Post has attachment
1

يُهَدهِدُها البحرُ.. حسرى غوافي ... * ... لاُفْقٍ به ناعساتُ الضفاف ِ
فتشهقُ بالوجدِ سُمرُ المرافي ... * ... يَمُدُّ إلى حُسنها كفَّه ُ
ما مَلَّ من لُجَّةٍ في الطوافِ ... * ... ويهتزُّ نخلُ الهوى والشراع ُ
دموعيَ ذاهلةً في المنافي ... * ... ـ كأن لم أُطرّزْ على مثله ِ
مناديلَ دامعةَ الارتجافِ ... * ... ولم أتذكّرْ بهنَّ الفرات َ
وتحملني عبر ذكرى زفافِ ... * ... تَرُدُّ إلى فرحتي لونَها..
وزغردة الجرح رهْنَ انتزافِ ... * ... زفافِ الدم المرِّ في كربلاء
تَدلّى الردى، رائعَ الاصطفافِ ! ـ ... * ... ونخلُ الجنوب بأعذاقه ِ
يُرقرقُها لهبٌ في الشغافِ ... * ... .. وتصدحُ أغنيةٌ حلوة ٌ
وتهوي عليها سُكارى سُلافِ ... * ... فتصبو القلوبُ إلى جمرها
وما دمُها غيرُ خمر القطافِ ... * ... ويندى على كأسِها دمُها
مفاتنُها.. نهَباً لارتشافي ! ... * ... بهِ رُوحُها ثمرٌ والدِّنان ُ
كتبتُ، وحبرُ الوريد القوافي ... * ... لاُفْقٍ به ناعساتُ الضفاف ِ
ترف قوادمه والخوافي ... * ... الى اليوم في جانحيه النبوغ
وباللؤلؤ الرطب اي اصطياف ... * ... ويصطاف بالشمس نوتيها
وللناكثين القلا والتّجافي ... * ... تَحَضّنَهُ للوصيّ الولاءُ
ستأتي لهُ بالسنينِ العجافِ ... * ... وما راعَهُ أنَّ هُوجَ الرياح ِ
ستورقُه عاقراتُ الفيافي ... * ... وأنَّ اللّظى شجرٌ علقم ٌ
وينهلُ سلسالَه وهو صافي ... * ... بل انثالَ للنبع يروي الظِمأَ
بآبائهِ، طاهرٌ في النطافِ ... * ... وحيثُ رعى وُدَّهُ ماجدٌ
فبُوركَ منهُ طويلُ اعتكافِ ... * ... على العلم معتكفٌ لا يحول ُ
أبانَ من الحقّ أجلى صحافِ ... * ... وبُورِكَ في يدهِ مِزبرٌ
سيُطربُ سمعَ الموالي المصافي ... * ... وسطَّر في حيدرٍ مُصحفاً
بصوتٍ جريٍ جهيرِ الهتافِ ... * ... ويقرعُ سمعَ الخصوم اللّدودِ
ويروي عن القوم كلَّ اعترافِ ... * ... يُناظِرُ بالحُجج الدامغات
وحقُّ عليٍّ بها غيرُ خافي ... * ... بأنَّ الامامة نصٌ جلي ُّ
ليسَ بتفضيلِهمْ من خلافِ ... * ... وأبناءه الطاهرين الهُداة َ
وعنهم بكلّ (صحيحٍ) يُوافي ... * ... إليهمْ يُشيرُ الدليلُ الصريح ُ
وأحسِنْ لهُمْ أوبتي وانصرافي ... * ... فياربِّ باركْ بهم عُلقتي
Photo

