Post has shared content
مقال للدكتور فريد الانصاري رحمه الله حول الاخلاق

أَنْ تَدْخُلَ فضاءَ "رسائل النور"؛ يعني أنك أحد "المبصرين!" وتلك دعوى كبرى! من ذا يتجاسر على ادعائها؟ ومن ذا قدير على أن يبوء بثقلها؟ كيف وقد ثبت أن ليس كل من "ينظر" بعينين يعد من "المبصرين"؟ ألم يقل ربنا جل وعلا: (وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ)(الأعراف:198). ولقد عُلِمَ أن الأستاذ بديع الزمان سعيدا النورسي ما صعد إلا أعلى مقامات الإبصار وأدقها! فأنى للدارس إذن؛ أن يواكب مشاهداته إن لم يكن مبصرا حقا؟ وإذا كان لكل حكم شرط، فقد ثبت أن ذلك هو شرط الأستاذ! أليس هو القائل: "أتكلم في مكاني، لا في مقام السامع المواجه لي خلافاً لسائر المتكلمين، الذين يفرضون أنفسهم في مقام السامعين فيصير أمام كتابي "الذي" وجههُ إليّ، ومعكوسه ومقلوبه إلى السامع، فكأنه يقرأ في المرآة فيتعسّر عليه؛ فإذاً لا أذهب إلى مقامه، فليرسل هو خياله إليّ لأضيفه على عيني ، في رأسي؛ كي يرى كما أرى!".([1])

تلك إذن هي القضية! وذلك هو شرطها على الإجمال!

فكيف إذا كان التفصيل دراسة مفهوم كثيف الاكتناز الدلالي، مثل مفهوم الأخلاق؟ هذا المصطلح الكوني، الذي يعتبر من أهم المصطلحات المفاتيح؛ لكليات رسائل النور! مصطلح يحيلنا على كل أبعادها الكونية! فليس لنا إذن؛ أن ندعي غير المقاربة، ومحاولة الاقتراب. وأما الغوص والإبحار؛ فدونك رسائل النور؛ ليس ينوب عنها شيء!

نعم، إن مفهوم "الأخلاق" كما قدمه الأستاذ بديع الزمان النورسي رحمه الله من خلال تفسيره التفكري للقرآن العظيم يعتبر مفتاحا من أهم المفاتيح؛ لفهم نسق الرسائل من جهة، ولمقاربة المفهوم الكلي للدين نفسه من جهة ثانية. وما كليات رسائل النور في نهاية المطاف؛ إلا مرآة صافية تعكس شعاع القرآن، وتجليه لهذه الإنسانية المتمردة، الضاربة اليوم في العمى.

وما العولمة الجديدة/القديمة التي تنفث ظلماتها على العالم الإسلامي؛ إلا مرحلة من مراحل التمرد البشري على رب الكون. وإن نظرة واحدة في المفهوم النوري للأخلاق؛ لكفيلة ببيان هشاشة البناء البشري لمنظومة العولمة الخُلُقية. إذ هي أشبه ما تكون بالبناء العشوائي الذي يحيط المدن الكبرى في العالم. إنها محاولة لغزو النظام المتكامل لبنية الأخلاق لدى المسلمين، والتشويش على النسق الجميل للبعد الكوني لمفهوم الأخلاق في أصولها القرآنية.

إن بديع الزمان الذي تكلم في هذا الموضوع بمنهج استبصاري منهج "علم المستقبليات" ليدل على وعيه المبكر جدا، والغريب؛ بما ستؤول إليه أخلاق الغرب والشرق المتأثر به من إفلاس عجيب، لقد كان يتكلم رحمه الله وكأنه يعيش لحظتنا هذه: مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي بالذات!

إن الفلسفة الغربية التي هي سليلة الفكر اليوناني القديم، والتي تنكرت لمسيحيتها حتى في صورتها المحرفة! قد وصلت إلى الرأسمالية في بعدها العولمي الأخير، التي أنذر بها بديع الزمان في رسائله، مبينا أنها أمارة الانتحار والإفلاس للفكر البشري، وبداية الانتصار لمنظومة القرآن. وهذا واحد من معاني تأكيده أن رسائل النور ستقرأ في كل مكان، وستغزو كل العالم.([2]) ذلك إذن؛ وجه من وجوه عالمية القرآن، المستوعبة لكل الأشكال الهندسية، لأنماط الحياة في العالم.

إن الفرق بين التعبد والتمرد؛ هو الفرق بين البقاء والفناء! وهو كالفرق بين المعنى واللامعنى!

من هنا إذن كان لابد من دراسة هذا المفهوم ابتداء: "الأخلاق"، كما هو معروض بشموليته الكونية في كليات رسائل النور؛ لنتبين مدى الاكتناز الدلالي الذي يتصف به هذا المصطلح، في بناء تصور النورسي للإنسان كما تلقاه من القرآن العظيم، وبيان مدى الإخفاق الذي منيت به فلسفة الأخلاق في الفكر العقلاني المتمرد، المعتصم بـ"أناه"، في معناها "الاسمي"، على اصطلاح بديع الزمان النورسي كما سنوضحه بحول الله.([3])

ولقد انطلق الإنسان نحو "الكونية الأخلاقية" لكن بمعنيين وبمنهجين: الأول منهج القرآن، والثاني: منهج الفلسفة، مما انتشر في علوم الإنسان الاجتماعية والسياسية والأخلاقية.

أما الكونية الأخلاقية في القرآن فقد جردت "أنا" الإنسان من "اسميتها"، وربتها على المعنى "الحرفي" المفتقر إلى اسم الله تجريدا وتفريدا، فامتدت أخلاقه بذلك لتسع الكون كله إمامةً للعابدين، سيرا في فلك التعبد لله رب الكون كله. وأما الكونية الأخلاقية في الفكر الفلسفي؛ فقد رسخت اسمية "الأنا"؛ فتضخمت ثقة الإنسان بمعارفه تضخما سرطانيا؛ حتى انتهى إلى اعتقاد استغنائه عن كل عون من الله وكل مدد. بل استغنى عن وجود الله جل وعلا! وَهْماً وتوهما؛ فطغى! وتحول إلى وثن يعبد ذاته ويؤلهها. ولذلك قال - سبحانه وتعالى -: (كَلاّ إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى)(العلق:6-7).

إن بديع الزمان النورسي رحمه الله قد صاغ نظرته الأخلاقية المستنبطة من القرآن، وعرضها بمنهج مقارن عجيب، مبينا آفاقها الكونية العالية، وسبقها التربوي، بالنظر إلى ما آلت إليه النظريات الأخلاقية الفلسفية قديمها وحديثها، التي لم تعتمد القرآن منطلقا وطريقا مختصرا للوصول. ونحن في هذه الدراسة سنحافظ في عرض مفهوم الأخلاق عنده؛ على المنهج نفسه الذي اعتمده، مع ما نضيفه من منهج الدراسة المصطلحية، المبني على الاستقراء للنصوص، والجمع بين أجزائها؛ عسى أن نصل إلى المعنى الكلي، الذي أعطاه بديع الزمان لمفهوم الأخلاق، والذي بثه خلال أجزاء رسائل النور مجملا ومفصلا.

وبيان ذلك هو كما يلي:

أولا: التعريف:

أ- الأخلاق في التعريف اللغوي:

ترجع مادة "خلق" في اللغة إلى معنى التقدير والإنشاء والطبع والتكوين. ومنه تفرعت الدلالة إلى سائر المعاني التي استعمل فيها اللفظ بعد. ولذلك دل أصالة على فعل الله في تكوين المخلوقات وإنشائها على غير مثال سابق، فكان بذلك شاملا لكل الصفات الجبلّية في صور المخلوقات الظاهرة حسا. وهي مظاهر الخليقة. ثم دل تبعا على كل سجية، أو طبيعة من الصفات النفسية، وهي الأخلاق. قال الراغب الأصفهاني: "الخلق أصله: التقدير المستقيم، ويستعمل في إبداع الشيء من غير أصل ولا احتذاء، قال: (خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ)(الأنعام:1) أي أبدعهما، بدلالة قوله: (بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ)(البقرة:117). ويستعمل في إيجاد الشيء من الشيء نحو: (خَلَقَكُم مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ)(النساء:1) (...) والخَلْقُ: يقال في معنى المخلوق. والخَلْقُ والخُلُقُ في الأصل واحد (...) لكن خص الخَلْق بالهيئات والأشــكال والصور المدركة بالبصر، وخص [الخُلُقُ] بالقوى والســجايــا المدركة بالبصيرة. قــال تعالى: "وَإِنَّــكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ".([4]) وقال صاحب مختار الصحاح: "الخَلْقُ: التقدير يقال خَلَقَ الأديمَ: إذا قدره قبل القطع، وبابه نصر. والخَلِيقةُ الطبيعة والجمع الخَلاَئِقُ، والخَلِيقةُ أيضا: الخلائق، يقال هم خليقة الله، وهم خَلْقُ الله. وهو في الأصل مصدر. والخِلْقةُ: الفطرة، وفلان خَلِيقٌ بكذا: أي جدير به، ومضغة مُخَلَّقَة:ٌ تامة (...) والخُلُقُ بسكون اللام وضمها: السجية. وفلان يَتَخَلَّقُ بغير خلقه: أي يتكلفه".([5]) وفي اللسان: "الخِلْقةُ: الفِطْرة (...) والخُلْق والخُلُق: السَّجِيّة (...) وفي الحديث: "لَيْسَ شَيْءٌ أَثْقَلَ فِي الْمِيزَانِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ".([6]) [و]الخُلُقُ بضم اللام وسكونها: وهو الدِّين والطبْع والسجية. وحقيقته أَنه صورة الإِنسان الباطنة، وهي نفْسُه، وأَوصافها، ومعانيها المختصةُ بِها؛ بمنـزلة الخَلْق لصورته الظاهرة، وأَوصافها، ومعانيها"،([7]) وفي القاموس: "خالَقَهُم: عاشَرَهُمْ بِخُلُقٍ حَسَنٍ".([8])

فكانت الأخلاق في اللغة إذن؛ هي: التصرفات الإنسانية، الصادرة عن أوصاف النفس وسجاياها الباطنة. أو هي سيماء النفس وصورتها الباطنة.

ب- الأخلاق في التعريف الفلسفي:

أما مفهوم "الأخلاق" في الفكر الفلسفي، فلم يستطع أن يخرج عن نطاق تمجيد "الأنا"، على حد تعبير الأستاذ بديع الزمان النورسي، كما سيأتي بدليله. بدءا بالفكر الفلسفي اليوناني وانتهاء بالفلسفة الغربية الحديثة. لقد سكنت "الأنا" لا شعور الفلسفة، عبر مسيرتها التاريخية، منذ تبلور التفكير الفلسفي مع قدماء اليونان، حيث كان الفكر الوثني أصلا هو الإطار الثقافي الذي تخلقت فيه الفلسفة الأولى. فكان لذلك دور كبير في "استصنام" الأفكار الفلسفية، وتوثينها؛ إذ كان الفيلسوف اليوناني في الحقيقة مصارعا للآلهة ومنازعا لها في "الهيمنة" على الكون، مما سجله "هوميروس" في ملاحمه الكبرى. إن فكرة "الصراع" التي طبعت الوجدان الفلسفي اليوناني قد حكمت عليه بالذاتية "الاسمية"، والرغبة في تأليه الإنسان إلى الأبد. فكانت الفلسفة بذلك تدور على محور استصنام "الأنا" عبر تاريخها الطويل. ولم تستطع أن تتخلص منها حتى في صورتها المشائية الإسلامية وصورتها المسيحية على السواء، أي مع الفلاسفة المشائين المسلمين، وفلاسفة القرون الوسطى من المسيحيين!

فقديما انطلق أفلاطون في نظريته الأخلاقية من مفهوم "الخير الأسمى" أو "الخير بالذات"؛ مما يوحي بالمثالية المطلقة والمجردة عن الأهواء، لكنه لما أراد تطبيق ذلك على "جمهوريته المثالية" أو ما سمي في الترجمات العربية القديمة "بالمدينة الفاضلة"؛ لجأ إلى ما يمكن تسميته "بالكذب الفلسفي". حيث إنه لم يجد حرجا في لجوء الحكام والفلاسفة أحيانا إلى الكذب الصراح؛ لخداع المواطنين من الطبقة الدنيئة بدناءتهم، وقطع كل أمل في تغيير أوضاعهم الاجتماعية، بينما لا يجوز لهؤلاء المواطنين أن يخدعوا الحكام. ويكون ذلك الكذب الضروري بالقول بأن المعدن الذي خلقت منه كل طبقة مختلف عن المعدن الذي خلقت منه الأخرى!([9]) وهكذا آل أمر نظرية الأخلاق الأفلاطونية إلى تمجيد "الأنا" الطبقية للحكام والفلاسفة وطبقة المترفين!

وانتقلت هذه "الأنا" الوثنية إلى فلاسفة الإسلام، حيث تجلت بصورة أخرى لدى فيلسوف الأخلاق المسلم ابن مسكويه؛ الذي لم يستطع التحرر من أثر الفلسفة الأخلاقية، لدى فلاسفة اليونان رغم محاولته التوفيق بين الفلسفة والشريعة، على غرار سائر فلاسفة الإسلام حيث كان يرى أن غاية الأخلاق هي تحقيق السعادة، وما السعادة إلا نوع من تحقيق الاكتفاء الذاتي على المستوى الوجودي، كما هو عند الملائكة وعند الله"!" وهو ما قال به الفارابي أيضا، حيث اعتبر أن غاية السعادة هي تحصيل الكمال الذاتي،([10]) وإنما هذا من خصائص الحضارة اليونانية، التي كانت ترى أن استعمال العقل في التأمل يجعل الإنسان يشارك الآلهة في حياتها!

