Post has attachment

1993-05-14
يقول الشيخ النابلسي حفضه الله
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
يخاطب الله تعالى في هذه الآية المُسرفين في المعصية :
أيها الأخوة الأكارم، مع الدرس السابع عشر من سورة الزُمَر، ومع الآية الثالثة والخمسين من هذه السورة، وهي قوله تعالى:
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
أيها الأخوة الأكارم، قال العلماء: هذه أرجا آيةٍ في القرآن الكريم، يخاطب الله المُسرفين في المعصية، ليس العصاة، بل المسرفين الذين فعلوا كل أنواع المعاصي، أو الذين فعلوا أكبر المعاصي، كل أنواع المعاصي إسراف، أو أكبر المعاصي إسراف..
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾
القانط لا يعرف الله، اليائس لا يعرف الله، القنوط كفرٌ بالله، اليأس كفرٌ بالله، أيها الأخوة، من لوازم المؤمن أنه بين الخوف والرجاء، فإذا زاد رجاؤه وقلَّ خوفه، خوَّفه الله عزَّ وجل، ربَّما لاح له شبحُ مصيبة، ربَّما حجبه الله عنه، وإذا زاد خوفه على رجائه قرَّبه الله إليه وطمأنه، والمؤمن الصادق يتراوح في حركته إلى الله عزَّ وجل بين الخوف والرجاء، يعبد الله خوفاً وطمعاً، رغباً ورهباً، فالله سبحانه وتعالى إن خفته طمأنك، وإن اطمأننت ولم تخف منه أخافك، فإذا خفت وحدك لم يخفك الله عزَّ وجل، وإذا رجوته كان الله سبحانه وتعالى كما تريد وتحب.
ربط الرجاء بالعمل :
على كلٍ هذه الآية أرجا آيةٍ في القرآن الكريم، فكل إنسان يقع في معصية، تزل قدمه، ينحرف نحو مخالفةٍ، ثم يقعده اليأس:
﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾
[ سورة آل عمران: 175 ]
لا يقنط من رحمة الله إلا القوم الكافرون، فهذه الآية يجب أن ترفع معنويَّات المؤمنين، بل ينبغي أن ترفع معنويات المُقَصِّرين، كل إنسان مقصِّر بإمكانه أن يتلافى قصوره، لكن هناك من يفهم هذه الآية ومثلها من آيات المغفرة والرجاء فهماً ما أراده الله عزَّ وجل، يقول لك: يقول الله عزَّ وجل:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾
إذاً هو لا يقنط، مقيمٌ على معصيةٍ ويرجو الله عزَّ وجل، هذا هو المعنى الذي ما أراده الله عزَّ وجل.

