Post is pinned.Post has attachment
41

إ خبارات الا مام الحسين (ع ) بمقتله
قبل قيامه
إ نّ إ خبارات الا مام الحسين (ع ) بمصرعه ومصرع اءصحابه ، وزمانومكان هذا المصرع بعد اءن اءعلن عن قيامه ورفضه لبيعة يزيداءمام والي المدينة آنذاك الوليد بن عتبة كثيرة مبثوثة في لقاءاتهومحاوراته ، خصوصاً في المدّة الممتدّة منقبيل رحيله عن مكة إ لى ساعة استشهاده (ع ).
لكنّ الا مام الحسين (ع ) كان قبل قيامه قد تحدّث واءخبر عن مصرعهوعن قاتله ، منذ اءن كان طفلاً صغيراً، ولميزل يواصل الا خبار عن استشهاده إ لى اءواخر اءيّام ماقبل الا علان عن قيامه ، ومن هذه الا خبار:
1) عن حذيفة بن اليمان قال : (سمعتُ الحسين بن عليّيقول : واللّه ليجتمعنّ على قتلي طغاة بني اءميّة ، ويقدمهم عمر بنسعد. وذلك في حياة النبيّ(ع )! فقلتُ: اءنبّاءك بهذارسول اللّه ؟قال : لا.
فاءتيتُ النبيّ فاءخبرته فقال : علمي علمه ، وعلمه علمي ، وإ نّالنعلم بالكائن قبل كينونته .).(105)
2) وروي اءنّ عمر بن سعد قال للحسين (ع ): (يا اءبا عبداللّه ، إنّ قِبَلَنا ناساً سفهاء يزعمون اءَنّي اءقتلك !
فقال له الحسين (ع ): إ نّهم ليسوا بسفهاء، ولكنّهم حلماء، اءما إ نّه تقرّ عيني اءن لاتاءكل من برّ العراق بعدي إ لاّ قليلاً.).(106)
3) وروى الشيخ ابن قولويه (ره ) بسند عن الا مام الصادق (ع )،عن اءبيه (ع )، عن جدّه (ع )، عن الا مام الحسين (ع ) اءنهقال : (والذي نفس حسين بيده لايهنّي ء بني اءميّة ملكهم حتى يقتلوني ،وهم قاتليّ، فلو قد قتلوني لم يصلّوا جميعاً اءبداً، ولم ياءخذواعطاءً في سبيل اللّه جميعاً اءبداً، إ نّاءوّل قتيل هذه الا مّة اءنا واءهل بيتي ، والذي نفس حسين بيده لاتقومالساعة وعلى الا رض هاشميُّ يطرف .).(107)
4) وروى (ره ) اءيضاً بسند عن الا مام الصادق (ع ) اءيضاًقال : (قال الحسين بن عليّ(ع ): اءناقتيل العبرة ، لايذكرني مؤ منٌ إ لاّ استعبر.).(108)
Photo

Post has attachment
1

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين .
إنَّ مما يُثير العجب ـ « وإنْ عشتَ أراك الدهرُ العجيبَ » ـ أن يقع التشكيك في مسئولية يزيد بن معاوية عن دم الحسين (عليه السلام) والحال انَّها من الجلاء والوضوح بحيث لا تدع مجالا للشك إلا انَّه وبسبب إثارة هذه الشبهة من البعض رأينا أن نستعرض الادلة التي لو اطلع عليها الباحث عن الحقيقة لأذعن .
وما نرومه من هذا البحث هو التحفظ على الحقائق التاريخية من أن يطالها التشويش والتعتيم ، ومن الله نستمدُّ العون فهو نعم المولى ونعم النصير .
وقبل بيان ماهي الادلة الموجبة لإثبات مسئولية يزيد عن دم الحسين (عليه السلام) نستعرض الشبهة المثارة فنقول :ذكر بعضهم انَّ المسئول عن دم الحسين (عليه السلام) انّما هو عبيد الله بن زياد فهو الذي حرَّض على قتل الحسين وعبأ لذلك جيشاً دون ايعاز من يزيد بل انَّ يزيد قد غضب على ابن زياد حينما سمع بقتله للحسين (عليه السلام) .
ودعوى عدم اطلاع يزيد على مجريات الاحداث وما الذي عزم عليه ابن زياد ليست بعيدة ، وذلك لبعد الفاصلة بين الشام ـ والتي هي العاصمة الاُمويَّة ـ وبين الكوفة ، وعدم وجود الوسائل الموجبة للتعرُّف ـ يوماً بيوم ـ على ما يحدث في الحاضرة الاسلامية المترامية الأطراف .
فمن القريب جداً أن يكون اطلاع يزيد بن معاوية على مقتل الحسين (عليه السلام) متأخراً عن قتله .
هذا أقصى ما يمكن أن يُقال في مقام تبرءة يزيد من دم الحسين (عليه السلام)إلاّ انَّ ذلك لا يُبرء ساحة يزيد بن معاوية كما سيتضح ذلك من خلال ما سنعرضه من أدلة إن شاء الله تعالى .
Animated Photo