وعندما انتقلت النهضة الفلسفية إلى بلاد الغرب ازداد التوغل الأناني في التفكير الأخلاقي لدى فلاسفة أوروبا؛ انطلاقا مما ورثوه عن أفلاطون وأرسطو؛ وما آلت إليه من نرجسية متألهة على يد فلاسفة القرون الوسطى المسيحيين، الذين اصطبغت فلسفتهم بنوازع "الأنا"، وطلب السعادة المطلقة، كما عرفها فلاسفة اليونان الوثنيين. لكنها هنا تلبست بلبوس مسيحي، كما هو الشأن عند توماس الأكويني الفيلسوف المثالي في العصور الوسطى،([11]) ثم عند "عمانويل كانط" شيخ الفلسفة في العصر الحديث،([12]) ولم تزل الرغبة في تحقيق سعادة "الأنا" هي أساس التفكير الأخلاقي في الفلسفة الغربية؛ حتى تطورت الأخلاق إلى "المذهب النفعي" في صورته المادية؛([13]) بفعل التحولات الاجتماعية العميقة التي شهدتها أروبا؛ استجابة لتطور الأوضاع الصناعية؛ ابتداء من القرن الثامن عشر الميلادي، كما أثبته مؤرخ الفلسفة الغربية الفيلسوف الانجليزي "برتراند رسل"، الذي قال: "لقد اشتق مذهب المنفعة من نظرية أخلاقية ترجع بوجه خاص إلى هتشسون، الذي كان قد عرضها عام: 1725م، وترى النظرية باختصار أن الخير هو اللذة، والشر هو الألم".([14]) ولم تزل كذلك؛ حتى آلت إلى النفعية الحديثة، سواء في صورتها الماركسية؛ أو في صورتها الليبيرالية. وهكذا تطورت النظريات الفلسفية الأخلاقية إلى ما انطلقت منه ابتداء، من مثل فلسفة أفلاطون الذي بنى جمهوريته على توظيف الكذب لاستغلال الشعوب. وذلك هو بالضبط جوهر "العولمة" في صورتها الجديدة.

ج- الأخلاق في التعريف النوري:

وأما في اصطلاح بديع الزمان النورسي؛ فالأخلاق هي:

- الأخلاق: هي نظام القرآن الذي يطبع صورة الروح الإنسانية بماهيتها، ويسلك بها مدارج التربية والمجاهدة؛ لاكتساب معناها الكوني.

ولتبين التصور الشمولي لهذا التعريف، الذي ركبناه من استقراء نصوص رسائل النور، كما وضعها بديع الزمان رحمه الله؛ فإنه يجدر بنا أن ندرس عناصره فقرة فقرة؛ حتى يتسنى لنا تبين جوهر المفهوم الذي استنبطه بمنهجه التفكري من القرآن العظيم. وبيان ذلك هو كما يلي:

- الأخلاق نظام القرآن:

إن الهم الرسالي الذي كان يحمله بديع الزمان رحمه الله، والقصد الإصلاحي الذي كان يسكن وجدانه وهو يكتب رسائل النور؛ جعله يمضي في تدبره للقرآن، وتفكره في أحوال النفس والمجتمع؛ فقاده ذلك إلى اكتشاف حقيقة الأخلاق في القرآن. حيث عرضها بعد ذلك في رسائله على أنها هي كل نظام القرآن، أي النسق الكلي للقرآن. فرسالة القرآن إنما جاءت لتصنع مجتمعا قائما على أساس الأخلاق، بمعنى كلي. فكل التصرفات البشرية في العلاقات النفسية، والاجتماعية، والوجودية، مع سائر الكائنات؛ إنما هي أخلاق. وهذا مفهوم خاص لمعنى "أخلاق"، الذي يحصره بعضهم فقط في مجال "الفضائل"، بمعناها الاجتماعي الصرف. و"الفضائل" في المعنى السائر المتأثر بالدلالة الفقهية مفهوم موح بنوع من النفل الزائد، الذي يفعله الإنسان تطوعا. وهذا معنى فرعي، بينما تصور النورسي للأخلاق قائم على أنها "أصول" لا "فروع"، كما سيأتي بنصه وتعبيره، وعلى أنها "قانون" بمعنى نظام مطرد، ونسق كلي، وليست أحوالا تقبل الحدوث كما تقبل التخلف؛ وعلى أنها "قواعد" بمعنى ضوابط، سيقت لتكييف السلوك الإنساني، والتصرف البشري تكييفا تربويا، وفق ميزان معين، ثابت، لا يلحقه العبث ولا تثلمه الفوضى. إن تصور الأخلاق على أنها "فضيلة نافلة" هو مفهوم جزئي. والاقتصار عليه يؤدي إلى تحريف الدلالة القرآنية، ذات البعد الشمولي العميق لمصطلح "أخلاق". وأحسب أن تحقيق مفهوم الأخلاق نوع من التجديد، الذي رامه بديع الزمان، في عرض حقائق القرآن، من خلال رسائل النور، وهو يتحدى الغزو الفكري والخلقي الغربي. إن تصور النورسي لهذا المعنى المستنبط من القرآن قائم على دلالة أخرى تماما. إنه دال عنده على كل الحركة الإنسانية في النفس والمجتمع، فلا يبقى بعد ذلك شيء من تصرف الإنسان إلا وهو مشمول بمصطلح "الأخلاق". ومن هنا صح أن يكون القرآن - كل القرآن - إنما جاء لبناء الأخلاق، بهذا المعنى الشمولي الواسع. وذلك هو منطوق حديث عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن خلق النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت قولتها المشهورة: "كان خلقه القرآن"([15]) هكذا على سبيل الاستغراق الشامل لكل القرآن. وهو أيضا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المشهور: "إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق"([16]) هكذا بهذا الحصر الشامل المستغرق لكل مقاصد البعثة المحمدية. فكان إذن أن القرآن كله من حيث هو نظام رباني، أنـزله الله لتنظيم حياة الإنسان التعبدية والنفسية والاجتماعية إنما هو نظام للأخلاق. ولذلك بيَّن بديع الزمان النورسي أن أخلاق القرآن قد وسعت بهذا المعنى كل ما جاءت به الكتب السماوية السابقة وزيادة. قال رحمه الله: "إن أصول الأخلاق في القرآن عالية علوّ ما جاء في كتب الديانات الأخرى جميعها. وإن أخلاق الأمم التي دانت له تحولت بتحول الأزمان والعروق (...) إن أهم نتيجة يمكن استنباطها هي تأثير القرآن العظيم في الأمم التي أذعنت لأحكامه، فالديانات التي لها ما للإسلام من السلطان على النفوس قليلة جداً، وقد لا تجد دينا اتفق له ما اتفق للإسلام من الأثر الدائم، والقرآن هو قطب الحياة في الشرق وهو ما نرى أثره في أدقّ شؤون الحياة".([17])

ولذلك فإن التغيير الذي أحدثه القرآن في المجتمعات التي دانت له كان عميقا وجذريا. إنه بهذا المعنى الذي قدمه للأخلاق؛ غيَّر البنية الثقافية والوجدانية، لكل الأعراق التي انتسبت إليه، وجعلها منصهرة في نسق واحد، ونظام واحد، هو أخلاق القرآن. إن دمج العرقيات والجنسيات المختلفة والمتناقضة؛ لغة، وتاريخا، وسلالة، وعادات وتقاليد...إلخ، في خفقة وجدان واحد؛ لهو من أغرب المستحيلات قطعا! ولكن ما "المعجزة" إن لم تكن هي صناعة المستحيل؟ وما القرآن إن لم يكن هو كتاب الإعجاز الأول بلا منازع؟

إن كثيرا من الأحكام الدينية، والتشريعات القرآنية، التي دأب بعض الكتاب على تصنيفها خارج مفهوم الأخلاق، جعلها بديع الزمان من صميم الأخلاق، وأصولها. إن القوانين التشريعية الإسـلامية كلها؛ إنما أنـزلها الشــارع الحكيم على أنها سلوك خلقي لا مجرد قــانــون ملزم؛ شريعةً وعقوبةً. بل إن السر في التزام الناس بالقانون التشريعي الإسلامي إنما يرجع إلى عمقه التخلقي الرفيع. فهذا الجمع والتوفيق بين الأمرين هو الذي ســعى بــه القرآن لبناء الإنســان. إن بديــع الزمـان لم يكن يـرى في نصوص التشريع إلا نظاما أخلاقيا اجتماعيا بديعا. قال رحمه الله في نص عجيب، مكتنـز بحكم بالغة: "إن الـقـرآن يجد الحلول لجميع القضايا، ويربط مـا بين القانـون الديني والقانـون الأخلاقي، ويســعى إلى خلق النظام، والوحدة الاجتماعية، وإلى تخفيف البؤس والقسوة والخرافات. إنه يســعى إلى الأخــذ بيد المسـتضعفين، ويوصي بالبر، ويأمر بالرحمة. وفي مادة التشـريع وضع قواعد لأدق التفاصيل للتعاون اليومي، ونظم العقود والمواريث، وفي ميدان الأسـرة حدد سلوك كل فرد تجاه معاملة الأطـفـال والأرقــاء والحيـوانـات والصــحـة والملبـس...الخ".([18])

إن أدق أحكام القرآن الجزئية في التشريع الاجتماعي مثلا؛ ما هي إلا عنصر من عناصر نظام الأخلاق، سواء كانت من أحكام المواريث كما رأيت في النص المذكور، أو من أحكام العقود...إلخ. كل ذلك وما في معناه مما قد لا يبدو للناظر، غير الخبير بطبيعة القرآن؛ أنه ذو بعد أخلاقي إنما هو تشريع راجع إلى مفهوم "التعبد" في الإسلام. وإنما مفهوم التعبد قائم على معنى "المحبة". وذلك هو جوهر الأخلاق في الدين. "المحبة" هي أساس التشريع الإسلامي. وأي خُلُق صالح في سلوك الإنسان خارج عن معنى المحبة؟ وأي آية لا ينتظمها ذوق المحبة في القرآن؟ فمن أهم الفروق التي ذكرها النورسي بين الفلسفة والشريعة؛ أن هدف الفلسفة إنما هو "المنفعة"، بينما الشريعة "هدفها: الفضيلة بدلاً من المنفعة، والفضيلة من شأنها: المودّة والتجاذب".([19])

ومن هنا أبصر بديع الزمان أن كل آي القرآن مشع بنور المحبة؛ فضلا عن الآيات التي يصنفها العلماء على أنها آيات الفضائل، التي سيقت أصالة لذلك، والتي هي ظاهرة في النطق بكل معاني الحب.

قال رحمه الله: "لا تجد في القرآن آية إلا توحي بمحبة شديدة لله.. وفيه حث كبير على الفضيلة خلا تلك القواعد الخاصة بالسلوك الخلقي وفيه دعوة كبيرة إلى تبادل العواطف، وحسن المقاصد، والصفح عن الشتائم، وفيه مقت للعجب والغضب، وفيه إشارة إلى أن الذنب قد يكون بالفكر والنظر، وفيه حض على الإيفاء بالعهود حتى مع الكافرين، وتحريض على خفض الجناح والتواضع، وعلى استغفار الناس لمن يسيئون إليهم، لا لعنهم. ويكفي جميع تلك الأقوال الجامعة، المملوءة حكمة ورشداً؛ لإثبات صفاء قواعد الأخلاق في القرآن. إنه أبصر كلّ شئ!".([20])

إن الجمال والمحبة أمران مرتبطان. وبما "إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ" كما في الحديث الصحيح([21]) فقد تسلسل الكون بشعاع المحبة الصادر عن جمال الأسماء الحسنى. فكان كل من عَبَدَ الله حقا؛ منتسبا إلى ذلك النور، ومتخلقا بذلك الخلق الكلي الشامل: المحبة. ومن هنا ارتباط الأخلاق الإسلامية بنظام الكون، من حيث كونه يمثل انعكاسا نوريا للأسماء الحسنى؛ وبنظام القرآن من حيث كونه ناطقا بحقائق الكون، وناظما لها في سلك العبودية؛ وبهدي النبوة من حيث كونها أرفع نماذج ذلك الانعكاس والامتثال. ولبديع الزمان نص بديع في بيان هذه العلاقات النورية المتوالية في الكون، التي تضرب بنظام الأخلاق القرآني في الامتداد الكوني كله. قال رحمه الله: "لمحبته سبحانه لجماله؛ يحب حبيبَه - صلى الله عليه وسلم - إذ هو مرآة ذلك الجمال، ولمحبته لأسمائه الحسنى يحب حبيبه - صلى الله عليه وسلم - وإخوانه، إذ هو المدرك الشاعر لتلك الأسماء .ولمحبته لصنعته سبحانه يحب حبيبه - صلى الله عليه وسلم - وأمثاله، إذ هو الدال على صنعته والمُعْلِن عنها، ولمحبته لمصنوعاته سبحانه يحب حبيبه - صلى الله عليه وسلم - وَمن هم خلفه من المقتدين بهديه، إذ هو الذي يقدّر قيمة المصنوعات، ويباركها بـ: "ما أجمل صنعتها!" ولمحبته لمحاسن مخلوقاته يحب حبيبه - صلى الله عليه وسلم -، ومن تبعه وإخوانه، إذ هو الجامع لمكارم الأخلاق".([22])

ذلك أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - كان أكمل الخلق في تمثل جمال أخلاق المحبة، أو قل: الأخلاق القرآنية. ومن هنا كان عليه صلوات الله وسلامه أجمع الخَلْق خُلُقا. لأنه كان أجمعهم للقرآن تطبيقا وامتثالا. كما هو منطوق حديث عائشة السالف الذكر. وقد وقف بديع الزمان على هذا المعنى وقفة خاصة، ونبه إلى ما في ذلك من الدلالة على أنما سنته - صلى الله عليه وسلم - هي خُلُق القرآن، ولا شيء سوى خلق القرآن، فمن فاته هذا المعنى فقد فاته اتباع السنة. وفي هذا درس بليغ لأولئك الذين يفصلون بين السنة والقرآن، ويجزئون الأخذ منهما؛ فيغيب عنهم هذا النظر الجامع الذي يبصر من خلاله بديع الزمان الكليات الخلقية في الإسلام. فيكون كثير ممن يدعون الالتزام بالسنة؛ أبعد ما يكونون عنها؛ اتباعا ومقاصد. ذلك درس عظيم ما أحوج حركات التجديد الديني اليوم إلى إدراكه فكرة ودعوة. قال رحمه الله: "ووَصَفَهُ الصحبُ الكرام كما وصفته الصحابية الجليلة الصدّيقة عائشة رضي الله عنها قائلة: "كان خُلُقهُ القرآن". أي إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - هو المثال النموذج لما بينه القرآن الكريم من محاسن الأخلاق، وهو أفضل من تمثلت فيه تلك المحاسن، بل إنه خُلق فطرة على تلك المحاسن (...) ينبغي أن يكون كل من أفعال هذا النبي العظيم - صلى الله عليه وسلم - وأقواله وأحواله، وكل من حركاته نموذج اقتداء للبشرية. فما أتعس أولئك المؤمنين من أمته الذين غفلوا عن سنته - صلى الله عليه وسلم - ممن لا يبالون بها، أو يريدون تغييرها، فما أتعسهم! وما أشقاهم!".([23]) بل إن مقياس اتباع السنة إنما هو رهين بدرجة التخلق بأخلاق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ذلك أن الله "سبحانه لحبه أخلاق مخلوقاته يحب محمداً - صلى الله عليه وسلم -، إذ هو في ذروة الأخلاق الحميدة، كما اتفق عليها الأولياء والأعداء، ويحب كذلك من يتشبهون به في الأخلاق، كلاً حسب درجته".([24])

