المكائد التي يكيد بها الشيطان لبني آدم
تابع الفتنة بالقبور
وفى الصحيحين أيضا عن أبى هريرة رضى الله عنه:
أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ تعالى عليه وآله وسلم قالَ: " قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيَائهِمْ مَسَاجِدَ".
وفى رواية مسلم: "لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائهِمْ مَسَاجِدَ".
فقد نهى عن اتخاذ القبور مساجد فى آخر حياته، ثم إنه لعن وهو فى السياق من فعل ذلك من أهل الكتاب، ليحذر أمته أن يفعلوا ذلك.
قالت عائشة رضى الله عنها: قال رسولُ الله صلى اللهُ تعالى عليه وآله وسلمَ فى مَرَضِه الَّذِى لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: "لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائهِمْ مَسَاجِدَ، وَلَوْلا ذلِكَ لأبْرِزَ قَبُرهُ غَيْرَ أنَّهُ خُشِىَ أنْ يُتَّخَذَ مَسْجِداً" متفق عليه.
وقولها: "خشى" هو بضم الخاء تعليلا لمنع إبراز قبره.
وروى الإمام أحمد فى مسنده بإسناد جيد عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "إِنَّ مِنْ شِرَار النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ القُبُورَ مَسَاجدَ".
وعن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قبُورَ أنْبِيَائهِمْ مَسَاجِدَ" رواه الإمام أحمد.
وعن ابن عباس قال: "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ تعالى عَليْه وسَلمَ زَائرَاتِ القُبُورِ وَالمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا المَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ" رواه الإمام أحمد وأهل السنن.
وفى صحيح البخارى: أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه رأى أنس بن مالك يصلى عند قبر، فقال: القبر، القبر. وهذا يدل على أنه كان من المستقر عند الصحابة رضى الله عنهم ما نهاهم عنه نبيهم من الصلاة عند القبور. وفعل أنس رضى الله عنه لا يدل على اعتقاده جوازه، فإنه لعله لم يره، أو لم يعلم أنه قبر، أو ذهل عنه. فلما نبهه عمر رضى الله تعالى عنه تنبه.
وقال أبو سعيد الخدرى رضى الله تعالى عنه: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "الأرْضُ كُلهَا مَسْجِدٌ إِلا الْمَقبَرَةَ وَالْحَمامَ".
رواه الإمام أحمد وأهل السنن الأربعة، وصححه أبو حاتم بن حبان
وأبلغ من هذا: أنه نهى عن الصلاة إلى القبر، فلا يكون القبر بين المصلى وبين القبلة.
فروى مسلم فى صحيحه عن أبى مرثد الغنوى رحمه الله أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال:
"لا تجْلِسُوا عَلَى القُبُورِ وَلا تُصَلوا إِلَيْهَا".
يتبع ....

من كتاب إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان

غدا بمشيئة الله نواصل

السلام عليكم
من كتاب فقه السنة للسيد سابق رحمه الله
تابع الطلاق
الطلاق بالكتابة:
والكتابة يقع بها الطلاق، ولو كان الكاتب قادرا على النطق، فكما أن للزوج أن يطلق زوجته باللفظ، فله أن يكتب إليها الطلاق.
واشترط الفقهاء: أن تكون الكتابة مستبينة مرسومة.
ومعنى كونها مستبينة: أي بينة واضحة بحيث تقرأ في صحيفة ونحوها.
ومعنى كونها مرسومة: أي مكتوبة بعنوان الزوجة بأن يكتب إليها: يا فلانة، أنت طالق، فإذا لم يوجه الكتابة إليها بأن كتب على ورقة: أنت طالق، أو زوجتي طالق، فلا يقع الطلاق إلا بالنية، لاحتمال أنه كتب هذه العبارة من غير أن يقصد إلى الطلاق.
وإنما كتبها لتحسين خطه مثلا.

