ألقى الأخ عبدالرؤوف حمادي خطبة جمعة في مسجدالسنة في قرية الظاهر في تاريخ23شعبان1438هجريه

عنوان الخطبةكيف نستقبل شهر رمضان؟ الخطبةعناصر الخطبة1/ موسِم عظيم وشهر كريم 2/ أسباب الخير في رمضان كثيرة ظاهرة 3/ كثرة الطاعات والقُرُبات في رمضان 4/ شهر التوبة 5/ تبييت نية الصيام من الليل.

لقد نزلَ بكم موسِمٌ عظيمٌ، وشهرٌ كريمٌ، تتنزَّلُ فيه الخيراتُ والبركات، وتُكفَّرُ فيه السيئات؛ شهرُ رمضان الذي فضَّله الله تعالى. زمنُ رمضان مُبارَك، جمعَ الله فيه العبادات: الصيام مع الصلوات، والزكاة لمن زكَّى فيه، والصدقات، والحجَّ الأصغَر العُمرة، وكثرة تلاوة القرآن، وأنواع الذكر، والأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر، وبقيَّة الطاعات لمن أراد أن يستكثِرَ من القُرُبات. فأسبابُ الخير فيه كثيرةٌ ظاهرةٌ، وأسبابُ الشرِّ في رمضان قليلةٌ صاغِرة، ويُحال فيه بين الشياطين وبين ما تُريد من الإفساد والغوايةِ للمُسلم، وصدِّه عن الطاعة.







الخطبة الأولى:



الحمدُ لله، الحمدُ لله العزيز الغفار، يخلقُ ما يشاءُ ويختار، (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ) [النور: 44]، أحمدُ ربي وأشكرُه، وأتوبُ إليه وأستغفرُه، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحدُ القهَّار، وأشهدُ أن نبيَّنا وسيِّدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه المُجتبَى المُختار، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدِك ورسولِك محمدٍ، وعلى آله وصحبِه الأبرار.



أما بعد:

فاتقوا الله وأطيعُوه؛ فما شقِيَ بطاعةِ الله أحد، وما سعِدَ بمعصيةِ الله أحد.



عباد الله:

ثِقُوا بوعدِ الله على صالح الأعمال، واجتهِدُوا لحُسن العاقبةِ والمآل؛ فربُّكم شكورٌ عليم، غنيٌّ كريم، يدعوكُم للتقرُّب إليه بما يحبُّ، وهو غنيٌّ عن الطاعات، ويُحذِّرُكم من العِصيان، وهو لا يضُرُّه من أقامَ على المُوبِقات، قال الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [فصلت: 46]، وقال - سبحانه -: (وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) [آل عمران: 144].



وكُونوا - أيها الناسِ - على خوفٍ من وعيدِ الله؛ فما نزلَ بأحدٍ إلا أرداه، وما أحاطَ بمُعرِضٍ وغافلٍ إلا عذَّبَه وأشقاه، قال الله تعالى: (وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى) [طه: 81].



عجَبًا لمن يعملُ للدنيا وينسَى الآخرة؛ فالدنيا تُنالُ بعمل، وتُنالُ بغير عملٍ لمن كان عاجزًا عن العمل. وأما الآخرةُ ونعيمُها فلا تُنالُ إلا بعمل، قال الله تعالى: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [الزخرف: 72].



أيها المسلمون:

لقد نزلَ بكم موسِمٌ عظيمٌ، وشهرٌ كريمٌ، تتنزَّلُ فيه الخيراتُ والبركات، وتُكفَّرُ فيه السيئات؛ شهرُ رمضان الذي فضَّله الله تعالى.

عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «سيِّدُ الشهور: رمضان، وأعظمُ حُرمةً: ذو الحجَّة» (رواه البزار).



قال الله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) [البقرة: 185].

زمنُ رمضان مُبارَك، جمعَ الله فيه العبادات: الصيام مع الصلوات، والزكاة لمن زكَّى فيه، والصدقات، والحجَّ الأصغَر العُمرة، وكثرة تلاوة القرآن، وأنواع الذكر، والأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر، وبقيَّة الطاعات لمن أراد أن يستكثِرَ من القُرُبات.



فأسبابُ الخير فيه كثيرةٌ ظاهرةٌ، وأسبابُ الشرِّ في رمضان قليلةٌ صاغِرة، ويُحال فيه بين الشياطين وبين ما تُريد من الإفساد والغوايةِ للمُسلم، وصدِّه عن الطاعة.



عن أبي هريرة رضي الله عنه-، عن النبي - صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا دخلَ رمضان فُتِّحت أبوابُ الجنة، وأُغلِقَت أبوابُ جهنَّم، وسُلسِلَت الشياطين» (رواه البخاري ومسلم).



وأنواعُ الثوابِ والنعيمِ في الجنة لأنواع الطاعات والعبادات في الدنيا؛ فكل طاعةٍ لها ثوابٌ ونعيمٌ، قال الله تعالى: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) [الحاقة: 24].



وعن سهل بن سعدٍ - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «في الجنةِ بابٌ يُدعَى الريَّان، يُدعَى له الصائِمون؛ فمن كان من الصائمين دخلَه، ومن دخلَه لم يظمَأ أبدًا» (رواه البخاري ومسلم).



وأعظمُ تكريمٍ لمن دخلَ الجنة: النظرُ إلى وجهِ الله الكريم، وهو جزاءُ الإحسان بعبادةِ الله كأنَّ المُسلم يراه، قال الله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) [يونس: 26].



وفسَّر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الزيادةَ بالنظرِ إلى وجهِ الله الكريم، كما في حديث سلمان - رضي الله عنه - الذي رواه مسلم، فالجزاءُ من جنسِ العمل.



كما أن أنواعَ العذابِ لأنواع المعاصِي؛ فأكل الزقُّوم وشرابُ الحميم جزاءُ أكل الرِّبا والحرام، وشراب المُسكِر والمُخدِّرات. وصبُّ الماء الحار على الرأس جزاءُ الكِبر والتعاظُم على امتِثال الشرع، قال الله تعالى: (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) [الدخان: 43- 49].

فالجزاءُ من جنسِ العمل في الدنيا والآخرة.



أبشِروا - أيها المسلمون -ببِشارة رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابِه برمضان؛ فقد كان يُبشِّرُهم به في آخر شعبان ليستعِدُّوا.



فاستقبِلوا هذا الشهر بكل خيرٍ، وأعِدُّوا له العُدَّة. فاستقبِلُوه بالإخلاص لله، والاحتِساب، والفرح الشديد بأن الله بلَّغَكم إياه، قال الله تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس: 58].

واستقبِلوه بالتوبة من كل ذنبٍ، ليمحُو الله به ما سلَفَ من الذنوبِ.



واستقبِلوه بردِّ المظالِم لأهلها، وإعطاء الحُقوق لأهلها؛ ليحفظَ لك ربُّك الحسنات، ويُكفِّر عنك السيئات.

وتذكَّر أنه سيأتي يومٌ لا تُدرِكُ رمضان. فكُن مُستعِدًّا للموت وما بعدَه من الأهوال.