إن إحالة أخلاق الرسول - صلى الله عليه وسلم - على القرآن، إنما معناه إحالتنا على الكون كله! ومن هنا نتبين سر وقوف النورسي على هذا الحديث العجيب "كان خلقه القرآن". حيث اتخذت الأخلاق الإسلامية عنده نظاما كونيا، كما قلنا في التعريف: "هي نظام القرآن إلى قولنا لاكتساب معناها الكوني" ذلك أن القرآن في المفهوم التفكري لدى بديع الزمان هو كشاف كتاب الكون الكبير. والتخلق بأخلاق القرآن هو ضرب في عمق الكونية، وارتباط بأخوّة الكائنات جميعا من حيث هي سيارات في نظام الكون البديع على وزان فلك القرآن. ولم يزل تعريفه رحمه الله للقرآن كما درسناه بمحله([25]) من أعمق الالتفاتات التفسيرية في رسائل النور. وإنما نقتطف منه ههنا عبارات تدل على بعض المقصود؛ مما يساعدنا في دراسة مفهوم الأخلاق عنده. قال رحمه الله: "فإن قلت: القرآن ما هو؟ قيل لك:

هو الترجمة الأزلية لهذه الكائنات، والترجمان الأبدي لألسنتها التاليات للآيات التكوينية، ومفسر كتاب العالم.. وكذا هو كشاف لمخفيات كنوز الأسماء المستترة في صحائف السماوات والأرض. وكذا هو مفتاح الحقائق والشؤون المضمرة في سطور الحادثات. وكذا هو لسان الغيب في عالم الشهادة (...) وكذا هو أساس وهندسة وشمس لهذا العالم المعنوي الإسلامي. وكذا هو خريطة للعالم الأخروي. وكذا هو قول شارح، وتفسير واضح، وبرهان قاطع، وترجمان ساطع؛ لذات الله وصفاته وأسمائه وشؤونه. وكذا هو مرب للعالم الإنساني".([26])

ومن هنا كان تخلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأخلاق القرآن كمالا عظيما، وليس عبثا أن ترد آية في كتاب الله ناطقة بذلك في حق محمد - صلى الله عليه وسلم - شهادةَ تعديل كامل من رب الكون، بجملة اسمية دالة على الثبات والاستمرار، في قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)(القلم:4).

وبذلك صار خلقه - صلى الله عليه وسلم - في حد ذاته معجزة، إضافة إلى ما تلقاه من معجزة القرآن العظيم. قال بديع الزمان: "إن أعظم معجزة للرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - بعد القرآن الكريم هو ذاته المباركة، أي ما اجتمع فيه - صلى الله عليه وسلم - من الأخلاق السامية، والخصال الفاضلة، وقد اتفق الأعداء والأولياء على أنه أعلى الناس قدراً، وأعظمهم محلاً، وأكملهم محاسن وفضلا".([27]) وما ذلك طبعا إلا من حيث "كان خلقه القرآن"! وذلك معنى وصفه - صلى الله عليه وسلم - أيضا بأنه "كان قرآنا يمشي بين الناس"!

إن القرآن من حيث هو كلام الله الأزلي؛ كان في تربيته للإنسان على أخلاقه؛ ناظما له في سلك العبودية، السائر إلى الله عبر أنوار الأسماء الحسنى، والصفات العلى. وتلك هي الأخلاق الكونية الكبرى، التي جاء الإسلام ليصنع الاجتماع الإنساني على وزانها، وينشئه على مقياسها ونظامها. قال بديع الزمان: "إن الكون العظيم يكون أمامي بمثابة حلقة ذكر في أثناء قراءتي لخلاصة الخلاصة، ولكن لأن لسان كل نوع من الأنواع واسع جداً، يتحرك العقل عن طريق الفكر كثيراً؛ كي يذعن بالأسماء الإلهية وصفاتها بعلم اليقين، وبعد ذلك يتمكن أن يبصر ذلك بوضوح. وعندما ينظر إلى الحقيقة الإنسانية، في ذلك المقياس الجامع، في تلك الخريطة المصغرة (...) فإنه يصدق تلك الأسماء والصفات، بإيمان، واطمئنان، ووجدان جازم، شهودي وإذعاني (...) فيكسب الإيمان التحقيقي، ويدرك المعنى الحقيقي للحديث الشريف: "إن الله خلق الإنسان على صورة الرحمن".([28]) لأن المراد من الصورة، الســـيرة والأخلاق والصفات".([29])

إن هذا النص العجيب يحيلنا على مفهوم "الكون" عند الأستاذ النورسي. ولقد وجدنا أن من خواصه التعريفية أنه "منعكس عن الأسماء الحسنى"، بمعنى أنه مفعول للربوبية العليا، المتصفة بصفات الكمال، والمتسمة بأسماء الجمال؛ مما يؤول مرة أخرى بهذه الكثرة المتناثرة في الوجود إلى الوحدة، وذلك من خلال الرجوع إلى رب واحد عبر أسمائه الحسنى، المشعة على الكون؛ إيجادا ورعاية ورحمة. فما من شيء إلا وهو مرتبط في وجوده باسم من أسماء الله الحسنى، ذلك أن الرب العظيم -- سبحانه وتعالى -- متصرف في الكون خلقا وإيجادا؛ من حيث هو خالق، مصور، بديع، محي، مميت، رازق، مهيمن، رحمن، رحيم...إلخ. فأي شيء إذن يمكن تصوره خارج هذه الدوائر الربانية؟ من هنا كان الوجود الحقيقي للأشياء إنما هو بالأسماء، لا بذوات تلك الأشياء.([30])

فما وجود الإنسان إذن؛ إلا رشحة من رشحات الأسماء الحسنى؛ خلقا ورعاية وتكريما. وما غاية ذلك كله إلا أن يسعى هذا المخلوق المكرم إلى تحقيق العبودية؛ بدورانه حول هذا الفلك العظيم؛ رغبة ورهبة. وذلك هو ما قصده بديع الزمان من تعبير "التخلق بالأخلاق الإلهية"، أو تعبير "التخلق بأخلاق الله"، الذي أورده في كثير من المواطن، من مثل قوله رحمه الله: "إن الغاية القصوى للإنسانية والوظيفة الأساسية للبشرية هي التخلق بالأخلاق الإلهية، أي التحلي بالسجايا السامية والخصال الحميدة التي يأمر بها الله سبحانه وأن يعلم الإنسانُ عجزَه فيلتجئ إلى قدرته تعالى، ويرى ضعفَه فيحتمي بقوته تعالى، ويشاهد فقرَه فيلوذ برحمته تعالى، وينظر إلى حاجته فيستمد من غناه تعالى، ويعرف قصوره فيستغفر ربه تعالى، ويلمس نقصه فيسبّح ويقدّس كماله تعالى"،([31]) بمعنى أن الانتساب إلى الله عبادة وسلوكا هو استنارة بأنوار أسمائه الحسنى وصفاته العلى؛ رغبا ورهبا. وعلى هذا المعنى حمل دلالة الحديث المذكور: "إن الله خلق الإنسان على صورة الرحمن". فالاعتراف بالعجز والضعف البشريين، يؤول إلى طلب الانتساب إلى القوة والعظمة، والاحتماء بظلالهما. وإنما كمال ذلك وحقيقته متمثل في ذات الله رب العالمين. وطلب السمو بفعل الخضوع هو عين العبودية، وهو عين التخلق بأخلاق الله. ذلك أن "من القواعد المقررة للنبوة في حياة الإنسان الشخصية، التخلق بأخلاق الله. أي كونوا عباد الله المخلصين، متحلين بأخلاق الله محتمين بحماه معترفين في قرارة أنفسكم بعجزكم وفقركم وقصوركم".([32])

إن بديع الزمان بهذا الطرح الشمولي لمعنى الأخلاق، يعرض على العالم فعلا نظام القرآن عرضا اجتماعيا، ويعرض الاجتماع عرضا كونيا؛ وبذلك يبلغ قمة التحدي في سياق بناء المجتمع الإنساني من خلال المنهج القرآني العظيم، إذ تتحول الآيات بين يديه إلى سلاح يصد به هجمات المغرضين الذين يحطون من شأن الأخلاق الإسلامية، ويدعون إلى إباحية ورذيلة تهلك الحرث والنسل، وتُفقِد الهويةَ الإسلامية خصوصيتها الحضارية، وانتماءها القرآني، وامتدادها الكوني. إنه بهذا الفعل يحاصر أخلاق الفلسفة الغربية في زاوية الشهوات الحيوانية، ومستنقع النـزوات البَهَمِيَّة، في حين يرتفع بالخُلُق القرآني إلى أفق الكون الفسيح، ناظما لسلوك الإنسان المسلم في سلك الوجود السرمدي، الذي يمنحه الخلود الحقيقي، والتوحيد الحقيقي. إذ يصل وجدانَه بأنوار أسماء الله الحسنى، ويجد بذلك حقيقة ماهيته الوجودية. فلا يصدر منه شر ولا أذى. ومن هنا كان المسلم مصدر أمن للعالم ومصدر سلام.

ونقتطف ههنا كلمة لأستاذنا الدكتور محسن عبد الحميد في تقديمه لكتاب إشارات الإعجاز، تبين مدى وعي النورسي بخطورة الحرب الأخلاقية، التي يقودها الغرب ضد المسلمين، ومدى تأثير ذلك على نظام القرآن كله، من حيث إن الأخلاق الإسلامية إنما هي نظام القرآن. يقول حفظه الله: "لقد كان أسلوب رسائل النور في وضوحه الحاسم، وهدوئه العلمي الباهر، وبيانه الذوقي الرفيع، وحججه العقلية الدامغة؛ هو البديل العصري الذكي؛ لأسلوب إثبات إعجاز القرآن اللغوي، والبياني، والعقلي، من خلال نظرية النظم، لأن ما أثاره الأعداء لم يكن يتصل بالطعن في بلاغة القرآن، أو مناقشة ما يتعلق بإعجازه، أو بتناسب سوره وآيه وكلماته. وإنما كان يركز على شن هجوم عام، شامل، على أصول الإيمان، وحكمة التشريعات، ومحاولة تفكيك النظام الأخلاقي الذي جاء به القرآن الكريم. لقد وعى الأستاذ النورسي التغييرات الهائلة، التي أحدثها الصراع الجديد؛ فتوجّه إليها بحقائق القرآن، التي قدمها من خلال أصول المنطق العقلي الفطري، وعلوم ومعارف عصره".([33])

حقيقةً؛ لقد عالج بديع الزمان المسألة الخلقية بمنهج استبصاري غريب! فقد كشف الستار ببصيرته النافذة، وفراسته المستنيرة بنور القرآن؛ فخاطب ما كان يتوقعه من حال الأمة بعد خمسين سنة قادمة، وهو تماما ما نشهدها عليه اليوم من أحوال، في مستهل الألفية الثالثة! يقول رحمه الله عن أوضاع زمانه، وما توقعه بعدها: "فالأوضاع الحاضرة ستنعكس على الجيل الآتي لهذه الأمة البطلة، المتدينة، الغيورة على شرفها بعد خمسين سنة. ولا يخفى عليكم ما ستؤول إليه السجايا الدينية، والأخلاقية الاجتماعية"،([34]) ثم يتوجه بالكلام إلى الجيل الذي يأتي بعده، مناديا بصورة عجيبة: "يا إخوتي! ويا زملائي الذين يسمعون هذا الكلام بعد خمسين عاماً!".([35])

إن هذا الحدس الاستبصاري الكاشف، الذي كان يتمتع به بديع الزمان النورسي رحمه الله، هو الذي ساعده على النفاذ في معالجة المسألة الخلقية إلى أغوار النفس الباطنة، تشخيصا وتعليلا، ثم تطبيبا ووصفا. فكما كان يحاول إزاحة حجب الزمن؛ لاستبصار المستقبل؛ فقد كان يحاول إزاحة حجب البدن؛ لاستبصار ماهية النفس؛ قصد تهذيبها وتشذيبها، وطبع أخلاقها. وبيان ذلك كما يلي:

- الأخلاق تطبع صورة الروح الإنسانية بماهيتها

إن مفهوم الأخلاق لدى بديع الزمان كما تَقَطَّر من تفكراته القرآنية يرجع إلى معنى تربوي خصوصي. إذ هو تنقيح لـ"ماهية الإنسان" من شوائب الأنانية الوجودية، وخزف الصنمية الكاذبة. وذلك بتجلية صورة الروح الإنسانية، وتصفيتها حتى تبدو مرآتها على أجلى حقائقها، من حيث كونها أكمل رمز للعبودية. وفي ذلك تتميز الأخلاق القرآنية عن أخلاق الفلسفة، التي تكثف الحجب الكاذبة على حقيقة الإنسان وماهيته، فتوهمه أنه إله من دون الله الواحد القهار. إن الفلسفة تنطلق منذ القديم من أسطورة "انتزاع" شعلة المعرفة من "إله المعرفة"، إنها سليلة مبدأ الصراع بين الآلهة والإنسان. ولذلك أنتجت الفكر الفلسفي الغربي ذا الطبيعة المتمردة على كل شيء، بما في ذلك القيم الإنسانية المثلى. إن تلميذ الفلسفة يسعى إلى عبادة نفسه وتمجيدها. وفي هذا السياق فرق بديع الزمان بين مفهوم "التخلق بأخلاق الله"، الذي سبق بيانه، وبين مفهوم "التشبه بالله"، الذي هو غاية الفكر الفلسفي في نظريته الأخلاقية. فإذا كان الأول نفيا "للأنا"، فإن الثاني ترسيخ لها وتصنيم! قال رحمه الله في تتمة نص سبق إيراده في سياق التخلق بأخلاق الله: "من القواعد المقررة للنبوة في حياة الإنسان الشخصية، التخلق بأخلاق الله. أي كونوا عباد الله المخلصين، متحلين بأخلاق الله محتمين بحماه معترفين في قرارة أنفسكم بعجزكم وفقركم وقصوركم. فأين هذه القاعدة الجليلة من قول الفلسفة: "تشبهوا بالواجب"! التي تقررها غايةً قصوى للإنسانية؟ أين ماهية الإنسان التي عجنت بالعجز، والضعف، والفقر، والحاجة غير المحدودة؛ من ماهية واجب الوجود؟ وهو الله القدير القوي الغني المتعال!!"([36])

