Profile cover photo
Profile photo
نبيل حاجي نائف
45 followers
45 followers
About
نبيل's posts

Post has attachment

Post has attachment
" الدماغ ينتج الوعي والفكر"

منذ حولي 45 عاماً وأنا أسعى لمعرفة أصول الفكر البيولوجية والعصبية , لأنني أومن بضرورة أن يكون للتفكير والوعي أصول عصبية بيولوجية مادية , لقد حققت بعض المعرفة يمكن اعتبار دقتها لا بأس بها .
والذي سهل عليّ الأمر هو أنني عملت في تركيب واختبار وإصلاح المقاسم الهاتفية الآلية أكثر من 30 عاماً , فكما هو معروف هناك بعض التشابه في عملها وعمل الدماغ , بالإضافة لاطلاعي الواسع على غالبية الأمور الأساسية المتعلقة بعمل الجهاز العصبي والدماغ , وعلى غالبية المعلومات العامة المتعلقة بالدماغ وعمله , ونشأته , وتطوره.
أنا أتعرض لمجال واسع ومعقد من المعارف المتعلقة بالدماغ وكيفية نشوئه وتطوره وكيفية عمله , وسوف يظهر المستقبل مدى درجة دقة ما أوردته من معلومات وأفكار , وفي الأساس غالبية ما أوردته هو مذكور في الكتب والمراجع .
وقد اعتمدت على مقالاتي السابقة عن الدماغ بعد أن عدلتها وصححتها وطورتها ورابطتها مع بعضها , واخترت الذي وجدته عالي الدقة .

هذا الكتاب يركز على مفاهيم ومعلومات جديدة ما زالت غير معتمدة من قبل أغلب الباحثين في هذا المجال وهي :
1 – التعرف ( والأحاسيس تعرف ) , والتصنيف والتعميم , والقياس والمقارنة والتقييم , من أجل تحديد الاستجابة المناسبة والقيام بها , هم أهم أعمال الدماغ
2 - اعتماد مفهوم " مكتب الدخول " وهو يرمز للبنيات الدماغية التي تتحكم بما يتم الوعي به من أحاسيس ومؤثرات ( بإدخاله إلى ساحة الشعور) كي تجري معالجته وتقييمه واتخاذ الاستجابة المناسبة له
3 - نشوء أحاسيس الممتع والمؤلم كاستجابة وتقييم للمفيد والضار , كمكافأة أوعقاب للتحكم يتصرفات الكائن الحي , وهذا نشأ غالباً لدى الثدييات .
4 - تفسير اسس وعناصر الوعي المادية , بنشوئه من الأحاسيس المتطورة , وذلك بشرح فكرة "الطنين الحسي "
5 - توضيح أسس الإرادة
6 - توضيح أسس وطبيعة الذاكرة باستعمال مفهوم " الذاكرة البنيوية " والذاكرة الدينامية " بدل مفهوم الذاكرة المديدة والذاكرة القصيرة . الوضع في الإنتظار للدخول لساحة الشعور لما يجب تذكره لاحقاً, ولماذا سبعة .
7 - نشوء التفكير التسلسلي وهو التفكير السببي المنطقي لدي الإنسان نتيجة استعماله اللغة ,وكان هذا مترافق مع التفكير المتوازي الموجود لدى الكائنات الحية ( وهو التفكير الحدسي الشامل ) .
8 - نشوء التفكير بالتفكير أو الإحساس بالتفكير لدينا نحن البشر نتيجة اللغة والثقافة والحياة الاجتماعية المتطورة
9 - توضيح أسس الأحلام وكيفية نشوئها .
10 - التفكير ضمن الجماعة , نشوء البنيات الفكرية , نشوء الثقافة , نشوء عالم الفكر .

لقد تشكل دماغنا وتطور حسب آليات بسيطة جداً ودون تخطيط مسبق , فكان يتطور وينمو حسب التكيف واعتماد المناسب للظروف الموجودة التي يتفاعل معها , وتراكمت التطورات فوق بعضها وكاملت بعضها إلى أصبح كما هو لدينا الآن .
ويبقى هذا الكتاب غير سهل على غالبية القراء متابعة كافة ما ورد فيه لاتساع مجالات المعلومات والمعارف والأفكار .
إنني أختصر المواضيع لكي أبسطها , واختصاري هذا يمكن أن يكون غير دقيق أحياناً , فعمل بنيات الدماغ والدارات العصبية الجارية بين هذه البنيات والعناصر المكونة لهذه البنيات وآليات تفاعلها معقدة جداً وأغلبها لم يتوضح بعد بشكل دقيق .
فأنا أتكلم كما في دراسة دارات الأجهزة الإلكترونية المعقدة مثل المقاسم الهاتفية والكومبيوترات وغيرها من الأجهزة , وكما في كافةالمشاريع الهندسية والصناعية المعقدة التي تستخدم فيها عادة " المخططات الصندوقية " وهي مخططات البنيات الأساسية ودارات عملها وتظهر البنيات والعمليات الاساسية بشكل مختصر.
فالمخططات الصندوقية تستخدم في كافة المواضيع الواسعة المعقدة وذلك لكي يستطيع عقلنا التعامل مع التعقيد الكبير , وهي تستخدم في كافة العلوم أيضاً .
والمهم في دراسة عمل الدماغ أن تكون البنيات الصندوقية المستخدمة لها بنيات في الدماغ تمثلها بشكل دقيق.
إنني لم أهتم كثيراً ببنية وتفاصيل وصور الجهاز العصبي , فهذا موجود في الكثير من المراجع على النيت , وهي توضح بشكل جيد وبالصور بنيته , ويمكن الرجوع إليها بسهولة , وقد وضعت مع المصادر بعض العناوين لمقالات و موضوعات هامة متعلقة بالدماغ وعمله والموجودة على النيت .

نبيل حاجي نائف 9 تشرين الثاني 2011













كيف تعامل الإنسان مع التفكير والدماغ
لقد صعب على الانسان القبول بالدماغ كسيد وقائد ومدير لكافة التصرفات والأحاسيس , وهو الكتلة الرمادية الرخوة التي لا تنبض ولاتتحرك, بينما رأى أن القلب يضخ الدم فتسري الحياة في البدن , فقد كان يحس ويشعر عواطفه وانفعالات مصاحبة مع خلجات وخفقان قلبه , واعتبر أن حركات قلبه هي التي تدل على شعوره وعواطفه وتفكيره , لذلك اعتبر القلب مصدر التفكير الأحاسيس والعواطف .
فالفراعنة لم يمنحوا الدماغ ما منحوه للقلب من مركز للفكر والإرادة. صمت الدماغ جعل منه عضواً غير ذي أهمية في رأي الإنسان لأجيال طويلة . فلا عجب إذا لم يحنطه المصريون ظناً منهم أن تفكير الإنسان قائم في القلب النابض , لقد جعل الفرعنة القلب ممثلاً للروح وصانعاً للأحلام والوعي , وكان وجود القلب ضروري لدخول الإنسان الحياة الخالدة , لأن لا حياة بدون قلب فكيف يكون بعث الحياة بغيابه . لذلك حنط الفراعنة القلب بحنوطاً خاصة لحفظة .
أما اليونانيون فقد أعطى بعضهم أهمية للدماغ ففيثاغوروس عزا للدماغ قوة النفس العاقلة , فقد كان اليونانيون يقسمون النفس إلى العاقلة والشهوانية والروح, والنفس العاقلة هي الفكر , ثم جاء تلميذه الكميون فربط بين الحس والدماغ, وقال أن الدماغ هو مركز الحس ومقر الفكر.
وقال ابقراط : " أومن أن الدماغ هو سيد الأعضاء , فالعين والأذن واللسان والأطراف ..., كلها تأتمر بأمره , وأكد أن الدماغ هو مقر النفس – الوعي - .
لكن أكثر الذين جاؤوا بعد سقراط لم يعتقدون ذلك فأهمل المفكرين الدماغ حتى القرن السادس عشر , ولم يأخذ العلماء بعظمة الدماغ . أما أفلاطون فقد نفى أية علاقة بين الدماغ والحياة النفسية للإنسان , إذ جعل للبشر نفساً بثلاثة أنواع , وأبقى للدماغ قوته المولدة للحواس السمع والبصر والشم ..., وأضاف أن القلب هو مقر العواطف. وكانت الضربة القاضية على الدماغ جاءت من صاحب المنطق والمعلم الأول أرسطو , الذي جرده من كل وظائفه المعروفة أنذاك, وجعل القلب مركز الفكر . أما الدماغ فما هو إلا جهاز لتبريد الدم .
وعندما أتى فرويد استعمل مفاهيم بسيطة غير دقيقة مثل الأنا والهو والأنا العليا والشعور واللا شعور وليس لها بنيات في الدماغ تمثلها بشكل دقيق .
لقد كانت المعلومات المتوفرة أيام فرويد قليلة وغير دقيقة . أما الآن فجزء لا بأس به من بنيات الدماغ قد وضحت بنيتها و حددت وظيفتها وحددت بعض اتصالاتها مع بعضها, وحدد أيضاً الكثير من آليات التفاعل الفزيولوجية والعصبية والكيميائية والكهربائية التي تجري بين هذه البنيات , فقد أمكن إرجاع الإشراط العادي إلى أسسه الكيميائية وأمكن معرفة عمل بعض الآليات الأساسية مثل معالجة الوارادات البصرية او معالجة الأصوات أو الكلمات والكثير غيرها بشكل مفصل ودقيق .
وبالاعتماد على تقسيم بنيات الدماغ حسب نشوئها ( المراحل الأربعة لطور الدماغ ) , وحسب الوظيفة التي تقوم بها كتمثيل صندوقي لعمل الدماغ أفضل بكثير .
وكذلك باستعمل مفهوم الذاكرة القصيرة والذاكرة المديدة - و استخدام مفهوم الذاكرة الدينمية والذاكرة البنيوية بدل منهما أفضل وأدق- .
وعرف الكثير عن الدماغ وعلاقة الدماغ بالوعي والتفكير, وأهم الأعمال الأساسية التي يقوم بها الدماغ منها - القيام بإدارة وتنظيم ومراقبة كافة عمليات وأعضاء الجسم - التعرف على الواقع و ما يتعرض الكائن الحي له من مؤثرات وذلك عن طريق ما يعتبر أحاسيس أولية للتعرف عليها , من أجل التعامل معها ومعالجتها وبالقيام بالاستجابة المناسبة وذلك بتقييم هذه المؤثرات حسب المفيد أو الضار له - وتطور وتوسع التقييم مع تطور وتنوع القدرات الحسية , وبعد نشوؤ أحاسيس اللذة والألم تم اعتماد ترافق الممتع مع المفيد وترافق المؤلم مع الضار , كمكافأة أو عقاب من أجل توجيه الاستجابات والتصرفات الكائن الحي . ومع تطور وتنوع وتوسع بشكل هائل ما يرد إلى الدماغ من المستقبلات الاحاسيس صار من الضروري تنظيم وترتيب معالجتها من أجل الاهتمام بالأهم والضروري معالجته أولاً , وبذلك نشأ ما يمكن اعتباره بمثابة "مكتب الدخول" الذي يتحكم بتنظيم دخول الكميه الهائلة من المعلومات الأتية من المستقبلات الحسية فلا يدخل إلا الهام والضروري منها لمعاجته وتحديد التصرف المناسب له . . .






























