنعطف وتتكاسر وتدور وتبتهج بذلك
وتبتسم فإذا مالت مالت القرون من الشعر معها ومالت الذوائب معها ومالت الوصفان معها فإذادارت درن معها
فإذا أقبلت أقبلن معها خلقها الرحمن تبارك وتعالى خلقة إذا أقبلت فهي مقابله وإذا ولت فهي مقبلة الوجه لا تفارق
وجهه ولا تغيب عنه ويرى كل شيء منها إذا جلست بعد مائة ألف لون من المشي خرجت عجزهتا من السرير
وتدلي قروهنا وذوائبها فيضطرب ولي االله لولا أن االله سبحانه قضى أن لا موت فيها لمات طربا فلولا أن االله تبارك
وتعالى قدرها له ما استطاع أن ينظرإليها مخافة أن يذهب بصره فتقول له يا ولي االله تمتع فلا موت فيها
وأنشدوا
بحسبك ياعمار من دار بلغة
جنان هبا الخيرات يزلفن في الحلل
ويمشين هونا في الجنان أمامهم
خيام من الدر اجملوف في الكلل
إذا برزت حوراء حف هبا البها
وأشرقت الفرودسوالقوم في شغل
يعانقن أزواجا لكل مطهر
على فرش الديباج والعيش قد كمل
وطاف هبا الولدان من كل جانب
ونودي ولي االله يجزي بما فعل
وقال غيره
يا خاطب الحوراء في خدرها
وطالباذاك على قدرها
اهنض بعزم لا تكن دانيا
وجاهد النفس على صبرها
وجانب الناسوارفضهم
وحالف الوحدة في ذكرها
وقم إذا الليل بدا وجهه
وصم هنارا فهو من مهرها
فلو رأت عيناك إقبالها
وقد بدت رمانتا صدرها
وهي تماشي بين أتراهبا
وعقدها يشرق في نحرها
} لهان في نفسكهذا الذي
تراه في دنياك من زهرها
٣٩ ضيافة االله
روى أنس بن مالك رضي االله عنه أن االله تبارك وتعالى إذا سكن أهل الجنة الجنةوأهل النار النار هبط ربنا الجليل
جل جلاله بلا تكييف ولا تمثيل يتعالى ربناعن ذلك إلى مرج أفيح فمد بينهوبين خلقه حجابا من لؤلؤ وحجابا من
نور ثم وضعت منابرالنور وسرر النور وكراسي النور ثم أذن لرجل كريم على االله عز وجل بين يديه أمثال الجبال
من النور يسمع دوي تسبيح الملائكة معه وصفق أجنحتهم فمد أهل الجنة أعناقهم فقيل من هذا الذي قد أذن له االله
عز وجل فقيل هذا اجملبول بيده والمعلم والأسماء والذي أمرت الملائكة فسجدت لهوالذي أبيحت له الجنة آدم
{صلى االله عليه وسلم} أذن لهعلى االله عز وجل قال ثم أذن لرجل آخرعلى االله عز وجل بين يديه أمثال الجبال
من النور يسمع تسبيح الملائكة معه وصفق أجنحتهم فمد أهل الجنة أعناقهم فقيل من هذا الذي أذن االله عز وجل
فقيل هذا الذي اتخذه االله خليلا وجعل النارعليه بردا وسلاما إبراهيم عليه الصلاة والسلام قد أذن لهعلى االله عز
وجل قال ثم أذن لرجل آخرعلى االله عز وجل بين يديه أمثال الجبال من النور يسمع تسبيح الملائكة معه وصفق
أجنحتهم فمد أهل الجنة أعناقهم فقيل من هذا قد أذن لهعلى االله عز وجل فقيل هذا الذي اصطفاه االله عز وجل
برسالته وقربه نجيا وكلمة تكليما موسى عليه الصلاة والسلام قد أذن لهعلى االله عز وجل ثم أذن لرجل آخر معه
مثل جميع مراكب النبيين قبله بين يديه أمثال الجبال من النور ويسمع دوي تسبيح الملائكة وصفق أجنحتهم فقيل
من هذا الذي قد أذن له
على االله عز وجل فقيل هذا أول شافع وأول مشفع وسيد ولد آدم وأول من تنشق عنه الأرض وصاحب لواء