واحفَظ صيامَك من اللغو والرَّفَث، والغِيبة والنَّميمة، وقولِ الباطل، والمعاصِي، والنظر إلى المُحرَّمات. واحفَظ قلبَك من خواطِر السُّوء؛ فإن مداخِل الشيطان على الإنسان هي خواطِرُ السوء.

عن ابن عُمر - رضي الله عنهما -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «رُبَّ صائمٍ حظُّه من صيامِه الجُوعُ والعطش، ورُبَّ قائمٍ حظُّه من قيامِه السهرُ» (رواه الطبراني في "الكبير"، وقال المُنذِريُّ: وإسنادُه لا بأس به).



وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من لم يدَع قولَ الزُّور والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يدَعَ طعامَه وشرابَه» (رواه البخاري وأبو داود والترمذي).



وعن أبي عُبيدة - رضي الله عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الصومُ جُنَّة -أي: وقاية ما لم يخرِقها» (رواه النسائي والطبراني في "الأوسط"، وزادَ: قيل بما يخرِقُها؟ قال: «بكذِبٍ أو غِيبَة».



وليُعظِّم المُسلمُ ثوابَ صيامه بكثرة الطاعات والقُرُبات في رمضان؛ من تلاوة القرآن، فإن رمضان هو شهرُ القرآن، نزل فيه. وكثرة الذكر، والاستغفار، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وكثرتها، والصدقات والهدية ابتِغاء وجهِ الله، وأنواع الإحسان؛ كتعليم العلم، والأمر بالخير، والحثِّ عليه، والنهي عن الشرِّ والتحذير منه. فكثرةُ الطاعات مع الصيام تزيدُ في ثوابِ الصيام.



ومن فطَّر صائمًا كان له مثلُ أجرِه، من غير أن ينقُص من أجرِه شيء.

ولا تزهَدَنَّ - أيها المسلم - في التراويح والقيام، ولاسيَّما الاجتهادُ في ليلةِ القدر في العشرِ الأواخِر.

وصيامُ رمضان كفَّارةٌ للذنوبِ؛ عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من صامَ رمضان إيمانًا واحتِسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبِه» (رواه البخاري).



وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من قامَ رمضان إيمانًا واحتِسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبِه» (رواه البخاري ومسلم).



وعن عُبادة بن الصامِت - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في ليلة القدر: «التمِسُوها في العشر الأواخر، فمن قامَها إيمانًا واحتِسابًا ثم وُفِّقَت له غُفر له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّر» (رواه أحمد والطبراني في "الكبير").



واحرِص - أيها المسلم - على صلاةِ الجماعة،فماأكثرالناس الذين يتساهلون بصلاة الجماعة وخاصة في هذه الأيام مع كثرة الأعمال وإنشغال الناس في مزارعهم وحرث أراضيهم حتى ترى بعض الناس لايأتي للمسجدإلايوم الجمعة.وأمافي شهررمضان نرى أناس يتللذذون في النوم في نهاررمضان ويضيعون الصلوات. وفي ليلهم يتلذذون بالنظرإلاالمسلسلات المحرمة والأفلام الفتاكه ويتركون صلاة التراويح والقيام وربماأخرصلاة العشاء لمنتصف اليلل وهومعكتف لمشاهدة المسلسلات الخالعة وألأفلام المدمرة المهلكة وتتبع المواقع الفتاكة
فينبغي للمسلم أن يحافظ على الصلوات في وقتها؛ فبها يحفظُ الله العبدَ، ويتولَّى أمورَه، ويُسدِّدُ أحوالَه. ومن ضيَّع الصلاةَ ذهبَت دُنياه وأُخراه، ومُتِّع في الدنيا متاعَ البهائِم، وقِيل له يوم القيامة: ادخُل النارَ مع الداخِلين.



وفي الحديث: «من صلَّى العشاءَ مع الجماعةِ فكأنما قامَ نصفَ الليل، ومن صلَّى الفجرَ فكأنما قامَ الليل كلَّه» (رواه مسلم من حديث عُثمان - رضي الله عنه -).



ومما تعظُمُ به الخسارة، ويُحرَمُ به العبدُ الخيرَ: الصيامُ مع ترك الصلاة أو ترك بعضِها، ومن تضييع العُمر وساعاته: السهرُ على اللهو واللعب، أو تتبُّع المواقِع المُفسِدة، ومُشاهَدة المُسلسلات الضارَّة الهابِطة المُدمِّرة للأخلاق، ويعظُمُ الخِذلانُ والخُسرانُ بالاشتِغال بها في هذا الشهر عن القُرُبات.



قال الله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران: 133، 134].



بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعَنا وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، ونفعَنا بهديِ سيِّد المرسلين وقولِه القويم، أقول قولي هذا وأستغفرُ الله لي ولكم وللمسلمينٍ، فاستغفِروه إنه هو الغفورُ الرحيم.





الخطبة الثانية:


الحمد لله الهادي من استَهداه، الواقِي من اتَّقاه، الكافِي من تحرَّى رِضاه، حمدًا بالِغًا أمدَ التمام ومُنتهاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا معبودَ بحقٍّ سِواه، وأشهد أن نبيَّنا وسيِّدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابِهِ، ومن استنَّ بسُنَّته واهتدَى بهُداه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.



أما بعد:
أيها المسلمون: هذا هلالُ الصوم قد دنَت وِلادتُه، واقتربَت إطلالتُه، الأعناقُ ترقبُه، والأيامُ تُقرِّبُه، وكم قلبٍ يتوق، وصبٍّ مشوق إلى جلال أيامِه وليالِيه.



فالنفسُ تدأبُ في قولٍ وفي عملٍ * صومُ النهار وبالليلِ التراويحُ



فتأهَّبُوا لاستِقبالِه بالتوبة والإنابة، وأقبِلوا على الله -تعالى-، وارجُوا رحمتَه وبِرَّه وفضلَه وإحسانَه، واستقِيلُوه العثَرات، وتذلَّلوا بين يدَيه ليمحُو عنكم الزلاَّت؛ فكم أحصَى عليكم من الخطايا والسيئات؟!



وإن أتى رمضانُ واصطُفيتَ له * فاخلَع ثيابَ الهوى وقُم على قدمِ

وصُنه عن كل ما يُردِيكَ من حُرُمٍ * ولتعكِسِ النفسَ عكسَ الخيلِ باللُّجُمِ



حصِّن صيامَكَ بالسكوتِ عن الخنَا * أطبِق على عينيكَ بالأجفانِ

لا تمشِ ذا وجهَين من بين الورَى * شرُّ البريَّة من له وجهانِ


يا من ستصومُ عن الأكل والشربِ في نهار رمضان؛ صُم عن ظلم أخيك المسلم، وأمسِك عن أكل مالِه، وفَرْيِ عِرضِه، وإضاعَة حقِّه.



يا ذا الذي صامَ عن الطُّعمِ * ليتَك قد صُمتَ عن الظُّلمِ

هل ينفعُ الصومُ امرءًا ظالمًا * أحشاؤُه ملأَى من الإثمِ



أيها المسلمون: ومن كان عليه صومٌ من رمضان الماضِي، ولا عُذر يمنعُه من القضاء، فليُبادِر إلى صيامِ ما فاتَه قبل دخول شهر رمضان.