سورة البقرة (٢) : آية ١٤٢

سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (١٤٢)

قوله تعالى: سيقول السفهاء من الناس.
فيهم ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهم اليهود، قاله البراء بن عازب، ومجاهد، وسعيد بن جبير.
والثاني: أنهم أهل مكة، رواه أبو صالح عن ابن عباس.
والثالث: أنهم المنافقون، ذكره السدي عن ابن مسعود، وابن عباس.
وقد يمكن أن يكون الكل قالوا ذلك، والآية نزلت بعد تحويل القبلة.
والسفهاء: الجهلة.
ما ولاهم، أي: صرفهم عن قبلتهم، يريد: قبلة المقدس.
واختلف العلماء في مدة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، بعد قدومه المدينة على ستة أقوال:
أحدها: أنه ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر، قاله البراء بن عازب(١).
والثاني: سبعة عشر شهرا، قاله ابن عباس.
والثالث: ثلاثة عشر شهرا، قاله معاذ بن جبل.
والرابع: تسعة أشهر، قاله أنس بن مالك.
والخامس: ستة عشر شهرا.
والسادس: ثمانية عشر شهرا، روي القولان عن قتادة.
وهل كان استقباله بيت المقدس برأيه، أو عن وحي؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه كان بأمر الله تعالى ووحيه، قاله ابن عباس «٢» ، وابن جريج. والثاني: أنه كان باجتهاده ورأيه، قاله الحسن وأبو العالية، وعكرمة، والربيع.
وقال قتادة: كان الناس يتوجهون إلى أي جهة شاؤوا، بقوله: ولله المشرق والمغرب.
ثم أمرهم باستقبال بيت المقدس.
وفي سبب اختياره بيت المقدس قولان:
أحدهما: ليتألف أهل الكتاب، ذكره بعض المفسرين. والثاني: لامتحان العرب بغير ما ألفوه، قاله الزجاج.
____________
(١)صحيح. أخرجه البخاري ٤٤٨٦ و ٧٢٥٢ ومسلم ٥٢٥ والترمذي ٣٤٠ وأحمد ٤/ ٢٨٣ وابن ماجة ١٠١٠ وابن حبان ١٧١٦ عن البراء رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا- أو سبعة عشر شهرا- وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى صلاة العصر وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل المسجد وهم راكعون قال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله: وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤف رحيم. واللفظ للبخاري.
- وقال الحافظ في «الفتح» ١/ ٩٦- ٩٧ تعليقا على قوله في الحديث «ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا» :
رواه أبو عوانة في صحيحه عن عمار بن رجاء وغيره عن أبي نعيم فقال «ستة عشر» من غير شك وكذا لمسلم وللنسائي ولأحمد بسند صحيح عن ابن عباس. وللبزار والطبراني من حديث عمرو بن عوف «سبعة عشر» وكذا للطبراني عن ابن عباس. والجمع بين الروايتين سهل بأن يكون من جزم بستة عشر لفق من شهر القدوم وشهر التحويل شهرا وألغى الزائد، ومن جزم بسبعة عشر عدهما معا، ومن شك تردد في ذلك، وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور، ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس. وقال ابن حبان «سبعة عشر شهرا وثلاثة أيام» وهو مبني على القدوم الذي كان في ثاني عشر شهر ربيع الأول. ومن الشذوذ رواية «ثمانية عشر شهرا» وثلاثة عشر شهرا ورواية تسعة أشهر أو عشرة أشهر ورواية شهرين ورواية سنتين، وهذه الأخيرة يمكن حملها على الصواب. وأسانيد الجميع ضعيفة. والاعتماد على القول الأول.
(٢) هذا الراجح، فقد أخرج أحمد ٢٢٥٢ والبزار كما في «المجمع» ١٩٦٧ كلاهما عن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو بمكة نحو البيت المقدس والكعبة بين يديه، وبعد ما هاجر إلى المدينة ستة عشر شهرا، ثم صرف إلى الكعبة» سكت عليه الحافظ في «تخريجه» ١/ ٢٠٠ وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح اه. وله شواهد كثيرة.