Post has attachment
2

هو للمرتضى وَليْ ... * ... أيُّها الكاتبُ الذي
خيرُ نصٍّ به جليْ ... * ... لكَ فيما جمعتَه ُ
بكتابٍ ومِقولِ ... * ... ناظِر الخصم واثقاً
الرأي منهُ بمقتلِ ... * ... وإذا ما ظفرتَ في
سَلْ بخٍ بخٍ يا عليْ ... * ... قُلْ لهُ الحقُّ تاريخُهُ: ـ
1415 هـ
فرات الاسدي
6/جمادى الثانية/1415
(2)
ولقد أتحفنا كذلك الاديب خادم أهل البيت الخطيب الشيخ محمد باقر الايرواني النجفي دام عزه بهذه القصيدة ومؤرخاً لصدور الكتاب فشكراً له على ما تفضل به.
نظرة الشَّوق بدءه وختامَه ... * ... في كتاب المناظراتِ نَظرْنا
من بحوثٍ دقيقةٍ باستدامه ... * ... فوجدناه جامعاً للمغازي
واضحاتٍ صريحةً بصرامه ... * ... وعن السنة المصادرُ تبدُو
لعليٍ والله أعلى مقامه ... * ... ذاك أن النبيَّ لمْ يُوص إلاّ
فلقد باءَ وزرَهُ وأثامه ... * ... وإذا الخصم قد تجاوز ظُلماً
لقرينِ الزهراء رمز الكرامه ... * ... إنما الامرُ والخلافةُ خُصَّت ْ
أسبق الناسِ معلناً إسلامه ... * ... هل سواهُ قد كان آمن قبلاً
ومن الرّبِ قد حباه وسامه ... * ... هل أتى (هل أتى) لشخصٍ سواه
وهو للمؤمنين أجلى علامه ... * ... حبّهُ واجبٌ وفرضٌ أكيدٌ
سلمُه سلمُه ليوم القيامة ... * ... حربُه حربُ أحمدٍ ويقيناً
وإلى الحق قد ألدَّ خصامَه ... * ... قل لمن أنكر الحقيقةَ زوراً
منهجَ الحق كي تنال السلامه ... * ... لاتكنْ حاقداً على الحق واتبع ْ
لك ويلُ الوبالِ ثمَّ الملامه ... * ... إن تجاهَلت فالحسابُ عسيرٌ
فلراوي الحديث فافهم كلامه ... * ... هذه كتْبُكُم تُصرِّحُ جهراً
ضِدَّ آلِ الرَّسولِ سلَّ حُسامه ... * ... لاتكن كالذي عناداً وبغضاً
دون جدوى فجدّ يرمي سهامه ... * ... ودعاه نكرانُ فضلِ علي ٍّ
ليس للجاحدين إلا الندامه ... * ... أَلزمَ النفسَ بالخلافِ جحوداً
إنّما النصحُ من وفاءِ الشهامه ... * ... فاقْبل النصح من وفيٍ نصوح ٍ
وعن الفكر فاطَّرحْ أَوهامه ... * ... كُنْ مع المرتضى بقلبٍ سليم ٍ
سِرَّ إرشاد نفسه اللَّوامه ... * ... فاز بالنّصر مَنْ يعي ويُراعي
وعلى الحقِّ والهُدَى الاستقامه ... * ... دربُنا المستقيمُ للحقِّ يهدي

تجد الرُّشْدَ إن أردت اغتِنامه ... * ... من كتاب المناظرات تزوَّد
وبه الكاتبُ استثار اهتِمامه ... * ... هو نعم الكتاب أقسمتُ حقاً
وبحبل الولاء نال اعتصامه ... * ... فاز في النشأتين وعياً وسعياً
كلما للوصي أبدى التزامه ... * ... وسيحظى بالخير والنصر دَوماً
فبنهج الهدى ينال مرامه ... * ... ولمِنْ رام خيرَ دنياً وأُخرى
لعليٍ إثْباتُ حَقّ الامامة ... * ... ويقيناً أرَّختُ: يبقى بطيب
محمد باقر الايرواني النجفي
1415 هـ
Photo