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾
[ سورة الكهف: 110 ]
ربنا جلَّ جلاله ربط الرجاء بالعمل، إذا كنت راجياً فعلاً بادر إلى العمل، بادر إلى التوبة، بادر إلى الاستقامة، بادر إلى العمل الصالح، توبتك، واستقامتك، وعملك الصالح يحقِّق رجاءك، أما إذا رجوت الله عزَّ وجل وأنت على ما أنت عليه من مخالفات، ومن تقصير، ومن تجاوزات فهذا رجاء البُلْه، رجاء الحمقى، رجاءٌ ما أراده الله، كل رجاءٍ لم يُرْبَط بالعمل رجاءٌ أَبْلَه، ورجاءٌ ساذج، ورجاءٌ ما أراده الله عزَّ وجل.
الرجاء هو ما قارنه العمل والله جلَّ جلاله لا يتعامل مع التمنِّيات :
ربنا عزَّ وجل يقول في آياتٍ أخرى:
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾
[ سورة الكهف:110 ]
علامة رجائك مبادرتك إلى العمل، إلى التوبة، إلى الطاعة، إلى البذل، إلى التوبة مما سلف منك من معاصي، إلى الائتمار بأمر الله عزَّ وجل، إلى التقرُّب إليه ببذل الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، لا تقل: أنا أرجو الله، وأنت على ما أنت عليه، هذا رجاء البُله، هذا رجاءٌ ساذج، هذا الرجاء الذي ما أراده الله، هذا ليس رجاءً بل هو تمنِّيات.
﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾
[ سورة النساء:123 ]
الله جلَّ جلاله لا يتعامل مع التمنِّيات، ما من إنسانٍ على وجه الأرض إلا ويتمنَّى أن يكون غنياً، إلا ويتمنَّى أن يكون من أهل الجنَّة، التمني كلام فارغ، التمني لا يتعامل الله معه أبداً:
﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾
[ سورة النساء:123 ]
تمنَّى ما شئت، أمنيتك لا ترفع عن مكانها شعرةً، لكن الرجاء هو ما قارنه العمل.
﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾
[ سورة الكهف:110 ]
الفرق بين العباد والعبيد :
إذا كنت ترجو الله حقَّاً تتحرَّك، تُبادر، تقلع عن ذنبٍ، تبادر إلى عملٍ صالح، تلتزم طاعة الله عزَّ وجل، فإذا قلنا: إن هذه الآية أرجا آيةٍ في القرآن الكريم أي أن هذا الرجاء يتبعه العمل، والدليل:
﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ ﴾
سنأتي بعد قليل:
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ ﴾
يا محمَّد قل لعبادي، ربنا عزَّ وجل نسبنا إلى ذاته، نسبة تشريفٍ وتكريم، فليس شيئاً سهلاً أن تكون أنت من عباد الله.
﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾
[ سورة الفرقان: 63 ]
أنت الآن نَسَبَكَ الله إلى ذاته تشريفاً وتكريماً، لكن العباد جمع عَبد، والعبيد جمع عَبد، شتَّانَ بين العباد والعبيد، العبيد هم الذين قُهروا بعبوديِّتهم لله عزَّ وجل لحاجتهم إليه، أنت عبدٌ لله بمعنى أن حياتك متوقِّفةٌ على هذا الهواء الذي تستنشقه، وعلى هذا الماء الذي تشربه، وعلى هذا الطعام الذي تأكله، وأنت بحاجةٍ إلى مخلوقٍ مثلك يُلَبِّي ما فيك من دوافع، فأنت مفتقرٌ إلى فضل الله دائماً، بهذا المعنى أنت عبد، وجمع العبد عبيد.
لكنَّك إذا عرفت الله، وعرفت أسماءه الحسنى، عرفت وحدانيَّته، عرفت كماله، عرفت ما عنده من خير، فانطلقت إليه بدافعٍ ذاتي، بمبادرةٍ منك، طواعيةً من دون إكراه، من دون سَوْقٍ بمصيبةٍ، إذا فعلت ذلك فأنت عبدٌ لله، وجمع هذا العبد عباد وليس عبيد.
الله جلَّ جلاله تفضَّل وتكرَّم علينا ورفع من قدرنا وشرَّفنا حينما نسبنا إلى ذاته :
ربنا قال:
﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾
[ سورة الفرقان: 63 ]
الله جلَّ جلاله تفضَّل علينا، وتكرَّم علينا، ورفع من قدرنا، وشرَّفنا وكرَّمنا حينما نسبنا إلى ذاته، فهناك آلاف الموظَّفين في سلك الشرطة، مئات الألوف، ماذا يعمل؟ شرطي، لكن يقول لك: أنا شرطي الوزير، انتبه أنا لست شرطياً عادياً، يفتخر لأنه نُسِبَ إلى منصبٍ رفيع، هذا في الدنيا.
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ ﴾
ألا تكفيك هذه النسبة؟ يا رب كفانا فخراً أن نكون لك عبيداً، وكفانا اعتزازاً أن تكون أنت يا رب لنا رباً، نفتخر ونعتز، نفتخر أَنَّا عبيدك ونعتز أنك ربُّنا.
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ ﴾
أحياناً توجد بالكلمات إيحات فيما بين السطور.
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ ﴾
أحياناً تخاطب إنسان ابن شخص عظيم، ما أعجبك سلوكه فتقول له: أنت ابن فلان - هذه الكلمة تكفي - أنت ابن فلان، أبوك له شأنٌ كبير، أبوك من وجوه الحي، أبوك من عليَّة القوم، أنت ابنه انتبه. أي إيَّاك أن تفعل شيئاً لا يليق بك، إياك أن تفعل شيئاً لا يليق بهذه النسبة إلى الله عزَّ وجل.
الله يُسترضى ولاسيما بالصدقة :
قال تعالى:
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ ﴾
إذا أدرك الإنسان وتذوَّق ما تنطوي عليه هذه الكلمة لذاب حبَّاً لله عزَّ وجل..
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾
ذلَّت قدمهم، شردوا، تاهوا، وقعوا في بعض المعاصي، ورَّطهم الشيطان، وقعوا في حبائل الشيطان، ما الحل؟ اليأس كفر، القنوط كفر، فما الحل؟ الحل أنه لا ملجأ منك إلا إليك، الحل يا رب ليس لي سواك.
إذا قال العبد يا ربُّ وهو راكع قال الله: لبيك يا عبدي، فإذا قال العبد يا رب وهو ساجد، قال الله: لبيك يا عبدي، فإذا قال العبد: يا رب وهو عاصٍ، قال: لبيك ثمَّ لبيك ثمَّ لبيك.
أحياناً الابن يخاطب أبوه، يكون ابن جيِّد جداً، الأب يستجيب له، لكن إذا ابن شارد، وبعيد عن هذا الأب، منحرف أشدَّ الانحراف، ورأى هذا الأب ابنه المنحرف قد أتى إليه تائباً، أتى إليه طائعاً، أتى إليه منيباً، والله السعادة والسرور الذي يشعر به أضعاف مضاعفة عن شعور الأب حينما يناديه أحد أولاده الأبرار، ولدٌ شارد، ولدٌ تائه، ولدٌ منحرف عاد إلى أبيه، لذلك إذا رجع العاصي إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله، لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضال الواجد، ومن الظمآن الوارد. عوِّد نفسك يا أخي، كلَّما حُجِبْتَ عن الله، كلَّما زلَّت قدمك، كلَّما أخطأت، كلَّما بدرت منك بادرةٌ لا تُرضي الله عزَّ وجل، عوِّد نفسك أن تُقبل على الله تائباً، عوِّد نفسك أن تستغفر، عوِّد نفسك أن تراجع نفسك، عوِّد نفسك أن تقول: يا رب ليس لي سواك، استرضي الله، الله يُسترضى ولا سيما بالصدقة..
(( إن الصدقة لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء ))
[الترمذي عن أنس بن مالك]
(( باكروا بالصدقة، فإن البلاء لا يتخطى الصدقة ))
[ أخرجه البيهقي عن أنس ]
الصدقة تقع بيد الله قبل أن تقع بيد الفقير.
ضالٌ وكافرٌ وجاحدٌ الذي يقنط من رحمة الله سبحانه :
قال تعالى:
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾
إسراف تنوُّع أو إسراف شدَّة، إما أنه ارتكب معصيةً كبيرةً جداً، أو أنه ارتكب كل أنواع المعاصي، كلاهما إسراف.
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا ﴾
لا تقنط نهيٌ إلهي:
﴿ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ﴾
[ سورة الحجر: 56]
ضالٌ، وكافرٌ، وجاحدٌ الذي يقنط، جاء الجواب:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾
هل هناك ذنبٌ أكبر من رحمة الله؟ لا، هل هناك ذنبٌ أكبر من مغفرة الله؟ كلا، وسعت رحمة الله كل الذنوب.