من هنا إذن؛ كانت الأخلاق عند النورسي "تطبع صورة الروح الإنسانية بماهيتها"، كما عبرنا في التعريف. بحيث تبرز طبيعتها الاستنادية ووجودها الحرفي؛ حتى تتعلق بخالقها فناء وبقاء، وتتفانى في خدمة المقاصد التعبدية لوجودها. وتكسب بذلك معناها وتحقق ماهيتها. ومن هنا أيضا حرص بديع الزمان على الاهتمام بصورة الروح بدل صورة الجسم؛ رغبة في تجلية الماهية الروحية للإنسان التي هي سر البقاء فيه؛ على حساب الماهية الطينية، التي ليست سوى مظهر من مظاهر الفناء. وبذلك فسر رحمه الله في إشارات لطيفة سر فرض الحجاب على المرأة المسلمة. إذ لم يعتبره فقط نوعا من الوقاية من الوقوع في الغواية والفتنة، وإنما اعتبره رمزا عميقا للدلالة على الماهية الروحية للإنسان. فكأنه أخفى الصورة الكاذبة؛ ليدلك على الصورة الحقيقية. وهذا غاية من الدقة واللطافة في تدبر النصوص القرآنية، والتفكر في الطبيعة الاجتماعية للمجتمع الإسلامي، في مثاليته الراقية. يقول النورسي رحمه الله: "إن القرآن يأمر النساء أن يحتجبن بحجاب الحياء؛ رحمةً بهن، وصيانة لحرمتهن وكرامتهن؛ ولكيلا تهان تلك المعادن الثمينة، معادن الشفقة والرأفة، وتلك المصادر اللطيفة للحنان والرحمة؛ تحت أقدام الذل والمهانة، ولكي لا يكنّ آلة لهوسات الرذيلة، ومتعة تافهة لا قيمة لها. أما المدنية فإنها قد أخرجت النساء من أوكارهن وبيوتهن، ومزقت حجابهن، وأدت بالبشرية إلى أن يجنَّ جنونها. علماً أن الحياة العائلية إنما تدوم بالمحبة، والاحترام المتبادل بين الزوج والزوجة. بينما التكشف والتبرج يزيلان تلك المحبة الخالصة، والاحترام الجاد، ويسممان الحياة العائلية؛ ولا سيما الولع بالصور فإنه يفسد الأخلاق ويهدمها كلياً، ويؤدي إلى انحطاط الروح وتردّيها".([37])

إن الصورة مضادة للروح، وقاتلة لها شعورا وإحساسا. بمعنى أن الذي استهوته الصورة لن يرى الجمال الحق، بل سيعمى عن صورة الروح الخفية، التي تتجلى في إنسانية المرأة، ورقتها، وشفقتها السيالة جمالا وكمالا. والأخلاق إنما هي التربية على هذا، وطبع الرغبة الإنسانية؛ تهذيبا وتشذيبا؛ على حب النظر إلى جمال الروح، والكشف عن كمالاته. ولذا كان النظر إلى صورة جسم المرأة مثلا؛ هو كالنظر إلى جثة الموت سواء. فأي جمال فيها وأي بهاء؟ ذلك "أن النظر بدافع الهوى وبشهوة إلى جنازة امرأة حسناء، تنتظر الرحمة وترجوها؛ يهدم الأخلاق ويحطها، كذلك النظر بشهوة إلى صور نساء ميتات، أو إلى صور نساء حيات وهي في حكم جنائز مصغرة لهن يزعزع مشاعر الإنسان ويعبث بها، ويهدمها".([38]) وهذا سر من أهم أسرار نجاح الأُسر أو فشلها، فإذا ما تعلق نظر القلب بالروح، كان ذلك سببا من أسباب الدوام؛ لأن جمال الروح خالد لا يفنى. وإذا ما تعلق بالصورة الجسدية آل حتما إلى الذبول والفناء؛ بذبول المتعلق به، وهو الصورة الجسمية الفانية. ثم إن جمال الصورة الجسمانية نفسه ما هو عند المبصرين جوهره لا شكله فقط إلا انعكاس لجمال الروح. فمن نظر إلى الروح وجمالها؛ كان له في جمال الصورة الجسمانية ما لا يجده فيها غيره، ممن كان نظره حسيا فقط، حسيرا، لا يتعدى حدود الجلد؛ إلى ما هنالك من جمال روحاني فياض. إن الزوج الذي يحب الروح الساكن في كينونة زوجته، يرى منها حقيقتها، ولذلك فهو يعرفها حقا. أما الذي لا يرى من زوجته إلا أشكالها وأشباحها فهو لا يعرفها؛ ولذلك فإنه يصطدم معها اصطداما كلما خفتت النوازع المادية التي ربطته بها. ولأمر ما ذكر الله تعالى في القرآن العظيم؛ أن الزواج إنما هو زواج أنفس، لا زواج أبدان، في إشارة لطيفة عجيبة من قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً)(النساء:1).

ومن هنا تتدفق العواطف الجياشة بالمحبة الحقيقية، ويجد الزوج لزوجته من الفضل ما لا يجده لنفسه هو! وبذلك تصان حقوق المرأة في الإسلام، صيانة وجدانية، لا صيانة قانونية كاذبة، لا تكاد تذكر حتى تخرق. كما هو الحال اليوم في بلاد الغرب، الذي يملي على المجتمعات الإسلامية ما فشل هو في تحقيقه فشلا ذريعا! وإن بديع الزمان النورسي كان يعيش عصره بملاحظاته الدقيقة "من نهاية القرن التاسع عشر؛ حتى النصف الأكبر من القرن العشرين"، حيث كانت هذه المقولات في بدايتها آنئذ، لكنه أبصر بفراسته الدقيقة مآلاتها فأنذر بخطورتها، ورد عليها بإشاراته اللطيفة وتفكراته العميقة، مبينا من خلال ذلك حقيقة الأخلاق في الإسلام، ومبرزا صورة الروح على حساب صورة البدن الكاذبة. قال رحمه الله في محبة الزوجة: "عليك بمحبتها على أنها هدية أنيسة لطيفة من هدايا الرحمة الإلهية. وإياك أن تربط محبتك لها برباط الجمال الظاهري السريع الزوال، بل أوثقها بالجمال الذي لا يزول ويزداد تألقاً يوماً بعد يوم، وهو جمال الأخلاق والسيرة الطيبة المنغرزة في أنوثتها ورقّتها. وإن أحلى ما فيها من جمال وأسماه هو في شفقتها الخالصة النورانية. فجمال الشفقة هذا، وحُسن السيرة يدومان ويزدادان إلى نهاية العمر. وبمحبتهما تُصان حقوق هذه المخلوقة اللطيفة الضعيفة، وإلاّ تفقد حقوقها في وقت هي أحوج ما تكون إليها؛ بزوال الجمال الظاهري".([39])

إن "المستقبلية الوجودية"، و"المستقبلية الاجتماعية" التي كانت تطبع نظرات بديع الزمان جعلته ينفذ ببصره إلى أعماق الحركة التاريخية، ويبصر ما يتوقع أن تصير إليه الحالات من مآلات! فصار يعالج المسألة الخلقية بمنهج استبصاري نادر ومؤثر. ومن ألطف إشاراته رحمه الله في هذا السياق قصته التي حكاها في كتاب "الشعاعات"، حيث كان مرة في سجن "أسكي شهر" يطل من النافذة، فرأى بنات صغيرات يلعبن ويمرحن في عيد الجمهورية، فانخرط في بكاء حار، أثار انتباه رفقاء سجنه؛ فاستفسروه عن سبب بكائه؛ فكانت قصته الغريبة. قال رحمه الله: "كنت في أحد أيام عيد الجمهورية جالسا أمام شباك سجن "أسكي شهر" الذي يطل على مدرسة إعدادية للبنات.. وكانت طالباتها اليافعات يلعبن ويرقصن في ساحة المدرسة وفنائها، ببهجة وسرور، فتراءت لي فجأة على شاشة معنوية ما يؤول إليه حالهن بعد خمسين سنة! فرأيت: أن نحواً من خمسين من مجموع ما يقارب الستين طالبة؛ يتحولن إلى تراب ويعذبن في القبر! وأن عشرة منهن قد تحولن إلى عجائز دميمات، بلغن السبعين والثمانين من العمر! شاهت وجوههن، وتشوه حسنهن، يقاسين الآلام، من نظرات التقزز والاستهجان؛ من الذين كنّ يتوقعن منهم الإعجاب والحب، حيث لم يصنّ عفتهن أيام شبابهن! نعم رأيت هذا بيقين قاطع، فبكيت على حالهن المؤلمة بكاء ساخناً؛ أثار انتباه البعض من زملاء السجن، فأسرعوا إليّ مستفسرين!".([40])

إن بكاء بديع الزمان يرجع إلى أنه كان يبصر الصورة الحقيقية للإنسان: صورة الروح. لقد كان ينفذ ببصره من خلال صورة البدن؛ إلى ما هنالك من حقائق باطنة: النفس الزكية أو النفس الشقية، فيبصر في ضوء ذلك مآلات المستقبل، ويبكي لهول ما يرى! لقد كان منهجه التفكري الاستبصاري قائما على قراءة حركة التاريخ، في صيرورتها المقبلة، بقواعد العلم، والسنن الجارية في الكون وفي المجتمع. ولذلك جاء في قوله العجيب: "لو أمكن عرض ما سيقع من أحداث مقبلة بعد خمسين سنة مثلاً، على شاشةٍ الآن، مثلما تُعرض الأحداث الماضية عليها؛ لبكى أربابُ الغفلة والسفاهة بكاءً مراً أليماً على ما يضحكون له الآن!".([41])

إن من أسباب الغواية أن الإنسان إذ تأسره صورته الخزفية؛ يعيش للحظة التي هو فيها. وإن تفكر في المستقبل؛ ففي اتجاه العيش الحيواني الساذج، ليس إلا. إنه عادة ما يضعف عن محاولة خرق حواجز النفس؛ إلى التفكر في نهاياتها، وفيما تحتمله تلك النهايات من مفاجآت واحتمالات! فذلك أمر تكرهه النفس بطبيعتها. ومن هنا كان أسلوب النورسي حملها على تلك المشقة، التي هي حقيقة مرة، ولكنها حقيقة! حتمية لا مفر منها: الهرم والموت! ثم ماذا بعد؟ أين صورة الإنسان؟ أين ماهيته؟ تلك هي القضية! قال في "اللمعات"، بعدما أبصر صور الشباب في مآلاتها المقبلة: "إن خمسة من كل خمسين من هؤلاء البائسين الضاحكين الآن، والذين يمرحون في نشوة وبهجة، سيكونون كهولاً بعد خمسين عاماً، وقد انحنت منهم الظهور، وناهز العمر السبعين! والخمسة والأربعون الباقية يُرمّون في القبور!".([42])

لقد كان هذا المنهج الفعال هو المفتاح العجيب، الذي استعمله الأستاذ النورسي؛ للنفاذ إلى صورة الروح التي هي مناط التخلق لتجلية ماهيتها الإنسانية، بما ذكرناه مفصلا. فالماهية التي يراد طبعها على صورة الروح، بالتخلق؛ يجب أن تتجاوز صورة البدن، ولا يمكن ذلك إلا بالنفاذ الاستبصاري إلى أغوار النفس؛ لتهذيب "أناها" بالوسائل التربوية، التي هي أساس التخلق التعبدي، وذلك كما يلي:

- الأخلاق تسلك بالروح الإنسانية مدارج التربية والمجاهدة:

إن المنهج الذي اعتمده الأستاذ النورسي للوصول إلى حقيقة الأخلاق من حيث هي نظام القرآن هو المنهج القرآني نفسه، والذي سماه في غير ما موضع من رسائله بـ"طريق القرآن"، أو "المعراج القرآني" الذي هو أقصر الطرق الموصلة إلى الله، والتخلق بأخلاقه جل وعلا، بما ذكرنا من معنى. يقول رحمه الله: أما "المعراج القرآني الذي يعلنه ببلاغته المعجزة، فلا يوازيه طريق في الاستقامة والشمول، فهو أقصر طريق وأوضحه، وأقربه إلى الله، وأشمله لبني الإنسان. ونحن قد اخترنا هذا الطريق!".([43])

والمنهج القرآني لطبع الروح بماهيتها الخلقية؛ راجع في دلالته إلى معنى التربية والمجاهدة. ولذلك كان عنصرا جوهريا في "مفهوم الأخلاق" لدى بديع الزمان؛ حيث إن الأخلاق كسب وصفي، ينطبع على صورة الروح الإنسانية، بفعل السلوك التربوي اليومي، الذي يربي النفس بصغار العلم قبل كباره، على أساس الربانية المذكورة في قوله تعالى: (وَلَـكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ)(آل عمران:79).

إذن يمكنك أن تقول: "إنما الخُلُق بالتخلق" على وزان حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه".([44])

والتخلق إنما هو: التربية والمجاهدة. ومن هنا قال بديع الزمان في كلمة جامعة مانعة: "أما مسلكنا: فهو التخلق بالأخلاق المحمدية - صلى الله عليه وسلم - وإحياء السنة النبوية".([45]) ولا تخلق إلا بمجاهدة؛ وذلك هو نص قوله من أن "نشوء الحسيات العالية ونموّ الأخلاق إنما هو بالمجاهدة، وتَكَمُّلُ الأشياء إنما هو بمقابلة الأضداد ومزاحمتها".([46]) وفي هذا التعبير إشارة إلى ما يقصده "بالمجاهدة" أيضا من معاني التدافع النفسي، الحاصلة لدى المسلم الذي عزم على مواجهة عدوى فساد الأخلاق، فينخرط بذلك في صراع مع الشهوات الحيوانية، التي تثور في نفسه، وتريد أن تنحرف به عن فلكها السيار مستقيما على نظام القرآن، الدائر على محورها النموذجي في كمال الأخلاق: الرسول الأعظم سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -.