نشوء وتطور الدماغ
إن الجملة العصبية قطعت شوطاً طويلاً في تطورها ونموها قبل أن تصل إلى صورتها الحالية عند الإنسان . ولئن كنا لا نستطيع أن نجزم بحدوث ظواهر عصبية ( متطورة ) لدى النباتات فإننا لا نشك في وجود هذه الظواهر في مملكة الحيوان بدءاً من وحيدات الخلية .
نشوء التعرف والذاكرة
إن أبسط الكائنات الحية هي" الأوالي " ويبلغ عمرها حوالي 2500مليون سنة, وهي وحيدة الخلية , أي أن وظائف الحياة كلها تنجز في خلية واحدة فقط . فلا يوجد فيها أجهزة مستقلة مثل الجهاز الهضمي , أو الدوران , أو الحماية , أو العصبي... ففي الأوالي تتم بواسطة البلعمة وظائف التنفس والهضم والتغذية والدفاع والمناعة والحماية من المؤثرات الخارجية الضارة .
هذه الكائنات (الأوالي) تميز (أو تتعرف ) على الذات عن اللا ذات , فبعض الأوالي تعيش في مستعمرات ويجب تمييز الذات عن بعضها, وإنه يصعب قيام الحياة في مستعمرة أو حدوث توالد جنسي(أي بين كائنين حيين) دون في غياب القدرة على تمييز الذات عن اللا ذات .
لذلك فمن المرجح أن تتوفر هذه المقدرة لدى الحيوانات الأوالي , و حتى الإسفنجيات التي تعد أبسط الأوالي(الحيوانات عديدة الخلايا) باستطاعتها تمييز الذات عن اللا ذات . فخلاياها تهاجم طعوماً من إسفنجيات أخرى .
وعنصر التعرف و الذاكرة في الاستجابة هو أيضاً حجر الأساس في الجهاز المناعي . إن السمة الأساسية لأي جهاز مناعي هي القدرة على تمييز بين الخلايا والنسج والأعضاء التي هي أجزاء من الجسم وبين المواد الغريبة .
أهمية التعرف في تحديد استجابة مناسبة لما يتعرض له الكائن الحي من تأثيرات وأوضاع .
إن تنبيه البقعة الحمراء الموجودة في وحيدة الخلية " الاوغلينا" يبدل حركة السوط المتصل بها مما يشير إلى حساسية (أو تعرف )هذه البقعة واستجابتها للمنبهات . أما التشكيلات العصبية عند وحيد الخلية " السنتور " فقد غدت أشد وضوحاً حيث ظهرت ليفات عصبية تنتهي بانتفاخات صغيرة إلى الليفات العضلية , وتمتاز بحساسية للمواد الكيميائية . أما عند وحيد الخلية " ابلوت" فقد ارتقى التنظيم العصبي بحيث يمكننا تجاوزاً مقارنتها بتنظيم الجملة العصبية عند كثيرات الخلايا , حيث إتصل الجهاز العصبي المجاور للفم بالحبيبة بواسطة ليفات عصبية أخرى .
أما كثيرات الخلايا فإن طلائعها الأولى (شعبة الاسفنجيات) تشهد على ظهور خلايا عصبية حساسة لمنبهات الوسط الذي تعيش فيه وتتصل هذه الخلايا ببعضها بواسطة ( جزوع ) عصبية تؤمن نقل التنبيه فيما بينها من جهة ونحو الخلايا المنفذة من جهة أخرى . وظهرت عند بعض الشعب الحيوانية كتل عصبية تركزت بالقرب من مناطق التقلص العضلي التي تشرف على فعالياتها كما تحولت بعض الكتل عند كقنديل البحر إلى حلقات طوقت قبة القنديل . أما عند الديدان الحلقية فقد ظهرت البنية القطعية للجهاز العصبي بأوضح صورها حيث نجد شفعاً من العقد العصبية ضمن كل قطعة من جسم الحيوان تتصلان ببعضهما , وهكذا تشكلت بنية عصبية شبيهة بالسلم .
أما في الفقاريات الدنيا فقد ظهر في بادئ الأمر حبل عصبي يخلو من الأقسام الرئيسية المميزة لدماغ الفقاريات كما في دقيق الطرفين , ثم تطور الحبل العصبي بدءاً من مستدير الفم ليصبح محوراً عصبياً و يمتلك الأقسام الدماغية المعروفة عند الفقريات الراقية . وتطورعند الزمر الفقارية الأكثر رقياً نمو قشرة الدماغ الحديثة , ونمو نصفي الكرتين المخيتين التين كانتا ضامرتين عند الأسماك , ثم تطور الدماغ لدى الزواحف العليا واستمر نمو الكرتين المخيتين .
أما في الثدييات فقد امتلكت الكرتين المخيتين سطحاً واسعاًنتيجة لظهور التلافيف الدماغية بحيث غطيا أقسام كبيرة من الدماغين المهادي والمتوسط , وظهرت الباحات الحسية والحركية والترابطية المستقلة , وبذلك أصبح المخ المشرف على كافة المراكز العصبية الأخرى .
فلدىالحيوانات الفقارية الراقية و الإنسان يتكون الجهاز العصبي من دماغ ونخاغ شوكي وأعصاب.. و يختص الجهاز العصبي بتنظيم العديد من وظائف الجسم الداخلية، مثل عمليات التنفس والهضم والنبض القلبي. ..






























الجهازالعصبي
هو أهم الأجهزة التي تميز المملكة الحيوانية. يشاهد عند كل الكائنات الحية إبتداءً من اللافقريات وحتى الثدييات حيث يكون مؤلفاً من دارات بسيطة عند اللافقريات ثم يزداد تعقيداً كلما صعدنا في سلم التطور ليصل إلى أقصى درجات التعقيد والكفاءة عند الإنسان.
يقوم الجهاز العصبي بإستقبال المعلومات الواردة من المحيط الخارجي بواسطة أعضاء الإحساس ومن الأعضاء الداخلية بواسطة المستقبلات الحسيةالمنتشرة في المفاصل والعضلات والأحشاء، حيث تعالج تلك المعلومات ، ليصار لإصدار استجابة مناسبة بما يتناسب مع المعلومات الواردة .
ويقوم بتوجيه الفعاليات العضلية ،ومراقبة الأعضاء التشريحية . ولدينا يعتبر المسؤول عن عمليات التفكير و المحاكمة و الخيال والذاكرة بالتالي فهو مرتبط بالعديد من الفعاليات التي توصف بالعقلية .
فالبنية الوظيقية العامة للجهاز العصبي بسيطة للغاية حيث يتألف من مستقبلات أو حواس يتعرف بها على الأوضاع والظروف التي يتعرض لها الكائن الحي , فوظيفة المستقبلات أو الأحاسيس هي التعرف على المؤثرات الداخلية والخارجية من أجل التعامل معها باستجابة مناسبة تحقق بقاء الكائن الحي . فالتعامل مع الخيارات المتاحة هو أساس التفكير , من أجل تحديد الاستجابة المناسبة للتعامل مع الظروف والمؤثرات التي يتعرض لها الكائن الحي , وذلك بهدف تكيف الكائن الحي معها وتحقيق متطلبات بقائه واستمرار ذريته .
فالجهاز العصبي شبكة اتصالات داخلية في جسم الحيوان، تساعده على التواؤم مع التغييرات البيئية المحيطة به , ويمتلك كل حيوان ماعدا وحيدات الخلية ( الأولية البسيطة ) نوعاً من الأجهزة العصبية , وتمتلك الحيوانات اللافقارية جهازًا عصبيًا يتراوح بين شبكات بسيطة من الأعصاب وجهاز عصبي منظم مرتبط بدماغ بدائي .

الجهاز العصبي عند الحيوانات اللافقارية
تمتلك الحيوانات اللافقارية المتعددة نوعًا ما من الأجهزة العصبية ذات عصبونات كبيرة مقارنة بتلك التي عند الإنسان. فمثلاً تمتلك الحيوانات البسيطة، مثل الهَيْدرا جهازًا عصبيًا يتكون من شبكة عصبية تنتشر في كل خلايا الحيوان. ولا يمكن التمييز بين المحاوير والتغصنات، و لذلك تنتشر الدفعات العصبية بصورة شاملة في كل الحيوان عند بدئها من موضع التنبيه. ومن ناحية أخرى تمتلك الديدان والحشرات جهازًا عصبيًا مركزيًا معقدًا يتكون من عَصبونات كثيفة مُشكّلة ما يُسمى الحبل العصبي المليء بالعُقد ذات القدرة على تنظيم أنشطة هذه الحيوانات وتنسيقها. وإضافة لهذا نلاحظ في مقدمة الحيوان وجود تجمعات من العقد تمثل مايُسمى الدماغ البدائي. وللحشرات كذلك تجمعات عُقدية في الصدور مسؤولة عن تنسيق حركتها.
ومن ناحية عامة تتشابه آليات حدوث الدُفعات العصبية والكوامن المشبكية في كل من الإنسان والأنواع المتقدمة من الحيوانات اللافقارية
عندما تكون بعض الحيوانات مجردة من المكون الأساسي للجهاز العصبي و المسمى الدماغ يكون الجهاز العصبي عاجزا عن تشكيل أفكار أو إظهار مشاعر .
الحيوانات الفقـارية
تمتلك الحيوانات الفـقارية , من ثدييات , وطيور وزواحف , وبرمائيات , وأسماك جهازًا عصبيًا يشبه من حيث الشكل والتركيب ذلك الذي لدى الإنسان .
يعتبر الدماغ بشكل خاص و الجهاز العصبي عامة المسؤول عن "إحياء" (بث الحياة) في الحيوانات (بكل ما يميز هذه الحياة من فعاليات) (تعتبر الإسفنجيات استثناء في هذا المجال) ، و لنفس السبب فإن المواد الكيميائية السمية التي تعطل عمل الجهاز العصبي تسبب سريعا الشلل من ثم الموت أحيانا كثيرة.


































تعضي و بنية الجهاز العصبي
يتكون الجهاز العصبي لدى الثدييات من- النخاع الشوكي- الدماغ
إن الوحدة الأساسية للجملة العصبية هي العصبون أو الخليَّة العصبية. وتنتؤ زوائد شجرية عصبية من هذه الخليَّة المتخصصة تتلقى الرسائل الكهربائية من عصبونات أو عضلات وغدد أخرى أو ترسلها إليها.
وتقوم الخلايا الدِّبقيَّة وهي خلايا عصبية داعمة بحماية البلايين من العصبونات المترابطة التي تؤلف الجملة العصبية . وتشكل هذه الخلايا أكثر من نصف الخلايا العصبية في كامل الجملة العصبية حيث تتواجد هذه الخلايا اللاستثارية بين العصبونات وحواليها.
الدماغ
إن الدماغ يرقد في تجويف الجمجمة وهو يدير وينظم العديد من العمليات الجسدية اللا شعورية بمشاركة النخاع الشوكي، كسرعة خفقان القلب، كما ينسِّق معظم الحركات الإرادية.
ويتميز الدماغ بشكل جوهري أنه مركز الأحاسيس والوظائف الذهنية المختلفة التي تتيح للكائن الحي قدرات الإحساس والتعلم والتفكير.
تبين الملاحظة المجهرية لمقطع على المستوى المخ أنه يتكون من :
-مادة رمادية تشكل قشرة المخ - مادة بيضاء داخلية
فالمادة الرمادية مكونة أساسا من أجسام خلوية نجمية الشكل بها امتدادات من نوعين :
- امتدادات قصيرة تدعى التفرعات.
- امتداد طويل يدعى المحورة و تشكل المحورات الألياف العصبية
والمادة البيضاء تتكون أساسا من ألياف عصبية مغمدة بمادة عازلة بيضاء
بنية النخاع الشوكي
يتبين من الملاحظة المجهرية للنخاع الشوكي أنه يتكون من مادة بيضاء و مادة رمادية ، ويرتبط كل عصب سيسائي بالنخاع الشوكي بواسطة جذرين حيث يتميز الخلفي عن الأمامي بوجود عقدة شوكية.
تنقل الألياف العصبية الحسية :السيالة العصبية النابذة - السيالة العصبية المركزية - السيالة العصبية النابذة و المركزية.
تنقل الألياف العصبية الحركية : السيالات العصبية الحركية
تتجه السيالة العصبية الحسية :من العضو الحسي إلى المركز العصبي الحسي - من الباحة الحركية إلى العضلة - من العضو الحسي إلى النخاع الشوكي
تتجه السيالة العصبية الحركية :من الباحة الحركية إلى العضلة - من العضو الحسي إلى العضو الحركي - من النخاع الشوكي إلى العضلة .
الخلايا العصبية
يتكون العصبون من ثلاثة أجزاء أساسية هي: الجسم الخَلَوي والمحوار (المحور العصبي) والتغصنات. ويغطي كل الخلية غشاء عصبي رقيق. الجسم الخلوي يعمل كمركز للتحكم في نشاطات الخلية ، المحوار ويعتبر امتدادًا أسطوانيًا يساعد على انتقال الرسائل، والإشارات، والتغصنات وهي امتدادات قصيرة متخصصة في استقبال الرسائل.
- الجسم الخلوي
يشبه الجسم الخلوي كرة صغيرة قطرها 0,25ملم، ويعمل على استقبال وإرسال الدفعات العصبية وتصنيع البُروُتينات واستخدام الطاقة للمحافظة على الخلية العصبية ونموها.
تتمركز معظم الأجسام الخلوية للعصبونات داخل الجهاز العصبي المركزي، حيث تتحد الرسائل الواردة وتُبَث الرسائل الصادرة. أما تلك الموجودة خارج الجهاز العصبي المركزي، فتتجمع في حزم تسمى العقد، مثل تلك الخاصة بالجهاز العصبي التلقائي.
- المحوار
ويسمى أيضًا الليف العصبي، ويشكل امتدادًا أنبوبيًا للجسم الخلوي للعصبون. وله العديد من التفرعات التي تمكنه من الاتصال بما يقرب من ألف عصبون آخر. وهو متخصص في نقل الرسائل. يبلغ طول المحوار داخل الجهاز العصبي المركزي أقل من مليمتر واحد، بـينما يزيد عن ذلك في الجهاز العصبي المحيطي، إذ يصل طول بعض المحاوير الممتدة من النُخاع الشوكي إلى عضلات القدمين إلى 75-100سم. أما الأعصاب فما هي إلا تجمعات لمحاوير عصبونات حركية أو حسية أو لكليهما معًا، التصقت بعضها مع بعض مكونة ذلك الشكل الحبلي. يغطي غمد مصنوع من مادة دهنية بيضاء تسمى الميلين بعض المحاوير، حيث تساعد على سرعة انتقال الدفعات العصبية عبرها، كما تساعد على التمييز بين المادة الرمادية والمادة البيضاء في الجهاز العصبي. وتتكون المادة الرمادية من محاوير غير مغطاة بالميلين وأجسام خلوية عصبونية، بينما تتكون المادة البيضاء من محاوير مغطاة بالميلين. وتصنع مادة الميلين في خلايا شفان في الجهاز العصبي المحيطي، بينما تقوم الخلايا الدبقية بتصنيعها في الجهاز العصبي المركزي.
التغصُنات أو المشابك العصبية
تتفرع من كل جسم خَلَوي نحو ستة أفرع في شكل قنوات أسطوانية، تُسمى التغصنات. ويبلغ طولها نصف ملم وسُمكها ضعفي سُمك المحوار أو ثلاثة أضعافه. تُعَدُّ التغصنات أجسامًا متخصصة في استقبال الدُفعات العصبية الواردة من محاوير أخرى، ويفصل بينهما فراغ ضيق يُسمى الفَلُح المَشْبَكي الذي تعبر خلاله الدُفعات. وتسمى أماكن التقاء العصبونات المشابك.
يعمل الجهاز العصبي عبر سُبل محددة وثابتة بين العصبونات تسمى الدارات العصبية. ومن أبسطها ما يسمى بالمُنْعَكس، وهي استجابة تلقائية لا إرادية لأحد المنبهات لا يتدخل فيها الدماغ. ويربط المنعكس بين عَصْبونات مُستَقْبلة ومستفعلة ويمر عبر النُّخاع الشوكي. ومن أبسط هذه المنعكسات مُنْعكَسُ الركبة الذي يمكن مشاهدته بعد طرق خفيف على الوتر تحت الرضَفَة. فالطّرْق يؤدي إلى تقلص العضلة هناك وتنبيه بعض المستقبلات وانبثاق دفعة عصبية، تنتقل عبر عَصْبون حسي من خلال محوار إلى النُخاع الشوكي، ومن ثَمّ ـ عبر مشبك ـ إلى حد العَصبونات الحركية، حيث يتم تكوين دُفعة عصبية أخرى تنتقل عبر المحوار لأحد العُصبونات الحركية ليتم إرجاعها للعضلة التي تنقبض خلاياها مُحدثة نفضًا للساق.
وهنالك العديد من المنعكسات المعقدة، حيث تدخل إحدى عَصبونات الترابط بين العَصبونات الحسية والحركية. وقد يتصل عَصْبون الترابط بمجموعة من السبل العصبية المعقدة التي قد تصل إلى الدماغ. ومن هذه المنعكسات، الإنسحاب من أحد المنبهات المؤلمة، مثل ما يحدث عندما يضغط شخص ما بقدمه الحافية على جسم حادّ. ففي هذه الحالة نشاهد استجابة فورية برفع القدم، وفي نفس الوقت ينبِّه بعض عَصبونات الترابط عضلات الرِّجل الأخرى لتحافظ على توازن الجسم. وإضافة لهذا يتم تنبيه بعض السبل العصبية الواصلة للدماغ ليعي الإنسان ما حدث له. ولا تستطيع المنعكسات بمفردها احتواء كل أفعال الإنسان وتفسيرها، ويمكن للإنسان وبعض الحيوانات تعلَّم أنماط جديدة من السلوك. فمثلاً، تنتقل حركات العضلات الإرادية المطلوبة لاكتساب خبرات جديدة، عبر مجموعة من السبل العصبية المعقدة التي تمتد من الدماغ إلى جميع أعضاء الجسم. فبعض الأفعال المعقدة مثل قيادة الدراجة أو المشي يمكن التدرُّب عليها، وتعلمها، ومن ثم أداؤها دون أي تحكم واعٍ مستديم .