من كتاب زاد المسير في علم التفسير لأبن الجوزي رحمه الله

غدا بمشيئة الله نواصل 

المكائد التي يكيد بها الشيطان لبني آدم
تابع الفتنة بالقبور
قال شيخنا: "وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور هي التي أوقعت كثيراً من الأمم إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك. فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وتماثيل يزعمون أنه طلاسم للكواكب ونحو ذلك. فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر. ولهذا نجد أهل الشرك كثيراً يتضرعون عندها، ويخشعون ويخضعون، ويعبدونهم بقلوبهم عبادة
لا يفعلونها في بيوت الله، ولا وقت السحر. منهم من يسجد لها. وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد. فلأجل هذه المفسدة حسم النبي صلى الله تعالى عليه وآلة وسلم مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا، وإن لم يقصد المصلى بركة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المساجد، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها، لأنها أوقات يقصد المشركون الصلاة فيها للشمس. فنهى أمته عن الصلاة حينئذ، وإن لم يقصد المصلى ما قصده المشركون، سدا للذريعة".
قال: وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند القبور متبركاً بالصلاة في تلك البقعة، فهذا عين المخادعة لله ولرسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله تعالى. فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله صلى الله تعالى عليه وآلة وسلم أن الصلاة عند القبور منهى عنها، وأنه لعن من اتخذها مساجد. فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك الصلاة عندها واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها. وقد تواترت النصوص عن النبي عليه الصلاة والسلام بالنهى عن ذلك والتغليظ فيه. فقد صرح عامة الطوائف بالنهى عن بناء المساجد عليها، متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة. وصرح أصحاب أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريم ذلك. وطائفة أطلقت الكراهة. والذي ينبغي أن يحمل على كراهة التحريم إحسانا للظن بالعلماء، وألا يظن بهم أن يجوزوا فعل ما تواتر عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآلة وسلم لعن فاعله والنهى عنه. ففي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي قال:
سَمعتُ رسولَ الله صلى اللهُ تعالى عليهِ وآلة وسلم قبل أنْ يَموتَ بخمْسٍ وَهوَ يقول: "إني أبْرَأُ إِلى اللهِ أَنْ يَكُون لي مِنْكمْ خَلِيلا. فَإنَّ اللهَ تَعَالى قَدِ اتخذني خَلِيلا، كما اتّخَذَ إِبْرَاهِيم خَلِيلاً، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذا مِنْ أُمَّتىِ خَلِيلاً لاتّخَذْتُ أَبَا بكْرٍ خَليلا ألا وَإِنَّ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ كانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائهِمْ مَسَاجِدَ، أَلا فَلاَ تَتَّخِذوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، فإني أَنْهَاكُمْ عَنْ ذلِكَ".
وعن عائشة وعبد الله بن عباس قالا: "لمّا نُزلَ بِرَسُولِ الله صلى اللهُ تعالى عليه وآلة وسلم طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لهُ عَلَى وَجْهِهِ. فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا فَقَالَ: وَهُوَ كَذلِكَ، لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيَائهِم مَسَاجِدَ، يُحذرُ مَا صَنَعُوا" متفق عليه.
يتبع....

من كتاب إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم رحمه الله

غدا بمشيئة الله نواصل

سورة البقرة (٢) : الآيات ١٤٠ الى ١٤١

أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون (١٤٠) تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون (١٤١)

قوله تعالى: أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل.. الآية. سبب نزولها: أن يهود المدينة، ونصارى نجران قالوا للمؤمنين: إن أنبياء الله كانوا منا من بني إسرائيل، وكانوا على ديننا، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل «١» . ومعنى الآية: إن الله قد أعلمنا بدين الأنبياء، ولا أحد أعلم به منه.
قرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر، وأبو عمرو «أم يقولون» بالياء على وجه الخبر عن اليهود. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم: تقولون بالتاء لأن ما قبلها مخاطبة، وهي أتحاجوننا، وبعدها قل أأنتم أعلم.
وفي الشهادة التي كتموها قولان:
أحدهما: أن الله تعالى شهد عندهم بشهادة لإبراهيم ومن ذكر معه أنهم كانوا مسلمين، فكتموها، قاله الحسن، وزيد بن أسلم.
والثاني: أنهم كتموا الإسلام وأمر محمد وهم يعلمون أنه نبي ودينه الإسلام، قاله أبو العالية، وقتادة.
___________
(١) عزاه لمقاتل وهو متروك متهم كما تقدم، فهذا السبب ليس بشيء.