قال الأستاذ رحمه الله في بيان ما ينبغي أن تكون عليه "جمعية" تأسست في زمانه، وتسمت باسم: "الاتحاد المحمدي": "فجمعية مثل هذه، رئيسها هو: فخر العالمين سيدنا الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -. ومسلكها ومنهجها: مجاهدة كل شخص نفسه أي التخلق بأخلاق الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -، وإحياء السنة النبوية، ومحبة الآخرين، وإسداء النصح لهم، ما لم ينشأ منه ضرر".([47])

إن المجاهدة في هذا الزمان هي بمثابة حرب على المستوى الباطني والنفسي، يخوضها الإنسان مع نوازعه الشريرة. ولذلك فقد أورد قصة تمثيلية كعادته في عرض أفكاره من الحرب العالمية الأولى، في سياق استنباط العظات والعبر؛ منـزلا حقائقها بصورة مجازية على حرب الإنسان مع النفس ومع الشيطان، فقال: "وأما تلك الحرب فهي مجاهدة الإنسان نفسه وهواه، واجتنابه الخطايا ودنايا الأخلاق، ومقاومته شياطين الجن والإنس؛ إنقاذاً لقلبه وروحه معاً من الهلاك الأبدي والخسران المبين".([48])

فالمجاهدة ليست نـزهة، بقدر ما هي عملية وجدانية، تنتقل بالطبيعة البشرية من طين العادات إلى ماء العبادات. وليس غير القرآن أقدر على هذا التحويل الجبلّي العجيب، وهذه الصناعة التربوية العميقة. ومن هنا لم يزل بديع الزمان منبهرا بتلك العملية التربية التي قادها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت راية القرآن، وهو يقوم بتحويل قبائل العرب من أخلاق البداوة والتوحش إلى أخلاق القيادة والسيادة؛ حتى صاروا كأكرم ما تكون الأمم في التاريخ! من معاني الفضيلة والمثل العليا. فقد قال عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في موطن: "فإن شئت أن تعرف أن ما يحرّكه، إنما هو قوة قدسية، فانظر إلى إجراءاته في هذه الجزيرة الواسعة! ألا ترى هذه الأقوام المختلفة البدائية في هذه الصحراء الشاسعة، المتعصبين لعاداتهم، المعاندين في عصبيتهم وخصامهم، كيف رفع هذا الشخص جميعَ أخلاقهم السيئة البدائية وقلعها في زمان قليل دفعة واحدة؟ وجهّزهم بأخلاق حسنة عالية؛ فصيّرهم معلمي العالم الإنساني وأساتيذ الأمم المتمدنة".([49])

وقال في موطن آخر؛ متفكرا ومتأملا؛ كيف أن هذا النبي الأمي - صلى الله عليه وسلم - قد "غلب على الأفكار، وتحبب إلى الأرواح، وتسلط على الطبائع، وقلع من أعماق قلوبهم العادات والأخلاق الوحشية، المألوفة، الراسخة، المستمرة، الكثيرة. ثم غرس في موضعها في غاية الإحكام والقوة كأنها اختلطت بلحمهم ودمهم أخلاقاً عالية وعادات حسنة. وقد بدّل قساوة قلوب قوم خامدين في زوايا الوحشة بحسيات رقيقة، وأظهر جوهر إنسانيتهم، ثم أخرجهم من زوايا النسيان ورقي بهم إلى أوج المدنية، وصيّرهم معلمي عالمهم، وأسس لهم دولة عظيمة في زمن قليل. فأصبحت كالشعلة الجوالة والنور النوار؛ بل كعصا موسى تبتلع سائر الدول وتمحوها. فأظهر صدقه ونبوته وتمسكه بالحق؛ إلى كل مَن لم تعم بصيرته".([50])

ذلك ما دفع الأستاذ النورسي إلى البحث عن أسرار التحولات، ومفاتيح التغيرات، التي أحدثها القرآن في أخلاق الناس؛ عساه يمسك برأس الخيط الذي يعيد به تشكيل المجتمع الإسلامي المعاصر، ويعيد تركيبه على أساس تجديد الدين للأمة، كما هو موعود به في الحديث الشريف. ومن هنا وصل إلى أن سر التغيير الذي أحدثه القرآن في الإنسان هو أنه ربط المسلم بحقيقة ماهيته الجوهرية القائمة على التنكر "للأنا"، بمعناها الوجودي. فعقد لذلك مقارنة لطيفة بين تلميذ التربية القرآنية وتلميذ الفلسفة، نوردها مختصرة فيما يلي، قال رحمه الله: "للوصول إلى مدى الفرق بين التربية الأخلاقية التي يربي بها القرآن الكريم تلاميذه، والدرس الذي تلقنه حكمة الفلسفة، نرى أن نضع تلميذيهما في الموازنة:

فالتلميذ المخلص للفلسفة "فرعون" ولكنه فرعون ذليل، إذ يعبد أخس شيء لأجل منفعته، ويتخذ كل ما ينفعه رباً له (...) بينما تلميذ القرآن المخلص هو "عبد" ولكنه عبد عزيز، لا يستذل لشيء حتى لأعظم مخلوق، ولا يرضى حتى بالجنة، تلك النعمة العظمى غاية لعبوديته لله. ثم إنه تلميذ متواضع، لين هيّن ، ولكنه لا يتذلل بإرادته لغير فاطره الجليل، ولغير أمره وإذنه".([51])

إن العبودية بمعناها الشرعي في الإسلام هي أساس التربية الخلقية، ومــن عجيب الأمــر أنها تجـمـع بين نقيضين الــعــزة والذلــة؛ ذلك أن الذلــة لله الواحــد القهار تورث العبـد عزة، مـن بـــاب "الانتساب"، كما هو مفهومه عند النورســي([52]) حيث يســتفيد عبـد الله أنوارا من أســـــماء الله الحسنى، وتســنده صفات الله العلى، من قوة وعظمة وجلال وعزة، فيعز العبد بالانتساب إليه تعالى. ويتخلق في الأرض من جهة الاجتماع البشري بأخلاق الصلاح، حيث يعبد ربه بمعاملة الناس، والسعي في حوائجهم صلاحا وإصلاحا؛ وهذا ما يجعل أخلاق المسلم مطبوعة بالصدق والوفاء بصورة مثالية، تنعدم معانيها في غير مجتمع العابدين. إن التلقائية التعبدية التي تطبع الأخلاق الإسلامية هي سر نجاح التربية التي يشرف عليها القرآن. وهذا لا يمكن تصوره في التربية الفلسفية. إن الاحتكام إلى العقل الفلسفي لا يورث إلزاما ولا التزاما. ما دام القلب لا يستجيب بشكل وجداني لعاطفة المحبة، التي هي سر التحولات الخلقية في الإنسان. تماما كما تحولت قبائل العرب من بداوتها المتوحشة إلى أستاذية عالمية في درس الأخلاق! وبهذا المنطق تحدى بديع الزمان الفلسفة والفلاسفة، وعلماء الاجتماع والسياسة؛ فرفع نداءه عاليا: "فليلق السمعَ علماء الاجتماع والسياسة والأخلاق من المعنيين بشؤون الإنسان وأخلاقه واجتماعه!"([53]) ونادى: "فلترن آذان الاجتماعيين والأخلاقيين من المعنيين بشؤون الإنسان!"([54])

إن التربية القرآنية تجعل من المجتمع الإسلامي مجتمعا سهل الانقياد، سهل الإدارة؛ لما له من قابلية تعبدية، ولما له من رغبة في التقرب إلى الله، بالانضباط الخلقي، والالتزام التلقائي لحدود الله؛ "حتى إن قروياً مثلي [يقول بديع الزمان] يستطيع أن ينظر إلى إدارة الدولة التي هي في أوج العلا كالثريا، ويربط نوى الأماني والاستعدادات هناك. وحيث إن كل فعل وطور يصدر يلقى صداه هناك، لذا ستتعالى همته كالثريا وتتكامل أخلاقه بالدرجة نفسها، وتتوسع أفكاره بقدر سعة الممالك العثمانية، وسيسبق بإذن الله الأفذاذ من أمثال أفلاطون، وابن سينا، وبسمارك، وديكارت، والتفتازاني".([55])

إن هذا السبق الذي قد يبدو مستحيلا لغير العارف بالحقيقة القرآنية من جهة، وغير العارف بالحقيقة التاريخية من جهة أخرى؛ ليس ناشئا عن فراغ، ولا هو وليد استرخاء وترف فكري. كلا! بل هو ناشئ عن مجاهدة ومكابدة. إن المجاهدة التربوية تورث الأمي البدوي، أسرار المعرفة الإيمانية التي هي شرط السبق في قيادة البشر. وها هم هؤلاء الخلفاء الراشدون تحولوا بفضل ذلك المنهج التربوي العجيب من رعاة للجمال في بطاح مكة؛ إلى أساتذة في فن قيادة المجتمعات، ذات العرقيات المتباينة، والثقافات المختلفة، واللغات العديدة؛ بحبل واحد ووحيد: هو "حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض"، كما في الحديث الصحيح([56]) أي القرآن العظيم!

إن المجاهدة التربوية التي هي أســاس التخلق في الإسلام تصل بالإنسان إلى الغايــة الكونية التي خلق من أجلها، والتي تمثل حقيقته الوجودية، لـولا تلبيـس إبلـيس على العالمين. ومـن هنــا كان مفهوم "الأخـلاق" في الإســـلام على ما تقَطَّر لبديــع الزمـان النورســـي من تفكراته ذا بعد كوني أعجز الفكر الفلســفي كله؛ أن يقرب من ثرياه، ولا أن يحلم بمنتهاه. إذ بقيت المدينة الفاضلة في الفلسـفة اليونانية بغض النظر عن طبقيتها العنصرية حبرا على ورق عبر التاريخ! وآل أمر الديموقراطية في الفكر الغربي المعاصر؛ إلى فضيحة عالمية، من بعدما كشرت عن نابها الاستعماري، وتغطرست في جلدها العولمي الجديد!

إن الكونية الخلقية في الإسلام ترفع الإنسان بمعراج المحبة؛ ليرتبط بعلاقة أخوّة وجودية؛ مع جميع السائرين في فلك العبادة، من ذوي الحياة والشعور الظاهر والباطن، في هذا الكون الفسيح. ولهذا استطاع الأستاذ النورسي وهو المولع ببيان الأبعاد الكونية لمفاهيم القرآن أن يرصد لنا "كونية" حقيقية في مجال التخلق، خلال كليات رسائل النور، ويرسم لطلاب النور مدارجها التربوية؛ خطوة خطوة. فكان أن أكمل بذلك بناء ما يمكن تسميته بالتصور النوري لمفهوم "الأخلاق" نظريةً وتطبيقا. وذلك كما يلي:

- الأخلاق تُكسب الروحَ الإنسانية معناها الكوني:

يرجع مفهوم "الإنسان" لدى الأستاذ النورسي إلى معنى استخلافي كوني، كما درسناه بمحله،([57]) وذلك من حيث هو "ثمرة شجرة الكائنات"، و"فهرست العالم" على حد تعبيره، الذي تواتر عنه رحمه الله في غير ما موطن من رسائله. وهذا شيء مهم في بحثنا الأخلاقي هذا؛ إذ بدونه لا يمكن تصور حقيقة معنى "الأخلاق والتخلق" عنده على التمام والكمال. ذلك أن البعد الكوني للإنسان، والغاية التعبدية التي خلق من أجلها في هذا السياق أيضا؛ كلاهما شرط من شروط معرفة الماهية، والخاصية التي تميز مفهوم الأخلاق من حيث هو مصطلح كوني، وليس مصطلحا "اجتماعيا" وحسب، بالمعنى الضيق للكلمة!

يقول بديع الزمان في كلمة جامعة: "هذا الإنسان، هو سيد الموجودات، رغم أنه صغير جدا؛ لما يملك من فطرة جامعة شاملة. فهو قائد الموجودات، والداعي إلى سلطان ألوهية الله، والممثل للعبودية الكلية الشاملة، ومظهرها. لذا فإن له أهمية عظمى"،([58]) ومعنى ذلك أنه مؤهل لمهمة كونية كبرى، هي الإمامة التعبدية، إذ جعله الله إماما للعابدين ولسائر السائرين من الخليقة أجمعين، كما هو مشار إليه في آية الأمانة: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً)(الأحزاب:72). وهو إذ أسكنه الله - سبحانه وتعالى - الأرض؛ جعلها مؤهلة لذلك وصالحة لاستضافة خلفية الله بالمعنى المذكور. فهيأها لجميع أنواع العبادات الإنسانية، العملية والتفكرية، وجعلها مسالك تقود العباد إلى الله. فكان الإنسان بذلك جامعا بالقوة دون الفعل لكل أخلاق الكون التعبدية. فإذا انخرط في سلك المجاهدة التربوية اكتسب صفاتها بالفعل، وإذا تخاذل واستجاب لشهواته بقيت تلك الصفات في قبر "القوة"، وبرزت على حسابها أخلاق الشر والعياذ بالله. ومن هنا كانت الأرض مسجده الكلي المستعد لكل أنواع الصلوات. قال بديع الزمان: "إن الإنسان هو الثمرة النهائية لشجرة الخلقة (...) ومن هنا فإن مهد هذا الإنسان، ومسكنه، وهو الأرض، كفء للسماء معنى وصنعة. ومع صغر الأرض وحقارتها بالنسبة إلى السماء فهي قلب الكون ومركزه، ومشهر جميع معجزات الصنعة الربانية، ومظهر جميع تجليات الأسماء الحسنى وبؤرتها، ومعكس الفعاليات الربانية المطلقة، ومحشرها، وسوق عرض المخلوقات الإلهية بجود مطلق، ولا سيما عرضها لكثرة كاثرة من النباتات والحيوانات. وهي نموذج مصغر لما يعرض في عالم الآخرة من مصنوعات، ومصنع يعمل بسرعة فائقة لإنتاج المنسوجات الأبدية، والمناظر السرمدية المتبدلة بسرعة، وهي مزرعة ضيقة مؤقتة لاستنبات بذور البساتين الدائمة الخالدة".([59])

كل ذلك إذن؛ إنما هو لإتاحة الفرصة أمام الاستعدادات الفطرية، التي جعلها الله - سبحانه وتعالى - في نفس الإنسان؛ لبلوغ كمالات التقوى خُلُقا وتخلقا. تلك الكمالات التي هي زبدة الشريعة، وغاية الدين، ومجمع البحرين، من سور القرآن وآياته. وقد سبق في ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق".([60])

هذه غايتك يا ابن آدم فكيف السلوك؟ وتلك هي قصة الكونية الأخلاقية في القرآن منذ بدايتها، فكيف تحقيق مناطها؟ تلك أسئلة جعلها النورسي جزءا من مضمون المفهوم. وبيانها كما يلي:

- مجاهدة "الأنا" بين التخلي الاسمي والتحلي الحرفي:

لقد انطلق الأستاذ النورسي في رسم طريق المجاهدة الأخلاقية، من مبدأ تفكري استقرائي، في تشخيص أصل الأمراض الخلقية كلها. وهو رجوعها جميعا إلى غرق الإنسان في مشاهدة "الأنا" الذاتية التي تسكنه، بصورة تعميه عن مشاهدة أي شيء سواها إلا من خلالها! فتنشأ بباطنه رغبة آثمة لتوظيف كل مصالح الاجتماع البشري لصالحه فقط، ولا عليه بعد ذلك أن يهلك الآخرون. قال رحمه الله: "لو تأملت في مساوئ جمعية البشر لرأيت: أس أساس جميع اختلالاتها وفسادها، ومنبع كل الأخلاق الرذيلة في الهيئة الاجتماعية، كلمتين فقط: إحداهما: "إن شبعتُ فلا عليّ أن يموت غيري من الجوع!". والثانية: "اكتسبْ أنت لآكل أنا! واتعبْ أنت لأستريح أنا!""([61]) فالكلمة الأولى راجعة إلى الرغبة الآثمة في تمجيد "الأنا"، وتمتيعها بذاتها، ولذاتها فقط. فهي الهدف من كل ما يراه. والكلمة الثانية راجعة إلى توظيف كل شيء؛ من أجل تحقيق الأولى، فهي وسيلتها.