الحمد أحمد {صلى االله عليه وسلم} قد أذن لهعلى االله عز وجل قال فيجلس النبيون على منابرالنور والصديقون
على سرر النوروالشهداءعلى كراسي النوروجلس سائرالناس على كثبان من المسك الأبيض الأذفر
٤٠ وفد االله
ثم ناداهم الرب جل جلاله من وراء الحجب مرحبا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي يا ملائكتي اهنضوا إلى عبادي
فأطعموهم قال فتقرب الملائكة إليهم لحم طير كأهنا البخت لا ريش معها ولا عظم فأكلوا ثم ناداهم الرب جل
جلاله من وراء الحجب مرحبا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي أكلوا أسقوهم يا ملائكتي قال فنهض إليهم غلمان
كأهنم اللؤلؤ المنثور بأباريق الذهب بأشربة مختلفة تجد لذة آخرها كلذة أولها { لا يصدعون عنهاولا ينزفون }
الواقعة ١٩ قال ثم ناداهم الرب تبارك وتعالى من وراء الحجب مرحبا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي أكلوا
وشربوا فكهوهم فقربت إليهم أطباق مكللة بالياقوت من الرطب الجنى الذي أسماه االله أشد بياضا من اللبن وأطيب
من عذوبة الشهد فطعموا وشربوا وفكهوا ثم ناداهم الرب جل جلاله من وراء الحجب مرحبا بعبادي وزواري
وجيراني ووفدي أكلوا وشربوا وفكهوا أكسوهم
٤١ كرامة االله لعباده
قال ففتحت لهم أشجار الجنة بحلل مصقولة بنور الرحمن فألبسوا ثم ناداهم الرب من وراء الحجب مرحبا بعبادي
وزواري ووفدي أكلوا وشربوا وفكهوا وكسوا طيبوهم قال فهاجت عليهم ريح من تحت العرش يقال لها المثيرة
بأنابيب المسك الأبيض الأذفر فنضحت على وجوههم من غير غبار ولا قتار ثم الرب تبارك وتعالى من وراء الحجب
مرحبا بعباديوزواري وجيراني ووفدي أكلواوشربوا وفكهوا وكسوا وطيبوا وعزتي وجلالي لأتجلينلهم حتى
ينظروا إلي فذلك منتهى العطايا وفضل المزيد فيتجلى الرب تبارك وتعالى فيقول السلامعليكم عبادي انظروا إلي
فقد رضيت عنكم قال فتداعت قصور الجنةوأشجارها واهتزت تقول سبحانك سبحانك أربع مرات وخر القوم
سجدا
فناداهم الرب جل وعزعبادي ارفعوا رؤوسكم فإهنا ليست بدارعمل ولا بدار نصبوإنما هي دار جزاء ودار
ثواب وعزتي وجلالي ما خلقتها إلا لأجلكم وما من ساعة ذكرتموني فيها في دار الدنيا إلا ذكرتكم فوق عرشي
٤٢ سوق الجنة
وروي عن سعيد بن المسيب أنه أتى أبا هريرة رضي االله عنه فقال له أبو هريرة أسأل االله أن يجمع بيني وبينك في
سوق الجنة فقال له سعيد أو فيها سوق قال نعم أخبرنا رسول االله {صلى االله عليه وسلم} أن أهل الجنة إذادخلوها
فنزلوا بفضل أعمالهم فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا فيزورون االله عز وجل ويبرز لهم من عرش ه
تبارك وتعالى في روضة من رياض الجنة وتوضع لهم منابر من نور ومنابر من لؤلؤ ومنابر من زبرجد ومنابر من
ياقوت ومنابر من ذهب ومنابر من فضة يكون أدناهم وما فيها أدنى على كثبان المسك والكافور وما يرون أصحاب
المنابرأفضل منهم مجلسا
٤٣ رؤية االله تعالى