ويحرُمُ صيامُ يوم الشكِّ إلا أن يكون قضاءً، أو يُوافِق صومًا كان يصومُه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يتقدَّمنَّ أحدُكم رمضان بصومِ يومٍ أو يومين، إلا أن يكون رجلٌ كان يصومُ صومًا، فليصُم ذلك اليوم"[متفق عليه].



وعن عمَّار بن ياسرٍ رضي الله عنه قال: "من صامَ يوم الشكِّ فقد عصَى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم"[ذكره البخاري تعليقًا، ووصلَه أصحابُ السنن].



أيها المسلمون: تذكَّروا إخوانَكم المُحتاجين في رمضان، تذكَّروا الفقراء والضعفاء وأهل البلاء، ارحمُوهم ارحمُوهم، أعطُوهم وأغنُوهم، أدنُوهم وقرِّبُوهم.



أطعِموا المسكين، وامسَحوا على رأس اليتيم، وأحسِنُوا إن الله يُحبُّ المُحسِنين.



أيها المسلمون: حاذِروا التبذيرَ والإسرافَ في رمضان؛ فإن الإسرافَ مُؤذنٌ بزوال النِّعَم، وحُلول النِّقَم، واشكُروا الله على ما أنتم فيه من طِيب العيش، وسَعة الرِّزق، بحفظ النِّعمة وصونِها عن سَفَه المُبذِّرين، وأفعال المُسرِفين: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا)[الإسراء: 26 - 27].
وهذا الشهرُ زمنُ التوبة.

ومن أعظمِ الذنوبِ التي تجبُ التوبةُ منها: شربُ الدخان، فطيِّب فمَكَ - أيها المسلم - من شُربه، وطهِّر فمَكَ منه لذكرِ الله وتلاوةِ القرآن، وتطييبُ رائحتِك للصالِحين المُجالِسين، وللملائكة الكرام الكاتِبين؛ فشُربُ الدخان يُقرِّبُ الشياطين، ويُفسِدُ الدمَ، ويجلِبُ الأمراضَ الفتَّاكة، ويُقصِّرُ العُمر، وقواعدُ الشريعة تُحرِّمُه.
وفي الختام


أعلَم - أيها المسلم - أن الصيامَ تجبُ نيَّتُه من الليل وتكون النية بقلبك ولايجوزالتلفظ بها؛ عن حفصَة - رضي الله عنها -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من لم يُجمِع الصيامَ قبل الفجر فلا صيامَ له» (رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه).

وفي الحديث: «من أفطرَ يومًا من رمضان من غير عُذرٍ لم يقضِه وإن صامَ الدهرَ».
وصلُّوا وسلِّموا على أحمدَ الهادي شفيعِ الورَى طُرًّا؛ فمن صلَّى عليه صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا.
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك محمدٍ، وارضَ اللهم عن الآلِ والصحابة أجمعين، والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم يا كريم.

انقر على هذا الرابط للانضمام إلى مجموعتي مجموعة الحرمين الشريفين في واتساب:

https://chat.whatsapp.com/42zhgVyf7v532VWSGP5fih
الأُخوةُ في الله

ألقى فضيلة الشيخ أسامة بن عبد الله خياط - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: "الأخوةُ في الله"، والتي تحدَّث فيها عن الأُخوَّة في الله، ومُستلزَماتُها ومُقتضيَاتُها في ضوءِ الكتاب والسنَّة.



الخطبة الأولى

الحمدُ لله يَهدِي مَن يشاءُ إلى صراطٍ مُستقيم، أحمدُه - سبحانه - على فضلِه السابِغِ وجُودِه العظيم، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له البَرُّ الرؤوفُ الرحيم، وأشهدُ أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، وخِيرتُه مِن خلقِه ذو النَّهج الرَّاشِدِ والخُلُق القَويم، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك مُحمدٍ، وعلى آلهِ وصحابتِه ومَن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتَّقُوا الله - عباد الله -، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].

عباد الله:

إذا اعتَزَّ أقوامٌ بفضلِ مَنزِع، أو شرَفِ مبدَأٍ، وإذا افتَخَرُوا بسُمُوِّ قَدرٍ وعلُوِّ منزِلةٍ، فإن مِن حقِّ أهل الإسلام أن يعتَزُّوا بسمُوِّ عقيدتِهم، وأن يشرُفُوا بسَدادِ نَهجِهم، وكَمالِ شريعَتِهم التي جاءَت بأفضلِ تخطيطٍ تتوثَّقُ به روابِطُهم، وتَقوَى به الوشائِجُ بينهم؛ إذ ارتفَعَت فوقَ كل رابِطةِ حسَبٍ أو نسَبٍ أو مصلَحةٍ، إلى رابِطةِ الأخُوَّة الجامِعةِ لكلِّ أسبابِ التوادِّ والتعاطُفِ والتراحُمِ والولاءِ الشامِلِ لكلِّ مَن رضِيَ بالله ربًّا، وبالإسلامِ دِينًا، وبمُحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - رسُولًا.

كما قال - عزَّ وجل -: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، وكما قال - عزَّ اسمُه -: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71].

ولقد وطَّدَ رسولُ الهُدى - صلواتُ الله وسلامُه عليه - دعائِمَ هذا الإخاءَ الفرِيدَ بمبادِئِ تصقُلُه، وتُهذِّبُه وتُنقِّيه مِن كل زائِفٍ دَخِيلٍ، وتُصحِّحُ واقِعَه، فقال - صلواتُ الله وسلامُه عليه -: «المُسلمُ أخُو المُسلمِ لا يظلِمُه ولا يُسلِمُه، ومَن كان في حاجَةِ أخِيه كان الله في حاجَتِه، ومَن فرَّجَ عن مُسلمٍ كُربةً فرَّجَ الله عنه كُربةً مِن كُرَبِ يوم القيامة، ومَن ستَرَ مُسلِمًا ستَرَه الله يومَ القِيامة»؛ أخرجه الشيخان في "صحيحيهما".

فبدأَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا التخطيطِ النبويِّ للإخاءِ الإسلاميِّ بإيجابِ تجافِي المُسلمِ عن ظُلمِ أخِيه، سواءً أكان ذلك باغتِصابِ حقِّه، أو النَّيل مِن عِرضِه بالتَّشهيرِ به علانِيةً أو سِرًّا، بكِتابةِ ما يُخالِفُ واقِعَه، مما يكونُ به الإيقاعُ بالأبرِياءِ لغاياتٍ أو دوافِعَ نفسِيَّة، أو ليرتفِعَ على أنقاضِ مَن رمَاه بالإفكِ والبُهتان، أو لتكون له الحَظوةُ بحِيازةِ مغنَمٍ ماديٍّ، أو متاعٍ قليلٍ، أو لرفعِ مكانتِه وإعلاءِ شأنِه.