ومن هنا انطلق بديع الزمان إلى علاج هذا الداء الخلقي العضال، من تبين طبيعة الوجود البشري؛ لتحديد طريق التخلص من سيطرة "الأنا" على الإنسان، وترقيته بمدارج الصلاح الخلقي، بصورة تحقق له توازنا فطريا، وكمالا حقيقيا لا وهميا. وذلك أن وجود الإنسان بالنسبة إلى وجود الخالق جل علاه إنما هو كسائر الموجودات. أي إنه فرد من المخلوقين يستوي وإياهم في الخضوع لصفة الخالقية. وإنما تميزه من حيث هو أحوجهم جميعا إلى رحمة الله، فهو ثمرة شجرة الكون، وثمر الشجرة هو أضعف ما فيها، وأجمع لخصائصها! وذلك سر إمامته كما تبين بمحله.([62]) أما من الناحية الوجودية الصرف؛ فكل الخلق خاضع للوجود "الحرفي"، ولا شيء داخل المعنى الاسمي إلا اسم الجلال الله الخالق لكل شيء، - سبحانه وتعالى -. وعلى هذه الأرضية تنبني إمكانية المجاهدة التربوية عبر مسالك التخلق الكوني، إذ يتعين على الإنسان من حيث هو موجود بـ"المعنى الحرفي" أن يسلك مسلك تحقيق "الحرفية" بمشاهدة استنادها إلى "الاسمية" في "الوجود الاسمي" الحق، الذي هو وجود الخالق جل وعلا. ومن خلال مشاهدة الحرفية الذاتية للإنسان في نفسه؛ يشاهد آنئذ كل المخلوقات الكونية تصدقه، ويصدقها، إذ هي جميعا مجرد حروف، تدور في فلك الاسم الأعظم؛ وهكذا يجد صداها جميعا في نفسه، فيشعر بوجوده الحقيقي وقد تخلق بأخلاق كونية شمولية؛ وذلك بالسير إلى الله الذي له الاسم الأعظم، والأسماء الحسنى. وهو معنى "الانتساب الإيماني" أيضا كما درسناه بمحله.([63])

لقد استعار بديع الزمان اصطلاحات النحاة من "حرفية" و"اسمية"؛ ليوظفها توظيفا تفكريا بديعا. إذ عبّر بذلك عن أدق حقائق الوجود وألطفها، وبيّن بها إعجاز القرآن وإشاراته، في الأنفس وفي الآفاق، ورسم بها مسلكا عمليا خلال آيات القرآن للتخلق الكوني. وأصل دلالة "الحرف" نحويا: أنه غير مستقل بنفسه، في حاجة مستمرة إلى غيره. وهو ما يسميه النحاة بـ"الافتقار". أما "الاسم" فهو مكتف بذاته على دلالته على المعنى.([64])

من هنا إذن كانت الكائنات موجودة بالمعنى الحرفي لا الاسمي، بمعنى أنها غير مستقلة بنفسها، بل هي في حاجة مستمرة إلى خالقها، مفتقرة في بقائها إلى إرادته سبحانه. فالنظر إلى الموجودات على أن وجودها "حرفي" فحسب؛ يجعلها مجرد مظاهر تعكس تجليات الأسماء والصفات، من حيث إن تلك الموجودات مفتقرة إلى خالقها البارئ المصور العليم الخبير. ذلك أن تأمل "الحاجة" يدل على جمال "الغنى". ومن هنا كان من المستحيل أن تحمل الكائنات الحرفية حقيقة الاسم، إذ كل الحروف تقود إلى الاسم الواحد الأعظم. قال رحمه الله مجيبا عن أسئلة بعض طلاب النور: "أما سؤالك الثاني الذي يتعلق ببحث المعنى الاسمي والمعنى الحرفي، فمثلما أشارت كتب النحو عامة إليه في بداياتها، فقد وضَّحَتْهُ توضيحاً كافياً بالأمثلة كتب علم الحقيقة كالكلمات والمكتوبات ويعّد من الإسراف الإسهاب في الإيضاح لمن يملك ذكاءً ودقة ملاحظة مثلك.

فإنك إذا نظرت إلى المرآة من حيث إنها زجاجة، ترى مادتها الزجاجية، وتكون الصورة المتمثلة فيها شيئا ثانويا، بينما إن كان القصد من النظر إلى المرآة رؤية الصورة المتمثلة فيها، فالصورة تتوضح أمامك حتى تدفعك إلى القول (فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)(المؤمنون:14) بينما تبقى زجاجة المرآة أمراً ثانوياً.

النظرة الأولى تمثل "المعنى الاسمي" أي زجاجة المرآة معنى مقصود، وصورة الشخص المتمثلة فيها "معنى حرفي" غير مقصود. أما النظرة الثانية فصورة الشخص هي المقصودة، فهي إذن معنى "اسمي" أما الزجاج فمعنى "حرفي". وهكذا ورد في كتب النحو تعريف الاسم أنه: دلّ على معنى في نسفه. أما الحرف فهو: ما دلّ على معنى في غيره.

فالنظرة القرآنية إلى الموجودات تجعل الموجودات جميعها حروفاً، أي إنها تعبّر عن معنى في غيرها، بمعنى أنها تعبّر عن تجليات الأسماء الحسنى والصفات الجليلة للخالق العظيم المتجلية على الموجودات.

أما نظرة الفلسفة الميتة فهي تنظر على الأغلب بالنظر الاسمي إلى الموجودات، فتزل قدمها إلى مستنقع الطبيعة".([65])

وبهذا النظر كان بديع الزمان يدرس الظواهر الكونية كلها ويتفكر فيها. قال: "فهذا الطريق على نهج القرآن ينظر إلى الكائنات أنها مسخرة لفاطرها الجليل، وخادمة في سبيله، وأنها مظاهر لتجليات الأسماء الحسنى، كأنها مرايا تعكس تلك التجليات. أي إنه يستخدمها بالمعنى الحرفي، ويعزلها عن المعنى الاسمي، من أن تكون خادمة ومسخرة بنفسها. وعندها ينجو المرء من الغفلة، ويبلغ الحضور الدائمي على نهج القرآن الكريم. فيجد إلى الحق سبحانه طريقاً من كل شيء".([66])

فقوله هذا: "فيجد إلى الحق سبحانه طريقاً من كل شيء" دال على أن تحقيق الإنسان المؤمن للمعنى الحرفي في النفس؛ اعتقادا وعبادة وتفكرا؛ هو الكفيل بأن يبلغ به إلى تحقيق العبودية الكاملة لله الواحد الأحد سبحانه، وهو الكفيل بتحقيق انتسابه إلى الوجود الحق، وأما قصد "الاسمية" في النفس فهو قصد إلى العدم عينه.

وإنما كل ذلك "أخلاق" و"تخلق". إذ منطلق تحقيق الحرفية قائم أساسا على نكران الذات، والتجرد من الشهوات، ومجاهدة "للأنا" التي هي سبب كل بلاء. وما ألطف قول النورسي في هذا: "فإذا تأمّلت في "أنا" بالمعنى الحرفي، صار لك عيناً تفهّمت ورأيت به كل ما في الكون؛ لأنه إذا جاءت المعلومات الآفاقية صادفتْ في "أنا" ما يصدقها. فإذا فهمتها انتهت وظيفة "أنا" وربوبيته الموهومة، ومالكيته المفروضة. فليرجع "أنا" من السّمكتية إلى الحبابية! وأما إذا نظرت إلى "أنا" بالمعنى الاسمي واعتقدته مالكاً، وخنت في الأمانة دخلت تحت (وقَدْ خَابَ مَنْ دَسّيهَا)(الشمس:10)، إذ الأمانة التي تدهشتْ من حملها السماوات والأرض والجبال هي "أنا" من هذه الجهة، إذ منها يتولد الشرك والشرور والضلالات، إذ إذا تستَّر "أنا" عنك غلُظ، حتى صار حبلاً بلع وجودك، فصار كلُّك "أنا". ثم استغلظ بأنانية النوع والاستناد به؛ فيصير شيطانا يبارز أمر صانعه. ثم يقيس الناس، ثم الأسباب؛ على نفسه؛ فيقع في شرك عظيم. ففي هذا الوجه لو أرسلت عينك وفتحت كل الآفاق انغلقت في وجهك، برجوع عينك إلى نفسك؛ إذ ترى كلَّ شيء بلون ما في نفسك من "أنا". ولونُه في ذاته في هذا الوجه الشرك والتعطيل، ولو مُلئت الآفاق آياتٍ باهرةً، وبقي في "أنا" نقطة مظلمة؛ طمَّت على الآيات!".([67])

إن هذا النص لهو من ألطف كلمات الأستاذ بديع الزمان النورسي رحمه الله! فقد ضمنه غرة معاني العبودية، وجوهر أصول التوحيد! وذلك كما رأيت بأسلوب إشاري رفيع! "الأخلاق" إذن بكل امتداداتها الكونية؛ إنما منطلقها: "أنا"! هذه هي القضية. "فليرجع "أنا" من السّمكتية إلى الحبابية!" ذلك هو بيت القصيد، وإن دونه لفل الحديد وقطع الوريد!

ولي كبدٌ مقروحة من يبيعني    بها كبدا ليست بذات قروحِ؟

أباها عليَّ الناسُ لا يشترونها   ومن يشتري ذا علة بصحيحِ؟

والمقصود بـ"السمكتية": المعنى الاسمي، والمقصود بـ"الحبابية": المعنى الحرفي. ذلك أن السمكة السابحة في الماء "ذات"، بينما الحُباب إنما هو نفاخات الماء وفقاقيعه، التي ليس وراءها غير الهواء! فوجوده تبعي، لا ذاتي. وتحول السمكة إلى حباب يعني إنكارها لذاتها، وانتسابها في الوجود إلى الماء. فلا ترى الأشياء إلا من خلاله؛ تجريدا وتفريدا. وذلك عين التوحيد. بينما إصرارها على اسميتها يعميها عن إبصار الانتساب إلى بحرها، فلا ترى الأشياء إلا من خلال ذاتها! وذلك هو عين الشرك العظيم!

وإذن؛ "فليرجع "أنا" من السّمكتية إلى الحبابية!" ذلك ألطف مثال ولا مشاحة في الأمثال ساقه بديع الزمان لبيان الحقيقة الوجودية، والبعد الكوني للأخلاق.

فـ"أنا" هي موضوع التخلق، وباب التربية، وسبيل المجاهدة؛ للوصول إلى الكونية الخلقية. وإنما انـزلقت قدم تلميذ الفلسفة في منطلق التفكر ومبدئه الأول هذا: "الأنا"، التي هي منطلق كل خير، ومنطلق كل شر، على حسب ما رَكّبْتَه عليه من "الاسمية" أو "الحرفية". قال رحمه الله: "إنَّ "أنا" له وجهان: وجه أخذته النبوة، ووجه أخذته الفلسفة.

فالوجه الأول: منشأ العبودية المحضة. ماهيته حرفية، ووجوده تبعي، ومالكيته وهمية، وحقيقته فرضية، ووظيفته: صيرورته ميزانا ومقياسا لفهم صفات الخالق. فالأنبياء هكذا نظروا إلى "أنا"، فسلّموا الملكَ كلَّه لله. وحكموا بأنه لا شريك له، لا في ملكه ولا في ربوبيته، ولا في ألوهيته. وبيده مقاليد كل شيء، وهو على كل شيء قدير. ومن هذا الوجه الشفاف الحي أنبت الرحيم - جل وعلا - شجرة طوبى العبودية، فأثمرت أغصانها المباركة في حديقة الكائنات، دانية قطوفها، متدليةَ ثمرات الأنبياء والمرسلين، والأولياء والصديقين، المتلألئين كالنجوم في الظلمات!

وأما الفلسفة فنظرت إلى "أنا" بالمعنى الاسمي دون الحرفي، وبالوجود الأصلي دون التبعي، وزعموه مالكا بالحقيقة، وظنوه حقيقة ثابتة، وتوهموا وظيفته: تكمل ذاته بحب ذاته! فمن هنا تشعبت أنواع الشرك، وعلى رأس "أنا" نبتتْ شجرة زقوم الضلالة (...) فـ"أنا" في العالم الصغير، كالطبيعة في العالم الكبير: كلاهما من الطواغيت!".([68])

فإذن؛ آل أمر الأمانة الكونية الكبرى إلى قضية واحدة؛ موقفا وسلوكا. هي: "أنا". كيف يمكن تربيتها حتى تتخلق بأخلاق القرآن؟ كيف يمكن إخراجها من الجزئية البشرية الضيقة، إلى الاستخلافية الكلية، والأمانة الكونية الفسيحة؟ إن حديث أمنا عائشة رضي الله عنها في وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه "كان خُلقه القرآن"؛([69]) حديث محيل على الكون العابد لله الخاضع لسلطانه. أليس القرآن هو ترجمان الكون؟ أليس هو الثبت الكشاف عن أسراره؟ ثم أليس الكون هو كتاب الله المنظور؟ أليس هو برهانه المنشور؟ كما بينه بديع الزمان في غير ما موطن من رسائله.([70]) إذن؛ التخلق بأخلاق القرآن هو تخلق بأخلاق الكون، السائر إلى الله عبر أفلاك العبادة؛ رغبا ورهبا، كما في قوله تعالى: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا)(الإسراء:44). وقال مخبرا عن ذوات الشعور من الأحياء: (وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)(الأنعام:38-39).