قال أبو هريرة رضي االله عنه فقلت يا رسول االلههل نرى ربناعز وجل قال نعم هل تضامون في رؤية القمرليلة
البدر فقلنا لا قال فكذلك لا تضامون في رؤية ربكم تبارك وتعالى ولا يبقى في ذلك اجمللس أحد إلا حاضره االله عز
وجل محاضرة حتى إنه ليقول عز وجل لرجل يا فلان أتذكر يومعملت كذا وكذا يذكرهعذلاته في الدنيا فيقول يا
رب ألم تغفر لي قال بلى فبسعة مغفرتي نلت منزلتكهذه قال فبينما هم على ذلك إذغشيتهم سحابة من فوقهم
فأمطرت عليهم طيبا لم يجدوا مثل ريحه شيئا قط فيقول ربناعز وجل قدموا إلي ما أعددت لكم من الكرامة قال
فنأتي سوقا من أسواق الجنة قد حفت به الملائكة لم تسمع به الآذان ولم تنظر إليه العيون ولم يخطرعلى القلوب قال
فيحمل لنا فيها ما اشتهينا ليس يباع فيها شيء ولا يشتريوفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم
بعضا قال فيلقى الرجل ذوالمنزلة المرتفعة من هو دونه فيروعه ماعليه من اللباس فما ينقضي حديثه حتى يتمثل
عليه أحسن منه وذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها
قال ثم ننصرف إلى منازلنا فيتلقانا أزواجنا فيقلن مرحبا وأهلا بحبيبنا لقد جئتوأن بك من الجمال والطيب أفضل
مما فارقتناعليه فنقول إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار جل جلاله ويحق لما أن نقلب بمثل ما انقلبنا
٤٤ المتحابون في االله
وروي عن رسول االله {صلى االله عليه وسلم} أنه قال } المتحابون في االله في الدنيا هم في الجنةعلى عمود من ياقوتة
حمراء في رأس العمود سبعون ألف غرفة يشرفون على أهل الجنة إذا اطلع أحدهم ملأ حسنه بيوت أهل الجنة نورا
كما تملأ الشمس بيوت أهل الدنيا قال فيقول أهل الجنة أخرجوا بنا ننظرإلى المتحابين في االله فيخرجون فينظرون في
وجوههم مثل القمر ليلة البدرعليهم ثياب خضر مكتوب في جباههم بالنور هؤلاء المتحابون في اله
وقال عليه الصلاة والسلام } إن أهل الجنة إذا زاروا رهبم وأرادوا الانصراف يعطي كل رجل منهم رمانة خضراء
فيها سبعون حلة لكل حلة سبعون لونا ليس منهم حلة تشبه الأخرى فإذا انصرفواعن رهبم مروا في أسواق الجنة
ليس فيها بيع ولا شراء وفيها من الحلل والسندس والإستبرقوالحرير والرفرف والعبقري من در وياقوت وأكاليل
معلقة فيأخذون من تلك الأسواق من هذه الأصناف ما شاؤوا ولا ينقص من تلك الأسواق شيئا وفيها صور كصور
الناس من أحسن ما يكون من الصور مكتوب في نحر كل صورة منها من تمنى أن يكون مثل صورتي جعل االله حسنه
على صورتي فمن تمنى أن يكون حسن وجهه مثل حسن تلك الصورة جعله االله على تلك الصورة قال ثم ينصرفون
إلى منازلهم
٤٥ خواتم الجنة
وقال النبي{صلى االله عليه وسلم} } إن أهل الجنة يعطيهم االله خواتم من ذهب يلبسوهنا وهي خواتم الخلد ثم
يعطيهم خواتم من در وياقوت ولؤلؤ وذلك إذا رأوا رهبم في دارهدار السلام {
٤٦ نوق الجنة
وروي عن بعض العلماء أنه قال بينا أهل الجنة يتحدثون في ظل طوبى إذ يأتيهم الملائكة بنوق مزمومة بسلاسل
الذهب كأن وجوهها المصابيح من حسنهاذلك من غير هتيئة نجب من غير ربايةعليها رحائل الذهب وكسوهتا