وكلُّ ذلك مِن الظُّلم العاتِي الذي يجِبُ أن يترفَّعَ عنه المُسلمُ لمُناهضَتِه الإخاء، ومُنابَذَته صِدقَ الولاء، مُستحضِرًا قولَ ربِّه الأعلَى في الحديثِ القُدسيِّ: «يا عبادِي! إنِّ حرَّمتُ الظُّلمَ على نفسِي، وجعَلتُه بينَكم مُحرَّمًا، فلا تَظالَمُوا»؛ أخرجه الإمامُ مُسلمُ بن الحجَّاج في "صحيحه".

ومُستحضِرًا أيضًا قولَ رسولِه الكريم - صلى الله عليه وسلم -: «اتَّقُوا الظُّلمَ؛ فإن الظُّلمَ ظُلُماتٌ يوم القِيامة»؛ أخرجه الإمامُ أحمد في "مسنده" بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عُمر - رضي الله عنهما -.

ومُستحضِرًا أيضًا قولَه في وصيَّتِه لمُعاذِ بن جبلٍ - رضي الله عنه -: «واتَّقِ دعوةَ المظلُومِ؛ فإنه ليس بينَها وبين اللهِ حِجابٌ»؛ أخرجه الشيخان في "صحيحيهما".

وفي إطارِ هذا التخطيطِ النبويِّ للإخاءِ الإسلاميِّ أيضًا، أهابَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالمُسلم ألا يُسلِمَ أخاهُ للمكرُوهِ يستبِدُّ به، ولا للضرَّاء تستأثِرُ به؛ بل يجعَلُ مِن نفسِهِ عضُدًا له عند نُزولِ البلاءِ بساحتِه، وسنَدًا يُؤازِرُه ويُناصِرُه؛ ليُخفِّفَ عنه وَقعَ الفاجِعة، وهَولَ الصَّدمةِ، وليُزيحَ عن كاهِلِه أثقَالَ المِحنةِ.

وهو أمرٌ عامٌّ شامِلٌ لا يختَصُّ بأفرادٍ دُون جماعاتٍ، ولا بمَن له حقُّ الجِوارِ دُون مَن بعُدَت به الدِّيار، وشقَّ به المَزارُ؛ فالمُسلمون جميعًا مُتضامِنُون في الآمال، مُتراحِمُون في الآلام، يُصوِّرُ واقِعَهم أبلغَ تصويرٍ قولُ رسولِ الهُدى - صلواتُ الله وسلامُه عليه -: «المُؤمِنُ للمُؤمِنِ كالبُنيانِ يشُدُّ بعضُهُ بعضًا» - وشبَّكَ بين أصابِعِه -؛ أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" مِن حديث أبي مُوسَى الأشعريِّ - رضي الله عنه -.

أما خِذلانُ المُسلم لأخِيه في المواطِنِ التي يجبُ أن ينتصِرَ له فيها فهو استِهانةٌ بحقِّه، وجُحودٌ لأخُوَّته، وتجرِئةٌ للأعداءِ على اقتِحامِ ساحَتِه، واستِباحَة حُرمتِه، والانتِقاصِ مِن كرامَتِه.

وفي إطارِ التخطيطِ النبويِّ للإخاءِ الإسلاميِّ أيضًا نلحَظُ النَّدبَ للتضحِيةِ بالرَّاحةِ وكلِّ محبُوبٍ للنَّفسِ، في سبيلِ قضاءِ حاجَةِ المُسلم، والسَّعيِ الحَثِيثِ لتَفريجِ كُربتِه، مُلوَّحًا بالوَعد الكريمِ بالجزاءِ الضَّافِي مُقابَلَةً للإحسانِ بالإحسانِ الذي هو في الذِّروَة مِن أي جزاءٍ، وذلك هو الرِّعايةُ الإلهيةُ، والمعُونةُ الربَّانيَّةُ تصحَبُ مَن يبسُطُ جناحَ رحمتِه على أخِيه المُسلمِ، ما دامَ في حاجَةٍ إلى بَسطِ جَناحِه عليه، برِفدِه، وكفالَتِه في قضاءِ حوائِجِه، أو تَفريجِ كُربتِه، وإغاثَةِ لَهفَتِه، أو ضمِّ صَوتِه إليه في المُطالَبَة بحقِّه.

ويتأكَّدُ ذلك في حقِّ أربابِ الجاهِ والمنزِلةِ والمكانةِ؛ إذ بهم بعد الله تعالى تُقضَى الحوائِج، وتَنجابُ ظُلَمُ المِحَن، وترتفِعُ البأساءُ والضرَّاءُ.

وللجَاهِ يا عباد الله زكاةٌ كزكاةِ المالِ، لا مندُوحةَ عن أدائِها، والإخلاصِ لله فيها؛ حذَرًا مِن تبدُّلِ الحالِ، وزَوالِ النِّعمة؛ فإن الله تعالى أغيَرُ على نِعمِه مِن أن يدَعَها بيَدِ مَن لا يقومُ بحقِّه فيها، كما جاء في الحديث الذي أخرجه الطبرانيُّ في "الكبير" بإسنادٍ حسنٍ، عن عبد الله بن عُمر - رضي الله عنهما -، أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ لله تعالى أقوامًا يختَصُّهم بالنِّعَم لمنافِعِ العِبادِ، ويُقِرُّها فيهم ما بذَلُوها، فإذا منَعُوها نزَعَها مِنهم فحوَّلضها إلى غيرِهم».

فاتَّقُوا اللهَ عباد الله -، واستَمسِكُوا بهذا النَّهج النبويِّ الذي تُحفَظُ به النِّعَم، وتُؤدَّى به الحُقوقُ، وتُوثَّقُ به الوشائِج، ويُشدُّ به على روابِطِ الإخاءِ بين المُسلمين.

نفَعَني الله وإياكم بهَديِ كتابِه، وبسُنَّة نبيِّه - صلى الله عليه وسلم -، أقولُ قَولِي هذا، وأستغفِرُ اللهَ العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولكافَّةِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ؛ إنه هو الغفورُ الرحيمُ.



الخطبة الثانية

الحمدُ لله الذي أكمَلَ لنا الدِّين، وأكرَمَنا ببِعثةِ سيِّد المُرسَلين، أحمدُه - سبحانه -، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن سيِّدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه المبعُوثُ رحمةً للعالَمين، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك محمدٍ، وعلى آله وصحابتِه أجمعين، والتابِعِين ومَن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد .. فيا عباد الله:

إنَّ الله تعالى جعَلَ رابِطةَ المُؤمنين على أساسِ العقيدةِ والأخُوَّةِ في الله، فأخبَرَ عن ذلك المعنَى بقولِه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، وهو إخبارٌ مِنه بما يجِبُ أن يكون واقِعًا ملمُوسًا لا مجالَ لجَعلِه كلامًا وأمانِيَّ لا حقيقةَ لها؛ لأن المُؤمنين حين آمَنُوا بربِّهم، وصدَّقُوا برسولِه - صلى الله عليه وسلم -، وبما جاءَهم مِن عنده توحَّدَت وِجهتُهم، واجتمَعَت قلوبُهم.