إن إخراج "أنا" من طينيتها الخزفية الفانية؛ هو إخراج لها من "اسميتها" الوهمية؛ إلى حرفيتها المستندة إلى الحق الباقي - سبحانه وتعالى -. وهي لذلك في حاجة إلى تهذيب وتشذيب. حتى ترتقي إلى أعلى مراتب الكونية. وتتبوأ أرقى مدارج العبودية، كلما برهنت على حرفيتها؛ بالتجرد من ذاتها والفناء عنها؛ حتى لا تبقى إلا بالله. الاسم الحق وحده دون سواه في الكون كله. ذلك هو العلم الذي أوتيه الإنسان ليبرهن به على وحدانية الله سلوكا وعبادة. وذلك هو الخُلُق العلي الرفيع، بل هو مفتاح الأخلاق كلها وسر أسرارها. وتأمل كيف أن الله - جل وعلا - يغضب غضبا شديدا على كل متكبر؛ ذلك أن التكبر هو سر غلو "الأنا" وإصرارها على اسميتها الوهمية. ولا انتقال لها إلى حرفيتها الفطرية؛ إلا بالتجرد الكامل من كل أنواع الكبرياء، والدخول في خُلُق التواضع والخضوع. وليس عبثا أن أنذر الرحمن عباده بما رواه عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث القدسي قال: "قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ".([71])

- ثانيا: ضمائمه:

تميز مصطلح "الأخلاق" عند بديع الزمان النورسي بضمائم متعددة، زادته غنى وثراء؛ مما يدل على العمق الفكري، والموقع المحوري، الذي يحتله هذا المصطلح ضمن منظومته الإصلاحية، في كليات رسائل النور. وبيان ذلك هو كما يلي:

1- الأخلاق الاجتماعية:

الأخلاق الاجتماعية: هي نظام العلاقات الاجتماعية القائم على الصدق.

قال بديع الزمان: لقد "صار الصدق والكذب يعرضان معاً في معرض واحد، ويصدران معاً من مصدر واحد؛ ففسدت الأخلاق الاجتماعية واختلت موازينها. وزادت الدعايات السياسية إخفاء قبح الكذب المرعب، وستر جمال الصدق الباهر!".([72]) وقال: "فوا أسفى! إنه مثلما انتقلت محاسننا إلى غير المسلمين؛ فسجايانا الحميدة هم الذين سرقوها كذلك! وكأن قسماً من أخلاقنا الاجتماعية السامية لم يجد رواجاً عندنا، فنَفَر منا والتجأ إليهم، وإن قسماً من رذائلهم لم يلق رواجاً عندهم فجُلب إلى سوق جهالتنا!"([73])

2- الأخلاق الإلهية:

الأخلاق الالهية: هي السجايا السامية، والخصال الحميدة، القائمة على التعبد؛ استنادا إلى أسمائه الحسنى وصفاته العلا. فالإنسان المتخلق بالأخلاق الإلهية: هو العبد الذي شاهد فقره وعجزه؛ فالتجأ إليه تعالى في سائر أمره؛ رَغَباً ورَهَباً. قال بديع الزمان: أما "الذين هم في مسار النبوة؛ فقد حكموا حكماً ملؤه العبودية الخالصة للّه وحده، وقضوا بأن الغاية القصوى للإنسانية، والوظيفة الأساسية للبشرية؛ هي التخلق بالأخلاق الإلهية، أي التحلي بالسجايا السامية والخصال الحميدة، التي يأمر بها الله سبحانه، وأن يعلم الإنسانُ عجزَه فيلتجىء إلى قدرته تعالى، ويرى ضعفَه فيحتمي بقوته تعالى، ويشاهد فقرَه فيلوذ برحمته تعالى، وينظر إلى حاجته فيستمد من غناه تعالى، ويعرف قصوره فيستغفر ربه تعالى، ويلمس نقصه فيسبّح ويقدّس كماله تعالى".([74])

3- الأخلاق الإنسانية:

الأخلاق الإنسانية: هي خصال الفطرة الإنسانية الضرورية للوصول إلى الحق. قال رحمه الله: "إن جميع الموازنات والمقايسات المعقودة في رسائل النور؛ بين طريق الإيمان والكفر؛ تبين بياناً قاطعاً أن طريق الإيمان والتوحيد، أقصر الطرق، وأصوبها، وأيسرها، وأكثرها استقامة، بينما طرق الكفر والإنكار طويلة جداً، وذات مشكلات ومخاطر. فلا شك أن هذا الكون الذي يساق في طريق ذات استقامة وحكمة (...) لا يمكن أن تكون فيه حقيقة الشرك والكفر. بينما حقائق الإيمان والتوحيد، واجبة وضرورية في هذا الكون؛ ضرورة الشمس فيه! وكذا فان أيسر الطرق في الأخلاق الإنسانية، وأنفعها، وأقصرها، وأسلمها؛ هي في الصراط المستقيم وفي الاستقامة".([75])

4- الأخلاق الحسنة الدنيوية:

الأخلاق الحسنة الدنيوية: هي نظام العلاقات الاجتماعية القائم على اعتبارات نفعية براجماتية، لا دينية. قال بديع الزمان: "ألا ترى أن الشخص الأوروبائي ينكر محمّداً عليه الصلاة والسلام، ولكن يتسلى "بالخرستيانية"([76]) المموّهة، وبمدنيتهم المخصوصة، الممزوجة بعاداتهم الملّية، فيمكن أن يبقى في روحه بعضُ الأخلاق الحسنة الدنيوية، وبعض الهمم العالية؛ لأجل هذه الحياة الدنيوية. فلا يرى بسبب هذا التسلي ظلمات روحه، ولا يتهم قلبه".([77])

5- الأخلاق الرذيلة أو أخلاق الرذيلة:

الأخلاق الرذيلة: هي التصرفات الصادرة عن الوجدان ذي الإحساس الأناني الخبيث. قال رحمه الله: "إن أس أساس جميع الاضطرابات والثورات في المجتمع الإنساني إنما هو كلمة واحدة. كما أن منبع جميع الأخلاق الرذيلة كلمة واحدة أيضاً:

الكلمة الأولى: إن شبعتُ، فلا عليّ أن يموت غيري من الجوع!

الكلمة الثانية: اكتسبْ أنتَ، لآكل أنا، واتعبْ أنت لأستريح أنا!"([78]) وقال: "أفيمكن أن لا يوجد مشاغب في مدينة، أو قرية، أو جماعة؟ فكيف يمكن إذاً إدامة حياة إنسانٍ مريض مقيد، سُلب منه عصاه، وسلط عليه كلبان ذوا مخالب وأنياب؟ إن "الانكليز" كالشيطان الرجيم! يثير أحاسيس الإنسان الخبيثة، ويشجع الأخلاق الرذيلة، في حين يطفئ جذوة المشاعر النبيلة!".([79])

6- الأخلاق العالية:

الأخلاق العالية: هي خصال الخير القائمة بالنفس، على صدق خالص، وشرف رفيع، يأبى بطبعه الشر والسفاسف.

قال بديع الزمان: "إن الأخلاق العالية إنما تتصل بأرض الحقيقة جديا، وإن إدامة حياتها وانتظام مجموعها إنما هو بالصدق. ولو ارتفع الصدق من بينها صارت كهشيم تذروه الرياح".([80]) وقال أيضا: "اعلم أن آثار محمّد عليه الصلاة والسلام، وسيره وتاريخ حياته تشهد مع تسليم أعدائه بأنه لعلى خلق عظيم، وبأنه قد اجتمع فيه الخصائل العالية كافة. ومن شأن امتزاج تلك الأخلاق توليد عزة للنفس، وحيثية وشرف ووقار؛ لا تساعد التنـزل للسفاسف. فكما أن علوّ الملائكة لا يساعد لاختلاط الشياطين بينهم؛ كذلك تلك الأخلاق العالية بجمعها لا تساعد أصلا لتداخل الحيلة".([81])

7- الأخلاق الفاضلة:

الأخلاق الفاضلة: هي نظام السلوك الإيماني، المبني على الحقائق الإلهية، والدساتير الإسلامية، والأسرار القرآنية.

قال في سياق الدفاع عن رسائل النور: "رسائل النور (...) إنما تعطي دروساً حول الحقائق الإلهية، وحول الدساتير الإسلامية، وحول الأسرار القرآنية. فكيف إذن يعد جرماً أو ذنباً قراءةُ رسائل النور وهي مؤلفات تعد في الذروة، من ناحية تدريسها وتلقينها للأخلاق الفاضلة، والحقائق الإيمانية؟"([82]) وقال أيضا: "إن الظهور على المدنيين من منظور الدين إنما هو بالإقناع، وليس بالإكراه. وبإظهار الإسلام محبوباً وسامياً لديهم؛ وذلك بالامتثال الجميل لأوامره، وإظهار الأخلاق الفاضلة!".([83])

8- أخلاق الله:

أخلاق الله: هي الأخلاق الإلهية كما سبق بيانها. وهي السجايا السامية، والخصال الحميدة، القائمة على التعبد؛ استنادا إلى أسمائه الحسنى وصفاته العلا. قال بديع الزمان: "من القواعد المقررة للنبوة في حياة الإنسان الشخصية، التخلق بأخلاق الله: أي كونوا عباد الله المخلصين، متحلين بأخلاق الله، محتمين بحماه، معترفين في قرارة أنفسكم بعجزكم، وفقركم، وقصوركم".([84])

9- الأخلاق المحمدية:

الأخلاق المحمدية: هي السجايا والخصال النبوية، الموضوعة للاقتداء والتأسي، من سنة محمد - صلى الله عليه وسلم -. قال بديع الزمان: "أما مسلكنا: فهو التخلق بالأخلاق المحمدية - صلى الله عليه وسلم -، وإحياء السنة النبوية".([85])

10- أخلاق المقامات الاصطفائية:

أخلاق المقامات الاصطفائية: هي أخلاق النبوة العالية، الراجعة إلى أعلى مراتب التكريم الرباني، والاصطفاء الرحماني، من قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)(آل عمران:33). وقوله سبحانه: (اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)(الحج:75). ولذلك وصف النورسي رحمه الله النبي محمدا - صلى الله عليه وسلم - فقال: هو "إمام المتقين، وحبيب رب العالمين (...) ومنبع العلم والحلم والحكم، المتحقق بأعلى رتب العبودية، والمتخلق بأخلاق المقامات الاصطفائية. الخليل الأعظم، والحبيب الأكرم، عليه أفضل الصلوات، وأزكى التحيات، وأنمى البركات، ما دامت الأرض والسموات!".([86])

11- الأخلاق النبوية السامية:

الأخلاق النبوية السامية: هي أخلاق الأنبياء عموما من حيث مهمتهم الرسالية، ووظائفهم الاجتماعية. قال رحمه الله: "فالقرآن الكريم إذ يحث البشرية صراحة على اتباع الأخلاق النبوية السامية، التي يتحلى بها سيدنا عيسى عليه السلام، فهو يرغّب فيها ويحض عليها؛ رمزاً إلى النظر إلى ما بين يديه من مهنة مقدسة، وطب رباني عظيم".([87]) وقال أيضا: "فكذا الحال في الاقتصاد الذي هو من الأخلاق النبوية السامية، بل هو من المحاور التي يدور عليها نظام الحكمة الإلهية، المهيمن على الكون، لا علاقة له أبداً بالخسة، التي هي مزيج من السفالة والبخل والجشع والحرص! بل ليست هناك من رابطة بينهما قطعاً، إلاّ ذلك التشابه الظاهري".([88])

12- الأخلاق الوحشية:

الأخلاق الوحشية: هي أخلاق الجاهلية التي كانت عند العرب. قال بديع الزمان: "إن محمداً الهاشمي - صلى الله عليه وسلم - مع أنه أمي لم يقرأ ولم يكتب، ومع عدم قوته الظاهرة، وعدم ميله إلى تحكم وسلطنة؛ قد (...) غلب على الأفكار، وتحبب إلى الأرواح، وتسلط على الطبائع، وقلع من أعماق قلوبهم العادات والاخلاق الوحشية، المألوفة، الراسخة، المستمرة، الكثيرة. ثم غرس في موضعها (...) أخلاقاً عالية وعادات حسنة. وقد بدّل قساوة قلوب قوم خامدين في زوايا الوحشة، بحسيات رقيقة، وأظهر جوهر إنسانيتهم، ثم أخرجهم من زوايا النسيان ورقي بهم إلى أوج المدنية، وصيّرهم معلمي عالمهم".([89])

13- أسس الأخلاق:

أسس الأخلاق: هي أمهات الفضائل الإسلامية. كالإخلاص، والمروءة، والفضيلة، والمحبة، والتضحية...إلخ.

"والقرآن الكريم النازل رحمة للعالمين، لا يقبل إلاّ طرازاً من المدنية، التي تمنح السعادة للجميع أو الأكثرية. بينما المدنية الحاضرة قد أطلقت الأهواء والنوازع من عقالها. فالهوى حر طليق طلاقة البهائم، بل أصبح يستبد، والشهوة تتحكم (...) فدفعت المدنيةُ البشريةَ إلى ممارسة الخداع والانغماس في الحرام. ومن هنا فسدت أسس الأخلاق!"([90]) وقال في موطن آخر: "وهكذا فإن كل "مدينة" هي بحد ذاتها بيت واسع لسكنتها. فإن لم يكن "الإيمان بالآخرة" مسيطراً على أفراد هذه العائلة الكبيرة؛ فسيستولي عليهم الحقد، والمنافع الشخصية، والاحتيال، والأنانية، والتكلف، والرياء، والرشوة، والخداع؛ بدلاً من أسس الأخلاق الحميدة: التي هي الإخلاص، والمروءة، والفضيلة، والمحبة، والتضحية، ورضى الله، والثواب الأخروي؛ ولكانت معاني الإرهاب، والفوضى، والوحشية؛ حاكمة ومسيطرة، تحت اسم النظام والأمن!".([91])

14- التربية الأخلاقية:

التربية الأخلاقية: هي تكوين الإنسان وإنشاؤه على مكارم الأخلاق القرآنية. قال بديع الزمان: "للوصول إلى مدى الفرق بين التربية الأخلاقية التي يربي بها القرآن الكريم تلاميذه، والدرس الذي تلقنه حكمة الفلسفة؛ نرى أن نضع تلميذيهما في الموازنة!"([92])

15- جامع مكارم الأخلاق، أو الجامع لمكارم الأخلاق:

الجامع لمكارم الأخلاق: هو رسول الله محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -.