Post has attachment
2

المنشأ لتنصيب يزيد لابن زياد على الكوفة
ونبدأ أولا : ببيان المنشأ من تنصيب يزيد بن معاوية لعبيد الله بن زياد على الكوفة بعد أن لم يكن والياً عليها في أيام معاوية بن أبي سفيان وانما كان والياً أيام معاوية على
البصرة فحسب ، وقد ذكر المؤرخون انَّ يزيد بن معاوية كان واجداً على ابن زياد حتى همَّ بعزله عن ولاية البصرة .
وملاحظة كتب التاريخ تكشف عن انَّ المنشأ من تنصيب يزيد لابن زياد على الكوفة انما هي قضية الحسين (عليه السلام)
بعد أن أبى البيعة وسافر الى مكة المكرمة وبعد ان بعث اليه أهل الكوفة يسألونه البيعة والخروج على يزيد بن معاوية ، وبعد ان تناهى الى مسامع يزيد بن معاوية انَّ الكوفة تتهيّأ للثورة على الخلافة الاُموية بقيادة الحسين بن علي (عليه السلام) وانَّ النعمان بن بشير ـ والذي كان والياً على الكوفة آنذاك ـ ضعيف أو يتضاعف .واليك هذا النص التاريخي الذي ينقله لنا الطبري ، حيث قال بعد ان ذكر انَّ اثني عشر ألفاً من أهل الكوفة قد بايعوا مسلم بن عقيل رسول الحسين (عليه السلام) قال : « قام رجل ممن
يهوى يزيد بن معاوية الى النعمان بن بشير فقال له : إنَّك ضعيف أو متضعف ، قد فسد البلاد . فقال له النعمان ; ان أكون ضعيفاً وأنا في طاعة الله أحبُّ اليَّ من ان أكون قوياً في معصية الله ، وماكنت لاهتك ستراً ستره الله .
فكتب بقول النعمان الى يزيد ، فدعى يزيد مولىً له يُقال له سرجون ، وكان يستشيره ، فأخبره الخبر ، فقال له : أكنت قابلا من معاوية لو كان حياً ، قال : نعم ، فاقبل منِّي فإنَّه
ليس للكوفة إلا عبيد الله بن زياد ، فولاها إيّاه ، وكان يزيد عليه ساخطاً ، وكان همَّ بعزله عن البصرة ، فكتب اليه برضائه وانَّه ولاَّه الكوفة مع البصرة ، وكتب اليه ان يطلب مسلم بن عقيل فيقتله إن وجده »(1) .
إنَّ هذا النص التاريخي يوضح انَّ منشأ تنصيب يزيد لعبيد الله بن زياد على الكوفة انما هو قضية الحسين (عليه السلام) ، ولولاها لما كان يزيد لينصب ابن زياد على الكوفة بعد
ان كان واجداً عليه وبعد ان همَّ بعزله ، وذلك يوضح انَّ غرض يزيد بن معاوية هو ان يتصدى ابن زياد لهذه المشكلة الخطيرة .
وهنا نقول : إنَّ يزيد بن معاوية إمَّا أن يكون قد فوّض الأمر لعبيد الله بن زياد وأعطاه صلاحية الممارسة لتمام الخيارات والتي منها قتل الحسين (عليه السلام) إذا ارتأى ذلك
Animated Photo