تعاظمني ذنبي فلمَّا قرنته بعفوك ربي عفوك أعظمُ
* *
إذا تاب الإنسان إلى الله تعالى يجب أن يحافظ على أول توبة :
لكن الإنسان إذا تعامل مع الله، مع الله ما في مزاح، ما في تسلية، أنت تعاملت مع الله، زلَّت قدمك، انحرف سلوكك، تورَّطت في معصية، وقعت في انحراف، فما عليك إلا أن تتوب، لكن إذا تبت توبةً نصوحَ أنسى الله حافظيك، والملائكة، وبقاع الأرض كلَّها خطاياك وذنوبك، كأن هذه المعاصي لم تكنْ، وربنا جلَّ جلاله يُشْعِرُكَ بذلك، يشعرك أنه غفر لك، تشعر أنك خفيف، تشعر أن كابوساً أُزيح عن صدرك، تشعر أن الدنيا لا تسعك، يا ربي لك الحمد، أبداً يشعرك أنه غفر لك، أنه قبلك، تبت إليه فتاب عليك، تابوا فتاب الله عليهم، أقبلت إليه فقبِلَك، تبت إليه فتاب عليك، قلت: يا رب، قال: لبيك يا عبدي.
عجبت لإنسان معه كل هذه التسهيلات ولا يستخدمها! معه باب التوبة ولا يخترقه، ولا يدخل منه! معه رحمة الله عزَّ وجل كيف ينساها؟! أمامه هذه الآية كيف يقنط، كيف ييأس؟! لكن أنا لا ألوم إنسان تاب إلى الله توبةً نصوحَ ثمَّ نَقَضَ التوبة، ثم تاب ثمَّ نقض التوبة، عندئذٍ كلَّما نقض التوبة مرَّةً ضعفت إمكانيَّة توبته القادمة، كل نقض للتوبة يضعف مكانتك عند الله، أسهل توبة أول توبة، مهما تكن الذنوب كبيرةً، مهما يكن الانحراف خطيراً، مهما يكن حجم المعاصي واسعاً، أسهل توبة أول توبة، وتشعر أن الصُلح بلمحةٍ واحدة - الصُلْحَ بلمحة - يا رب اغفر لي ذنبي. يا عبدي قبلتك وغفرت لك، وتبت عليك.
لكن المشكلة عندما يتوب الإنسان ثمَّ يعود إلى الذنب الذي تاب منه، يشعر أن حجاباً صار بينه وبين الله، ثمَّ تاب مرَّةً ثانية وعاد إلى الذنب مرَّةً ثالثة، صار الحجاب أسمك، فكلَّما نقض التوبة ثَخُنَ الحجاب، إلى درجة أنه ربَّما لا يستطيع أن يتوب بعد ذلك.
لذلك أيها الأخوة إذا تاب الإنسان منكم فليحافظ على أول توبة، عاهد الله عزَّ وجل، عاهد خالق الكون، عاهد ربَّ العالمين.
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾
على الإنسان ألا يقنط من رحمة الله لأن الله يغفر الذنوب جميعاً :
كلمة جميعاً ماذا تُعْرَب؟
﴿ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾
أي كل الذنوب إن شئت أن تعربها حالاً، وإن شئت أن تعربها توكيداً، على كلٍ هي تأكيد، لا تقنط لأنه يغفر الذنوب جميعاً، لأنه:
﴿ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
هو وحده الغفور، وهو العاطي لا يَسْأَل، وهو الكريمُ لا يبخل، وهو الغفور لا يَعْجَل، علامة أنك ترجو الله عزَّ وجل، علامة أنك أيقنت أن رحمة الله أوسع من ذنوبك.
﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ ﴾
ما رأيت منظر ابن أمُّه حجبته، فضاق ذرعاً بحجابه عنها، ببعده عنها، فاندفع إليها ورمى نفسه على صدرها. هكذا ينبغي أن تكون، حينما تسجد لله عزَّ وجل، وتمرِّغ جبهتك بأعتاب الله: يا رب ليس لي إلا أنت، يا رب من يغفر إن لم تغفر؟ من يرحم إن لم ترحم؟ من يعفو إن لم تعفو؟ يا رب ليس لي إلا أنت، اغفر زلَّتي، وأقل عثرتي، واقبل توبتي، ارحم ضعفي، أعطني ولا تحرمني، أكرمني ولا تهني، آثرني ولا تؤثر علي، يا رب برحمتك أستغيث، يا رب رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين.
يجب أن يكون للمؤمن ابتهالات إلى الله عزَّ وجل، ابتهالات، مناجاة، استغفار، استعطاف، ما في أحلى من عبد يستعطف ربَّه، ما في أجمل من عبد يستغفر ربَّه، يُعلن التوبة لله عزَّ وجل، باب الله مفتوح.
والله أيها الأخوة من أخلص لله في توبته، والله الذي لا إله إلا هو يلمُس النتائج ليس بعد ساعة، بل في اللحظة التي تاب فيها إلى الله عزَّ وجل، يشعر أن جبالاً جاثمةً على صدره قد أُزيحَت، يشعر نفسه خفيف، الذنب أثقال.
الهدى يرفعنا والضلال يسحقنا والبطولة أن نعود إلى الله ونصطلح معه :
قال تعالى:
﴿ مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ﴾
[ سورة الروم: 44]
وزن يسحقُه، كلَّما انحرف الإنسان جاءت ذنوبه تسحقه، أما:
﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ﴾
[ سورة البقرة: 5]
الهدى يرفعك، والضلال يسحقك.
﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ ﴾
البطولة أن تعود إلى الله، أي أن تعود إلى أمره، قطار خرج عن سكَّته، انحرف، الحل أن يعود إلى الخَط، هذه المركبة خرجت بالوادي وتحطَّمت، البطولة أن تعود إلى خطَّ سيرها الصحيح، الحل الصُلْحُ مع الله.
والله يا أيها الأخوة ما يعانيه المسلمون اليوم في شتَّى بِقاع الأرض له حلٌ واحد، حلٌ واحد وهو الصلح مع الله، إن اصطلحوا مع الله، والله أيها الأخوة تُقْلَب جميع الموازين، تتغيَّر كل المعادلات، كل ما يراه المسلمون اليوم من ضعفٍ، ومن خيبة أملٍ، ومن هجمةٍ شرسة تتلاشى هذه إذا كانوا مع الله، لأنه إذا كان الله معك فمن عليك؟ إن الله مع المؤمنين، إن الله مع المتقين، أي معهم بالنصر، معهم بالتأييد، معهم بالحفظ، معهم بالتوفيقِ، هذه كلُّها وعود لله عزَّ وجل..
﴿ وَأَنِيبُوا ﴾
كل البطولة أن تنيب إلى الله عزَّ وجل، لو أنك سمعت دروساً لعشر سنوات، لعشرين سنة ولم تطبِّق هذه الدروس، ولم تُتَرْجَم هذه الدروس إلى سلوك يومي، إلى أن تعقد العزم على طاعة الله، أن تُقْلِع عن كل المعاصي والآثام، أن تبذل الغالي والرخيص والنفس والنفيس، الطريق إلى الله غير سالك، المعلومات لا تكفي.
العلم في الإسلام ليس هدفاً بذاته إطلاقاً إنه وسيلةٌ للسمو بالنفس :
أيها الأخوة، كلمة اسمعوها مني: العلم في الإسلام ليس هدفاً بذاته إطلاقاً، إنه وسيلةٌ للسمو بالنفس، فالعلم الذي لا يرقى بك ليس علماً، ربَّما كان الجهل أفضل منه، العلم الذي لا يُعْمَلُ به الجهل أفضل منه، لأن العلم الذي لا يُعْمَل به حجَّةٌ على الإنسان، حجَّةٌ قطعيَّةٌ عليه.
هل أنبت إلى الله؟ هل عدت إليه؟ هل عقدت معه صُلْحَاً؟ هل أسلمت له وجهك؟ هل راجعت شؤون بيتك؟ شؤون عملك؟ علاقاتك الماليَّة؟ هل راجعت سلوك أولادك، بناتك، زوجتك؟ نوع تجارتك، نوع تعاملك؟ هل قيَّمت ما في البيت من أجهزة؟ هذا الجهاز حرام أم حلال؟ اسأل يا أخي، إذا حرام يجب أن تزيله، حلال اسأل عنه، لا تكن هكذا تعيش على هامش الحياة، كل شيء يحتاج إلى دليل، إلى برهان، إلى حكم شرعي، هذه التوبة الصحيحة، يا رب تبنا إليك؛ هذا كلام فارغ، تبت غيِّر، هذا التعامل ربوي، هذه الطريقة في البيع لا ترضي الله، هذه الأيمان كاذبة، هذا تدليس، هذا غش، هذه الحرفة كلُّها لا ترضي الله، البضاعة محرَّمة، هذه الحرفة مبنيَّةٌ على إفساد الناس، فيجب أن تراجع مهنتك، تراجع بيتك، تراجع سلوك أولادك، سلوك بناتك، نَمَط خروج بناتك، ما في البيت من أجهزة قد لا ترضي الله عزَّ وجل، هذه هي التوبة، أما صلينا - من شاء صام ومن شاء صلَّى ولكنَّها الاستقامة - أنت فعلاً إذا كنت عدت إلى الله تكره أن تعود في الكفر كما تكره أن تُلْقى في النار.
فأنا أقول لكم بصراحة: كلمة هنيئاً لا تُقال إلا لإنسان اصطلح مع الله، اشترى بيت، أخي تهانينا، سوف يتركه، تزوج، تهانينا، هذا شيء عارض كله، كل ما في الدنيا يزول لكنَّك إذا عرفت الله واصطلحت معه هذه هي التهنئة الحقيقيَّة، هنيئاً لك إيمانك، هنيئاً لك توبتك.
من كان مؤمناً وتلبس بمعصية فلا بد من علاج إلهي يرده لدينه :
قال تعالى:
﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ ﴾
عُدْ إليه من المعصية، واستسلم له بالطاعة، ناب، أناب أي عاد، عاد إليه بعد أن شرد عنه واستسلم لأمره، هذا منهج الله عزَّ وجل، يا رب هذا كلامك أنا مؤمنٌ به، مؤمنٌ بكل ما فيه من أمر ومن نهي، من حلال ومن حرام، من وَعد ومن وعيد، هذا الكتاب كلامك وأنا مؤمنٌ به، وإن لم تفعلوا ذلك اسمعوا الآية، الآن جاء المؤيِّد القانوني:

﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴾
لحِّق نفسك، ما دمت في صحَّةٍ فأنت في بحبوحة، لحِّق نفسك قبل أن يأتي العذاب، قبل أن تأتي المعالجة، قبل أن تبحث عن إنسان يُنَجِّيكَ فلا تجده..


﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴾
هنا توجد نقطة دقيقة، أيها الأخ الكريم يجب أن توقن يقيناً قطعياً أنك إذا كنت مؤمناً، وكنت متلبِّساً بمعصيةٍ يجب أن تؤمن بحتمية العلاج، حتمية العلاج فلا بد من أن يسوق الله إليك شيئاً يردُّك إليه، وهذه رحمته.

﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِين﴾
[سورة الأنعام:147]
تقتضي رحمته أن لا يردَّ بأسه عن القوم المجرمين، أبداً، الإنسان العاقل يخاطب نفسه: أنت مقيمة على هذه المعصية، وهذه المعصية، وهذه المعصية، لا بد من أن يأتي العلاج، لا بد، اسمع الآية:
﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴾
الإنابة إلى الله عزَّ وجل :
من يحب العذاب؟ من يحب المرض العُضال؟ من يحب الذُل؟ من يحب الافتقار؟ من يحب أن يكون مهاناً؟ هذا عذاب الله عزَّ وجل، وربنا عزَّ وجل يعرف أن يداوي في المكان الذي يوجعك، لو خسرت مئة ألف، مئتي ألف، نصف مليون؛ لا يهمني، هكذا يقول الغني لك، الله عنده علاج لهذا بنوع ثاني، عنده علاج لهذا الإنسان لا تحلَّه الأموال إطلاقاً، كل إنسان يُعالج بطريقة، أفليس العقل أن نعود إليه قبل أن تأتي المصائب؟ أن نعود إليه في الوقت المناسب؟ أن نأتيه طائعين قبل أن نُساق إليه بالسلاسل، كلام طيِّب أيها الأخوة، كلام منطقي، كلام واضح، كلام رب العالمين.
﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ ﴾
في البيت مخالفة؟ اقنع ابنتك أن تضع الحجاب، في البيت غناء؟ اقنع الأهل أن يقلعوا عن الغناء، في البيت مخالفات؟ اعرف كيف تتخلَّص منها، هذه هي الإنابة إلى الله عزَّ وجل، في علاقتك التجاريَّة علاقة ربويَّة؟ انتبه لها، في البضاعة بضاعة محرَّمة، في عندك علاقات اجتماعيَّة فيها اختلاط، انتبه، هذه هي التوبة، فليس الأمر صلينا تبنا، الصلاة سهلة، الضبط، ضبط الأمور.
﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ ﴾
هذه الإنابة.
ربنا عزَّ وجل يسوق العذاب للإنسان إذا لم يتعظ يأتي العذاب الثاني بلا ممهِّدات :
قال تعالى:
﴿ وَأَسْلِمُوا لَهُ ﴾
لأمره ونهيه:

﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾
الله وصف المؤمنين ووصف الكافرين، أنت طبِّق صفات المؤمنين، وصف أهل الجنَّة ووصف أهل النار، كن من أهل الجنَّة، أحسن:


﴿ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾
أمر ونهى، تأتمر وتنتهي، وعد وأوعد، كن من الذين وعدهم ربُّهم لا من الذين أوعدهم، هذا معنى:


﴿ أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾
أعطى الرخص وأعطى العزائم، كن مع العزائم، وإن لم تفعلوا:


﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً ﴾
بالمناسبة: أول عذاب له ممهِّدات، ثاني عذاب نهائي، ربنا عزَّ وجل يسوق العذاب للإنسان، إذا لم يتعظ يأتي العذاب الثاني بلا ممهِّدات، يأتي قصم.
﴿ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾
انتهى الأمر.
سياسة ربنا مع المجرمين :
مرَّة ذكرت قصَّة من الممكن أن نستفيد منها: إنسان صار معه مرض عُضال، مغتصب محل تجاري، وهو بالإنعاش - العناية المشدَّدة - طلب مسجِّلة وذكر بالشريط أن هذا المحل ليس لي، هذا لإخوتي، الأرض الفلانيَّة، أعطى كل ذي حقٍ حقِّه، بعد عدة أيام شعر براحة لم يعد شيء في صدره، طلب الشريط ثم كسره، وعاد إلى ما كان عليه، بعد ثمانية أشهر بالتمام والكمال كانت القاضية، أول عذاب فيه ممهِّدات، أما الثاني قاصم، قصم، أول واحد فيه ممهِّدات:
﴿ إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ﴾
[سورة الدخان:15]
أحياناً ربنا عزَّ وجل يسوق العذاب ويرفعه، يعطيه نفس، ماذا تفعل؟ تأتيه كريزة فلا ينام منها، ثاني يوم ما في شيء، مغرم بالأفلام المعيَّنة، كريزة فما نام الليل، رفع العذاب:
﴿ إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلاً ﴾
[سورة الدخان:15]
إذا ما استفدتم:
﴿ إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ﴾
[سورة الدخان:15]
هذه سياسة ربنا مع المجرمين، يسوق العذاب مع المُمَهِّدات، ثم يُرْفَع العذاب لينظر ماذا يفعل هذا الإنسان؟ بعد أن يُرفع العذاب ويعود إلى ما كان عليه، يُساق له العذاب ثانيةً كحلٍ جذري، كقصمٍ، كاستئصالٍ.
المصائب إنذار من الله سبحانه لعباده :
قال تعالى:
﴿ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ﴾
الإنسان لو أن الله عزَّ وجل ما ربَّاه، تركه، أنزل الكتاب على نبيِّه، وبُلِّغ الكتاب، ولم يأتمر بما أمر الله، ولم ينتهِ عما عنه نهى، والله عزَّ وجل أطلقه من دون علاج، من دون مصائب، من دون مشكلات، إلى أن جاء أجله فاستحقَّ النار، لو أن الإنسان هكذا عومل، لقال هذا الإنسان:
﴿ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ* أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾
يا رب لِمَ لَمْ تسبب لي مشكلة، الفت نظري، ذكرني، خوفني، حذرني، تصور لو أن ابناً وضعه أبوه في مدرسة، الابن قال لأبوه كلمة واحدة: ما عندي رغبة أكمِّل، فقال له: مثلما تريد. الأب لم يعارضه أبداً، فلمَّا كبر الابن رأى أصدقاءه أطبّاء، ومهندسين، وأشخاص مرموقين في المجتمع، ومتزوِّجين، وعندهم بيت، وأولاد، مكانة، لماذا أنا أصبحت وراء الناس؟ يعاتب أبوه، عندما قلت لك: يا بابا لا أريد أن أدرس، لماذا بقيت ساكتاً؟ لماذا لم تضربني؟ لماذا لم توبَّخني؟ لماذا لم تضغط عليَّ؟ لماذا لم تخوَّفني؟ يعتب على أبوه، لو أن الله عزَّ وجل لا يسوق العذاب لقالت هذه النفس:
﴿ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾
لا، أرسلنا لك المصيبة تلو المصيبة، وكل هذه المصائب تذكير، وهي نذير، الإمام القرطبي في قوله تعالى:
﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾
[ سورة فاطر: 37 ]
من جملة النذير المصائب.
إذا ساق الله للإنسان مصيبة فيجب أن يتعامل معها تعاملاً إيمانياً :
أيها الأخوة الكرام المصائب إنذار من الله، نصيحةٌ لوجه الله إذا ساق الله للإنسان مصيبة فيجب أن يتعامل معها تعاملاً إيمانياً، أول سؤال يقول: الله غني عن تعذيبي، الله ليس له مصلحة أن يعذبني، لا بد من سببٍ يدعو إلى هذه المصيبة، ما هو السبب؟ لا بد من خطأٍ، لا بد من انحرافٍ، لا بد من تقصيرٍ، لا بد من كسبٍ حرام، اتهم نفسك ما شئت، وبالغ في اتهام نفسك.
﴿ أَنْ تَقُولَ ﴾
لئلا تقول:

﴿ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ﴾
قصَّرت، ما عرفت الله حقَّ المَعرفة، ما قدَّرته حقَّ قدره، ما عرفت عظمته، ما عرَّفت نفسي به، ما حملتها على طاعته، ما قرأت كلامه، ما حاولت فهم كلامه، ما حضرت مجالس العلم، ما اتعظت بما وعظني به من مصائب.


