أنا المعبر إلى صدقات المدينة
وأنا الجسر إلى الإحسان الأبدي
والسبيل إلى البشر المفقودين
حيث زودتني قدرة الخالق السامية
بأعلى درجات الحكمة والحب العظيم 
***
لم يخلق شيء من قبلي
فأنا الخلود في البدء وأنا الخلود عند المنتهى 
عليك إذاً أن تودع الأمل وأنت تهم بالدخول
***
الكلمات الداكنة والمجللة بالكآبة
المحفورة في أعلى المدخل
والتي أنا غايتها ومبتغاها
إنها يا إلهي قاسية علي
***
علمتني الممارسة أن لا أتخلى عن ظنوني
وأن لا بد للخوف من أن ينتهي إلى الأبد
***
نحن جئنا إلى هذا المكان المعلوم
حيث سيبقى الناس على أحزانهم
طالما أنهم لا يدركون محاسن الفطنة والفكر
***
وضع يده فوق يدي
باعثاً في نفسي السكينة والمسرة
ثم قادني عبر عالم من الأسرار
***
الآهات والشكوى والعويل
المتردد عبر الأجواء المدلهمة
جعلتني في البداية أنتحب من هول المخاطر الجسيمة
***
لعنات مرعبة منبعثة عبر لهجات متنوعة
ونبرات غضب وصرخات ألم مبرح
وأصوات عالية مبحوحة
وضجيج منبعث من اصطفاق الأيدي
***
هكذا طغت الجلبة على تلك الأجواء
وبقيت كدوامة سوداء أبدية
وكذرات رمل تتجاوب مع أنفاس الزوبعة
***
بعد أن أثقلني الرعب المنصب على رأسي
صحت " يا سيدي .. ما هذا الذي أسمع؟
ومن هم هؤلاء القوم الذين قهرهم الضنى ؟ "
***
أجابني بأنها التعاسة التي تنتاب الأرواح الكئيبة
لأولئك الذين أمضوا حياتهم دون شهرة أو إطراء
***
وهي تختلط مع التراتيل الوجلة
المنبعثة من الملائكة
من الذين لم يكونوا متمردين
كما لم يكونوا مخلصين للله
بل كانوا أسرى ذواتهم
***
عندما نبذتهم السماء 
ولم تكن في ذلك ظالمة لهم
صار مآلهم إلى الدرك الأسفل من الجحيم
وسوف لن ينال أي من هؤلاء الملعونين المجد أبداً 
***
سألت سيدي عن حالي
وأنا أشهدهم يتحسرون على مصيرهم المؤلم
فرد علي سيدي بأنه سوف يجيبني في إيجاز
***
لم يعد لهؤلاء أمل في الموت
وحياتهم صارت عمياء ومنحطة 
لدرجة أنهم أصبحوا يحسدون كل من له مصير آخر
***
سوف لن تسمح الدنيا لهم بمجد أو شهرة
وستترفع عنهم الرحمة ، ويجافيهم العدل
فدعنا لا نحدثهم.. بل ننظر إليهم ونمضي
***
أرجعت البصر كرتين
حاملاً لوائي الذي بدأ يدور ويخفق بسرعة ..