Post has attachment
11
المناظرة غير المشروعة:
وأما ما هو غير مشروع من المناظرة فقد سبق وأن ألمحنا الى أن القرآن الكريم بَيَّن ضوابط المناظرة المشروعة وحدد معالمها، ووضعها في إطارها الصحيح، وذلك بعبارة جامعة مانعة وهي أن تكون الدعوة فيها إلى الحق وهو ما عبر عنه تعالى بـ «سبيل الله» وأن تكون بالحكمة والموعظة والمجادلة الحسنة كما في قوله عز شأنه: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)(19) .
وحيث إن القرآن الكريم وضع الضوابط والمقاييس للمناظرة المشروعة فإذا تخلف عنها ماهو شرط أو شطر خرجت المناظرة عن كونها مشروعة وذلك فيما إذا كانت لاثبات باطل أو للغلبة على الحق أو كانت عن غير علم، ونحو ذلك فهذه المناظرة هي التي لايرضاها الله تعالى ولايقرها حتى لانبيائه ومن هذه المناظرات غير المشروعة مناظرات ومجادلات أهل الكتاب والمشركين والمنافقين مع نبينا محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ وكذا مجادلات الامم السابقة مع أنبيائهم ـ عليهم السلام ـ‍ وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا النحو من المناظرات والمجادلات غير المشروعة في مواضع شتى منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
1 ـ قوله تعالى: (وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق0(20) .
2 ـ قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد)(21) .
3 ـ قوله تعالى: (يجادلونك في الحق بعدما تبين)(22) .
4 ـ قوله تعالى: (ويعلَم الذين يُجادِلُونَ في آياتِنا مالهُم من محيص)(23) .
5 ـ قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير)(24) .
6 ـ قوله تعالى: (فلِمَ تُحاجُّون فيَما ليس لكمْ به علمٌ واللهُ يعلمُ وأنتُم لاتعلمون)(25) .
إلى غير ذلك من الايات الكثيرة الاخرى الناهية عن مثل هذه المجادلات التي لا يبتغى من ورائها إلا الباطل
.فهي إما أن تكون مجادلة في حق قد تبين، وإما أن تكون لاماتة الحق ونصرة الباطل، وإما أن تكون عن جهل وما يستتبعه من عناد وإصرار على الباطل، وإما أن تكون بغير هذا وذاك من الدواعي الاُخرى التي لا يقرها دين ولا يؤيدها وجدان، وحري بالمسلم أن يتبع الحق فالحق أحق بأن يتبع من أي طريق كان.
Photo

Post has attachment
3

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
وبعد:
فإن مسألة الخلافة بعد الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هي أهم المسائل التي دارت عليها رحى الخلاف بين المسلمين قديما وحديثا، واحتدم فيها الصراع الفكري بينهم وكانت النتيجة الطبيعية لذلك الصراع انقسام الامة الاسلامية إلى فرق متعددة(2) إلا أن أبرز هذه الفرق فرقتان: السنة الاشاعرة والشيعة الامامية وإن كانت هناك فرق أخرى برزت في فترات من التاريخ كالمعتزلة وغيرها ولسنا في مقام التصدي لاستعراض أدلة كل فريق وتقييمها فإن مجاله علم الكلام وإنما نشير إجمالاً إلى رأي ذينك الفريقين:
فذهبت العامة إلى أن الخلافة لا نص عليها بل هي موكولة إلى الامة، فهي التي تختار الخليفة بعد الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ، واختلفوا في كيفية انعقادها بين قائل بالبيعة، وقائل بالشورى، وآخر بالاجماع حتى صرح بعضهم بانعقادها بشخصين(3)
وأما الامامية فذهبت إلى أن الخلافة لا تكون إلا بالنص انطلاقا من نظرتها الخاصة في مسألة الخلافة باعتبارها منصباً إلهياً وأمره ليس بيد البشر، وترى لزوم توفر مواصفات معينة في خليفة النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ من قبيل نزاهة الباطن، التي لا يطلع عليها إلا علاّم الغيوب.
فتؤكد من هذا المنطلق أنه يجب(4) على الله تعالى أن يختار للامة خليفة للنبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ لتناط به مسؤولية الامة بعده مباشرة، ويعيِّنه من خلال نص النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ عليه بكل صراحة ووضوح.
ومن هذا المنطلق تحركت الشيعة الامامية لاثبات نظريتها في الامامة ووضعت النقاط على الحروف وساقت الكثير من الادلة والبراهين العقلية والنقلية من خلال الايات القرآنية والاحاديث النبوية المتفق عليها عند جمهور المسلمين لاثبات الامرين معا:
الامر الاول:
أن الخلافة والامامة منصب إلهي وعهد رباني لا يناله إلا ذو حظ عظيم يمتاز عن سائر أفراد الامة بعلمه الجمّ وفضائله الفائقة وعصمته ونزاهة باطنه.
Photo