﴿ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ﴾
أحياناً الإنسان في الدنيا تفوته ميِّزة، فاته شيء من الدنيا، يتأوه فتحس أن قلبه تقطَّع، يقول لك: محروق قلبي، هذا البيت ضاع من يدي، فلانة خُطِبت، كانت في بالي ولكنها خُطِبت، ما كان في مثلها، هي أنسب زوجة لي، ولكن راحت من يدي، تجده على زوجة أو على بيت محروق قلبه، فإذا كشف أنه خسر الآخرة كلَّها، خسر الأبديَّة كلَّها، عذابٌ أبديٌ سرمدي من أجل سنواتٍ عدَّة أمضاها في المعاصي، ألا يتألَّم؟ لذلك:

((إن أهل النار ليبكون حتى لو أجريت السفن في دموعهم لجرت))
[الجامع الصغير عن أبي موسى]
لا يوجد شعور يهز النفس كالندم :
قال تعالى:
﴿ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ﴾
إذا واحد مثلاً فقير، معه شيك ولا يعرف قيمته، ألف مليون دولار مزَّقه ورماه، لو عرف أن هذا الشيك يحل له كل مشاكله يكون أغنى الأغنياء، بيده مزقَّه وألقاه في المهملات، ألا يشعر بالندم؟ هذا الندم صعب جداً، لا يوجد شعور يهزُّ النفس كالندم:
﴿ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ﴾
لم أكن أعرف، عندما يرى إنساناً يحضر مجلس علم يقول له: تضييع وقت، كله كلام نعرفه، كلام يُعاد، نعرفه، اذهب وتسلّى قليلاً، بعدما عرف الحقيقة يقول:
﴿ ِ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء: 37 ]
المسجد مبارك، هذا بيت الله، تعال وذكَّر نفسك، اشحن البطاريَّة، أعطها شحنة، جدِّد إيمانك، تذكَّر ربك عزَّ وجل، فإذا الإنسان أبقى نفسه جاهلة فرَّط في جنب الله، ما عرَّفها بربِّها فرَّط في جنب الله، ارتكب المعاصي فرَّط في جنب الله، قصَّر في واجباته فرَّط في جنب الله.

﴿ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴾

البطولة أن تضحك آخر الناس :
يقول لك: فلان أصبح شيخاً، مرحباً شيخ، إذا له رفيق صار شيخاً يريد أن يتسلَّى، فعندما يستقم هذا الإنسان، أصدقاءه، أهله يقولون: أين الشيخ لم نره اليومين؟ يكون شاباً صغيراً يقولوا عنه: أين الشيخ؟ سخرية.
﴿ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴾
إذا أحب أن لا يختلط مع النساء يقتحموا عليه اقتحام، أين ابن خالتنا؟ نريد أن نرى الشيخ الصغير، يقولوا له: ماذا حدث هل سنأكلك؟
﴿ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴾
يسخرون، لكن هنيئاً لمن عرف الله عزَّ وجل وعاش في الدنيا كالغريب، بدأ الدين غريباً وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء، أناسٌ صالحون في قوم سوءٍ كثير، ما في مانع إذا من حولك سخروا:
﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴾
[ سورة المطففين: 34]
البطولة أن تضحك آخر الناس، الكافر:
﴿ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً ﴾
[ سورة الانشقاق: 13]
يضحك، ويسترخي، يتابع الأفلام كلها، وسهرة مختلطة، وكل شيء وصل ليده قبضه، يقول لك: ضع في الخرج لا تدقِّق، هذه شطارة، هكذا البيع والشراء، ألبسناها له، هكذا يظن:
﴿ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً ﴾
[ سورة الانشقاق: 13]
الفرق بين حال المؤمن وحال الكافر :
أما المؤمن:
﴿ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً ﴾
[ سورة الانشقاق: 9]
عندما يأخذ الطالب جلاءه كله عشرات، كله جيِّدات، الأرض لا تسعه، يريد أن ينطلق إلى أهله ويريهم نتائجه وهكذا المؤمن، الكافر:
﴿ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً ﴾
[ سورة الانشقاق: 13]
أما المؤمن:
﴿ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً ﴾
[ سورة الانشقاق: 9]
﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴾
[ سورة المطففين: 34]
﴿ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾
أي أن هذه المصائب التي ساقها الله لهذه النفس، لئلا تقول يوم القيامة: يا ربي لو أنك عذَّبتي، لو لفت نظري بمشكلة، بمصيبة، بمرض لكي أعرفك، يقول لك: ذكّرناك وأرسلنا لك المصائب ولم تتعظ.
الإنسان الذكي العاقل لا يوصل نفسه إلى طريقٍ مسدودٍ مع الله :
قال تعالى:
﴿ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
هيهات:
ألا ليت الشباب يعودُ يوماً فأخبره بما فعل المشيبُ
* *
هيهات، الزمن لا يرجع للوراء، عقارب الزمن لا تَرجع، أنت بين يومٍ مفقود، ويومٍ مشهود، ويومٍ ممدود، ويومٍ مورود، ويومٍ موعود، اليوم المفقود لا جدوى من الحديث عنه، لأنه مفقود، انتهى، ما مضى فات، والمؤمَّل غيب، والغيب لا تملكه، الماضي خرج من يدك، والغد لا تملكه، ماذا بقي أمامك؟ الساعة التي أنت فيها:
(( ما من يومٍ ينشق فجره إلا وينادي: يا بن آدم أنا خلقٌ جديد وعلى عملك شهيد، فتزود مني، فإني لا أعود إلى يوم القيامة))
[ ورد في الأثر]
الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما، إذا استيقظ الإنسان يجب أن يوقن أن الله سمح له أن يعيش يوماً جديداً، اعمل فيه قبل أن يعمل فيك:

﴿ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
هيهات:

﴿ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾
[ سورة ص: 3]
أي ليس الحين حينَ مناص، عندما يرتكب الإنسان جريمة، ويحاكم، ويُحكم بالإعدام، ويُصدَّق الحكم، ويُساق للمشنقة، فهل الرجاء يُجدي؟ انتهى الرجاء، التوسُّل، التذلُّل، البكاء، النحيب، قد يبكي وقد لا يبكي، قد يتوسَّل وقد يظل ساكتاً، قد يقول: يا أولادي وقد لا يقول يا أولادي، كل هذا لن يجدي، لا بد من تنفيذ الحكم، الإنسان الذكي العاقل لا يوصل نفسه إلى طريقٍ مسدودٍ مع الله، قصَّر، وقصَّر.
ما من آية أعطانا الله فيها الرجاء إلا عَقَّب بالخوف :
أنا والله أعجب عندما أرى شخصاً في الخامسة والخمسين أو في الستين من عمره ويلعب طاولة في القهوة، لا يصلي، هذا ماذا ينتظر؟ الموت محقَّق، الموت على الأبواب، من دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة. فماذا ينتظر؟ كيف سيواجه الله عزَّ وجل؟ عجيب أمر الناس، غارقون في الملاهي، غارقون في الأعمال الساقطة، غارقون في كسب المال الحرام، غارقون في الاختلاط، يطلقون أبصارهم في الحرام، يمتِّعون أبصارهم بما حُرم عليهم أن يمتِّعوا به أبصارهم، يا أخي الله غفور رحيم. هذا الكلام سذاجة، اسمع الآيات:
﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ ﴾
آية ثانية:
﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾
[ سورة الحجر: 49-50]
ما من آية أعطاك الله فيها الرجاء إلا عَقَّب بالخوف، صحيح الله عزَّ وجل:
﴿ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾
لكن:
﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾
الموت عرس المؤمن على عكس الكافر :
هذه ساعة الغفلة، الإنسان كل يوم يستيقظ مثل اليوم الماضي إلى ما شاء الله؟ لا، غير معقول، في يوم في خبر جديد، يقول لك: أصبحت ولم أستطع أن أرى، أتألَّم، يقول لك: أشعر بضيق، بذبحة صدريَّة، إذا إنسان مقيم على المعاصي كل يوم من الأيام في شيء جديد أمامه، أما إذا كان مقيم على الطاعات يا مرحباً بقضاء الله، في سرور لأن هناك استسلام لله عزَّ وجل، الموت تحفة المؤمن، الموت عُرس للمؤمن، الموت ساعة اللقاء مع الله عزَّ وجل، أما الشيء المؤلم الذي يهزُّ النفس إنسان مقيم على المعاصي، تكلَّس عقله على أنماط من الحياة كلها مخالفات، كلها اختلاطات، سهرات، إطلاق بصر، مزاح رخيص مع النساء، كسب مال حرام، أساليب ملتوية في كسب المال في إنفاق المال، ثم فجأةً شعر أن عنده مرض عضال، وأنه قاب قوسين من القبر، والله الذي لا إله إلا هو يحسُّ بآلام لو وزِّعَتْ على أهل بلدٍ لكفتهم، الآن صار الطريق مسدود. فالإنسان وهو في بحبوحة، صحَّته جيِّدة، بمقتبل حياته، بشبابه، الله أسمعه الحق، فليستجب:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكم ﴾
[ سورة الأنفال: 24 ]
دعوةٌ للحياة:

﴿ بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آَيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾
هذا الذي كذب على الله، أشاع أن هذه ليست حرام، فيها فتوى يا أخي، ومعنى الآية ليس هذا، معناها كذا، جرَّ النصوص إلى أهوائه، جرَّ الآيات والأحاديث إلى تغطية انحرافاته، أي أنه كذب على الله، هذه قد أفتى فيها عالِم، أنت أفهم منه؟ لا ليس أفهم منه، هذه قضيَّة خلافية، هذه هكذا قال العلماء عنها، كل معصية يغطيها بحجَّة واهية، هذا كذب على الله.