الجهاز العصبي لدى الإنسان
يتكون الجهاز العصبي المركزي من الدماغ والنخاع الشوكي , ويقوم بتنظيم جميع أنشطة الجهاز العصبي والتحكم فيها. والدماغ عضو شديد التعقيد، يتكون من ثلاثة أجزاء أساسية هي: المخ والمخيخ وجذع الدماغ.
يعلو المخ كلاً من المخيخ وجذع الدماغ، ويلتف حولهما بدرجة ما، ويشكل نحو 85% من الدماغ، ويُعَدُّ الأكثر تعقيدًا.
وللإنسان مخ متطور النمو، يقوم باسختدام وتوجيه السمع والنظر واللمس والتفكير والإحساس والكلام والتعليم.
يعلو المخيخ ـ والذي يقارب حجمه حجم البرتقالة ـ جذع الدماغ ويساعد الجسم في الاحتفاظ بتوازنه وينسق بين المعلومات الحسيّة وحركة العضلات.
يشبه جذع الدماغ الساق، ويتصل بالنخاغ الشوكي في قاعدة الجمجمة. ويحتوي على العديد من العصبونات التي تتبادل المعلومات الواردة من الحواس. والكثير من العصبونات التي تنظم الوظائف التلقائية، مثل التنفس والنبض القلبي وتوازن الجسم وضغط الدم، توجد في جذع الدماغ.
يتكون النخاع الشوكي من حبل من العصبونات التي تمتد من العنق وتتدلى حتى مايقرب من ثلثي العمود الفقاري، الذي يلتف حوله ويقوم بوقايته. ويحتوي النخاع الشوكي على السبل التي تنقل المعلومات الحسية للدماغ وتلك التي تتبادل أوامر الدماغ مع العصبونات الحركية.
الجهاز العصبي المحيطي
يعمل الجهاز العصبي المحيطيّ على نقل الإشارات والرسائل بين الجهاز العصبي المركزي وأعضاء الجسم المختلفة، ويتكون من اثني عشر زوجًا من الأعصاب تبدأ من الدماغ، وتُسمى الأعصاب القحْفِيَّة، بالإضافة إلى واحد وثلاثين زوجًا من الأعصاب التي تبدأ من النخاع الشوكي وتُسمى الأعصاب النُخَاعية. وتعمل هذه الأعصاب كأسلاك الهاتف، حيث تقوم بنقل الرسائل من كل عَصْبون مستقبل ومستفعل في الجسم وإليه.
ويُعدُّ الجهاز العصبي التلقائي جزءًا خاصًا من الجهاز العصبي المحيطي، حيث يعمل على تنظيم كل الوظائف التلقائية في الجسم، مثل التنفس والهضم، دون أي تدخُّل أو تحكم من الدماغ، مما يساعد على الاحتفاظ ببيئة داخلية مستقرة. وينقسم الجهاز العصبي التلقائي إلى جز ئين هما: الجهاز الوُدِّي والجهاز اللاوُدِّي. يلبي الجهاز الودِّي كل احتياجات الجسم خلال حالات الطوارئ وازدياد النشاط. فهو يعمل على ازدياد سرعة ضربات القلب وسريان الدم للعضلات وتوسعة حدقتي العينين. أما الجهاز اللاوُدِّي فيقوم، بشكل عام، بإحداث تأثيرات مضادة للجهاز الودِّي. فمن تأثيراته مثلاً، إبطاء ضربات القلب وتوجيه سريان الدم من العضلات إلى المعدة والأمعاء، وتضييق حَدَقَتي العينين. أما الموازنة بين الجهازين، فيقوم بها الجهاز العصبي المركزي.


المراحل الأربعة لتطور الدماغ لدينا
إن أدمغتنا تتألف من طبقات عدة متميزة و متمحورة تبدأ من أكثر الطبقات بدائية وتحوي على طبقات متتالية أكثر حداثة تحيط بالطبقات السابقة.

الطبقة الأولى من المخ والأكثر عمقاً والتي يدعوها البيولوجي باول ماكلين القاعدة العصبية, وهي التي تتحكم في وظائف الحياة الأساسية مثل التغذية و الإطراح ودوران الدم والتنفس وكافة الآليات والأعمال الحيوية, وتتألف من النخاع الشوكي وجزع المخ والمخ الأوسط , وتؤلف القاعدة العصبية في الأسماك معظم المخ.

الطبقة الثانية - وهي طبقة الزواحف- وهذه الطبقة تحيط بالقاعدة العصبية, وهي مشتركة بيننا وبين الزواحف, وتضم الفص الشمي والجسم المخطط والكرة الدماغية الشاحبة, وتتحكم هذه الطبقة في السلوك العدائي والتراتب الاجتماعي وتحديد منطقة النفوذ.

الطبقة الثالثة وهي تحيط بالطبقة السابقة وتسمى النظام أو العقل الحوفي وتوجد في الثدييات, وهي تتحكم في العواطف والتصرفات الاجتماعية بشكل رئيسي , وفي الشم , واللذة والألم , وفي الذكريات أيضاً.
الدماغ الحوفي (الجهاز حوفي)Limbic System
هو الجهاز المسؤول عن سلوكية الشخص العاطفية والانفعالية والذاكرة المرتبطة بها .
يشمل الجهاز الحوفي عدة هياكل تشريحية أهمها:
- اللوزة :
وتعمل في الإشارة إلى القشرة عن محفزات عاطفية، كالتي تتعلق بالمكافأة والثواب والخوف .
- الحصين :
وهو مهم لتشكيل الذاكرة البعيدة.
- التلفيف جانب الحصين :
ويلعب دوراً في تشكيل الذاكرة الحيزية، وهو جزء من الحصين،
- التلفيف الحزامي :
وهو ينظم الوظائف الذاتية مثل دقات القلب وضغط الدم ومعالجة الانتباه والتعرف.
- التلفيف القوسي :
وهو منطقة تشمل التلفيف الحزامي والحصين والتلفيف جانب الحصين.
الوطاء :
وينظم الجهاز العصبي المركزي من خلال الهرمونات وإنتاجها وإفرازها ويؤثر على ضغط الدم وتسبة القلب والجوع والعطش والهياج الجنسي ودورة النوم واليقظة.
- الجسم الحليمي :
المهم لتشكيل الذاكرة .
- النواة المنحنية للأمام :
التي تهتم بالمكافأة والسرور والإدمان.
- القشرة الجبهية الحجاجية :
المهتمة باتخاذ القرارات .
- المهاد :
محطة الإنتظار للقشرة .
- البصلة الشمية :
مركز استقبال حس الشم.
وتوجد روابط لجميع مستويات الجهاز الحوفي مع الوطاء الذي يقع في مركز الجهاز الحوفي، وتصدر عنه الإشارات العصبية للإتجاهات الثلاثة: للأسفل نحو جذع الدماغ وخاصة التكوين الشبكي في الدماغ المتوسط والجسر والبصلة السيسائية، حيث يصدر عن الوطاء الإشارات الحركية التابعة للجهاز الحوفي.وللأعلى نحو الدماغ البيني والمخ والمهاد الأمامي والقشرة الحوفية، حيث له دور في العمليات السلوكية الإنفعالية. وللقمع نحو الغدة النخامية، حيث يشرف الوطاء على معظم الوظائف الإفرازية للغدد الصماء المختلفة.
* وظيفة الجهاز الحوفي السلوكية في الثواب (المكافأة) والعقاب:
يقوم الجهاز الحوفي بالوظائف السلوكية الانفعالية وهي وظائف لاارادية تشتمل على سلوكيات السرور والحزن والألم والخوف والانفعالات والحب والكراهية.
تشرف البنى المتعددة للجهاز الحوفي بما فيها الوطاء على المشاعر الحسية والعاطفية التي تشتمل على الثواب والعقاب. يؤدي التنبيه الكهربائي لمناطق محددة للشعور بالرضى والاكتفاء في حين يؤدي التنبيه الكهربائي لمناطق أخرى للشعور بالخوف والرعب وظهور استجابات مختلفة تبدو بالهروب أو الدفاع وجيمع سلوكيات العقاب، حيث يوجد نظامان متعاكسان في الاستجابة يؤثران في سلوكية الانسان والحيوان هما مراكز الثواب ومراكز العقاب.
مراكز الثواب:
تقع مراكز الثواب على مسير حزمة الدماغ الأمامي الانسي وبخاصة في النوى الوحشية والبطنية للوطاء. تتركب الحزمة من ألياف عصبية تمتد من جانبي الوطاء وجذع الدماغ ومن البنى الواقعة أمام الوطاء كما وجدت مراكز الثواب في الحاجز واللوزة واماكن محددة من العقد القاعدية التي ترتبط مع الدماغ المتوسط.
مراكز العقاب:
تقع مراكز الخوف والهرب والعقاب في المنطقة الرمادية المركزية المحيطة بمسار سلفيوس في الدماغ المتوسط وتمتد للأعلى أي للوطاء والمهاد.
ولوحظ أن تحريض مراكز العقاب تثبط مراكز الثواب والسرور , لذلك نستخلص مما تقدم أن مراكز الخوف والعقاب تتفوق على مراكز السرور والثواب.
* أهمية مراكز الثواب والعقاب في التعلم وتعزيز الذاكرة وتثبيتها:
لوحظ أن المحرضات الحسية الجديدة ( التي لم يتعود عليها الانسان والحيوان) تفعل دوما قشر المخ وان تكرارها يؤدي لغياب الاستجابة القشرية ما لم تظهر التجربة شعورا بالثواب أو العقاب لان الاعتياد على المحرض الحسي يؤدي بعد مضي فترة لعدم الاستجابة القشرية وإذا سبب المحرض الحسي ثوابا أو عقابا تصبح الاستجابة القشرية مشتدة أكثر فأكثر بتكرار التحريض ويقال في هذه الحالة أن الاستجابة قد عززت. وان إعطاء المهدئات (كالكلوبرومازين) يثبط مركزي الثواب والعقاب معا لهذا فان المهدئات التي تعطي في الحالات النفاسية تؤدي لاحباط الكثير من الفعاليات السلوكية عند المريض.
والخلاصة:
تحدث لدى الانسان والحيوان استجابة قشرية تالية لتأثيرات حسية مترافقة أما بالثواب أو العقاب حيث تخزن تلك الاستجابات القشرية في الذاكرة. أما المحرضات الحسية الحيادية التي اعتاد عليها الانسان فلا يتمكن من تذكرها غالبا.
- الغضب:
هو نمط من السلوك الانفعالي ينتج عن تحريض شديد لمراكز العقاب في المنطقة حول البطين من الوطاء الجانبي حيث يؤدي التحريض عند الحيوان لاتخاذ موقف الدفاع فتظهر مخالبه ويرفع ذنبه ويزمجر وتنتصب أشعاره وتتسع حدقتاه ويخرج الزبد من فمه وتؤدي اقل إثارة له للمهاجمة والتصدي وهو الموقف الذي يتخذه حيوان معاقب بشدة.
- الاستكانة والالفة (الترويض):
هو نمط من السلوك العاطفي يعاكس سلوك الغضب ويظهر عند تحريض مراكز الثواب.
وسوف أتكلم لاحقا بتوسع أكثر , نظرا لأهمية الجهاز الحوفي

الطبقة الرابعة اللحاء :
وتوجد فيها مراكز الاحاسيس التي تستقبل كافة التيارات العصبية الواردة من المستقبلات الحية لكافة الحواس كالنظر والسمع واللمس والشم ... الخ , وفيها مراكزاللغة , وفيها (في مقدمتها ) مراكز التفكير البشري الراقي
وهي تحيط بكل الطبقات السابقة وهي التي تتحكم في التفكير و الإدراك الراقي , ولها وظائف أخرى, وهي موجودة لدى الثدييات الراقية . وهي متطورة جداً لدينا , وسوف أتكلم عنها بالتفصيل

ويمكن تشبيه هذه الطبقات الأربعة- أو هذه العقول الأربعة- , بأربعة مراكز قيادة متدرجة من حيث قدرتها وتطورها على إدارة استجابات الكائن الحي , أو تشبيهها بأربعة معالجات تنظم وتنسق وتدير استجابات الكائن الحي , وهي تشارك جميعها في إدارة حياة الكائن الحي .


