وعند توقفه عن الخفقان
بدا ساخطاً وناقماً 
***
بعدها جاءت طوابير ممتدة من البشر
لدرجة أنني لم أصدق أبداً
أن هناك كل هذه الأعداد من الذين أغفلهم الموت
***
عندما أمعنت النظر 
تعرفت على بعضهم
حتى أصبت ظل ذلك الجبان
الذي حقق الفرار المشين
***
إثر ذلك أدركت وأيقنت
أن هذه هي طائفة الجبناء المنبوذين
المبغضين من الله ومن أعدائه
***
لم يكن هؤلاء الكفرة أحياء أبداً
حيث ظلوا عراة
توخزهم لسعات الذباب والدبابير
***
كانت وجوههم ملطخة بالدم 
الممتزج مع دموعهم 
وهي تسيل حتى أخمص أقدامهم
ملتقى الديدان المقززة
***
طوفت ببصري في الأفق البعيد
ورأيت الناس يطلون على شاطئ نهر فياض
حينها سألت الله أن يتلطف بي
***
ليتني أعرف من هم 
هؤلاء الذين لا أكاد أتبينهم
وبأي شريعة يبدون كل هذا الإقدام
وهم يعبرون إلى الشاطئ الآخر
***
أجابني سيدي بأن كل شيء سوف ينجلي بعد حين
حينما تقر خطى أقدامنا
في شاطئ الجحيم الموحش 
***
بنظرات خجولة ومنكسرة
وخشية من أن تكون كلماتي مثيرة لضيق سيدي
سكت عن الكلام حتى أبلغ النهر
***
لعجبي رأيت عجوزاً يكسو رأسه الشيب
ووقار السنين
وهو يصيح " الويل لك .. لقد فسدت روحك"
***
أرجو أن لا ترنو ببصرك إلى السماء مرة أخرى
فلقد جئت كي أقودك إلى الشاطئ الآخر
إلى الظلال الوارفة أبداً
في الدفء وفي الصقيع
***
وأنت أيتها الروح الحية الباقية
لتخرجي من هؤلاء الناس 
الذين هم موتى
لكن عندما رآني لم أخرج 
قال إنك سوف تأتين إلى الشاطئ بوسائل أخرى 
دون أن تمري من هنا
حيث لا بد من أن تحملك مركبة أكثر لطفاً
***
وأنت أيها الدليل لا تحتار هكذا
فأنها إرادتي الغالبة
وعندما تنعقد الإرادة
ينبغي الكف عن السؤال
***
هنا هدأت خلجات العجوز
ربان مركب المستنقع الشاحب
وبدت هالات من اللهب تومض حول عينيه 
***
جميع الأرواح المعذبة العارية
تغير لونها
واصطكت أسنانها
عند سماعها لهذه الكلمات القاسية
***
لقد سبوا الإله
ولعنوا الأسلاف والبشر والمكان والزمان
لعنوا حتى بذرة نشأتهم ومولدهم
***
ثم تراجعوا إلى الوراء
وهم ينتحبون بحرقة أمام الشاطئ الملعون
الذي هو مآل جميع من لا يخشون الله
***
سوف يرمقهم الشيطان
بنظراته الحادة المنبعثة من عيون كعيون الصقر
ويجمعهم سوياً
ويضرب بمجدافه كل من يتخلف منهم
***
وكما تتساقط أوراق الخريف
عندما تطرح الأغصان غنائمها
يتهاوون الواحد تلو الآخر
***
كذلك تتفتق بذرة الشر
ويلقى بهم من حافة الهاوية واحداً إثر آخر
وفقاً لإشارات معلومة
يذعنون لها كما يمضي الطائر نحو الطعم
***
وهكذا يتفرقون عبر أمواج الغسق
لينتهي بهم المطاف على الجانب الآخر
ريثما تتجمع من جديد فرقة أخرى على هذا الجانب
***
"يا بني . ." قالها سيدي المتلطف بي
إن جميع من حق عليهم العقاب الإلهي
من كل أصقاع الأرض
يلتقون هنا
***
بدأوا يتأهبون لعبور النهر
يدفعهم العدل الإلهي دفعاً
حتى كأن خوفهم من المصير تحول إلى رغبة
***
هذا الطريق لا تمر به روح خيرة
وإذا ما اشتكى منك الشيطان فلتتبين
ماذا يعني بحديثه ذاك
***
لقد زلزلت أركان الأرض عند الغسق
من هول ذلك الرعب
الذي تجعلني ذكراه أتصبب عرقاً
***
وعندما غمرت الأرض الدموع
وعلا فيها صفير الريح
تفجر فيض من الضوء القرمزي
وسيطر على مشاعري ..
فسقطت مثل إنسان جافاه الكرى 
#الجحيم
Wait while more posts are being loaded