ولا تنافُرَ بين قلوبٍ اجتمَعَت على إيمانٍ بالله، وعمَرَها حبٌّ شديدٌ لله ولرسولِه - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن الإيمانَ قُوةٌ جاذِبةٌ تبعَثُ أهلَها على التعاطُفِ والتقارُبِ، وذلك هو التآلُف الذي أشارَ إليه - سبحانه - بقولِه: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 63].

وكان هذا التآلُفُ القائِمُ على العقيدةِ والأُخُوَّةِ في الله جَديرًا بهذا المثَلِ النبويِّ العظيمِ الوارِدِ في قولِه - عليه الصلاة والسلام -: «مثَلُ المُؤمنين في توادِّهم وتراحُمِهم وتعاطُفِهم كمثَلِ الجسَدِ إذا اشتَكَى مِنه عُضوٌ تداعَى له سائِرُ الجسَدِ بالسَّهرِ والحُمَّى»؛ أخرجه مُسلم في "صحيحه".

وإن هذا التوادَّ والتراحُمَ - يا عباد الله - ليغرِسُ في نفسِ المُسلمِ الشُّعورَ بالمسؤوليَّةِ نحوَ مُجتمعِه وأمَّتِه، وهو شُعورٌ يُشكِّلُ دائِرةً تترابَطُ فيها الحلقات، كلُّ حلقَةٍ مِنها تُمثِّلُ مصلَحةً عامَّةً للمُسلمين، مِن واجِبِ المُسلمِ أن يُسهِمَ فيها بحسَبِه؛ ليدُلَّ بذلك على أنه عُضوٌ عامِلٌ في هذا المُجتمع، وحِصنٌ مَنِيعٌ دُونَه لا يُؤتَى المُسلِمون مِن قِبَلِه.

وإن هذا الشُّعورَ بالمسؤوليَّة لا يكفِي فيه إبداءُ المشاعِرِ الطيِّبة دُون اتِّخاذِ خُطواتٍ إيجابيَّة تُعبِّرُ عن الشُّعور بالمسؤوليَّة، والاهتِمام بأمرِ المُسلمين.

فإذا سارَ المُسلِمون على الدَّربِ وأخذُوا بما أخذَ به السلَفُ مِن وسائلِ الشدِّ على الأواصِرِ، ورَبطِ الأخِ بأخِيه برابِطةِ الحُبِّ في الله، وهَجرِ كلِّ شِعارٍ أو نِداءٍ أو تحزُّبٍ وضَعَ الإسلامُ مِن شَأنِه، عندئذٍ تبلُغُ الأمةُ ما تُريدُ مِن خيرٍ، وتتبوَّأُ المكانةَ اللائِقةَ بها تحت الشَّمسِ، باعتِبارِها أمَّة مِن حقِّها أن تسُودَ، وأن تقُودَ، لا بالحديدِ والنارِ، ولا بالقَهرِ والإرهابِ، ولا بالظُّلمِ والعُدوانِ، بل بدعوتِها السامِية، وعقيدتِها الصَّافِية، ومُثُلها الرَّفيعَة.

فاتَّقوا الله - عباد الله -، واجعَلُوا مِن ذلك التخطيطِ النبويِّ لإقامةِ دعائِمِ الإخاءِ الإسلاميِّ خيرَ دليلٍ، وأقوَمَ مُرشِدٍ، وأهدَى سبيلٍ لنَهضَة الأمة، وصلاحِ أحوالِها، واستِعادةِ مكانتِها.

ألا واذكُروا على الدَّوامِ أن الله تعالى قد أمرَكم بالصلاةِ والسلامِ على خَير الورَى؛ فقال - جلَّ وعلا -: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك محمدٍ، وارضَ اللهم عن خُلفائِه الأربعة: أبي بكرٍ، وعُمر، وعُثمان، وعليٍّ، وعن سائرِ الآلِ والصحابةِ والتابعين، وأزواجِه أمهات المُؤمنين، والتابِعين ومَن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوِك وكرمِك وإحسانِك يا خَيرَ مَن تجاوزَ وعفَا.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واحْمِ حَوزةَ الدين، ودمِّر أعداءَ الدين وسائرَ الطُّغاةِ والمُفسِدين، وألِّف بين قلوبِ المُسلمين، ووحِّد صفوفَهم، وأصلِح قادتَهم، واجمَع كلمتَهم على الحقِّ يا ربَّ العالمين.

اللهم انصُر دينَكَ وكتابَكَ، وسُنَّةَ نبيِّك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وعبادَكَ المؤمنين المُجاهدين الصادقين.

اللهم آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلِح أئمَّتَنا وولاةَ أمورِنا، وأيِّد بالحقِّ إمامَنا ووليَّ أمرنا، وهيِّئ له البِطانةَ الصالحة، ووفِّقه إلى ما تحبُّ وترضَى يا سميعَ الدعاء، اللهم وفِّقه ونائِبَيه وإخوانَه إلى ما فيه خيرُ الإسلام والمُسلمين، وإلى ما فيه صلاحُ العباد والبلاد يا مَن إليه المرجِعُ يوم المعاد.

اللهم اكفِنا أعداءَك وأعداءَنا بما شئتَ يا رب العالمين، اللهم اكفِنا أعداءَك وأعداءَنا بما شئتَ يا رب العالمين، اللهم اكفِنا أعداءَك وأعداءَنا بما شئتَ يا رب العالمين، اللهم إنا نجعلُك في نُحور أعدائِك وأعدائِنا، ونعوذُ بك من شُرورهم، اللهم إنا نجعلُك في نُحورِهم، ونعوذُ بك من شُرورهم، اللهم إنا نجعلُك في نُحورهم، ونعوذُ بك من شُرورهم.

اللهم إنا نسألُك فعلَ الخيرات، وتركَ المُنكرات، وحبَّ المساكين، وأن تغفِرَ لنا وترحمَنا، وإذا أردتَ بقومٍ فتنةً فاقبِضنا إليك غيرَ مفتُونين.

اللهم أحسِن عاقِبَتنا في الأمورِ كلِّها، وأجِرنا مِن خِزيِ الدنيا وعذابِ الآخرة.

اللهم أصلِح لنا دينَنا الذي هو عصمةُ أمرنا، وأصلِح لنا دُنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلِح لنا آخرتَنا التي إليها معادُنا، واجعَل الحياةَ زيادةً لنا في كلِّ خيرٍ، واجعَل الموتَ راحةً لنا من كل شرٍّ.

اللهم اشفِ مرضانا، وارحَم موتانا، وبلِّغنا فيما يُرضِيكَ آمالَنا، واختِم بالصالِحات أعمالَنا.

اللهم اكتُب النصرَ والتأييدَ والرِّعايةَ لجنودِنا في الحدِّ الجنوبيِّ وفي كافَّة الحُدودِ، اللهم انصُرهم نصرًا مُؤزَّرًا، اللهم انصُرهم نصرًا مُؤزَّرًا، اللهم انصُرهم نصرًا مُؤزَّرًا، اللهم انصُر بهم دينَك، وأعلِ بهم كلمتَك، اللهم انصُر بهم دينَك، وأعلِ بهم كلمتَك، اللهم اكتُب أجرَ الشهادة لقَتلاهم، اللهم اكتُب أجرَ الشهادة لقَتلاهم، واشفِ جرحَاهم يا رب العالمين.

﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23]، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8]، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201].

وصلَّى الله وسلَّم على عبدِه ورسولِه نبيِّنا مُحمدٍ، وعلى آلِهِ وصحبِه أجمعين، والحمدُ لله رب العالمين.
انقر على هذا الرابط للانضمام إلى مجموعتي مجموعة الحرمين الشريفين في واتساب: https://chat.whatsapp.com/42zhgVyf7v532VWSGP5fih

Post has attachment
انقر على هذا الرابط للانضمام إلى مجموعتي مجموعة الحرمين الشريفين في واتساب: https://chat.whatsapp.com/42zhgVyf7v532VWSGP5fih

انقر على هذا الرابط للانضمام إلى مجموعتي مجموعة الحرمين الشريفين في واتساب: https://chat.whatsapp.com/42zhgVyf7v532VWSGP5fih

القى الأخ عبدالرؤوف حمادي خطبة جمعة في مسجدالسنة في قرية الظاهربتاريخ
10رجب1438هجري

عنوان الخطبةالصلاةوأهمية الخشوع فيها
أهداف الخطبةعناصر الخطبة1/أهمية الصلاة وفضلها 2/فضل الخشوع وأهميته 3/من قصص الخاشعين في الصلاة 4/وسائل معينة على الخشوع في الصلاة

الصلاة إذا زينها الخشوع، وترسخ في أقوالها وأفعالها الذل والانكسار، والتعظيم والمحبة والوقار، نهت صاحبها عن الفحشاء والمنكر، فيستنير قلبه، ويتطهر فؤاده، ويزداد إيمانه، وتقوى رغبته في الخير، وتنعدم في الشر. بالخشوع يزداد إقبال المصلي على...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي جعل الصلاة راحة قلوب الأخيار، وهي طريق السعادة في دار القرار، أحمده سبحانه وأشكره، جعل الجنة مأوى الذين اتقوا ومثوى الكافرين النار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الحق في البر والجو والبحار، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بادر إلى الصلاة بسكينة ووقار، ووقف بين يدي الله بمحبة وخضوع وانكسار، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه، ما تعاقب الليل والنهار، وما تساقط ورق الأشجار.

 

أما بعد:

 

فأوصيكم –ونفسي- بتقوى الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102].

 

قال تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)[العنكبوت: 45].

 

الحديث عن الصلاة يحتاج إلى تذكير وتكرار، فلا يمل سماعه الأبرار، ولا تشبع منه قلوب الأخيار، الصلاة من أعظم الفرائض أثراً، وأفظعها عند الترك خطراً، وأجلها بيانا وخيراً، فيها أكرم قول يردده لسان، مع أكرم حركة يؤديها الإنسان، هي عمود الدين، ومفتاح جنة رب العالمين، عرج برسول الله صلى الله عليه وسلم وفتحت له أبواب السماء، فأخذ يتجاوزها مكاناً ومكانة، عرج به لمستوى، يسمع فيه صريف الأقلام، فكان قاب قوسين أو أدنى، ثم نزل عليه الأمر من ربه تبارك وتعالى بالصلاة، وحين حضرته الوفاة وأتى عليه أجله علم أنه يودع الدنيا إلى لقاء ربه، فكانت الصلاة خاتمة وصيته بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام، فأصبح يقول: "الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم" [رواه أحمد].

 

إخوة الإسلام: من حافظ عليها فقد توثق من عرى دينه، وأخذ بأصله، ومن ضيعها فقد ضاع دينه من أصله.

 

الصلاة دواء يشفي من أمراض القلوب وأدوائها، وفساد النفوس وأسقامها، والنور المزيل لظلمات الذنوب والمعاصي، فيتطهر بها المسلم من غفلات قلبه، وهفوات نفسه، كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: "أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا" [رواه مسلم].

 

وكما ورد في حديث فضائل الوضوء، وفيه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم قال: "فإن هو قام فصلى، فحمد الله وأثنى عليه، ومجده بالذي هو له أهل، وفرغ قلبه لله إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه" [رواه مسلم].

 

لذا كان اهتمامه بأمر الصلاة صلى الله عليه وسم عظيماً.

 

إن عبادة هذه نتائجها وعملا هذا شأنه لجدير بأن نسعى لتحقيقه والعناية به، وأن نجعله نصب أعيننا، وحديث نفوسنا.

 

الله أكبر، حي على الصلاة، حي على الفلاح، نداء يصدح في الأرجاء، وأذان يخترق الآذان، ليوقظ أجساداً مشرقة بالإيمان، وقلوباً مخبتة، فإذا بالوفود تتقاطر، والجموع تصطف ولا تتناثر، ولها هدير كالبحر في تلاطمه، وعرش النحل في تلاحمه، وترى المسجد وقد غص بالناس فاتصلوا وتلاحموا، تجد الصف منهم على استوائه، كما تجد السطر في الكتاب ممدوداً محتبكاً منتظماً، وتراهم تتابعوا صفا وراء صف، ونسقا على نسق، فالمسجد بهم كالسنبلة ملئت حباً، ما بين أولها وآخرها، كل حبة هي في لف أهلها وشملها، فليس فيها على الكثرة حبة واحدة، تهبها السنبلة فضل تمييز، لا في الأعلى ولا في الأدنى.

 

قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ)[المؤمنون: 1-2].

 

بالخشوع يجمع المصلي في صلاته بين طهارة الظاهر والباطن، إذ كان يقول صلى الله عليه وسلم في ركوعه في الصلاة: "خشع لك سمعي وبصري، ومخي وعظمي وعصبي" [رواه مسلم].

 

وفي رواية: "وما استقلت به قدمي" [رواه أحمد].

 

بالخشوع تغفر الذنوب، وتكفر السيئات، وتكتب الصلاة في ميزان الحسنات؛ كما ثبت في صحيح مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله" [رواه مسلم].

 

الصلاة إذا زينها الخشوع، وترسخ في أقوالها وأفعالها الذل والانكسار، والتعظيم والمحبة والوقار، نهت صاحبها عن الفحشاء والمنكر، فيستنير قلبه، ويتطهر فؤاده، ويزداد إيمانه، وتقوى رغبته في الخير، وتنعدم في الشر.

 

بالخشوع يزداد إقبال المصلي على ربه، فيكون اقتراب ربه منه، فقد أخرج أحمد وأبو داود والنسائي رحمهم الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال الله عز وجل مقبلا على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه انصرف عنه" [رواه النسائي].

 

الخشوع: أمر عظيم شأنه، سريع فقده، نادر وجوده، خصوصاً في زماننا وحاضرنا، وحرمان الخشوع من أكبر المصائب والعلل، وخطب جلل، كان يستعيذ منه المصطفى صلى الله عليه وسلم ويقول في دعائه: "اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع" [رواه الترمذي].

 

وما أصاب بعض المسلمين من ضعف في أخلاقهم، وانحراف في سلوكهم إلا لأن الصلاة غدت جثة من غير روح، وحركات ليس لها من الخير مسوح، أخرج الطبراني وغيره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أول شيء يرفع من هذه الأمة الخشوع، حتى لا ترى فيها خاشعا" [رواه الطبراني].