الأحاسيس
الأحاسيس هي أجهزة تعرف والإعلام وإنذار, لكل ما يتعرض له الكائن الحي من مؤثرات داخلية وخارجية . إن أية مؤثرات - داخلية أم خارجية- تتعرض لها البنية الحية وتكون بقوة معينة ترد عليها هذه البنية باستجابة , وهذه الاستجابة تكون إما على شكل فعل وحركة أو استجابة كيميائية أو فزيولوجية , أو حسية , أو الاثنتان معاً .
فالإحساس هو نوع من الاستجابة للمؤثرات التي يتعرض لها الكائن الحي وهي استجابة إنذارية أو إعلامية , فبواسطة الأحاسيس الإعلامية نتعرف على العالم عندما نتأثر به
وبالنسبة لنا نحن البشر لدينا أجهزة إحساس متطورة جداً ومعقدة , وذلك نتيجة امتلاكنا لجهاز عصبي متطور جداً ودماغ متطور .
فنحن لدينا أحاسيس أولية خام ولها أساس فزيولوجي موروث مجهزين بها عند ولادتنا وهي:
1_ أحاسيس إعلامية – تكون في أول الأمر محايدة- مثل الأحاسيس البصرية والسمعية و الشمية و اللمسية...
2_ أحاسيس الإنذار والتحذير- أحاسيس الألم- مثل الأحاسيس الناتجة عن التعرض للحروق والجروح والمواد المؤذية للجسم, والأحاسيس الدالة على حدوث اختلال في توازن من التوازنات الفزيولوجية للجسم , مثل أحاسيس الجوع والعطش, والبرد والحر ....., وهذه الأحاسيس دافعة وموجهة للفعل والعمل والاستجابة المناسبة.
3_أحاسيس اللذة والراحة والسعادة..... الناتجة عن إرواء أو تحقيق أحد الدوافع , مثل الأحاسيس الناتجة عن تناول الطعام بعد الجوع, أو شرب الماء بعد العطش..... وهذه الأحاسيس هي أيضاً دافعة للفعل والعمل والقيام بالاستجابة المناسبة.
4_إحساسات إعلامية وتحذيرية في نفس الوقت, وفي الواقع تتحول الأحاسيس الإعلامية المحايدة أثناء الحياة إلى أحاسيس تحذير أو ترغيب حسب الظروف المعاشة.
5_ الأحاسيس المرافقة للانفعالات وهي كثيرة ومتنوعة, مثل أحاسيس الحب والغيرة والخوف والحقد والغضب والزهو والفخر... الخ .
وبالإضافة إلى ذلك نجد عند الإنسان بشكل خاص أحاسيس جديدة تكونت نتيجة الحياة الاجتماعية والثقافية.
وتتفاعل هذه الأحاسيس مع بعضها عند حدوثها معاً, فتولد مشاعر ووعي متطوراً ومعقداً, والأحاسيس الأخلاقية والدينية والروحية والفكرية والفنية وباقي الأحاسيس الاجتماعية المتطورة هي مثال على ذلك.

طبيعة الأحاسيس
سواء كنا نتحدث عن أمواج الضوء التي تصطدم بالشبكية , أو أمواج الصوت التي تتذبذب في الأذن الداخلية , أو التأثيرات التي تتعرض لها الخلايا الموجودة في القناة الشمية بالأنف , فإن وابلاً من المؤثرات يتساقط علينا باستمرار. وقد أدت عملية التطور مهمتها بحيث إنه عندما تعمل أعضاء الإحساس لدينا بصورة طبيعية , فستكون متكيفة بصورة متقنة لاستقبال هذه المؤثرات لتمييزها والتعرّف عليها .
لكن الإحساس لا يتعلق بالمستقبلات الموجودة في العينين , والأذنين , والأنف , واللسان , والجلد , باقي أعضاء الإحساس . فنحن لا نحس فعلياً بأي شيء قبل أن تصدر إشارات من هذه الأعضاء وتصل إلى الجزء المعني من الدماغ .
إن المستقبلات الحسية هي محولات بيولوجية تحول المؤثرات الميكانيكية, والكهربائية , والضوئية , والصوتية , والكيميائية , والحرارية , والبيولوجية..., إلى سيالات أو تيارات كهربائية عصبية .
وهناك حواس متكيفة مثل اللمس والشم ... وحواس غير متكيفة مثل السمع والبصر , والمستقبلات الحسية كثيرة جداً, والعلاقة بين شدة المنبه و شدة التيارات الكهربائية العصبية علاقة لوغارتمية أي غير خطية.
الأحاسيس تنشأ عند حدوث تغيرات في التأثيرات- هذا بشكل عام- على الكائن الحي , فهي تضخم وتوضح هذه التأثيرات, وبالمقابل تخفف هذه التأثيرات عند ثباتها, فهناك آليات للمقارنة والمفاضلة لواردات الحواس , وعندما يلحظ تبدل في التأثيرات على الحواس تتولد استجابة , وإذا لم يتم كشف أي تغير فالاستجابة تبقى ضعيفة أو معدومة- إن الحواس هي في الأساس مكشاف للتغيرات – , كما أن كافة المنظومات الحسية موجهة بشكل تفاقم الفروق في بيئتنا المحيطة, وتخفف الملامح الثابتة , ويتم تحقيق هذه المقارنة من حيث الأساس عند كافة مستويات المقارنة والتحليل عن طريق إضافة وطرح مدخلات العصبونات الفردية , وتوفر هذه المزاوجة ( المقارنة البسيطة نسبياً ببناء العمليات الإثارية (المثيرة) , والكافة ) , كامل القدرة الإحصائية الضرورية لتحليل الرسالة الحسية إلى ملامحها المكونة لها , وبالتالي تخفض الكمية الإجمالية للمعلومات التي تنقل الرسالة حين مرورها من مستوى إلى مستوى يليه.
فنحن لدينا الأجهزة التي تمكننا فقط من اختيار مجموعة منتقاة من المعلومات الخام التي تحيط بنا لمساعدتنا في التعرف على العالم من حولنا .
وكما ذكرنا نحن لا نشم الروائح فعلياً بأنوفنا , ولا نسمع بآذاننا ولا نرى بأعيننا . وإن أردنا الدقة , فنحن نحس بالعالم فقط عندما يترجم كل عضو من أعضاء الجسم المنبهات الخاصة به إلى سيالات كهربائية عصبية ترسل إلى مواضع متخصصة لها في الدماغ . وبطبيعة الحال , إذا أصاب التلف واحداً من أعضائنا الحسية , أو تلف مركز أحد مواضع استقبال السيالات الكهربائية المرسلة من العضو الموجودة في الدماغ , فسيؤثر ذلك على قدرتنا على تجربة هذا الإحساس .
وبغض النظر عن أيها من الحواس هي المعنية , فإن وعينا وإدراكنا للحوادث الخارجية والداخلية هو نتاج من خطوات معالجة لمعلومات ضمن الجهاز العصبي المركزي .
ففي المقام الأول , يقوم مثير ما في شكل تبدل زماني أو مكاني في الطاقة الكهرومغناطيسية أو الميكانيكية أو الكيميائية بصدم مستقبل الحاسة التي تهيأت خصيصاً لكشفه , وفي هذا المستقبل يتم تحويل التبدلات الطاقية - أو ترميزها- في شكل نبضات عصبية بشكل يحفظ المعلومات المتعلقة بالحادثة الإثارية ويتم نقل هذه الرسالة الحسية المتضمنة في الشيفرة العصبية عبر سلسلة محطات متوسطة إلى مستويات عليا من الجهاز العصبي المركزي , حيث تفك رموزها لتشكل أساس إدراكنا الواعي للحادثة الإثارية
إحساسنا هو ذكاؤنا الأكثر فورية و عمقاً, فإن تماسه مباشر مع المحيط , ويمتد من الصفر إلى اللا نهاية, وشئنا أم أبينا هو دائماً الذي يقرر . إن اختيارنا ينبع دائماً من الداخل , أو بالأحرى يتم الاختيار من داخلنا دون أن يكون لنا حيلة فيه , حتى وإن أردنا بإصرار ما هو عكسه , فلا حول ولا قوة لنا ضد الحياة الداخلية وضد الإحساس الذي يستشعر وينقل الرموز ويراقب ويقرر دون استشارة أي كان , إننا لا نعرف أبداً الأشياء والموجودات بعقلنا, وإنما تبعاً لإحساسنا.
فالأشياء كلها حيادية, ولكن إحساسنا (يشحنها) بهذه المعاني أو تلك. كافة الناس هم على حق فيما يتعلق بإحساساتهم .

الفرق بين الإحساس الخام والإدراك الحسي
إن الإحساس الخام هو ما يتكون لدينا من خبرة نتيجة تنبه الخلايا العصبية الكائنة في إحدى مناطق الدماغ الحسية .
في حين أن الإدراك الحسي هو الإحساس مضافاً إليه شيء أكثر , أي تضاف إليه الخبرة الناجمة عن تنبيه الخلايا العصبية الموجودة في المناطق الأخرى في الدماغ .
فالإدراك الحسي , بعبارة أخرى , هو الإحساس المعزز بالذاكرة وبالصور المستمدة من الخبرة الماضية والناشئة عن التداعي . والإدراك الحسي يتأثر كثيراً بما يكون عليه انتباهنا أو تأملنا ورغبتنا وأهدافنا "
و إذا نحن دققنا أكثر نجد أن كل هذا غير كافي لحدوث الشعور والوعي بالأحاسيس , فواردات الحواس من الأعضاء الحسية إلى مركزها في الدماغ هي بالآلاف إن لم تكن بالملايين , والذي يتم اختياره وإدراكه والوعي به منها هو الذي يدخل أو يتم إدخاله إلى " ساحة الشعور " أو ما يسمى " بسبورة الوعي " وهو جزء صغير جداً من الذي يصل إلى مركز الحس المتعددة .
والذي يصل من الأعضاء أو الأجهزة الحسية تجري عليه معالجة واختيار وتنظيم , ويمكن أن يجزأ ويعالج في عدة مراكز في الدماغ , فالسيالات العصبية الكهربائية الآتية من العينين تجزأ وتذهب إلى عدة مراكز في الدماغ ويعالج كل منها على حدة , ثم تنظم وترسل إلى سبورة الوعي ليتم الشعور والوعي بها .
ويجب أيضاً أن يسمح لها بدخول سبورة الوعي ( من مكتب الدخول), و إلا لن يتم الشعور والوعي بها , فنحن في أحيان كثيرة لا نعي أو لا نشعر بما تم وصوله من سيالات عصبية من العينين إلى الدماغ , نتيجة أمور أهم تجعلنا مدفوعين لوعيها والشعور بها .
فحتى أقصى الآلام يمكن أن لا نشعر بها إذا كان هناك ما يهدد حياتنا أو أمور هامة جداً بالنسبة لنا يجب الانتباه إليها وتركيز الشعور والوعي بها .