Post has attachment
8

وهنا قد يُدعى ورود إشكالين على هذا النص .
الإشكال الاول : إنَّ بعض المؤرخين لم يذكر في المكاتبة التي أرسلها يزيد الى الوليد الأمر بالقتل ، وكلُّ ما ذُكر فيها هو الأمر بأخذ البيعة من الحسين وجمع من الشخصيات ، فما ذكره الطبري مثلا هكذا :
« وكتب اليه ـ أي الى الوليد ـ في صحيفة كأنها إذن فأرة ، أما بعد فخذ حسيناً وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً ليس فيه رخصة حتى يُبايعوا ، والسلام »(6)
.
والجواب عن هذا الإشكال : انَّه لا منافاة بين النصين ، إذ انَّ النص الذي نقله الطبري لم يشتمل على المنع من قتل الحسين (عليه السلام) إذا لم يُبايع ، غايته انه لم يذكر انَّ يزيد قد أمر الوليد بالقتل في حال عدم البيعة وهذا لا ينفي وجود الامر بذلك ، وذلك لما ثبت في علم الاُصول من انَّه لا تعارض بين الخبرين إذا كان أحدهما مشتملا على الزيادة وكان الآخر ساكتاً عنها ، كما ان من الثابت في علم الاُصول انَّ المقدم في مثل هذه الحالة هو الخبر المشتمل على الزيادة الغير المنافية للخبر الساكت عنها .مثلا : لو ورد في الأثر انَّ الاكل مفطر للصائم والشرب مفطر للصائم وورد خبر آخر انَّ الأكل الشرب والجماع مفطرات للصائم فإنَّه لا تنافي بين الخبرين أصلا وانَّه لابدَّ من الإلتزام بمفاد الخبر الآخر المشتمل على الزيادة ، إذ لعلَّ المخبر الاول لم يطلع على تمام الخبر أو أنَّه نسي بعض فقراته أو انَّه لم يُرِد ذكر الخبر بتمامه لمبرِّر يراه موجباً لإهمال الزيادة ، وهذا لا يُنافي وثاقة المخبر بخلاف مالو بنينا على انَّ الزيادة ليست صحيحة وليست واردة فإنها تستوجب تكذيب المخبر، وهذا خلف البناء على وثاقة المخبر . واحتمال ان تكون الزيادة نشأت عن نسيان المخبر ضعيفة جداً خصوصاً في مثل المقام والذي هو الامر بقتل الحسين (عليه السلام) .
Animated Photo

Post has attachment
9

الجواب الثاني : انَّه ما معنى الأخذ الشديد الذي أمر به يزيد ـ بحسب نص الطبري ـ ، نقول : انَّ هنا مجموعة من الإحتمالات الثبوتية لهذا الأمر .
الإحتمال الاول : هو انَّ المراد من الأخذ الشديد هو ان يُغلظ لهم القول ويُلح عليهم بالبيعة دون ان يُرتِّب على عدم البيعة أي إجراء عملي .
وهذا الإحتمال بعيد جداً ، إذ ماهو الملزم حينئذ للحسين (عليه السلام) بقبول البيعة والرضوخ لإصرار الوليد بعد ان لم يكن هذا التغليظ القولي مستتبعاً لأي إجراء عملي يستوجب الضغط على الحسين (عليه السلام) وبالتالي يقبل البيعة .
ومع عدم قبول الحسين (عليه السلام) للبيعة باعتبار عدم جود الضاغط الموجب للقبول يكون الغرض من الأمر بالبيعة منتفياً وغير متحقق ، وهذا ما ينافي إرادة يزيد الشديدة في ان يُبايع الحسين (عليه السلام) ، ومن الواضح انَّ الذي لديه إرادة شديدة بشيء لا يتوسل بوسيلة لا تُحقق تلك الإرادة بل لابدَّ أن تكون الوسيلة متناسبة مع حجم الإرادة وطبيعتها خصوصاً وان يزيد يعلم ان الحسين كان رافضاً للبيعة وانَّ معاوية نفسه لم يتمكن من إرغام الحسين على قبول العهد ليزيد كما ذكر المؤرّخون(7) .كلُّ ذلك يُوضح سقوط هذا الإحتمال وانَّ يزيد لم يرد هذا المعنى من قوله ـ بحسب نقل الطبري « أما بعد فخذ حسيناً ... بالبيعة أخذاً شديداً » .
Animated Photo