قال بديع الزمان: "اللهم صلّ على جامع مكارم الأخلاق، ومظهر سر: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)(القلم:4)"([93]) وقال أيضا: "هو - صلى الله عليه وسلم - الجامع لمكارم الأخلاق!".([94])

16- المثل الأخلاقية:

المثل الأخلاقية: هي القيم النابعة من المقدسات؛ لبناء المجتمع الإنساني، التي بدونها تعم الفوضى والإرهاب!

"إن الفكر الاشتراكي (...) يدعو إلى تدمير قسم من المقدسات؛ فقد انقلب أخيراً إلى البلشفية، وقد نشرت البلشفية أيضاً بذور الإفساد؛ لتحطيم كثير من المقدسات، والمثل الأخلاقية والإنسانية، وستثمر تلك البذور حتماً حناظل الفوضوية، والإرهاب، التي لا تعرف حدوداً لشيء، ولا تقيم وزناً له!"([95])

خاتمة في أن الأخلاق مفتاح الإصلاح:

وبعد،

فإننا بهذا البحث المتواضع نستطيع الوصول إن شاء الله إلى نتيجة، فيما يتعلق بباب الخروج من الأزمة الراهنة، التي تكبل نهوض الأمة الإسلامية اليوم. وذلك أن الدارس لكليات رسائل النور، يمكن أن يثبت بسهولة؛ أن للأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي رأيا في الخلاف المشهور بين علماء الدعوة والإصلاح، في الفكر الإسلامي المعاصر، والذي مداره حول سؤالين إشكاليين، هما:

- طبيعة الأزمة ما هي؟

- ثم كيف الخروج منها؟

ومعلوم أن الأجوبة تضاربت في ذلك وتباينت، فمن داعية يرى أن الأزمة أزمة فكرية، إلى من يرى أنها أزمة روحية، أو ثقافية، أو اقتصادية، أو سياسية، أو عسكرية... إلى غير ذلك من الاجتهادات والتصورات. ثم يختلفون بعد الاختلاف الأول في باب الخروج منها: أهو العمل السياسي الحزبي؟ أم هو العمل الثقافي العلمي؟ أم هو العمل الروحي الصوفي؟...إلخ. وربما اتفقت أقوال بعضهم على توصيف معين للأزمة، لكنهم يختلفون في تحديد باب الخروج كيف؟

إن بديع الزمان يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الأزمة اليوم أزمة أمانة! لكن ليس بالمعنى الفقهي للكلمة. بل هو بمعناها الكوني، الراجع إلى الوظيفة الوجودية للإنسان في القرآن، والتي هي عنوان الاستخلاف الرباني، في قوله تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً)(الأحزاب:72). ثم إن هذا المفهوم الشمولي الذي أعطاه الأستاذ النورسي للأخلاق؛ جعله يعتبرها هي باب الخروج من الأزمة؛ صلاحا وإصلاحا. إذ بصلاحها ينهض الناس بالأمانة، وبفسادها يتمردون عليها ويخونونها. فهي غاية ووسيلة في الآن نفسه، وهي مادة التربية، وهي مقصدها.

ولقد ألغى الأستاذ النورسي العمل السياسي بمعناه الضيق من الاعتبار في العملية الإصلاحية، وجعله من الهوامش والتوابع، لا من المنطلقات والأصول، في المشروع التجديدي للدين، منطلقا في ذلك من الطبيعة التشريعية للإسلام من جهة، ومن فقه الواقع السياسي المعاصر، واعتبار المآلات الاجتماعية من جهة أخرى. قال رحمه الله: "إن نسبة الأخلاق والعبادة، وأمور الآخرة، والفضيلة؛ في الشريعة؛ هي تسع وتسعون بالمائة. بينما نسبة السياسة لا تتجاوز الواحدة بالمائة!"([96])

وفي هذا نقد واضح وصريح للتصورات السياسية الجزئية، التي حجرت العمل الإسلامي في زاوية وَسَلِيَّة، لا تفضي إلى غاية كونية.

إن الأخلاق في كليات رسائل النور هي جوهر العمل الديني. فمن خلالها خاطب الأستاذ النورسي أجيال ما بعد جيله وزمانه، وضمن للتدين امتدادا في المستقبل، بل ضمن له انتصارا على كل منظومات العولمة في كل أشكالها وكل مقولاتها.

وما أسعدنا أن نختم بحثنا هذا بكلمة صدرت عنه رحمه الله، أطلقها نداء كونيا في أثير الوجود، فلم تزل تطن في أذن العالم إلى الأبد، قال: "يا أبناء الوطن! لا تفسروا الحرية تفسيراً سيئاً كي لا تفلت من أيديكم ، ولا تخنقونا بسقي الاستعباد السابق، الفاسد؛ في إناء آخر! ذلك لأن الحرية إنما تزدهر بمراعاة الأحكام الشرعية وآدابها، والتخلق بالأخلاق الفاضلة!".([97])

تلك بصيرته التي أبصرت مستقبلات الحياة ببصائر القرآن؛ فكانت رسائل النور تبصيرا لمن لم ير؛ عسى ألا يكون من العَمِين. يقول الحق جل وعلا: (قَدْ جَاءَكُم بَصَآئِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ)(الأنعام:104).

l

وكتبه عبد ربه، راجي عفوه وغفرانه، خادم رسائل النور بمكناسة الزيتون، من حواضر المغرب الأقصى: فريد بن الحسن الأنصاري الخزرجي السجلماسي. وكان تمام الفراغ من تبييضه وتصحيحه يوم: الاثنين 10صفر 1423هـ الموافق لـ 22 أبريل 2002م.

خاتمـة

وبعد، فهذه دراسة مصطلحية لبعض مصطلحات رسائل النور، اعتبرناها من أهم المفاتيح المفهومية لمنظومة النورسي الفكرية والتربوية، على المستوى النفسي والاجتماعي. والقارئ لفصولها مُرَتَّبةً كما قدمناها بهذه الدراسة؛ يكتشف التسلسل المنهجي الذي اعتمده النورسي في إعادة تكوين الجيل المسلم، كما يكتشف المفاتيح المفهومية ذات المقاصد التربوية التي بها فتح الرجل قلوب الملايين من الأتراك وغيرهم، في زمن قياسي وجيز! وصنع بذلك نسيجا اجتماعيا متمسكا بدينه أشد ما يكون التمسك! على المستويين: الوجداني والفكري. بل أخرج للناس أمة تَستوعِب ولا تُستوعَب! وتنفتح ولا تُذَوَّب!

إن الدراسة المصطلحية قد كشفت لنا طبيعة ما يسمى في علم اللسانيات الحديثة "باللغة الواصفة". هذه اللغة التي عبارة عن جهازه المصطلحي، ونسقه المفهومي، الذي هو سر الولوج إلى عالم النورسي بأدق ما يكون الفهم السليم، لكليات رسائل النور؛ ومن ثَمَّ الإدراك السليم لمنهجية التعامل معها؛ استفادة واقتراضا في أي محاولة اجتهادية لإعادة تجديد أي نسيج اجتماعي على موازين الإسلام، في أي بلد من بلدان الإسلام. وجدير بأي داعية في هذا العصر أن يتأمل جيدا تجربة بديع الزمان وطبيعة رسائل النور التي هي العمود الفقري للحركة النورية في تركيا. ذلك أن النجاح الباهر الذي حققته في مجال بناء الإنسان المسلم، بخصائص خلقية وتعبدية نادرة في هذا العصر؛ جعلها رائدة بحق في ذلك.

لقد انطلق بديع الزمان في حركة تجديد الإيمان من مفهوم "التوحيد"، حيث عمل على تخليصه من الجفاء الفلسفي والجفاف الكلامي، ثم أعاد إليه مفهومه الأصيل في القرآن العظيم، ألا وهو الإخلاص! إذ جعل المسلم ينتظر بعين الشهود القلبي إلى "التوحيد الحقيقي" كما سماه ليحصل له ما بيناه في التعريف من "مشاهدة اليقين لانفراد ربوبيته تعالى، ووحدانية ألوهيته، في خاتمه المضروب على كل شيء".([98])

وجعل ذلك هو غاية الوجود البشري: التوحيد بما هو الطريق الحقيقي للتعرف إلى الله جلاله. حيث "الإيمان بيقين أقرب ما يكون إلى الشهود بوحدانيته سبحانه، وبصدور كل شيء من يد قدرته، وبأنه لا شريك له في ألوهيته، ولا معين له في ربوبيته، ولا ند له في مُلْكِه، إيمانا يهب لصاحبه الاطمئنان الدائم، وسكينة القلب؛ لرؤية آية قدرته، وختم ربوبيته، ونقش قلمه على كل شيء. فينفتح شباك نافذ من كل شيء إلى نوره سبحانه (...) ذلك التوحيد الحقيقي الخالص السامي".([99])

تلك غاية الدين، ولذلك كانت من أهم المفاهيم التي اشتغل بديع الزمان برسمها في الفكر والوجدان وتجديد مضمونها بما يرجعها إلى المفهوم القرآني النظيف. ولذلك فقد اعتمد على قنوات اصطلاحية أخرى ضرورية لبناء مشروعه على هذه الغاية وهي مصطلح الإنسان ومصطلح القرآن ثم مصطلح الكون. فأما مصطلح "الإنسان" فقد أعاد بناء مفهومه بما يجعله "فهرست الكون" وخلاصته المركزة؛ مما يرفع من مستوى الاستعداد النفسي لدى المتلقي؛ لتقبل الرسالة الإلهية والانخراط الكلي فيها! وأما مصطلح الكون فقد قدمه بما هو مجال للإنسان يصرف فيه الأمانة التي أنيطت به. إذ لم يكن الإنسان إلا خلاصة الكون، ولم يكن الكون إلا "شجرة الخلق الكلية، وكتاب الله المنظور، المنعكس عن الأسماء الحسنى" كما تبين في جانب من تعريفه بمتن هذه الدراسة. فكان ارتباط الإنسان بالكون كارتباط الثمرة بشجرتها. كل عناصر التواصل والاتصال بين الثمرة وبين مصدر الإمداد من الماء والغذاء يكون عبر أغصان الشجرة وعروقها. فكان الكون بذلك للإنسان هو مجال السلوك التعبدي إلى الله - جل وعلا -. وهو معنى التسخير المذكور في غير ما موطن من كتاب الله نحو قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً)(لقمان:20).

وأما مصطلح القرآن فقد قصد النورسي أن يعرضه في مفهوم وجداني تعبدي بعيد عن حدود المناطقة وعلماء الكلام، ومختلف عن رسوم أهل علوم التفسير والقرآن، القائمة على قصد حفظ النص من الضياع أو الاختلاط بغيره. بل عرضه على أساس غايته ومقاصده الرسالية؛ وذلك بغرض إحياء الوجدان الإنساني باعتباره مخاطَبا إلهيا! فالله هو خالق الكون والإنسان هو خلاصة ذلك الخلق، ومنت حق الخالق على المخلوق أن يرجع عليه بالعبادة والتوحيد والتفريد؛ ولذلك كان من الله - جل وعلا - هذا الخطاب رسالة منه إلى الإنسان يحمل كل التعريفات المتعلقة بقصة الكون خلقا وتقديرا وتدبيرا، وبما للإنسان فيه من وظيفة كونية كبرى! ومن هنا فقد قدم بديع الزمان لهذا الإنسان "مفهوم القرآن" كما هو في حقيقته الغائية أي باعتباره نص الخطاب، ومتن الرسالة!

وبالاستجابة الإنسانية لذلك يتحلى الإنسان بصفة "الانتساب الإيماني" الذي يشعره بقيمته الوجودية ووظيفته التعبدية. وهو مصطلح درسناه بعد ذلك لبيان الفرق بين الكفر والإيمان كما عرضه النورسي رحمه الله. ثم كان تتميم ذلك كله بدراسة مصطلح الأخلاق من حيث هو ثمرة ذلك "الانتساب"، ونتيجة ذلك الاستناد. ذلك أن دخول الإنسان باب المعراج القرآني في سلوكه إلى الله يثمر صافت العبد السالك التي هي الأخلاق؛ ومن هنا قدمها بديع الزمان النورسي على أنها "نظام القرآن الذي يطبع صورة الروح الإنسانية بماهيتها، ويسلك بها مدارج التربية والمجاهدة؛ لاكتساب معناها الكوني" كما بينا تعريفها بمحله.([100]) وذلك هو خلاصة الشمائل المحمدية التي عرضتها أمنا عائشة الصديقة بنت الصديق بقولها الجامع المانع؛ لما سئلت عن خلقه - صلى الله عليه وسلم - فقالت: "كان خلقه القرآن!"([101])

إن الدراسة المصطلحية لكليات رسائل النور ولو بهذا القدر البسيط الذي قدمنا قد كشفت بالفعل عن عبقرية بديع الزمان النورسي رحمه الله وبينت بحق أي رجل كان! إذ لا يكاد يخلو لفظ من اصطلاحاته كما رأيت من عمق في النظر، وتجديد في الفكر، وتأصيل مجدد للمفهوم؛ ومن هنا خطورة التسرع في الحكم على مصطلحاته لمجرد التطابق اللفظي بينها وبين من سبقوه من هؤلاء أو أولئك! بل تبين أنه لا بد من التأني والبحث الاستقرائي الهادف إلى الجمع والمنع لكل مقاصده من المصطلح المعني، ثم تبين حقيقة الكلام بعد ذلك؛ بناء على المنهج الوصفي المعتمد في الدراسة المصطلحية.

وذلك هو تمام ما حاولناه في هذه الدراسة المصطلحية. والله الهادي إلى الحق وهو المعين عليه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليما ورضي عن أصحابه الميامين أجمعين، وعن أتباعهم الصالحين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وكان توقيع ختمه بمدينة إسطنبول/حي الفاتح، مساء يوم الأحد من شهر جمادى الأولى: 1424هـ. الموافق لـ: 27/07/2003.

انتهى بحمد الله وتوفيقه.

‏جلب الحبيب #ردمطلقات
#فك السحرالاسود والسفلي
رادالغائب وكشف #زواج #بنات العوانس
#جلب زبون للمحل
00905315861079
Wait while more posts are being loaded