تسلسل أهمية الحواس وقوتها عند الولادة.
إن تسلسل أهمية الحواس عند الولادة , يجعل الألم هو الأهم والأوسع , وتأتي بعده في الأهمية حاسة اللمس , واللمس الفمي , والشم , والإحساس بالنعومة والدفء . ولمسات الأم وحنانها هي الأهم بالنسبة للمولود . فالأهمية والتركيز يكون على أحاسيس اللمس والذوق والشم ثم يلي ذلك السمع ثم البصر .
فالسعي للنعومة والدفء وثدي الأم وحنانها , وكذلك السعي لتحاشي أحاسيس ألم الجوع والعطش والانزعاج , هي أساس الاستجابات لدى الوليد.
ثم تأخذ الأحاسيس الصوتية والبصرية وغيرها والتي تكون محايدة المعنى في أول الأمر بالتحول إلى لذيذة ومفرحة أو مؤلمة, تنيجة الاشراطات والترابطات التي تنشأ .
وبعد ذلك تبدأ الأصوات تتحول إلى لغة ويكون لها التأثير الأهم والأوسع وتنافس أحاسيس اللمس وباقي الحواس.
ثم تنشأ أحاسيس الترقب والتوقع, وأحاسيس وانفعالات الحب والغيرة...الخ.

آليات عمل الحواس
إن آليات عمل الحواس والجهاز العصبي هي آليات مكممة محددة وليست احتمالية, فقد كممت بواسطة العتبة , والكمية, والنوعية, ومصدر التيار العصبي .
فالعتبة هي إما أن التفاعل الناتج عن المؤثر يحدث تياراً عصبياً ذو خصائص محددة ثابتة تابعة للمؤثر أو لا يحدث, أي أن تأثير المؤثر على مستقبلات الحواس إما أن يحدث الإثارة وبالتالي ينشأ تيار عصبي ويكون هذا التيار الناتج محدد الكمية والكيفية والمصدر, أولا يحدث .
وكذلك عمل الخلايا العصبية فهي إما أن تثار وتنتج تياراً عصبياً نتيجة ما يصلها من تيارات عصبية أو لا تثار ولا تنتج أي تيار عصبي- وهذا يشبه عمل الكومبيوتر تيار أو لا تيار, صفر أو واحد - .
إن عمل الحواس والجهاز العصبي هو عمل محدد ومكمم فيزيائياً , فليس هناك احتمال في عمل البنيات التحتية أي الكيميائية الفيزيائية لمستقبلات الحواس أو الجهاز العصبي , وهو مثل عمل باقي التفاعلات الفيزيائية إن كانت ميكانيكية أو كهربائية أو غيرها من التفاعلات الفيزيائية, فالإثارة أو التيارات العصبية إما أن تحدث أو لا تحدث , وهي ذات خصائص محددة في كل مرة .
بينما عمل الدماغ في بنياته العليا , في التعرف وبناء الأحكام والتفكير المتقدم , يمكن أن ينتج معرفة احتمالية- ولا مجال لتوضيح ذلك الآن- , فالتعرف و الدلالة على العالم الخارجي والأحكام التي تبنى أثناء المعالجات الفكرية هي تنبؤية احتمالية , وهذا نتيجة عدم التكميم الكامل للبنيات الفكرية , ولكن عندما تكمم بشكل تام كما في البنيات الفكرية الرياضية , عندها تصبح الأحكام غير احتمالية وذات صحة مطلقة .

تشبيه الأحاسيس بنغمات الآلات الموسيقية
إذا كان لدينا عدة عشرات من الآلات الموسيقية المختلفة من حيث طبيعتها وطبيعة الأصوات التي تصدرها, ولكل منها طريقة أو آلية تقرع أو تعزف بها , ويمكن أن يصدر كل منها صوتاً حسب طريقة ومدة العزف , ولكل منها عتبة معينة أو مقدار لازم من القوة والمدة لكي يصدر النغمات فإذا كانت المدة أو القوة قليلة أو الطريقة في العزف غير مناسبة فلن تصدر النغمات, وهناك خصائص و عطالة لكل آلة تحدد طريقة وزمن إصدار النغمات المتكرر فلا يمكن أن يكرر إصدار نغمة قبل مدة معينة وقبل وضع معين , وإننا نستطيع العزف على بعض الآلات بعدة طرق أو وسائل , وتكرار العزف على بعض الآلات يمكن أن يغير من خصائصها, وكذلك قلة العزف يمكن أن يغير من خصائصها, وهناك إمكانية للعزف على أي عدد من الآلات معاً, وهناك إمكانية خاصة وهي إمكانية جعل آلة تعزف عن طريق عمل آلة أخرى أو الآلات الأخرى .
كذلك الأحاسيس يمكن اعتبارها آلات عزف وظيفتها أو دورها متنوع , فبعضها للإنذار والتنبيه أو للإعلام أو للتنبؤ, وبعضها للمكافأة واللذة وإحداث الفرح والسرور, وبعضها للألم والأحاسيس غير السارة وغير المرغوبة....الخ.
إن آلية عزف هذه - الآلات الحسية- تكون محددة وثابتة عند البدء باستعمالها- عند الولادة- ولكن بعد الاستعمال الكثير المتكرر تنشأ تداخلات وتأثيرات متبادلة فيما بينها, وتتغير وتتطور وتتعقد آليات العزف, وهذا يحدث باستمرار ولكنه ينتظم أو يميل إلى الانتظام والثبات مع الزمن وطول العمر, وهناك طريقتان لعزف هذه الآلات الحسية :
الأولى : وهي الأساسية وتكون عن طريق مستقبلات الحواس.
والثانية : تنشأ بعد ذلك نتيجة الحياة وهي العزف عن طريق الذاكرة أو مخزون اللحاء.
ويحدث تداخل وتأثير متبادل بين هاتين الطريقتين وتعملان معاً, فالذاكرة تؤثر على واردات الحواس وكذلك العكس, بالإضافة إلى أن معالجات الدماغ لها تأثير أيضاً .
ويقول الدكتور حكمت هاشم :
" إن الحواس لا تشبه القنوات أبداً, بل هي بمثابة أجراس كهربائية. فكما أنه لا شبه بين حركة الأصابع المعتمدة على الزر وقرع الجرس, فكذلك لا شبه بين الإثارة التي تهيج طرف العصب وما يداخل الوعي من إحساسات من ذلك الطرف. إن عين النملة وعين الحلزون وعين الإنسان إذا وضعت ثلاثتهم بمثاقبة مشهد واحد وهيجت على صورة واحدة. أتت أولاها بإحساسات نملة والثانية بإحساسات حلزون والثالثة بإحساسات إنسان: الشأن في ذلك شأن الآلات الموسيقية الوترية التي تجيء ضربة القوس الواحد عليها بصوت يختلف من آلة لآلة,إذاً فلا عجب أن ندرك بحواسنا عالماً يختلف عن العالم الحقيقي " .

الأحاسيس والحاجة إلى مثير, والتعود والعادة والإدمان على أحاسيس معينة
إن الأساس الفزيولوجي العصبي للتعود على وجبات معينة ، أو ممارسة ألعاب أو طقوس معينة .......الخ ، هو تكرار أحاسيس معينة ، والمحافظة على شكل وطبيعة هذه الأحاسيس ، وعدم الرضا بغيرها , أو إجراء تغيير كبير عليها .
إن الناس يختلفون من ناحية وجود فروق فردية بينهم من حيث المحافظة على السعي لأحاسيس معينة أو التجديد والتغيير والتنوع لهذه الأحاسيس ، نتيجة الاختلافات الفزيولوجية العصبية بسبب الوراثة أو التربية .
فالعادة والإدمان والمحافظة على الأوضاع ، وكذلك نقيضها التجديد والمغامرة والتنويع للأحاسيس , والملل من التكرار والرتابة .....الخ توجد بنسب متفاوتة بين الناس ، فهناك أناس يسعون إلى المحافظة والثبات على أحاسيس معينة وتكرارها ، و أناس آخرون يسعون إلى التجديد المستمر وتحاشي التكرار ويسعون لتنويع أحاسيسهم ، أي هناك من لا يمل ، وهناك من يمل ، وهناك من يمل بسرعة .
فالحاجة إلى مثير - الشهوة للمثير- أو إلى الأحاسيس موجودة لدى الجميع وبنسب متفاوتة ، وهي إما أن تكون تكراراً لأحاسيس معينة ، أو أن تكون تنويعاً وتجديداً وتغييراً .
ويجب أن نلاحظ أن الأساس الفزيولوجي للذكريات وطبيعة تأثيرها المضخم والمحور أحياناً ، له دور في السعي إلى تكرار ممارسة مثيرات معينة ، بالإضافة إلى العادة والتعود التي هي من خصائص آليات عمل الجهاز العصبي ، فالسعي للعودة إلى نفس الأماكن ونفس المثيرات والأحاسيس أو لنفس الأشخاص , والاشتياق إلى المثيرات والأحاسيس التي أحدثوها في الماضي له علاقة بالعادة والتعود ، وله آليته العصبية الخاصة به .

السعي لمشاركة الآخرين نفس الأحاسيس
إن أغلبنا يسعى لنقل أحاسيسه وأفكاره للآخرين , لأن إحداث نفس الطنين الحسي لدى الآخر يؤدي إلى حدوث تغذية عكسية موجبة تقوي هذه الأحاسيس , فعندما أشاهد منظراً جميلاً أو أسمع صوتاً جميلاً أو أتناول طعاماً شهياً... أسعى إلى من يشاركني هذه الأحاسيس, لأن مشاركة الآخر تعزز وتقوي إحساسي وتزيد من متعتي .
إن هذه الخاصية , زيادة قوة الأحاسيس نتيجة مشاركة الآخرين, ناتجة عن تغذية عكسية موجبة لطنينات الأحاسيس, كما في المجال الفيزيائي , والأحاسيس التي يشعر بها الإنسان يمكن أن تنتقل إلى الآخر بواسطة التعابير والإيحاءات واللغة .
إن كافة الفنون تنمو وتنتشر نتيجة هذه الخاصية, بالإضافة طبعاً إلى العوامل والدوافع الأخرى , المال والشهرة...





























الوعي
مفهوم الوعي
عرف ويليم جيمس الوعي بأنه صيرورة وليس شيئاً ملموساً , والوعي يمثل خبرة هذه اللحظة واللحظة التي تليها . ويقصد بالوعي اليقظة وأن الشخص الواعي هو الشخص المتيقظ . والذي يشعرك بأنك واعي هو شعورك بأنك هو أنت ولست شخصاً آخر .
فالوعي عبارة عن تحول قائمة من المثيرات الحسية والنشاطات العقلية إلى مشهد له صورة متكاملة يستغرق بقاؤها فترة زمنية كافية .
والحيوانات المتطورة تمتلك جهاز الوعي , على خلاف الكائنات الحية البسيطة والنباتات فإنها لا تمتلك جهاز الوعي مهما بلغ تركيبها من التعقيد. لقد كانت العمليات لدى الكائنات الأولية البسيطة (وحيدات الخلية ) فزيولوجية فقط ، ثم نشأت الأجهزة الحسية ثم العصبية ( والتي هي بنيات فزيولوجية متخصصة ) لكي تساعد في الإدارة والتحكم والقيادة , لتنفيذ الأهداف أو البرامج الموضوعة , وذلك حسب الخيارات المتاحة . ثم نشأت الأجهزة الحسية والعصبية المتطورة , التي أنتجت الإدراك والوعي .
فالوعي هو القدرة على كف كل أوجه نشاط اللحاء و واردات الحواس ( منعها من دخول ساحة الشعور) فيما عدا المتعلق بناحية معينة , وهذه الناحية هي ما يمكن أن نسميه بسلسلة أو قطار الأفكار .
فالوعي هو عبارة عن مصباح كشاف يضيء ذلك الموضع في اللحاء أو بعض واردات الحواس , بنشاط هام ذي قيمة للبقاء على قيد الحياة , وبشكل عام يضيء الوعي فكرة أو مجموعة أحاسيس معينة , في وقت واحد .
ويمكننا أن نعرف الوعي البشري الذاتي , بأنه ما يحصل في الدماغ الفرد أثناء صحوه , أو أثناء الأحلام , من شعور وإحساس وإدراك . ويطلق على المنطقة التي يحدث فيها الوعي ساحة الشعور أو سبورة الوعي أو الذاكرة العاملة , أو النفس أو الروح, أو الأنا الواعية , أو الذات المدركة.
إن الوعي الذاتي مرتبط بالشعور بالزمن وبنشوء الإحساس بالزمن لدينا , فهو نتيجة رصد الحركات والتغيرات التي نحس بها وصياغتها في سلسلة متتالية مترابطة , وهذا يكون بشكل حسي واعي .
وكذلك الوعي الذاتي مرتبط بالذاكرة , فلولا وجود الذاكرة لما نشأ الوعي الذاتي لدينا بهذا الشكل , لأن الوعي أو الأحاسيس سوف تحدث وتنتهي فوراٌ ولا يبقى شيء . فالوعي الذاتي مرتبط أيضاً بطبيعة وخصائص ذاكرتنا , التخزين والاسترجاع . و بتغيير ذاكرة شخص بذاكرة شخص آخر تنتقل ذات كل منهم إلى الآخر .
ويرى البعض :
" أن الوعي الذاتي ( الوعي بالأنا ) تابع لمخزون الذاكرة بشكل أساسي , وهذا يدل على أن الوعي كل منا بذاته عندما يسترجعه بعد أن يصحو من نومه أومن التخدير العام , يتم استعادته بناء على ما هو مخزن في ذاكرته . وهذا يعني أن ذات كل منا تنعدم عندما يطفأ وعيه , وتعود وتتشكل عندما يعود يعمل وعيه , وبالاعتماد على ما يتم استدعاؤه من الذاكرة .
لا يوجد دليل مؤكد على وجود مركز محدد للوعي بالذات , والشيء المحتمل أن هذا النشاط , يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالطبيعة المتلاحمة للاتصالات , بين النظام الشبكي واللحاء , فعندما يصل هذا البناء الكلي إلى درجة كافية من التعقيد , عندئذ فقط , يمكن للوعي أن ينشأ ( أو ينبثق ) , ويكون تفسيره وفقاً لتلك الرؤيا طبيعياً تماماً . إذ يزداد مستوى الوعي بازدياد تعقيد الجهاز العصبي , وعند الكائنات الأكثر تعقيداً فقط - الإنسان و الشمبانزي والثدييات العليا - يستطيع اللحاء أن يحمل فكرتين في وقت واحد , الفكرة المعطاة , والفكرة عن تلك الفكرة . فإذا كانت المعالجة المتزامنة للمعلومات ممكنة , فالاحتمال الوارد , أن نشاطاً معيناً يرتبط بفكرة معينة , يمكن أن يولد تفكيراً بشأنه في نفس الوقت , ويكون ذلك تفسيراً فيزيقياً للوعي بالذات .
ويبدو أن ذلك يمكن أن يحدث بانتقال المعلومات بين نصفي اللحاء , فعندما نقطع الجسر بين هذين النصفين , فإن كل نصف على حدة , يستطيع معالجة المعلومات المتباينة , عن ما يعالجه الآخر . وبذلك ينقطع التأثير المتبادل , وتتوقف هذه الدورة من التأثيرات المتبادلة , وهذا يؤدي إلى ضعف واختصار الوعي ."