من كتاب زاد المسير في علم التفسير لأبن الجوزي رحمه الله

غدا بمشيئة الله نواصل
 

السلام عليكم
من كتاب فقه السنة للسيد سابق رحمه الله
الطلاق
تابع ما يقع به الطلاق
الكناية:
ما يحتمل الطلاق وغيره، مثل: أنت بائن، فهو يحتمل البينونة (١) عن الزواج، كما يحتمل البينونة عن الشر.
ومثل: أمرك بيدك، فإنها تحتمل تمليكها عصمتها.
كما تحتمل تمليكها حرية التصرف.
ومثل: أنت علي حرام، فهي تحتمل حرمة المتعة بها، وتحتمل حرمة إيذائها.
والصريح: يقع به الطلاق من غير احتياج إلى نية تبين المراد منه، لظهور
دلالته ووضوح معناه.
ويشترط في وقوع الطلاق الصريح: أن يكون لفظه مضافا إلى الزوجة، كأن يقول: زوجتي طالق، أو أنت طالق.
أما الكناية فلا يقع بها الطلاق إلا بالنية، فلو قال الناطق بلفظ الصريح: لم أرد الطلاق ولم أقصده، وإنما أردت معنى آخر، لا يصدق قضاء، ويقع طلاقه.
ولو قال الناطق بالكناية: لم أنو الطلاق، بل نويت معنى آخر، يصدق قضاء، ولا يقع طلاقه، لاحتمال اللفظ معنى الطلاق وغيره، والذي يعين المراد هو النية، والقصد، وهذا مذهب مالك، والشافعي، لحديث عائشة رضي لله عنها، عند البخاري وغيره.
" أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودنا منها، قالت: أعوذ بالله منك، فقال لها: " عذت بعظيم، الحقي بأهلك "
وفي الصحيحين وغيرهما في حديث تخلف كعب بن مالك لما قيل له: " رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقال: أطلقها أم ماذا أفعل؟! قال: بل اعتزلها. فلا تقربنها، فقال لامرأته: الحقي بأهلك ".
فأفاد الحديثان، أن هذه اللفظة تكون طلاقا مع القصد، ولا تكون طلاقا مع عدمه.
وقد جرى عليه العمل الآن، حيث جاء في القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ في المادة الرابعة منه:
" كنايات الطلاق: وهي ما تحتمل الطلاق أو غيره لا يقع بها الطلاق إلا بالنية ".
أما مذهب الاحناف: فإنه يرى أن كنايات الطلاق يقع بها الطلاق بالنية، وأنه يقع بها أيضا الطلاق بدلالة الحال.
ولم يأخذ القانون، بمذهب الاحناف في الاكتفاء بدلالة الحال، بل اشترط أن ينوي المطلق بالكناية الطلاق.
____________
(١) إذ أن البينونة معناها البعد والمفارقة.
 

سورة البقرة (٢) : آية ١٣٩

قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون (١٣٩)

قوله تعالى: قل أتحاجوننا في الله، قال ابن عباس: يريد: يهود المدينة، ونصارى نجران.
والمحاجة: المخاصمة في الدين، فان اليهود قالت: نحن أهل الكتاب الأول. وقيل: ظاهرت اليهود عبدة الأوثان، فقيل لهم: تزعمون أنكم موحدون، ونحن نوحد، فلم ظاهرتم من لا يوحد؟! قوله تعالى: ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم، قال أكثر المفسرين: هذا الكلام اقتضى نوع مساهلة، ثم نسخ بآية السيف.