Post has attachment
7

الدليل الثاني :
ونستعرض في هذا الدليل النصوص الدالة على تعلُّق إرادة يزيد بقتل الحسين إذا لم يُبايع حتى لو لم يُقاتله .
النص الأوّل : ذكر المؤرخون انَّه حينما مات معاوية وتسلَّم يزيد مقاليد الحكم كان شغله الشاغل هو بيعة الحسين ومجموعة من الشخصيات .
ومبرِّر هذا الاهتمام واضح لمن له أدنى اطلاع على ملابسات الاحداث إبَّان حكم معاوية بعد صلحه للامام الحسين (عليه السلام) .
ونكتفي في المقام بذكر النصوص المعبِّرة عن هذا الإهتمام البالغ وماهي السياسة التي عزم يزيد على ممارستها إذا رفض الحسين بن علي (عليه السلام) البيعة .
في تاريخ اليعقوبي انَّ يزيد « كتب الى الوليد بن عتبة بن ابي سفيان وهو عامل المدينة ، إذا أتاك كتابي هذا فأحضر الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير ، فخذهما بالبيعة لي فإن امتنعا فاضرب أعناقهما وابعث لي برؤسهما ، وخذ الناس بالبيعة فمن امتنع فانفذ فيه الحكم وفي الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير والسلام »(5) وتلاحظون انَّ هذا النص صريح في انّ السياسة التي رسا عليها يزيد بن معاوية تجاه الحسين بن علي (عليه السلام) هي التصفية الجسدية إذا لم يُبايع وان الوليد ليس له خيار آخر ، فإمَّا ان يُبايع الحسين وامَّا ان يُقتل .
Animated Photo

Post has attachment
5
هذا النص التاريخي يُوضح تعيُّن الإحتمال الثاني وانَّ يزيد بن معاوية لم يفوِّض الامر الى عبيد الله بن زياد بل أمره بأن يكتب اليه عن شأن الحسين (عليه السلام) « بكلِّ ما يحدث » ، ومن الواضح انَّ ذلك ليس لغرض التعرُّف على الأخبار فحسب وانَّما لغرض التصدي لمعالجتها كما هو شأن كلِّ من هو في موقع يزيد .
وتلاحظون انَّ عبيد الله بن زياد كان يعلم بأنَّه لم يكن مفوَّضاً ، والذي يُعبِّر عن ذلك انَّه حينما بعث برأس هانئ بن عروة مع رأس مسلم بن عقيل رغم انَّه لم يُؤمر بقتل هاني وانما
امر بقتل مسلم بن عقيل ـ كما يوضحه النص السابق الذي ذكرناه ـ تلاحظون انَّه برَّر قتل هاني بأنَّه كان قد آوى مسلم بن عقيل ، ولو كان مفوضاً لما كان عليه أن يُبرِّر قتل هاني ، إذ انَّ المبرِّر حينئذ هو الصلاحية المعطاة له من قبل يزيد وانَّ له أن يفعل ما يراه مناسباً ، إذ انَّ ذلك هو مقتضى التفويض .
وكذلك تلاحظون ان ابن زياد ذكر الوسيلة التي توسل بها لغرض العثور على مسلم بن عقيل رغم انَّ ذكر ذلك ليس لازماً لولا انَّه يعلم انَّ يزيد يطلب منه التفصيل ولا يكتفي بالإجمال ، ولو لم تقبلوا بذلك فلا أقل ان ابن زياد كان يشعر بتعلُّق إرادة يزيد بذلك كما انَّ من المحتمل قوياً انه كان يريد ان يُعبِّر عن اخلاصه ليزيد وانَّه لم يألُ جهداً في سبيل معالجة هذه القضية المستعصية والخطيرة .
كما تلاحظون انَّ عبيد الله بن زياد لم يكتفِ بذلك بل انَّه بعث برجلين من أهل الإخلاص والطاعة لبني اميَّة ومن أهل الاطلاع على تفاصيل الاحداث التي وقعت ، وسأل من يزيد أن يستفصل منهما ويسألهما عن تمام المجريات التي مارسها في هذا السبيل .
كما لاحظتم الإهتمام البالغ الذي أبداه يزيد ، وهذا ما تُعبِّر عنه مكاتبته الى عبيد الله بن زياد ، حيث كشفت تلك المكاتبة عن انَّ يزيد قد اختلى برسولي ابن زياد وناجاهما وتعرَّف بواسطتهما على التفاصيل ، وقد رضي عنهما أشد الرضا ، وهذا ما عبَّر عنه ثناؤه عليهما وإيصاء عبيد الله بن زياد بهما خيرا .
Animated Photo