كيف ينظر للوعي
إن عمل الدماغ البشري هو التفكير من جهة , والإحساس والوعي من جهة أخرى . ويمكن تفسير الكثير من عمليات التفكير وإرجاعها لأسس فيزيائية , أما تفسير الوعي وإرجاعه إلى أسس فيزيائية فهو الأمر الصعب .
و يتساءل البعض هل يمكن إرجاع الوعي الذاتي إلى أسس فيزيائية ؟ وهل يمكن لعلم الأعصاب شرح وتفسير الوعي ؟ في رأي الكثير من العلماء والمفكرين الآن , نعم ممكن .
تعد الخبرة الواعية أكثر الأمور المألوفة في حياة كل منا وأكثرها غموضاً في أن معاً . فلا شيء نعرفه أكثر من الوعي معرفة مباشرة , ولكن من الصعب التوفيق بينه وبين أي شيء آخر نعرفه .
إننا نتساءل : لماذا يوجد الوعي ؟ وما وظيفته ؟ وكيف يتسنى له أن ينشأ عن عمليات عصبية في الدماغ ؟ . وتعد هذه الأسئلة من أكثر الأسئلة أهمية بالنسبة لنا .
فالوعي البشري شيء غير عادي , وفوق مستوى باقي أنواع الموجودات التي يعرفها الإنسان , فالأحاسيس والوعي الذاتي الذي يعيشه كل إنسان , يختلف عن أي شيء آخر في هذا الوجود , ولا يمكن فهمه كما تفهم باقي الأشياء .
لقد دار صراع فكري عنيف امتد لفترات طويلة بين أنصار المذهب الأحادي وأنصار المذهب الثنائي . المذهب الأحادي يرى أن الذات الإنسانية تتألف من مادة واحدة فقط . أما مذهب الثنائية فيرى أن الذات الإنسانية تتألف من المادة و اللامادة .
لقد اتخذ الصراع بين المذهبين أشكالاً متفاوتة , فبدأ محور الصراع العلمي لمناقشة حقيقة الفصل بين الجسد والروح ، ثم تحول الصراع لنقاش مركب الدماغ والعقل . وفي السنوات الأخيرة انتقلت عناوين الدراسة تحت موضوع البحث في التنقيب عن الأصول المادية للوعي .
إن المفكرين اليوم تنحوا عن استخدام مصطلح المادية لاعتباره مصطلحاً يعكس فقط العالم المحسوس بالحواس الخمس لدى الإنسان ، ليحل محله مصطلح أكثر شمولية وهو مصطلح الفيزيقية . فالفيزياء الآن بعد أن أرجعت الطاقة والقوى والمجالات إلى المادة وجعلتهم شيء واحد, صار بالامكان تفسير أية ظاهرة أو أي شيء بالعلوم الفيزيائية , بما فيها الظواهر الفكرية والنفسية والشعورية والبيولوجية والاجتماعية والاقتصادية " نظرية كل شيء".
لقد تجنب الباحثون الخوض في موضوع الوعي سنوات عديدة عند دراسة الدماغ والعقل , وبقي الوعي خارج إطار التناول , ولكن على مدى السنوات القليلة الماضية تزايد عدد علماء الأعصاب وعلماء النفس والمفكرين الرافضين لفكرة كون الوعي شأنا لا يمكن دراسته وحاولوا التنقيب عن أسراره وأسسه .
والمشكلة الصعبة الأساسية هي : كيف يمكن لسيرورات فيزيائية ( عصبية كهربائية ) تحدث في الدماغ أن تشكل الوعي ؟ الذي هو خبرة ذاتية .
هناك عدد من النظريات التي ترجع تكوين الخبرات الشعورية إلى مادة واحدة وهي البناء الفيزيقي فقط , والمسمى أيضاً بالمذهب الاختزالي على اعتبار أنه يختزل البناء الثنائي العقل والدماغ إلى بناء واحد وهو البناء الفيزيقي . وقد خرجت نظريات فلسفية تناصر التوجه الأحادي أو الاختزالي وعبر عنها بأساليب مختلفة من ذلك : نظرية التماثل , ونظرية الواقعية المتعددة , والنظرية الوظيفية. والعديد من الدراسات تؤيد في فكرة أن الدماغ والعقل مادة واحدة , وأن الإنسان ما هو إلا جانب واحد فقط هو الجانب المادي الجسدي ومكوناته الفيزيائية. فالدماغ هو نفسه العقل وأن العقل هو نفسه الدماغ , أي يمكن اختزال تركيبة الإنسان إلى شيء واحد فقط وهو البناء الفيزيقي .
فالوعي لا بد أن يكون أساسه ومنشأه فيزيائي وإن كان في الوقت الحالي غير ظاهر هذا الأساس الفيزيائي بشكل واضح ودقيق , ولا يوجد في الوقت الحاضر ظواهر أو علاقات فيزيائية واضحة ودقيقة تظهر الاتصال بين الوعي وأسسه الفيزيائية , ولكن يمكن في المستقبل القريب اكتشاف هذه العلاقات وتوضيحها .
هذا الرأي مبني على أن الوعي يحدث نتيجة عمل أجزاء معينة من الدماغ وبتوقفها عن العمل يتوقف الوعي , ولدى العلماء براهينهم وإثباتاتهم التجريبية المادية الكثيرة , إن كان من ناحية عمل فزيولوجيا وكيمياء الدماغ أو من ناحية قياس التيارات الكهربائية الدماغية(مقاييس موجات الدماغ الكهربائية) , فالوعي مرتبط بمناطق معينة في الدماغ وهي التشكيل الشبكي واللحاء بشكل أساسي وبتوقف عمل التشكيل الشبكي يطفأ أو يتوقف الوعي الذاتي , ودليلهم على ذلك أن تلف التشكيل الشبكي يوقف الوعي نهائياً , وتثبيط أو كف عمل التشكيل الشبكي يوقف الوعي طالما الكف موجود(أثناء النوم العميق أو أثناء التخدير أو غير ذلك) , وكذلك تلف اللحاء أو بعض مناطقه يؤثر على الوعي .

عزف النغمات الحسية – الوعي –
إن مفاتيح النغمات الحسية موجودة غالبيتها في مستقبلات الحواس في اللحاء , أما النغمات فتحدث أو تطن في ساحة الشعور , والتنظيم الشبكي هو المسؤول والمتحكم والمنظم لهذا العزف, وتشاركه في ذلك باقي بنيات الدماغ وبشكل خاص المهاد والنتوء اللوزي وباقي بنيات الدماغ الحوفي .
فالتنظيم الشبكي يبدأ عمله بعد الولادة- وعلى الأغلب قبل- فيقوم مع مشاركة باقي أجزاء الدماغ بتصنيف وتنظيم واردات مستقبلات الحواس, ويقوم بالتحكم بالانتباه والتركيز على المهم من هذه الواردات ويكف الباقي , ويتقرر المهم- المعنى- بناء على عمل وتقييم باقي بنيات الدماغ و وضع الجسم ككل .
ويقوم اللحاء, وتساعده بعض بنيات الدماغ بتخزين صور أو معلومات عن النغمات التي تعزف- بناء الذاكرة الواعية - ويبدأ اللحاء بعدها في المشاركة في إرسال نغمات من ما يخزن فيه إلى التنظيم الشبكي والدماغ الحوفي .
وعندما يتقدم الإنسان بالعمر تتطور قدرات التنظيم الشبكي والدماغ الحوفي على التحكم في عزف نغمات الأحاسيس الواردة أو المطلوبة – المستدعاة- من اللحاء, وذلك نتيجة الممارسة والتعلم, فالتنظيم الشبكي عندها يستطيع أن يقوم بعزف كم هائل من النغمات ودون مشاركة واردات الحواس, بالتفكير والتصور والتخيل والأحلام , وذلك بالاعتماد على مخزون اللحاء وباقي بنيات الدماغ- العقل الحوافي وغيره في حالة الأحلام - .
إن النغمات التي يمكن أن تصدر من اللحاء ذات كم هائل ولا يمكن للتنظيم الشبكي استقبال وإذاعة (في سبورة الوعي ) إلا جزءاً صغيراً جداً ومحدوداً , وهو الذي يشكل " الذاكرة العاملة " .
ويمكن وضع واردات من اللحاء أو من الحواس تكون ذات أهمية متوسطة " في الانتظار " ريثما ينتهي من معالجة الموجود في ساحة الشعور .
إذاً الذي يقوم باختيار وتنظيم وإدارة ما يضخم ويبث من أحاسيس- أي الوعي- هو التنظيم الشبكي , ويساعده المهاد والنتوء اللوزي والحصين . . . , و العقل الواعي هو ناتج عمل التنظيم الشبكي والدماغ الحوفي , وعند تلف أو توقف التنظيم الشبكي ينتهي الوعي .
ففي النوم العميق دون أحلام والغيبوبة الكاملة أثناء التخدير يكون التنظيم الشبكي مطفأً, ومتوقفاً عن البث وكذلك الوعي .