Post has attachment
9
ومما ورد من الادلة والشواهد على مشروعية المناظرة من السنة الشريفة:
منها: ما روي عن النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ أنه قال: «نحن المجادلون في دين الله على لسان سبعين نبيّا»(13) .
ومنها: ما روي من مناظرات النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ مع أهل الاديان وغيرهم، ومما يُروى بهذا الصدد من اجتماع أهل خمسة أديان وفرق ـ وهم اليهود ـ والنصارى، والدهرية، والثنوية، ومشركوا العرب ـ عند النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ، واحتجاج كل فريق منهم لدعواه وجواب النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ لهم وإبطاله لمزاعمهم(14) 1
كما أن المتتبع لسيرة الائمة ـ عليهم السلام ـ يجد أمثلة كثيرة جدا في مناظراتهم واحتجاجاتهم مع خصومهم، كما وردت عنهم ـ عليهم السلام ـ أخبار كثيرة بشأن مجادلة الخصوم وإقناعهم، وكانوا ـ عليهم السلام ـ يأمرون بعض أصحابهم بذلك ممن يتوسمون فيه القدرة على مقارعة الحجة بالحجة، كما هو المشهور في موقف الامام الصادق ـ عليه السلام ـ من هشام بن الحكم وثلة من أصحابه الذين كانوا بالمرصاد في تصديهم للزنادقة والملحدين والمخالفين في المسائل الاعتقادية كالمجبرة والمفوضة والمجسِّمة وغيرها من المذاهب الاخرى.
كما كانت لمسائل الامامة الحصة الكبرى في مناظرات هؤلاء الاصحاب وغيرهم مع خصومهم،

وفيما يلي نذكر بعض الروايات عن أهل بيت النبوة ـ عليهم السلام ـ‍ الدالة على ما أسلفناه:
منها: رواية الشيخ المفيد بإسناده عن الامام جعفر بن محمد الصادق عن أبيه الباقر ـ عليهما السلام ـ قال: من أعاننا بلسانه على عدونا أنطقه الله بحجته يوم موقفه بين يديه عز وجل(15) .
ومنها: قول الصادق ـ عليه السلام ـ: حاجوا الناس بكلامي، فإن حاجوكم فأنا المحجوج(16) .
ومنها: ما رواه ثقة الاسلام في الكافي(17) من مناظرة هشام بن الحكم مع عمرو بن عبيد، حتى أن الامام الصادق ـ عليه السلام ـ أحب أن يسمع من هشام نفسه ما جرى بينه وبين عمرو بن عبيد، كما ستأتي مفصلة
ومع هذا كله فقد تخيل بعض المخالفين أن المناظرة محرمة في رأي أهل البيت ـ عليهم السلام ـ، وأن ما يفعله الشيعة يخالف أمر أئمتهم.
Photo

Post has attachment
5
حكم المناظرة في الشريعة الاسلامية
تمهيد
عُرِفتْ المناظرة أو المجادلة في الفلسفة اليونانية باسم: «طوبيقا»، وهي إحدى الصناعات الخمس المهمة التي ينقسم إليها القياس المنطقي، ويتوقف فهم هذه الصناعة على مقدمات ومبادئ أساسية لاغنى عنها لمن يروم الدفاع عما يراه جديرا بالدفاع عنه لشتى الاغراض، سواء أكان ذلك في مجال العقيدة أم لم يكن.
على أن رجوع طالب المناظرة أو الجدل إلى المصادر الاولية للوقوف على مقدمات ومبادئ هذه الصناعة قد لا يخلو من صعوبة، لما اكتنف تلك المصادر من غموض في العبارة، وإجمال يتيه معه المُبتديء في خِضَمِ الاساليب المنطقية التي لم يعتدها من قبل، ولهذا ننصح بالرجوع إلى ما كتبه الشيخ محمد رضا المظفر ـ رحمه الله ـ في كتابه المنطق، إذ فيه مادة غنية مبسطة تغني عن الرجوع إلى غيره في تحصيل أوليات المناظرة فيما يتعلق بصناعة الجدل.
ومن المهم أن نشير في هذا التمهيد إلى أن القياسات الجدلية، ـ التي ينبغي معرفتها في مقام المناظرة أو المجادلة ـ تهدف بالدرجة الاساس إلى تحصيل ما يفحم به الخصم عند المناظرة، وقطع حجته والظهور عليه بين السامعين، سواء أكان ذلك حقا أم باطلاً، إذ ليس الغرض من القياسات الجدلية هو الحق أو الباطل، وإن كان أحدهما داخلاً في طلب ما يفحم به الخصم، إلا أنه لم يكن مُرادا ومقصودا بعينه(1) .
وهذا ما يُفَهمُ من تعريف الجدل أيضا، إذ لم يُذكر في التعريف أي شرط يُقيِّد معناه بالدفاع عن الحق مثلاً، ولهذا قالوا: الجدل «صناعة علمية يقتدر معها على إقامة الحجة من المقدمات المسلمة على أي مطلوب يراد، وعلى محافظة أي وضع يتفق، على وجه لا تتوجه عليه مناقضة بحسب الامكان»(2) .
ومن هنا كان لا بد من بيان رأي شريعتنا الغراء في المناظرة ما دامت رحاها تدور على إثبات صحة الآراء والافكار التي يدعيها كل من الطرفين المتناظرين بغض النظر عن موافقة تلك الآراء أو مخالفتها لشريعة الاسلام، وذلك بحسب التقسيم التالي للمناظرة.
Photo