 

وقال الصحابي الجليل حذيفة رضي الله عنه: "أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، ورب مصل لا خير فيه، ويوشك أن تدخل المسجد فلا ترى فيهم خاشعا".

 

وحين تتجول في سير الأوائل، ترى أن أمثالهم قلائل، فإن في أخبار صلاتهم عبراً، ودموعهم تنهل على قلوبهم غيثا، ذكروا من خير الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: "أنه كان يباسطهم ويحدثهم، فإذا حانت الصلاة كأنه لم يعرفهم ولم يعرفوه".

 

الصلاة أنس المسلم وسلواه، وغاية مراده ومناه، ويقول لبلال: "أرحنا بها" [رواه أبو داود].

 

ويقول صلى الله عليه وسلم: "وجعلت قرة عيني في الصلاة" [أخرجه النسائي وأحمد].

 

قرة عينه، ونعيم روحه، وجنة قلبه، ومستراحه في الدنيا، فلا يزال كأنه في سجن وضيق، حتى يدخل فيها فيستريح بها لا منها، يخلع على أعتاب المسجد الدنيا ومباهجها، ويترك هناك أموالها وشواغلها، فيطوي صحيفة ذكرها من قلبه، ويدخل المسجد بقلب أخذته أريحته لإجلال الله، وعقل تهيأ لتدبر كلام إلهه.

 

والصديق أبوبكر رضي الله عنه: "إذا كان في صلاته كأنه وتد، وإذا جهر فيها بالقراءة خنقته عبرة من البكاء".

 

والفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "كان إذا قرأ لم يسمع من خلفه من البكاء".

 

وعمر بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى: "إذا قام في الصلاة كأنه عود من الخشب".

 

وعلى ابن أبي طالب رضي الله عنه: إذا حان وقت الصلاة يضطرب، ويتغير، فلما سئل رضي الله عنه قال: "لقد آن أوان أمانة عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملتها".

 

ومن الناس من يصلون بأجسامهم وأعضائهم، يحركون ألسنتهم وشفاههم بالكلم، يحنون ظهورهم راكعين، ويهوون إلى الأرض ساجدين، لكن قلوبهم لم تتحرك نحو بارئها الأعلى، يظهرون له الخضوع، وقلوبهم نافرة، يقرؤون القرآن لكنهم لا يتدبرونه، يسبحون لكنهم لا يفقهون، زيّنوا ظواهرهم وغفلوا عن بواطنهم، وقفوا أمام الله وفي بيته وهم في الحقيقة واقفون أمام مشاغلهم، مقيمون بأرواحهم في مساكنهم، فترى الرجل قد شاب عارضاه في الإسلام، وصلّى زمانًا طويلاً لكنه لم يكمل صلاته يومًا؛ لأنه لا يتم ركوعها وسجودها وخشوعها.

 

أمثال هؤلاء لا ينتفعون بصلاة، فترى الواحد منهم يأكل أموال الناس بالباطل، ويسعى بالفساد بين الناس، يقوم بأعمال تتنافى مع الدين والأخلاق، بل ربما اتخذ الصلاة أحبولة يتصيد بها ثناء الناس عليه، ويستر بها جناية يديه ورجليه.

 

إخوة الإسلام: هذا الحديث للمحاسبة، فقف مع نفسك وقفة صادقة، لترى أين موقعك، قال صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدها، خمسها، ربعا، ثلثها، نصفها" [رواه أبو داود وأحمد].

 

قال حسن بن عطية رحمه الله تعالى: "إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحدة، وإن ما بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض".

 

إذ ليس حظ القلب العامر بمحبة الله، وخشيته وتعظيمه من الصلاة، كحظ القلب الخالي من ذلك، وليس حظ القلب المخبت الخاشع كحظ القلب الذي لملذات الدنيا وشهواتها خاضع، ليس حظ القلب الذي يرتع في رياض القرآن كحظ القلب الذي تملكه الشيطان.

 

هذا قلب أتم صاحبه القعود والقيام، وذاك يسرق من صلاته حتى فقد التمام، وهذا قلب اجتمع همه على الله، وفرغ قلبه للمناجاة، فما يشعر بالساعات، وذاك قلب يستكثر في صلاته الدقائق واللحظات؛ لأنها عنده أثقل من الجبال، قال تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً)[النساء: 142].

 

أيها المصلي الخاشع: إنها معركة حامية الوَطِيس مع الشيطان، معركة الوساوس والصوارف والخطرات؛ لأنك قمت أعظم مقام، وأقربه وأغيظه للشيطان، يزين أمام ناظريك الملذات، يعرض مشاهد ومغريات، يذكرك ما نسيت فيستطير فرحًا حين تلف صلاتك كما يلف الثوب الخَلَقَ، لا أجر ولا فضل.

 

أيها المصلي: من جرى على منهاج النبي -صلى الله عليه وسلم-، وسلك طريقته في الصلاة تحقق له الخشوع، ومما يعين على الخشوع ويحقق في القلب الخضوع أمور، منها:

 

أن يخرج المصلي إلى المسجد مبكرًا بسكينة ووقار، قد نظف ثيابه، وطهر بدنه، وطيب رائحته، وأن يعمل على تسوية الصفوف، وسُدّ الفُرَجِ.

 

وقد نهي المؤمن عن رفع بصره إلى السماء، فهو يخل بالخشوع، وكذلك نهي عن الالتفات ببصره أو بقلبه، وهذا خلف بن أيوب سئل: "ألا يؤذيك الذباب في صلاتك؟ قال: لا أعود نفسي شيئاً يفسد علي صلاتي، قيل له: وكيف تصبر على ذلك؟ قال: بلغني أن الفساق يصبرون تحت أسواط السلطان، فيقال: فلان صبور، ويفتخرون بذلك، فأنا قائم بين يدي ربي، أفأتحرك لذبابة".

 

وبعضنا يملأ صلاته حركة بدون ذبابة، فكيف إذا تراءت أمام ناظريه الذبابة؟

 

ومن الأمور: عدم التهويش في القرآن على الآخرين، وأن لا يصلي في ثوب، أو قميص فيه نقوش، أو كتابات، أو ألوان، أو تصاوير، تشغله وتشغل غيره، وأن لا يصلي وهو حاقن، أو حاقب.

 

عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته"، قالوا: يا رسول الله وكيف يسرق من صلاته؟ قال: "لا يتم ركوعها ولا سجودها" [أخرجه أحمد].

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفقيه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه.

 

أما بعد:

 

فاتقوا الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71].

 

من أعظم الدواعي لحضور القلب وخشوعه في سائر الأيام والليالي: تدبر الألفاظ والمعاني، فكلما قال المصلي: "الله أكبر" تأمل عمق هذا المفهوم، وجلال المدلول، "الله أكبر" من الشيطان يغرره بالدنيا، "الله أكبر" من الشهوات والمال والجاه والولد، فإذا استقر في قلبه معنى هذه الكلمة، وأتى بمقتضاها، اطرح خلف ظهره كل ما عداها.