عمل التكوين الشبكي والوعي
يحتوي جزع المخ أسفل الجهاز الحوفي على التكوين الشبكي الذي يستقبل المعلومات الحسية ويعمل كمصفاة خاصة بالنسبة للسماح أو عدم السماح للمعلومات الجديدة أو غير المتسقة بالمرور , وداخل التكوين الشبكي توجد " المنطقة الزرقاء" التي تفرز " النوأدرينالين" الذي يمارس فعله على القشرة الدماغية والمهاد وتحت المهاد كما أن له مفعولاً على المخيخ والحبل الشوكي .
يرى البروفسور " ماجون " :
إن النظام الشبكي في علاقاته الصاعدة والنازلة باللحاء , يربط ارتباطاً وثيقاً , ويساهم مساهمة فعالة في معظم فئات النشاط العصبي الراقي . ولسوف تزداد بلا شك على مر السنين , المعلومات عن المخ التي تمكننا , من السيطرة على مستويات الوعي والإدراك , ولكن النتيجة الأهم ستكون النمو في إدراك ما يعنيه ذلك التحكم .
إن التكوين الشبكي في ساق المخ يمكن اعتباره المركز المشرف على بث الوعي في المخ , ويوضح لنا مثل هذا التفسير النتائج التي تحدث عندما يقطع ساق المخ في أماكن مختلفة , وقد درس هذا الأمر بعناية في حالة القطط فعندما يفصل المخ عن النخاع الشوكي يظل الحيوان محتفظاً بمظاهر اليقظة مع وجود رسم كهربائي للمخ يدل على نشاط عال كما أن حدقتي العينين تكون مفتوحتين تماماً , إلا أنه عندما يفصل اللحاء والجزء الأعلى من ساق المخ عن الجزء الأسفل والنخاع الشوكي يبدو الحيوان نائماً والحدقتان شبه مغلقتان وتصبح موجات النشاط الكهربائي للمخ بطيئة , ويبدو أن فصل الجزء الأعلى من ساق المخ واللحاء عن الجزء الأسفل قد فصلهم عن النظام الشبكي للتنشيط فأصبح هذا الأخير غير قادر على إرسال الإشارات إلى اللحاء لكي يبقى يقظاً . وبالقيام بعدة تجارب قطع فيها ساق المخ في مواقع مختلفة أمكن التوصل إلى تحديد أهم مناطق التكوين الشبكي التي تسيطر أكبر سيطرة على الوعي , ويبدو أنها تقع في منطقة القنطرة أوسط ساق المخ , وقد لوحظ أن تدمير التكوين الشبكي على مرحلتين تفصل بينهم 3 أسابيع يقلل من انخفاض مستوى الوعي .
وأن استئصال جزء من التكوين الشبكي يمكن أن يضعف الوعي قليلاً ويستعاد هذا الضعف بعد مدة , أما تدمير كامل النظام الشبكي دفعة واحدة فإنه يقضي على الوعي تماماً ويسبب الموت بعد إغماءة طويلة , وهذا يعني أن وظيفة ذلك الجزء من التكوين الشبكي الذي استؤصل قد قامت بها أجزاء أخرى من ساق المخ في فترة قصيرة نسبياً وهذا أمر متوقع بالنسبة لوظيفة هامة جداً كاليقظة والانتباه التي لها قيمة هامة في استمرار الحياة.
ويبدو أن النظام الشبكي يتحكم في مستوى إدراك الوعي بأن يعمل كصمام يتحكم في الشدة , فيزيد أو ينقص من كمية التنبيهات المندفعة في الممرات الحسية وكذلك من التوجهات الصادرة عن اللحاء إلى العضلات , وهو يستطيع ذلك بسهولة حيث أن كافة الأنظمة الحسية الرئيسية والكثير من الممرات الحسية المتجهة إلى العضلات , إما أن تمر لصيقة به أو ترسل إشاراتها إليه , ويقوم النظام الشبكي بالتحكم بهذه الإشارات , والنظام الشبكي له أكثر من مئة موقع تتمركز فيها الخلايا العصبية وهو نظام شديد التعقيد والتلاحم , من مجموعة مراكز التحكم في الشدة , وبالتالي فإن سيطرته على الوعي ليست بالبساطة الناشئة عن وجود مركز واحد لتلك العملية .
ودور المهاد في إدارة وبث الوعي هام جداً, فهو يقوم بالتعاون مع التشكيل الشبكي والدماغ الحوفي واللحاء في إنشاء الوعي وبثه .
لقد كان المهاد لدى الأحياء الدنيا هو مركز قرع الأحاسيس , وكانت غير محددة بشكل دقيق في أول الأمر , وعندما تطور الدماغ وتشكل اللحاء , وأخذ الدور الأساسي في قرع الأحاسيس , وبمجال دقة وتحديد عالي , وأوسع بكثير من المهاد , بقيت الأحاسيس العامة " والألم بشكل خاص " تابعين للمهاد , وبالتالي أصبح دور المهاد نقل وترحيل التيارات الواردة من المستقبلات الحسية , عن طريق التشكيل الشبكي , إلى اللحاء والمراكز الأخرى , وهذا أعطاه الدور الأساسي في إدارة قرع الأحاسيس في اللحاء . فهو يساهم بشكل كبير في تشكيل الوعي لدينا , فيتحكم بإدارة قرع الأحاسيس في اللحاء , ويقوم بذلك بالتنسيق مع الدماغ الحوفي الذي يقيم أهمية الأوضاع , ومع التشكيل الشبكي , الذي ينظم ويدير واردات الحواس والاستجابات ويقوم بالبث . وإذا أردنا تحديد البنية الأكثر تأثيراً في إنشاء الوعي وبثه , فستكون المهاد , فهو ينسق و يكامل ويدير ألحان الوعي التي تعزف.
ويبدو أن هناك على الأقل مركزين أساسيين للاستيقاظ من النوم وحدوث الوعي , أحدهم إلى الأسفل في وسط المخ , والآخر إلى الأعلى قرب اللحاء . وهذا المركز هام للغاية , إذ يبدو أن له تأثيراً سريعاً على اللحاء , إذ يظن أن الاستيقاظ السريع من النوم , أو التغيرات السريعة في الانتباه تحدث بواسطته , وهو يحقق تلك السرعة بواسطة شبكة عظيمة الكفاءة من الاتصالات باللحاء . وعندما تستثار فإنها تؤدي إلى خلق النشاط في اللحاء , وهو نشاط ينتشر بسرعة .
إن ما يحدث بالتفصيل في الخلايا العصبية داخل النظام الشبكي أثناء حدوث مثل تلك النشاطات , يكتشف ببطء شديد , وكذلك بصعوبة . فالمتوقع أن النشاط سيكون شديد التنوع في مثل ذلك النظام المعقد .
ولقد بينت الدراسات التي قام بها البروفسور هاتن لوكر أن الخلايا العصبية في مركز الوعي في المخ الأوسط , يكون نشاطها " خلال نوم الأحلام ضعف النشاط "الذي تقوم به خلال اليقظة , بينما يكون نشاطها متوسط في النوم العميق الخالي من الأحلام , ومما يزيد الصورة تعقيداً , هو أنه يبدو أن ذلك النظام يؤثر على اللحاء بطريقة كيميائية أيضاً , وكذلك يتأثر بالمواد الكيميائية.
فالوعي الذاتي يحدث في بنيات الدماغ , وهو يعتمد في منشئه على خصائصها, فهو الشعور والإحساس الذي يتكون نتيجة واردات المستقبلات الحسية , التي استقبلت وعولجت في بنيات الدماغ .
فهو ينبثق بالتدرج بعد الولادة وأثناء الحياة , ولكن بعد أن تمر بضعة سنين يصبح الوعي الذاتي يعتمد بشكل أساسي على ما تم تعلمه وتخزينه في اللحاء والبنيات الدماغية الأخرى , وتنخفض نسبة تأثيرات ودور المتقبلات الحسية , ويصبح بالامكان , الوعي والتفكير بالاعتماد على مخزون الدماغ فقط , ودون الاعتماد نهائياً على واردات المستقبلات الحسية . وهذا ما يحدث أيضاً أثناء الأحلام إن كانت أثناء النوم , أو أثناء الصحو(أحلام اليقظة) . فالقدرة على الوعي والمعالجات الفكرية والتصورات. . . تصبح ممكنة دون الاعتماد على الواقع الخارجي وتأثيراته.
وهذا ما جعل الوعي والتفكير ذو خصائص غير مادية , لأنه يصبح في هذه الحالة غير مرتبط بالواقع أو المادة الخارجية , فهو ناشئ عن الدماغ الذاتي (العقل الذاتي أو النفس أو الروح) فقط .
فالعقل الفردي الذاتي أصبح بإمكانه خلق عالم ووجود وكون ( حسي و فكري خاص فيه) , ودون الاعتماد إلا على نفسه , فهو يملك القدرات لعمل ذلك . وهذا شيء عجيب ورهيب ومذهل , فكثير من المفكرين اعتبروا الإنسان بمستوى الآلهة , لما يملك من وعي وإدراك وشعور وأفكار .
وأهم العوامل التي أدت لتطور الوعي البشري وجعله على هذه الصورة :
التعامل مع فكرتين أو أكثر في نفس الوقت .
التعرف على الذات في المرآة " هذا هو أنا " , فباقي الكائنات الحية لا تتعرف على نفسها في المرآة ما عدا القليل منها مثل : الشمبانزي والفيلة والدلافين .
النظر أو الرصد من فوق ( أو من الخارج ) . مثال :
أنا أحس إحساس معين وأيضاً أرصد أو أدرك إحساسي هذا , أو أنا أفكر بفكرة معينة وأيضاً أدرك أن ذاتي تفكر , وأننا نعي بأن الآخرين يدركوننا.
تمثل أحاسيس الأخر, التقمص .
الجدل الفكري الذاتي بين الدماغ الحوفي والمراكز الأمامية من اللحاء .
دور الحياة الاجتماعية الأساسي في نشوء وتطور الشعور بالأنا الفردية , ومعرفة الولادة للأنا والموت الحتمي لهذه الأنا .
لذلك القدرات الفكرية الهائلة بما فيها الوعي , التي نملكها تجعل كل منا خالق لعالم أو كون خاص به . وإبداع الإنسان للأساطير والملاحم والقصص والروايات والمسرحيات والأفلام دليل على ذلك .

الأنا الواعية , و الذات ( أي الشخصية )
ليست الذات أو الشخصية الأنا الواعية فقط , فذات كل منا ينتجها ما هو مخزون في الذاكرة .
أما الأنا الواعية أو ما يوجد على سبورة الوعي فهو الجزء الصغير الذي يبث في تلك اللحظة , فذات كل منا مضمرة دوماً , لأنها متوضعة بشكل بنيوي في الخلايا العصبية ومحاور ومشابك هذه الخلايا , ولا يظهر منها إلا الجزء الصغير جداً وهو الموجود على سبورة الوعي , وهو ما يبث بشكل كهرطيسي .
وهذا يشبه نظام الويندوز في الكومبيوتر, فالموجود على الشاشة يمثل ما هو موجود على سبورة الوعي , أما الباقي فهو المخزن في بنية الكومبيوتر . ونظام الويندوز سمح بوصل جيد وفعال لما هو مخزن في ذاكرة الكومبيوتر , مع ما هو موجود في ذاكرة مستخدم الكومبيوتر .
إن الوعي أو الشعور بالذات( الأنا اللحظية) هو ما يبث على سبورة الوعي , وهذا كما قلنا موجود بشكل كهرطيسي مبثوث في الدماغ . ونحن إذا استطعنا استخدام سبورة وعي أي إنسان لعرض ذات إنسان آخر, لما اختلفت تلك إلا قليل جداً , وهذا يشبه ما يبث من أي جهاز راديو أو تلفزيون أو فيديو , فالأجهزة مختلفة ولكن ما ينتج متشابه بشكل كبير.
والذي يبرهن على ذلك , انبثاق ذات كل منا عندما نصحو من النوم أو من التخدير العام , فهذا يتم تكوينه بناءً على ما يتم استدعاؤه ( أو يأتي من تلقاء نفسه ) مما هو مخزن في الدماغ , وبثه على سبورة الوعي .
" فأنا" كل منا تنعدم أو تطفأ , وتعود وتظهر آلاف المرات . ويتم هذا الظهور بناءً على ما يتم بثه على سبورة الوعي , فالموجود بنيوياً ( بنية الدماغ وما تم بناؤه أثناء الحياة) لا يتم الوعي أو الشعور به إلا إذا تم بثه وأصبح كهرطيسياً .
وتنشأ الأحاسيس الواعية , لأنها تتكرر خلال زمن قصير أو طويل ولا تكون لحظية تجري لمرة واحدة وتنتهي فوراً , وأيضاً نتيجة تكرار حدوثها , وهي تنتشر في أغلب بنيات الدماغ . و هي التي تنتج الوعي الذاتي.
فالذي ينتج الوعي الذاتي هو تكرار جريان التيارات العصبية في بنيات الدماغ , بين التشكيل الشبكي والمهاد واللحاء والدماغ الحوفي وأحياناً المخيخ , فتكرر جريان هذه التيارات هو الذي يخلق " زمن الوعي " , وبالتالي الزمن البشري الذاتي .
فإذا لم يحدث هذا التكرار, فلا يمكن أن يحدث الوعي , لأنه سوف يحدث في زمن قصير جداً ولمرة واحدة وينتهي بعدها , فتكرار وجوده خلال زمن هو الذي يسمح بحدوث الجدل الفكري الذاتي بين الأفكار(الأحاسيس الواعية) والتي تجري معاً في نفس الوقت ونشوء " زمن الوعي أو الديمومة التي تكلم عنها برغسون" .