حال المستكبرين يوم القيامة :
قال تعالى:
﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾
وأي مُقام!!
﴿ لِلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾
من هو المتكبِّر هنا؟ الذي استكبر عن طاعة الله، رأى نفسه أكبر من أن يطيع الله عزَّ وجل، احتال على الأمر الإلهي بتفسيرات وتأويلات، وجرَّ النصوص إلى أهوائه، ولعب بالنصوص، وتحكَّم بها ولم يحتكم إليها، جواب الله عزَّ وجل:
﴿ بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آَيَاتِي ﴾
آياتي الكونيَّة، والقرآنيَّة، والحوادث، والأفعال، وشعر بانقباض مع المعصية، دليل هذه آية، وشعر براحة مع الطاعة دليل، آياته الكونيَّة، وآياته القرآنيَّة، وآياته التكوينيَّة، وآياته النفسيَّة، أراك مناماً مخيفاً، ما تأثَّرت، في آيات نفسيَّة، في تكوينيَّة، في قرآنيَّة، في كونيَّة، أربع أنواع من الآيات:
﴿ بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آَيَاتِي ﴾
آيةٌ تلو آيةٍ، كل آيةٍ أوضح من أختها، كل آيةٍ كفلق الصبح.
الإنسان إذا كذب على الله يسوَّد وجهه :
قال تعالى:
﴿ بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آَيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ ﴾
هذه صدفة، وهذه هكذا الدهر يومٌ لك ويومٌ عليك، الله أرسل له مصيبة بدل من أن يستفيد منها قال لك: هكذا الدهر، الدنيا كر وفر، إقبال وإدبار، مد وجزر، يومٌ لك ويومٌ عليك. فرَّغ المصيبة من مضمونها، جعل المصيبة شيء يحدث دائماً..
﴿ فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾
ما عرفت الله عزَّ وجل:
﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾
الإنسان إذا كذب على الله يسوَّد وجهه، وفي الدنيا إذا الإنسان كذب، ثمَّ كُشِفَ أنه كاذب لا يستطيع أن ينظر إلى الناس، يسقط من أعينهم، فكيف إذا كذب على الله؟ إذا كذب على إنسان وكَشَفَ أنه كاذب، وواجهه بكذبه يسوَّد وجهه، ويخفِضُ بصره، ويسقط من عين هذا الإنسان، فكيف إذا كذب على الله؟ لذلك:
﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ﴾
[ سورة الصف: 7]
مصير الكاذبين على الله ومصير المتقين يوم القيامة :
ما في إنسان أظلم ممن كذب على الله، أوهم نفسه أن هذا الشيء غير حرام، يجوز، جرَّ النص إلى أهوائه، أوَّل الحديث تأويلاً باطلاً.
﴿ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾
معنى ذلك الكاذبون على الله مصيرهم إلى النار، أما المتَّقون:
﴿ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ ﴾
عرفوا ربَّهم في الدنيا، فازوا بمعرفته، فازوا بطاعته، فازوا برضوانه، فازوا بخدمة عباده، فازوا بالدعوة إليه:
﴿ بِمَفَازَتِهِمْ ﴾
الآن نجَّاهم الله بمفازتهم:
﴿ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
هذا الأمن الذي ما بعده أمن، يوم يفزع الناس، يوم يخاف الناس، يوم تملأ الحسرة قلوب الناس، يوم يندم الناس، يوم يُساق الناس إلى عذابٍ أبدي، هؤلاء المتَّقون الذين كانوا في الدنيا غرباء، الذين اتجهوا إلى المساجد واتجه الناس إلى الملاهي، اتجهوا إلى المساجد وقَبَعَ الناس في بيوتهم يتابعون المسلسلات الخليعة والساقطة، اتجهوا إلى بيوت الله يُصَلون، ويقرؤون القرآن، تناصحوا، التزموا، وقفوا عند الأمر والنهي.
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ*آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾
[ سورة الذاريات: 15-16]
الفوز العظيم والفلاح يوم القيامة بتقوى الله سبحانه :
قال تعالى:
﴿ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ ﴾
اتقوا أن يعصوا ربَّهم، اتقوا غضبه، اتقوا الكفر بالإيمان، اتقوا الشِرك بالتوحيد، اتقوا العقاب بالطاعة.
﴿ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ ﴾
فازوا، هذا هو الفوز العظيم، هذا هو الفلاح، هذا هو النجاح، هذا هو التفوُّق، هذا هو العطاء:
﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾
[ سورة الإنسان: 20]
﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ﴾
[ سورة الصافات: 61]
﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾
[ سورة المطففين: 26]
﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾
[ سورة يونس: 58 ]
مصير المتقين كما ورد في القرآن الكريم :
قال تعالى:
﴿ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ﴾
﴿ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ*عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ﴾
[ سورة الصافات: 43-44 ]
﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾
[ سورة الحاقة: 19-24 ]
﴿ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ*لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ*سَلَامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ﴾
[ سورة يس: 56-58 ]
المؤمن يوم القيامة ينتقل من ضيق الدنيا إلى سَعَةِ الآخرة :
قال تعالى:
﴿ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
لا يحزنون على الدنيا، لأنهم انتقلوا من دار همٍ وتعبٍ، وتكليفٍ وعملٍ، وكدحٍ وجهدٍ، إلى دار تشريفٍ وتكريم، انتقلوا من الخراب إلى العمران، من ضيق الدنيا إلى سَعَةِ الآخرة، من الهموم والأحزان إلى الجنَّة والرضوان..
﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
إذا إنسان انتقل من بيت في أحد الأحياء المتواضعة الفقيرة، الضجيج، والازدحام، والطابق تحت الأرض، وضيِّق جداً، ومرافقه سيئة جداً، إلى أفخر بيت، أثناء الانتقال هل يشعر بحزن؟ أعوذ بالله، يرقص من الفرح، وهكذا المؤمن ينتقل من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، " واكربتاه يا أبت " قال: " لا كربَ على أبيكِ بعد اليوم غداً نلقى الأحبَّة محمَّداً وصحبه "، إذا كنت بطل كل من حولك يبكون وأنت وحدك تضحك، لا يهمَّك جنازة مقدَّرة أو ليست مقدَّرة، أنت نجوت من الدنيا وما فيها، هذه البطولة.
فالدنيا ساعة اجعلها طاعة والنفس طمَّاعة عوِّدها القناعة
* *
الآية التالية غطَّت المستقبل والماضي :
قال تعالى:
﴿ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
معظم الناس ضحكت عليهم الدنيا، فإن كنت بطلاً فاضحك عليها، ضعها تحت قدمك، لا تعصِ الله فيها، لا تلن لأهل الكفر، لا تتخاذل أمام بريق المال، لا تضعف أمام النساء، الله خيرٌ وأبقى:
﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾
[ سورة طه: 72 ]
﴿ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ﴾
في الجنَّة:
﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
على ترك الدنيا، هذه الآية غطَّت المستقبل والماضي،:

Photo

Post has attachment
Photo

Post has attachment
المنتدى كل كلمة طيبة تصدر من قلب يؤمن بتغير حاله نحو الأحسن
Animated Photo

Post has attachment
Photo

Post has attachment
Photo

Post has attachment
Photo

Post has attachment
Photo

Post has attachment
Photo

Post has attachment
Photo
Wait while more posts are being loaded