سندس واستبرق حتى ترفع إليهم ثم يسلمواعليهم فيقولون إن ربكم بعث إليكم هبذه الرواحل لتركبوها فتزوره
وتسلمون عليه قال فيتحول كل واحد منهم على راحلته ثم يسيرون هبا صفا في الجنة الرجل منهم إلى جنب صاحبه
لا يجاوز أذن ناقة منها أذن صاحبتها ولا ركبة ناقة منها ركبة صاحبتهاوإهنم ليمرون بالشجرة من شجر الجنة
فتتأخر من مكاهنا فإذا وقفوا بين يدي الرحمن تبارك وتعالى أسفرلهم عن وجهه الكريم وتجلى لهم فيسلمون عليه
ويرحب هبم ويقال إن سلامهم عليه أن يقولوا ربنا أنت السلام ومن عندك السلام ولك حق الجلال والإكرام
فيقول لهم الجليل جل جلاله وعليكم سلام مني وعليكم رحمتي وكرامتي مرحبا وأهلا بعبادي الذين أطاعوني بالغيب
وحفظواوصيتي فيقولون لا وعزتك ما قدرناك حتى قدرك وما أدينا إليك كل حقك ائذن لنا أن نسجد لك فيقول
إني قد رفعت عنكم مؤنة العبادةوأفضيتم إلي كرامتي
٤٧ أماني أهل الجنة
وبلغ الوعد الذي وعدت لكم فتمنوا فإن لكل إنسان منكم ما تمنى فيتمنون فيعطي كل واحد منهم ما يمني ثم
يزيدهم تبارك وتعالى من فضله وكرمه ما لم تبلغ إليه أمانيهم وأنشدوا
يا راغب الحور الجمم
والدل والشكل وحسن الشيم
الناعمات الدائمات الرضى
في جنة الفردوس مأوى النعم
أرفض بدار زهرها زائل
واغتنم الصحة قبل السقم
وابدر إلى الرؤية مستبصرا
واعتنق التشهيد عند الظلم
واستغفر االله لما قد مضى
واستشعر الخوف وطول الندم
تفز بما تطلب من لذة
وتأمن البلوى وعقبى النقم
١٠ مجلس في قوله تبارك وتعالى { كل نفسذائقة الموت }
٢٤٨ قيل لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة متنا وعزة االله فعند ذلك أيقن كل ذي عقل وروح أنه هالك
وأنشدوا
أيضحك من للموت فيه نصيب
وينعم عيشا إن ذا لعجيب
ويأكل والأيام تأكل عمره
وليس له جسم لذاك يذوب
ومن عرف الرحمن لم يهن قلبه
نعيم ولم ينفك عنه نحيب
بعدت عن الوردالرضي بزلة
وبي قطعت دون الوصول ذنوب
قال االله تعالى { كل نفسذائقة الموت } آل عمران ١٨٥ يموت كل صغير وكبير يموتكل أمير ووزير يموت كل
عزيز وحقير يموت كل غني وفقير يموت كل نبي وولي يموت كل نجي وتقي يموت كل زاهد وعابد يموت كل مقر
وجاحد يموتكل صحيح وسقيم يموت كل مريض وسليم كل نفس تموت غير ذي العزة والجبروت
وأنشدوا
ألا كل مولود فللموت يولد
ولست أرى حياعليها يخلد
تجرد من الدنيا فإنك إنما
خرجت من الدنيا وأنت مجرد
وأنتوإن خولت مالا وكثرة
فإنك في الدنياعلى ذاك أوحد
وأفضل شيء نلت منها فإنه
متاع قليل يضمحل وينفد
فكم من عزيز أعقب الذل عزه
فأصبح مذموما وقد كان يحمد
} فلا تحمد الدنيا ولكن فذمها
وما بال شيء ذمه االله يحمد
٤٩ ذكر الموت
روي عن النبي {صلى االله عليه وسلم} أنه قال أكثروا ذكر هازم اللذات ومفرق الجماعات
وتوسدوه إذا نمتم واجعلوه نصب أعينكم إذا قمتم واعمروا به مجالسكم فإنه معقودبنواصيكم يعني بما وكل به
منكم ويفسد نعيمكم ويخرب مصانعكم ويفنيكم كما أفنى من كان قبلكم فلا تنسوه فإنه لا ينساكم ولا تغفلواعنه
فإ