Post has attachment
4
وأما الإحتمال الثالث : فهو المناسب للإعتبارات العقلائية بعد الإلتفات الى خطورة هذه القضية وما يترتب عليها من تبعات ، فالمطمئن به انَّ يزيد بن معاوية حين ولَّى ابن زياد على الكوفة أمره بأن يستشيره في كل ما يتصل بقضية الحسين (عليه السلام) وان يبعث اليه بتفاصيل الأخبار ، وهذا ما يؤكده التاريخ ، واليك هذا النص الذي ينقله الينا الطبري :
« إنَّ عبيد الله بن زياد لمَّا قتل مسلماً وهانئاً بعث برؤسهما مع هانئ بن ابي حيَّة الوادعي والزبير بن الأروح التميمي الى يزيد بن معاوية وأمر كاتبه ان يكتب الى يزيد بن معاوية بما كان من مسلم وهانئ ... اكتب أما بعد : فالحمد لله الذي أخذ لأمير المؤمنين بحقه وكفاه مؤنة عدوه ، اُخبر أمير المؤمنين أكرمه الله انَّ مسلماً بن عقيل لجأ الى دار هانئ بن عروة المرادي وانِّي جعلت عليهما العيون ودسست اليهما الرجال وكدتهما حتى استخرجتهما وأمكن الله منهما ، فقدمتهما وضربت أعناقهما ، وقد بعثت اليك برؤسهما مع هانئ بن ابي حيَّة الهمداني والزبير بن الأروح التميمي ، هما من أهل السمع والطاعة والنصيحة، فليسألهما أمير المؤمنين عمَّا أحبَّ من أمر ، فإنَّ عندهما علماً وصدقاً وورعاً ، والسلام .
فكتب اليه يزيد : أما بعد فإنك لم تعدُ ان كنت كما اُحب عملت عمل الحازم وصلت صولة الشجاع الرابط الجأش ، فقد أغنيت وكفيت وصدقت ظنّي بك ورأيي فيك ، وقد دعوت رسوليك فسألتهما وناجيتهما فوجدتهما في رأيهما وفضلهما كما ذكرت ، فاستوصِ بهما خيراً .
وانَّه قد بلغني انَّ الحسين بن علي قد توجَّه نحو العراق ، فضع المناظر والمسالح واحترس على الظن وخذ على التهمة ، غير ان لا تقتل إلاّ من قاتلك ، واكتب اليَّ في كل ما يحدث من الخبر والسلام عليك رحمة الله وبركاته »(3)
Animated Photo