Post has attachment
6

أقسام المناظرة:
تناول القرآن الكريم في العديد من الايات الشريفة، وكذلك السنة المطهرة في جملة من الاحاديث، موضوع المناظرة والجدل تارة بالتأييد وأخرى بالتفنيد ومن هنا يمكن القول بأن المناظرة بحسب نظرة الشريعة الاسلامية تنقسم إلى قسمين وهما:
القسم الاول:
المناظرة المشروعة.
القسم الثاني:
المناظرة غير المشروعة.
المناظرة المشروعة:
لقد شرع القرآن الكريم المناظرة وجعل لها حدود وضوابط وأكد على ضرورتها وأهميتها، وذلك في كثير من آيات الذكر الحكيم، وهذا ما يصور لقارىء القرآن الكريم احتلال المناظرة جانبا حيويا في حياة سائر الاديان، إذ ما من رسول أو نبي إلاّ وقد ناظر قومَهُ وحاجَجهم وجادلهم في إثبات صحة ما يدعوهم إليه.
ومما يزيد الامر وضوحا هو أن الله تعالى قد أمر رسوله الكريم ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ بمجادلة المشركين ودعوتهم إلى الحق، بالحكمة والموعظة الحسنة، فقال تعالى: (ادع إلى سبيلِ ربكَ بالحكمةِ والموعظة الحَسَنَةِ وجادلهُم بالتي هي أحَسنُ إنَّ ربَكَ هوَ أعلمُ بمن ضلَّ عن سبيلهِ وهو أعلمُ بالمهتدين)(3) .
كما أمر تعالى بمجادلة أهل الكتاب عن طريق الحكمة والموعظة لما في ذلك من إلانة قلوبهم وانصياعهم إلى الحق، فقال تعالى: (ولا تجادلوا أهلَ الكتابِ إلا بالتي هي احسن..)(4) .
لان الغلظة في المناظرة والجدل لا تزيد الطرف الاخر إلا نفورا، وعنادا، وتعصُبا، وتَمسكا بالباطل كما أوضحه تعالى في قوله الكريم: (ولو كنت فظّا غليظ القلب لا نفضوا من حولك..)(5) .
وهذا ما يكشف عن أسلوب المناظرة النبوية، فهو الاسلوب الامثل الذي يجب مراعاته بين المتناظرين.
Photo

Post has attachment
8

ومن هنا يتبين أن المناظرة أو الجدل لو لم تكن مشروعة لما أمر الله تعالى بها أنبياءه ـ عليهم السلام ـ، في حين أن القرآن الكريم يزخر بمحاججات الانبياء لاقوامهم لا سيما نبينا ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ، وهو القدوة الحسنة والمثل الاعلى الذي لا ينتهي حديث عظمته، ولا تزيده الدهور إلا سناءاً وعلواً.
هذا هو موقف القرآن الكريم من المناظرة المشروعة بشكل موجز، والذي يمكن أن تكون خلاصته: أن ينظر كل من المتناظِريَن بعين الاعتبار إلى الاخر، ولا يستهين بآرائه وإن كانت مخالفة للحق في بداية الامر وان لاينسب أراءه الى محض الباطل حتى ولو كان كذلك في نظره لاحظ قوله تبارك وتعالى: (وانّا او إيّاكم لعلى هُدى او في ضلال مبين)(11) حيث ان النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ، يجمل اجمالا الضلالة بين الفريقين تمهيداً للجو الملائم للمناظرة الصحيحة بهدف الوصول الى الحقيقة ولا يفاجأهم مباشرة بتفنيد مزاعمهم جملة وتفصيلا رغم انها كانت محض الباطل في اعتقاده ـ صلى الله عليه وآله ـ، ثم عليه أن يسوق الدليل الذي يعرفه المقابل نفسه، وأن يعرض الدليل بالطريقة الهادئة مقرونا بالحكمة والموعظة الحسنة، على أن يكون مراده تحصيل الحق، وإلا ستكون المناظرة غير مشروعة كما سيأتي الحديث عنها في محله.
أما موقف السنة المطهرة من المناظرة، فهو لا يختلف عن حكم القرآن، فكلاهما ـ القرآن والسنة ـ صنوان لمشرع واحد، قال تعالى: (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى)(12)
Photo