 

تأمل في صلاته هذا الجزاء العظيم في كل فاتحة يقرؤها، وركعة يركعها، قال صلى الله عليه وسلم: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد:(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الفاتحة: 2] قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)[الفاتحة: 3] قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)[الفاتحة: 4] قال: مجدني عبدي، وقال مرة: فوض إلي عبدي، فإذا قال: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)[الفاتحة: 5]  قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)[الفاتحة: 6-7] قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" [رواه مسلم].

 

فيا قرة عينك، وسعادة قلبك، حين يقول لك ربك ثلاثاً: عبدي، عبدي، عبدي.

 

تأمل هذا الدعاء: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) فقد زلت مع الفتن أقدام، وتوغل في أوحالها أقوام.

 

تأمل الأجور الجزيلة.

 

ومنها: إذا قرأ الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قالت الملائكة آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه، وأجور جزيلة أخرى، وفضائل كبرى في القيام والقعود، وأذكار الركوع والسجود، من تأملها أيقن برحمة الإله المعبود، لمن حقق الخشوع والحدود.

 

ومما يجلب الخشوع: وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم الخالدة وللقلوب هي شافية، إذ يقول: "صل صلاة مودع" [أخرجه ابن ماجة وأحمد].

 

والمتأمل في الأيام، وما تؤول إليه الأحوال، وفي مصاير الناس حين يؤخذون على التوالي، يعلم جلال هذه الوصية: "صل صلاة مودع".

 

دواء ناجح، لمن يروم القلب الخاشع، فإذا شرع العبد في صلاته، فكأنها آخر عهدة بهذه الدنيا، فأحسن خشوعها، وأتم سجودها وركوعها؛ لأن لحظة الرحيل بين عينيه، وكأن هادم اللذات مقبل عليه، فلا يلتفت بصره، ولا يشغل قلبه بشيء غير الله، ولا يذهل لبه، ولو رأيت منصور ابن المعتمر التابعي الجليل: لو رأيته يصلي لقلت يموت الساعة، كما قال سفيان الثوري.

 

ثم إن عثمان بن أبي العاص أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذاك شيطان يقال له: "خنزب"، فإذا أحسسته فتعود بالله منه، واتفل على يسارك، ثلاثا، قال: ففعلت ذلك فأذبه الله عني" [رواه مسلم].

 

ألا وصلوا عباد الله على رسول الهدى، ومعلم البشرية الخير.

 

 

 

 

 

 

 

أيها الخطيب الكريم..
احذر التعجل في التخطيط الدعوي، فلا تباشر التخطيط إلا بعد الحصول على قدر كافٍ من الراحة والهدوء واعتدال المزاج والشعور بالثقة وعدم القلق والتوتر أو الإحباط؛ لأن التخطيط يحتاج منك إلى جميع قواك الذهنية، ثم تفكير وتذكر وخيال كما يحتاج إلى صفاء النفس. #استراتيجية_الخطيب
أيها الخطيب الموفق..
ينبغي أن تتوافر لديك المعلومات عن الواقع القائم وعن العمل الذي تسعى لإقامته وإيجاده؛ فلا بد من الإلمام بالواقع وتوليفه كما هو عليه من غير زيادة ولا نقصان؛ لأن الواقع سيكون منطلقًا للمستقبل الذي تخطط له، والمراد هنا واقع العمل الذي تريد التخطيط له وتطويره وإنجازه لا واقع الحياة كلها. #استراتيجية_الخطيب
أيها الخطيب الكريم..
لكي تعلم حقيقة ما أنجزت من خطتك الدعوية، فإن المقارنة بين ما نُفِّذ وما خُطِّط له؛ يعطيك تقييمًا واضحًا حول أدائك، ومن خلال هذه التقييم تستطيع أن تتعرف على مواضع الأخطاء.. #استراتيجية_الخطيب
أيها الخطيب الكريم..
احذر من الخوف من المجهول والركون إلى المعلوم، فعملية التخطيط تحتاج إلى التخيل والتصور، واستشراف المستقبل وصورته، وما يجب أن يكون، والحقيقة أن التخطيط لا يخلو من عنصر المخاطرة. #استراتيجية_الخطيب
أيها الخطيب الموفق..
إياك وعدم القناعة بالتخطيط في العمل التربوي والدعوي، أو الشعور بأنه مضيعة للوقت، وأنه عديم الفائدة، وأنه قيود تضعها على نفسك.. احذر هذه الوساوس واعلم أن من مفاتيح الفشل: عدم توافر الطموح، وعدم التطلع الحثيث للأفضل، والقناعة بالوضع الحالي أو الحالة الراهنة، مهما كانت. #استراتيجية_الخطيب

أيها الخطيب الكريم..
احذر التعجل في التخطيط الدعوي، فلا تباشر التخطيط إلا بعد الحصول على قدر كافٍ من الراحة والهدوء واعتدال المزاج والشعور بالثقة وعدم القلق والتوتر أو الإحباط؛ لأن التخطيط يحتاج منك إلى جميع قواك الذهنية، ثم تفكير وتذكر وخيال كما يحتاج إلى صفاء النفس. #استراتيجية_الخطيب
أيها الخطيب الموفق..
ينبغي أن تتوافر لديك المعلومات عن الواقع القائم وعن العمل الذي تسعى لإقامته وإيجاده؛ فلا بد من الإلمام بالواقع وتوليفه كما هو عليه من غير زيادة ولا نقصان؛ لأن الواقع سيكون منطلقًا للمستقبل الذي تخطط له، والمراد هنا واقع العمل الذي تريد التخطيط له وتطويره وإنجازه لا واقع الحياة كلها. #استراتيجية_الخطيب
أيها الخطيب الكريم..
لكي تعلم حقيقة ما أنجزت من خطتك الدعوية، فإن المقارنة بين ما نُفِّذ وما خُطِّط له؛ يعطيك تقييمًا واضحًا حول أدائك، ومن خلال هذه التقييم تستطيع أن تتعرف على مواضع الأخطاء.. #استراتيجية_الخطيب
أيها الخطيب الكريم..
احذر من الخوف من المجهول والركون إلى المعلوم، فعملية التخطيط تحتاج إلى التخيل والتصور، واستشراف المستقبل وصورته، وما يجب أن يكون، والحقيقة أن التخطيط لا يخلو من عنصر المخاطرة. #استراتيجية_الخطيب
أيها الخطيب الموفق..
إياك وعدم القناعة بالتخطيط في العمل التربوي والدعوي، أو الشعور بأنه مضيعة للوقت، وأنه عديم الفائدة، وأنه قيود تضعها على نفسك.. احذر هذه الوساوس واعلم أن من مفاتيح الفشل: عدم توافر الطموح، وعدم التطلع الحثيث للأفضل، والقناعة بالوضع الحالي أو الحالة الراهنة، مهما كانت. #استراتيجية_الخطيب

‏معالي الشيخ الدكتور/ عبدالرحمن السديس يلتقي فضيلة الشيخ الدكتور/ عبدالله الجهني في مكتبه بالمسجد الحرام.

https://twitter.com/sh_aemah_m/status/842082345884741632?s=08

Post has attachment

Post has attachment
Wait while more posts are being loaded