Post has attachment
6

ثم انَّ في المكاتبة ما يُعبِّر عن متابعة يزيد لقضيةالحسين (عليه السلام) ولم تكن القناة الوحيدة التي يعتمد عليها هي عبيد الله بن زياد بل انَّ له قنوات اخرى تُوصل اليه الأخبار ، وهذا ما يكشف عنه قوله « وانَّه قد بلغني انَّ الحسين بن علي قد توجَّه نحو العراق » فإنَّ هذا الخبر لم يكن في مكاتبة ابن زياد كما انَّ مساق العبارة يؤكد انَّ الخبر لم يكن من الرسولين
.
ثم انكم تلاحظون ان يزيد قد بتَّ في قضية الحسين (عليه السلام) وصدَّر أوامر لابن زياد بأن يضع المناظر والمسالح وأن يأخذ على الظنة والتهمة وأن يقتل من يُقاتله ، فلم يأمره بالمقاتلة فحسب والتي لا تستلزم القتل بل أمر بقتل من يقاتل ، وهذا يعني أن الحسين (عليه السلام) إذا قاتله فهو مأمور بقتله وإلاّ كان عليه ان يستثني الحسين (عليه السلام) من هذا الامر
الولايتي والذي لا رخصة فيه ، فمتى ما قاتله الحسين فإنَّه مأمور بقتله ، بل انَّ القدر المتيقن من هذا الأمر هو قتل الحسين (عليه السلام) ، إذ انَّ الحديث انَّما هو عن الحسين (عليه السلام) فهو الذي توجَّه للعراق .
ومن المحتمل قويّاً أن يُقاتل ابن زياد ، لان الحسين انَّما هو متوجِّه للكوفة وليس من المعقول ان يسلم عبيد الله الكوفة الى الحسين طواعية ، إذ ان ذلك مناف لإرادة يزيد وما دعاه الى تنصيب ابن زياد إلاّ المحافظة على الكوفة حتى لا تخرج عن الهيمنة الاُموية وتكون في يد الحسين . ويزيد وعبيد الله بن زياد على اطلاع بأن مجيء الحسين (عليه السلام) الى الكوفة انما هو لهذا الغرض .ثم انكم لاحظتم ان يزيد بن معاوية في هذه المكاتبة قد أثنى على عبيد الله بن زياد ومدحه برباطة الجأش والشجاعة والحزم وأخبره بأنّه راض عنه وانَّه واثق بحسن تدبيره للامور وإدارته لشئون الولاية ، وهذا إيعاز واضح من يزيد لعبيد الله في ان يواصل هذا النهج ويسير على هذا المنوال وانَّه لم تكن في إدارة ابن زياد ما تستوجب المناقضة لاغراض يزيد بن معاوية .
كلُّ ذلك يُعبِّر عن اطلاع يزيد على تمام الإجراءات التي كان يُمارسها ابن زياد في هذا السبيل كما يُعبِّر عن متابعته لسياسة ابن زياد وانَّه لم يكن قد نصَّبه وفوَّض اليه الامر وإلا لم يأمره بشيء والذي منه القتل ولم يطلب منه ان يُخبره « عن كل ما يحدث »(4) .
وبما ذكرناه يتضح ان المسئول الأول عن دم الحسين (عليه السلام) هو يزيد بن معاوية وانَّ قرار القتل كان بأمر منه . هذا أولا .
Animated Photo

Post has attachment
3
فالإحتمال الاول : ـ والذي هو تفويض الأمر لعبيد الله بن زياد ـ وان كان بعيداً كما سيتضح إلا انَّه لو كان هو المتعيّن واقعاً لكان ذلك موجباً لإدانة يزيد ، إذ لا يخفى على يزيد انَّ أحد الخيارات التي يمكن ان يتبناها عبيد الله بن زياد هي قتل الحسين (عليه السلام) بل هو خيار قريب جداً مع الإلتفات الى انَّ الحسين (عليه السلام) قد شرع في الثورة ، وانّ محاربته قد تستوجب قتله وانَّ بقاءه يمثل خطراً على الوجود الاموي ، فلو كان يزيد متنزهاً عن قتل الحسين (عليه السلام) لكان عليه ان يُنبه عبيد الله بن زياد ويمنعه عن اللجوء الى هذا الخيار ، في حين اننا لا نجد في التاريخ من ذلك عيناً ولا أثراً بل ما نجده على عكس ذلك كما سيتضح إن شاء الله تعالى .
وأما الإحتمال الثاني : فلو كان هو المتعين فهو أيضاً لا ينفي الإدانة عن يزيد ، وذلك لأنّ ابن زياد لو امتثل واستشار يزيد في الامور الخطيرة فليس شيء أخطر من قتل الحسين (عليه السلام) والذي ليس له سابقة في الإسلام ، وهل يخفى على مثل ابن زياد ما يترتب من مضاعفات على قتل الحسين (عليه السلام) بعد ان كان مطلعاً على موقعه الديني ومنصبه الإجتماعي ، فمن الُمحتَّم ان لا يستقل عبيد الله بن زياد بهذا الإجراء الخطير ، وحينئذ إن كان ابن زياد قد استشار يزيد في قتل الحسين (عليه السلام) فامضى يزيد ذلك فهذا هو المطلوب إثباته ، وإن لم يكن قد أمضاه على ذلك وانَّ عبيد الله قد استقل بهذا الفعل وانَّ يزيد بن معاوية قد غضب على عبيد الله بن زياد بعد قتله للحسين ـ كما يزعمون ـ فهذا ما لا نجد عليه دليلا من التاريخ ، إذ ما معنى ان يغضب يزيد على ابن زياد والحال انَّه أقرَّه على الولاية(2) ولم يعز له والذي هو أدنى ما يمكن ان يصنعه يزيد تعبيراً عن غضبه ، وسيتضح انَّ هناك ما يؤكد إمضاء يزيد لما فعله عبيد الله بن زياد
Animated Photo
Wait while more posts are being loaded