Post has attachment
7
ومن الادلة والشواهد القرآنية التي تبين مشروعية المناظرة في الاسلام، قوله تعالى: (وضربَ لنا مثلاً ونسيَ خلقَهُ قالَ من يحيي العظامَ وهيَ رميمٌ، قل يحييها الذي أنشأهَا أوَّلَ مرةٍ وهو بكلِّ خلقٍ عليمٌ، الذي جعلَ لكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الاخضرِ نارا فإذا أنتم منه توقدونَ، أوليس الذي خلقَ السمواتِ والارضَ بقادرٍ على أنْ يَخْلُقَ مِثَلهُمْ بلى وهَو الخلاّقُ العليمُ، إنّما أمرُهُ إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، فسبحانَ الّذي بيدهِ ملكوتُ كُل شيٍ وإليه ترجَعُونَ)(6) .
وهنا يلاحظ ما في جواب من أنكر الإحياء بعد الاماتة، وما فيه من أدلة عظيمة، وأسلوب رائع يأخذ بمجامع القلوب ويسوقها طوعا إلى الاذعان والتصديق، ومنه ينكشف مدى تأثير الدليل وطريقة عرضه، إذ بهما يخلق من الطرف الاخر إنسانا سَلِس الانقياد.
ولم يقتصر هذا الامر على مناظرات نبينا ـ صلّى الله عليه وآله ـ مع مشركي مكة ومجادلتهم بالتي هي أحسن، وإنما كان ذلك الاسلوب من المناظرة والجدل متبعا من قبل الانبياء ـ عليهم السلام ـ مع مشركي أقوامهم كما في قصة إبراهيم ـ عليه السلام ـ مع نمرود كما في قوله تعالى: (ألم تر إلى الذي حاجَّ إبراهيم في ربه أن آتاهُ الله المُلك إذ قال إبراهيمُ ربّي الذي يُحي ويُميتُ قال أنا أُحي وأُميتُ قالَ إبراهيم فإنَّ الله يأتي بالشمس من المشرق فاَتِ بها من المغرب فبُهِتَ الذي كفرَ واللهُ لا يهدي القوم الظالمين)(7) .
ومثله أيضا ما جاء في محاجّة قومه له ـ عليه السلام ـ وجوابه لهم كما في قوله تعالى: (وحاجّهُ قومه قال أتحاجُّوني في الله) ـ إلى قوله ـ‍ (فأيُّ الفريقين أحق بالامن إن كنتم تعلمون)(8) .
ومثله أيضا ما جاء في محاجّته ـ عليه السلام ـ لقومه حينما كسَّر أصنامهم وقد ألزمهم بالحجة والعقل والرجوع إلى وجدانهم وعقولهم، كما في قوله تعالى: (قالُوا أَأنت فعلت هذا بآلهتنا ياإبراهيم، قال بل فعلهُ كبيُرهُم هذا فاسألوهم إِن كانُوا ينطقون، فَرَجعُوا إِلى أَنفُسِهِم فقالُوا إنّكم أنتم الظالمُون، ثم نُكِسُوا على رُؤُسِهِم لقد علمِتَ ما هؤلاءِ ينطقون، قال أفتعبُدُون من دون الله ما لا ينفعُكُم شيئا ولا يَضُرُّكُم، أُفٍّ لَّكُم ولِمَا تعبُدُونَ من دُونِ اللهِ أفَلاَ تعقلونَ)(9) .
ومنها مجادلة نوح ـ عليه السلام ـ لقومه الذين ركبوا رؤوسهم عنادا وازدادوا غيّا وفسادا، حيث قالوا له وهو يجادلهم في الله تعالى: (يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا)(10)
Photo