من كتاب زاد المسير في علم التفسير لأبن الجوزي رحمه الله

غدا بمشيئة الله نواصل

السلام عليكم
من كتاب فقه السنة للسيد سابق رحمه الله
تابع الطلاق
هل تحريم المرأة يقع طلاقا؟
إذا حرم الرجل امرأته، فإما أن يريد بالتحريم تحريم العين، أو يريد الطلاق بلفظ التحريم غير قاصد لمعنى اللفظ، بل قصد التسريح: ففي الحالة الاولى، لا يقع الطلاق، لما أخرجه الترمذي عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: (آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه، فجعل الحرام (١) حلالا. وجعل في اليمين كفارة) .
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: (إذا حرم الرجل امرأته، فهي يمين يكفرها.
ثم قال: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) .
وأخرج النسائي عنه: " أنه أتاه رجل فقال: إني جعلت امرأتي علي حراما فقال: كذبت، ليست عليك حرام، ثم تلا هذه الآية: " يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك. تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم.
قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم (١) ". عليك أغلظ الكفارة: عتق رقبة ".
وفي الحالة الثانية: يقع الطلاق، لان لفظ التحريم كناية كسائر الكنايات.
___________
(١) جعل الشئ الذي حرمه حلالا بعد تحريمه.
(٢) هذه الآية مصرحة بأن التحريم يمين.
  

المكائد ألتي يكيد بها الشيطان لبني آدم

ومن أعظم مكايده التي كاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إلا من لم يرد الله تعالى فتنته: ما أوحاه قديما وحديثا إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور. حتى آل الأمر فيها إلى أن عبد أربابها من دون الله، وعبدت قبورهم، واتخذت أوثانا، وبنيت عليها الهياكل، وصورت صور أربابها فيها، ثم جعلت تلك الصور أجسادا لها ظل، ثم جعلت أصناما، وعبدت مع الله تعالى.
وكان أول هذا الداء العظيم في قوم نوح، كما أخبر سبحانه عنهم في كتابه، حيث يقول:
{قَالَ نُوحٌ رَب إنهم عَصَوْنِى وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلا خَسَارًا وَمَكرُوا مَكْرًا كبَّارًا وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا} [نوح: 21-24] .
قال ابن جرير: "وكان من خبر هؤلاء فيما بلغنا ما حدثنا به ابن حميد حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس: أن يغوث ويعوق ونسراً كانوا قوماً صالحين من بنى آدم. وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورّناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم. فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دبّ إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم".
قال سفيان عن أبيه عن عكرمة قال: "كان بين آدم ونوح عليهما السلام عشرة قرون، كلهم على الإسلام". حدثنا ابن عبد الأعلى حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في هذه الآية قال: "كانت آلهة يعبدها قوم نوح، ثم عبدتها العرب بعد ذلك، فكان ودّ لكلب بدومة الجندل، وكان سواع لهذيل. وكان يغوث لبنى غطيف من مراد. وكان يعوق لهمدان. وكان نسر لذى الكلاع من حمير".
وقال الوالبى، عن ابن عباس: "هذه أصنام كانت تعبد في زمان نوح عليه السلام". وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام عن ابن جريج قال: قال عطاء عن ابن عباس: "صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد. أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل. وأما سواع فكانت لهذيل. وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبنى غطيف بالجرف عند سبأ. وأما يعوق فكانت لهمدان. وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح. فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انْصُبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونسى العلم، عبدت".
وقال غير واحد من السلف: كان هؤلاء قوماً صالحين في قوم نوح عليه السلام، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوّروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم.
فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل. وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول الله صلى الله تعالى عليه وآلة وسلم في الحديث المتفق على صحته عن عائشة رضى الله عنها:
"أَنَّ أُمَّ سَلمَةَ رَضىَ اللهُ عَنْهَا ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ تَعالى عليهِ وآلة وَسلمَ كَنِيسَة رَأَتْهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، يُقَالُ لهَا: مَارِيَة. فَذَكَرَتْ لَهُ مَا رَأَتْ فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله تعالى عليه وآلة وسَلّم: أُولِئكَ قَوْمٌ إذَا مَاتَ فِيهِمُ الْعَبْدُ الصَّالِحُ، أوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولِئكَ شِرَارُ الْخَلقِ عِنْدَ اللهِ تَعالَى".
وفى لفظ آخر في الصحيحين:
"أنَّ أُمَّ حَبيبَةَ وَأُمَّ سَلمَةَ ذَكَرَتَا كنَيِسَةً رَأَيْنَهَا".
فجمع في هذا الحديث بين التماثيل والقبور، وهذا كان سبب عبادة اللات.
فروى ابن جرير بإسناده عن سفيان عن منصور عن مجاهد:
{أفَرَأيْتُمُ الَّلاتَ وَالْعُزَّى} [النجم: 19] .
قال: "كان يلت لهم السويق. فمات، فعكفوا على قبره".
وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس رضى الله عنهما: "كان يلت السويق للحاج".
فقد رأيت أن سبب عبادة وَدّ ويغوث ويعوق ونسراً واللات إنما كانت من تعظيم قبورهم ثم اتخذوا لها التماثيل وعبدوها كما أشار إليه النبي صلى الله تعالى عليه وآلة وسلم.
قال شيخنا: "وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور هي التي أوقعت كثيراً من الأمم إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك. فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وتماثيل يزعمون أنه طلاسم للكواكب ونحو ذلك. فإن الشرك بقبر الرجل الذى يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر. ولهذا نجد أهل الشرك كثيراً يتضرعون عندها، ويخشعون ويخضعون، ويعبدونهم بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله، ولا وقت السحر. منهم من يسجد لها. وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد. فلأجل هذه المفسدة حسم النبي صلى الله تعالى عليه وآلة وسلم مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا، وإن لم يقصد المصلى بركة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المساجد، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها، لأنها أوقات يقصد المشركون الصلاة فيها للشمس. فنهى أمته عن الصلاة حينئذ، وإن لم يقصد المصلى ما قصده المشركون، سدا للذريعة".