Post has attachment
12

آداب المناظرة:
لكي تكون المناظرة ناجحة وبناءة هادفة، ولكي يخرج الطرفان منها بفائدة ونتيجة مثمرة، يحسن بهما أن يتبعا آداب المناظرة التي تشير إليها الاية الكريمة: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)(26) وفيما يلي نذكر أهم الاداب التي ينبغي مراعاتها في المناظرة وهي:
1 ـ أن يكون (المناظِر) في طلب الحق كمنشد ضالة يكون شاكرا متى وجدها، ولا يفرق بين أن يظهر على يده أو على يد غيره، فيرى رفيقه معينا لا خصيما ويشكره إذا عرَّفه الخطأ وأظهر له الحق، كما لو أخذ طريقا في طلب ضالة فنبهه غيره على ضالته في طريق آخر، والحق ضالة المؤمن يطلبه كذلك، فحقه إذا ظهر الحق على لسان خصمه أن يفرح به ويشكره، لا أنه يخجله ويُسَوّد وجهه ويزيل لونه، ويجتهد في مجاهدته ومدافعته جُهْدَه.
2 ـ أن لا يمنع مُعينَه من الانتقال من دليل إلى دليل، ومن سؤال إلى سؤال، بل يمكِّنه من إيراد ما يحضره ويخرج من كلامه ما يحتاج إليه في إصابة الحق، فإن وجده في جملته أو استلزمه وإن كان غافلاً عن اللزوم فليقبله ويحمد الله تعالى، فإن الغرض إصابة الحق، وإن كان في كلام متهافت إذا حصل منه المطلوب.
فأما قوله: «هذا لا يلزمني فقد تركت كلامك الاول وليس لك ذلك» ونحو ذلك من أراجيف المناظرين، فهو محض العناد والخروج عن نهج السداد.وكثيرا ما ترى المناظرات في المحافل تنقضي بمحض المجادلات حتى يطلب المعترض الدليل عليه ويمنع المدعي ما هو عالم به، وينقضي المجلس على ذلك الانكار والاصرار على العناد، وذلك عين الفساد، والخيانة للشرع المطهر، والدخول في ذم من كتم عِلْمَه.
3 ـ أن يقصد بها إصابة الحق وطلب ظهوره كيف اتفق لا ظهور صوابه وغزارة علمه، وصحة نظره، فإن ذلك مراء قد عرفت ما فيه من القبائح والنهي الاكيد.
ومن آيات هذا القصد أن لا يوقعها إلا مع رجاء التأثير، فأما إذا علم عدم قبول المناظر للحق وأنه لا يرجع عن رأيه وإن تبين له خطأه فمناظرته غير جائزة لترتب الافات وعدم حصول الغاية المطلوبة منها.
4 ـ أن يناظر في واقعة مهمة، أو في مسألة قريبة من الوقوع، وأن يهتم بمثل ذلك، والمهم أن يبين الحق ولا يطول الكلام زيادة عما يحتاج إليه في تحقيق الحق.
ولا يغتر بأن المناظرة في تلك المسائل النادرة توجب رياضة الفكر وملكة الاستدلال والتحقيق، كما يتفق ذلك كثيرا لقاصدي حظ النفوس من إظهار المعرفة فيتناظرون في التعريفات وما تشتمل عليه من النقوض والتزييفات وفي المغالطات ونحوها، ولو اختبر حالهم حق الاختبار لوجد مقصدهم على غير ذلك الاعتبار(27) .
5 ـ أن يتخير الالفاظ الجزلة الفخمة، ويتجنب العبارات الركيكة العامية، ويتقي التمتمة والغلط في الالفاظ والاسلوب.
6 ـ أن يكون متمكنا من إيراد الامثال والشواهد من الشعر، والنصوص الدينية، والفلسفية، والعلمية، وكلمات العظماء، والحوادث الصغيرة الملائمة ـ وذلك عند الحاجة طبعا ـ بل ينبغي أن يكثر من ذلك ما وجد إليه سبيلاً وذلك يُعينه على تحقيق مقصوده وهدفه، والمثل الواحد قد يفعل في النفوس ما لا تفعله الحجج المنطقية من الانصياع إليه والتسليم به.
Photo
Wait while more posts are being loaded