من كتاب إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن الجوزي رحمه الله

غدا بمشيئة الله نواصل

سورة البقرة (٢) : آية ١٣٨

صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون (١٣٨)

قوله تعالى: صبغة الله.
سبب نزولها: أن النصارى كانوا إذا ولد لأحدهم ولد، فأتى عليه سبعة أيام، صبغوه في ماء لهم، يقال له: المعمودية، ليطهروه بذلك، ويقولون: هذا طهور مكان الختان، فاذا فعلوا ذلك قالوا: صار نصرانيا حقا، فنزلت هذه الآية «١» ، قاله ابن عباس.
قال ابن مسعود وابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، والنخعي، وابن زيد: صبغة الله: دينه.
قال الفراء: صبغة الله مردودة على الملة «٢» . وقرأ ابن عبلة: «صبغة الله» بالرفع على معنى: هذه صبغة الله. وكذلك قرأ: «ملة إبراهيم» بالرفع أيضا على معنى: هذه ملة إبراهيم.
قال ابن قتيبة: المراد بصبغة الله: الختان، فسماه صبغة، لأن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في ماء ويقولون: هذا طهرة لهم، كالختان للحنفاء، فقال الله تعالى: صبغة الله، أي: الزموا صبغة الله، لا صبغة النصارى أولادهم، وأراد بها ملة ابراهيم، وقال غيره: إنما سمي الدين صبغة لبيان أثره على الإنسان، كظهور الصبغ على الثوب.
_________
(١) ذكره الواحدي في «أسباب النزول» عن ابن عباس بدون إسناد، فهو لا شيء. وأخرجه الطبري ٢١١٨ عن قتادة.
(٢) أي بدل منها.
 
من كتاب زاد المسير في علم التفسير لأبن الجوزي رحمه الله

غدا بمشيئة الله نواصل
Wait while more posts are being loaded