الوعي الذاتي , والتعرّف على الذات
إن التعرّف الجديد على "الذات" أو "الأنا" يحدث لنا كلما استيقظنا من النوم , فعندما نستيقظ تفتح مسارات الذاكرة الدائمة ( اللحاء) مع التشكيل الشبكي , والتي كانت قد كفت أغلب هذه المسارات (العاملة أثناء الصحو) عند النوم, وكذلك تفتح المسارات مع باقي بنيات الدماغ والتي كانت قد أغلقت أو كفت أثناء النوم. ويقوم التشكيل الشبكي بعمله في تأمين الاتصالات بين كافة هذه البنيات , ويوقظ أو يحدث الوعي العادي(أو وعي الصحو تمييزاً له عن الوعي أثناء الحلم) ويتم ذلك بالاعتماد بشكل أساسي على مخزون الذاكرة اللحاء . و" الأنا " متضمنة بشكل أساسي في هذه الذاكرة , فإذا غيرنا ذاكرة شخص فسوف تتغير " أناه " و وعيه بذاته , حسب هذا التغيير.
كما ذكرنا الذي يقوم باختيار وتنظيم وإدارة ما يضخم ويبث من أحاسيس( أي الوعي) , هو التنظيم الشبكي ( ويساعده المهاد والدماغ القديم ), والعقل الواعي هو ناتج عمل التنظيم الشبكي , وعند تلف أو توقف التنظيم الشبكي ينتهي الوعي , ففي النوم العميق دون أحلام, والغيبوبة الكاملة أثناء التخدير يكون التنظيم الشبكي مطفأً, ومتوقفاً عن البث . مع ملاحظة أن عمل التشكيل الشبكي لوحده لا يكفي لتشكل الوعي , فلا بد من مرور التيارات العصبية الآتية من مستقبلات الحواس , والذاهبة للحاء و كذلك الآتية من اللحاء عبره (ذهاباً وإياباً) , ومشاركة الدماغ القديم .
ويجب أن ننتبه إلى أن التشكيل الشبكي ليس منتج الوعي , والوعي لا يحدث فيه , فهو المتحكم و المفتاح للوعي , فالوعي يحدث في ساحة الشعورأو سبورة الوعي , ولتوضيح ذلك نأخذ الفرضية التالية:
إذا استطعنا بطريقة من الطرق , نقل تشكيل شبكي لإنسان معين , إلى إنسان آخر, ماذا يحصل؟
من المفروض أن لا تحصل تغيرات أساسية أو جذرية , في وعي كل منهم . والذي يحدث هو تغيرات في التنظيم و التحكم ببث الوعي (مع أنها تظل تابعة لأوامر اللحاء وباقي بنيات الدماغ) , أي يظل كل منهم هو ذاته , مع حدوث فروقات طفيفة جداً غير ملاحظة , فالذي يرد من اللحاء وخاصة من المناطق الجبهوية ومن النتوء اللوزي وقرن أمون وباقي بنيات الدماغ القديم... هو الذي يقرر ويحدد بشكل أساسي مضمون الوعي , وهذا معناه أن التشكيل الشبكي هو مركز تجمع وبث إلى أغلب بنيات الدماغ , أي أن عمل التشكيل الشبكي يكون فقط كمفتاح لبث , الأمور التي اعتبرت بأنها هامة . والذي يقرر أهميتها هو نتيجة معالجة اللحاء وتقييم الدماغ القديم (المهاد, والنتوء اللوزي...الخ) .
وبما أن ما يأتي من اللحاء والدماغ القديم هو تابع لما هو موجود فيهما (والذي هو موروث أو تم تعلمه واكتسابه أثناء الحياة , وهو خاص بكل إنسان) , لذلك لن تحدث تغيرات كبيرة و واضحة نتيجة استبدال التشكيل الشبكي لإنسان مع آخر( فهذا بمثابة تغيير أجهزة بث بأجهزة أخرى) . فالذي يحدث هو تغيرات طفيفة جداً لن تلاحظ , فهي تغيرات تماثل التغيرات التي تحصل دوما نتيجة تغير أوضاع الجسم والجهاز العصبي أثناء الحياة اليومية . ويمكن أن تؤثر على عمل التشكيل الشبكي تغير الانفعالات والمزاج والدوافع .
إن التشكيل الشبكي لدى كل منا متشابه بشكل كبير , إن لم يكن متطابقاً , وهو ليس مصدر اختلاف الأنا أو الذات عند كل منا , فالاختلاف راجع إلى ما تعلمناه و تم بناؤه من ذاكرة , نتيجة نمو وترابط مشابك ومحاور الخلايا العصبية في الدماغ , وخاصة في اللحاء, والذي تم نتيجة حياة كل منا.
لذلك إذا استطعنا تغيير لحاء دماغ إنسان بلحاء دماغ إنسان آخر, فسوف تنتقل ذات كل منهم إلى الآخر, أي يتبدل جسم كل منهم مع الآخر , وسوف تبقى الانفعالات وبناء المعاني والتقييم الأولي بدون تغير, لأنها ناتجة عن الدماغ القديم , أما المعالجات الفكرية العادية والمنطقية والذاكرة فهي تتبع للحاء.
ونحن كذوات واعية مفكرة ( أو كأنفس ) موجودون فقط في " العقل الواعي أو ما يمكن عرضه على سبورة الوعي " وهو جزء صغير أقل من واحد بالمئة من الجهاز العصبي , فهو ما يعرض على سبورة الوعي ( أو هو الذاكرة العاملة ), وهو يستطيع الإطلاع على الكثير من العمليات الجارية داخل الجسم وداخل الدماغ لأنه القائد والمدير الأعلى والنهائي , ويستطيع التدخل في أغلب عمليات , وهو المتعاون الأساسي مع " العقل اللغوي " وهو الذي يقود عملياته .

التشابه بين نظام الويندوز في الكومبيوتر وسبورة الوعي لدى الإنسان
إن الذي يُحضر أو يُعرض في سبورة الوعي ( أو ساحة الشعور ) من أحاسيس ومشاعر وأفكار هو الذي تجري معالجته , والمعروض في سبورة الوعي يأخذ دور وأهمية أعظمية مقارنةً مع الكم الهائل من الذكريات والأفكار الأخرى الموجودة في باقي بنيات الدماغ , وغالبية استجاباتنا هي نتيجة ما يعالج في سبورة الوعي .
فمثلاً إذا بدلنا ما هو موجود على سبورة الوعي , فسوف نحصل على وضع جديد وبالتالي قرارات جديدة وخرج أو استجابة جديدة , وأيضا إذا غيرنا آليات أو طرق المعالجة لما هو موجود على سبورة الوعي فسوف تتغير الاستجابة .
ونحن نستطيع جلب أفكار وذكريات كثيرة من مخازن الذاكرة الموجودة في أماكن مختلفة في الدماغ . وكذلك يمكن أن تدخل هذه الأفكار من تلقاء نفسها نتيجة الارتباط والتداعي .
والجزء الأكبر من الذي يعرض على سبورة الوعي هو يأتي من واردات الحواس , والذي اعتبر هاماً أكثر من غيره , فالواردات الحسية كميتها هائلة جداً , ولا يدخل إلى سبورة الوعي إلا الأهم .
إن هذا يشبه من بعض النواحي ما يحدث في نظام الويندوز .
فالذي يعرض على شاشة الكومبيوتر( أو الويندوز ) هو الذي تجري معالجته , وكذلك كافة الحسابات والعمليات تحدث نتيجةً للمعالجات التي تجري على الويندوز .
والمعروض على الويندوز له مصدرين أساسيين وهما :
1 - ما يتم استدعاؤه من ذاكرة الكومبيوتر , إن كان من الذاكرة الأساسية الثابتة والموجود في ذاكرة الويندوز , أو من الذاكرة التي يتم تخزينها لاحقاً وهذه الذاكرة في تطور مستمر نتيجة العمل على الكومبيوتر .
2 - ما يدخله مستعمل الكومبيوتر إلى هذه السبورة , إن كان معا لجة لما هو موجود على شاشة الكومبيوتر , أو ما يدخله هو من مدخلات جديدة .
وهناك فروق بين آليات عمل سبورة الوعي والدماغ , وعمل نظام الويندوز والكومبيوتر أهمها :
1 - في الدماغ هناك بنيات أو أجزاء من الدماغ يمكن أن تتدخل في عمل سبورة الوعي , بطريق مباشر أو غير مباشر , فتأثير الانفعالات القوي يمكن أن يلون أو يحرف كثيراً نتائج المعالجات الجارية في سبورة الوعي , وكذلك اللا شعور أو الذكريات الانفعالية القوية غير الواعية يمكن أن تؤثر على المعالجات الجارية في سبورة الوعي , فالذكريات القوية هي التي تقرر المنحى العام للمعالجة الجارية , وهذا غير موجود في نظام الويندوز والكومبيوتر .
2 - وهناك فرق هام بين الدماغ والكومبيوتر وهو إن الهاردوير ( القطع والدارات الإلكترونية ) في الكومبيوتر ثابت والمتغير هو السوفتوير ( البرامج ) .
أما في الدماغ فهذا مختلف , فخلايا الدماغ تتنامى نتيجة التعلم ويمكن أن تموت بعضها أي بنيته تتغير, وهناك أكثر من مائتي مادة كيميائية تتحكم في عمل الدارات العصبية الجارية بين الخلايا ومحاورها ومشابكها , وهذا يجعل مخرجاته ( أو الاستجابات ) غير ثابتة , عند معالجة نفس المدخلات في أوقات مختلفة , فيمكن أن تحدث اختلافات صغيرة أو كبيرة . وهذا غير موجود في الكومبيوتر .

"إن مفتاح فهم الوعي هو " الطنين الحسي "
إن ظاهرة الطنين أو التردد بشكلها الكهرطيسي لا يعرفها الكثيرون , وهي معروفة في شكلها الصوتي فقط , فالطنين الكهربائي و الكهرطيسي عرف حديثاً . عندما تعرفت على الطنين الكهربائي دهشت لهذه الظاهرة , ووجدتها عجيبة . فدارة الطنين الكهربائي الأساسية مؤلفة من ملف ومكثف ضمن دارة كهربائية مغلقة , هذه الدارة يمكن أن يجري فيها تيار كهربائي متناوب , فإذا كان هناك دارة كهربائية تماثلها في قيمة الملف والمكثف وقريبة منها , عندها ينشأ فيها تيار متناوب ويكون هذا التيار المتناوب تردده مماثل لتردد الدارة الأساسية , هذه الظاهرة هي أساس كافة أنواع الاتصالات اللاسلكية .
إن كافة الأحاسيس الموجودة لدى الكائنات الحية تعتمد على استقبال تأثيرات الترددات المختلفة بواسطة المستقبلات الحسية لديها وتحويلها إلى نبضات كهربائية عصبية , فقرون الاستشعار, والسمع , والبصر والشم ... , تعتمد على استقبال الترددات , فالصوت , والضوء , وكذلك الشم , كما نعلم هما تردد لأمواج صوتية و كهرطيسية وكيميائية .
فأساس عمل كافة الحواس لدي الكائنات الحية يعتمد على آليات تحول تأثيرات الترددات بأشكالها المختلفة , إلى تيارات كهربائية عصبية على شكل نبضات ترسل إلى الدماغ , وهو يقوم بتمييزها عن طريق مراكز كلّ منها مختص باستقبال نوع معين , وله القدرة على تحويل ما يصل إليه من تيارات كهربائية عصبية آتية من المستقبلات الحسية , إلى طنينات كهربائية فزيولوجية عصبية تتناسب معها , في خصائصها الأساسية , طبيعتها , وقوتها , وزمنها . أي في الأساس للأحاسيس زمن تقرع فيه , وكافة الأحاسيس هي طنينات كهربائية فزيولوجية عصبية
إن الوعي الذاتي هو وعي بطنينات حسية أو بأفكار على شكل طنينات حسية . فهو طنين لطنينات حسية , أو طنين يتم تكرار بثه وانتشاره فيصبح شامل بعض بنيات الدماغ . وهذا يماثل البث الإذاعي أو التلفزيوني .
لهذا يمكن أن نحل مشكلة الوعي عندما نعرف كيفية حدوث الطنين الحسي الأولي الخام , وكيفية تفاعله مع باقي الطنينات الحسية , وكيفية انتقاله وتفاعله مع بنيات الدماغ , وكيف يبث من ساحة الشعور , وماهي البنيات التي تكون ساحة الشعور.

وعي الذات وخصائص الأنا
إن أهم ما يكشف خصائص " الأنا " , هو دراسة إطفاء وإضرام الوعي . فهذه الحادثة يمكن أن تظهر عدم تعقيد ظاهرة وعي الذات والشعور " بالأنا " . وأنه ليس مستحيلاً إضرام وعي " أنا " إنسان معين , بعد انطفاء هذا الوعي , بموت الجسم .
إن أساس اضرام وعي الذات , هو إشعاع كهرطيسي بيولوجي ( عصبي ) . فهناك منطقة أو مجموعة بنيات (ساحة الشعور أو سبورة الوعي ), تقوم ببث الوعي , وهو يكون على شكل بث أمواج كهرطيسية تولد بيولوجياً , وتبث في بعض خلايا الدماغ , وعندها يحدث إنعكاسات و طنينات أو تغذية عكسية , بين ما يبث , وبين المناطق التي تكون عاملة والتي هي تنتج ما يبث . فمثلاً إذا تم بث صور تم ورودها من المناطق البصرية , فإن ما يبث على سبورة الوعي يصل إلى المناطق البصرية ذاتها , والتي هي المصدر الأساسي لما يبث . عندها يحدث تطابق بين مصدر البث الأساسي وما جرى بثه , وهذا يؤدي إلى حدوث تردد أو طنين ذو خصائص معينة يتم تكراره لفترة زمنية معينة , هذه الفترة تنشئ " زمن الوعي " الذي هو أهم خصائص الوعي . لأنه إذا لم ينشأ هذا الزمن , لما أمكن تشكل وعي الذات الذي نحسه ونعرفه , لأن حدوث طنين الوعي لزمن لحظي , ينتهي فوراً , لا يمكن أن ينتج وعي بالذات , لأنه يحدث ويزول فوراَ .
إن حدوث طنين الوعي لفترة زمنية طويلة نسبياً , هو أهم خصائص " وعي الذات " , وكلما كان هذا الطنين واسع ومتنوع( صور وأصوات وروائح وإحساسات وعواطف وانفعالات ومعنى ) أدى إلى ظهور وعي متطور أكثر . فالزواحف وعيها محدود جداً , وهو لدى الثدييات متطور , ولدى الرأسييات متطور أكثر , أما لدينا فهو متطور جداً , نتيجة اللغة والحياة الاجتماعية التي ولدت الثقافة . وهذا أدى إلى ظهور أنا فردية متطورة .
إن أهم ما يميز الشعور بالوعي الذاتي ويظهره أيضاً , هو آلية التعرف التي تحدث في الدماغ , فهذه الآلية الهامة جداً, هي من أهم آليات عمل دماغنا . فمبدأ الهوية " أ هي أ " يعتمد آلية التعرف , ولولا هذه الآلية لما كان هذا المبدأ .
فالمطابقة بين واردات حواس جديدة مع ما تم تخزينه في الدماغ من واردات حواس سابقة , يتم بناءً على آلية التعرف. فعندما تتطابق أو تتشابه , واردات حواس جديدة مع مثيل لها مخزن في الدماغ ( أي تم قرعه أو الوعي به سابقاً ) يحدث إحساس أو وعي التعرّف .
وهو تعرف فردي ذاتي عندما أتعرف على شيء معين أو إنسان معين أو مكان معين ..., أو هو تعرف عام , مثل هذه شجرة أو هذه سمكة أو هذا رجل ..., أي تعرف على مجموعة خصائص معينة تميز مجموعة أشياء معينة عن بعضها .
وأهم تعرف لدينا , هو التعرف على ذاتنا أو أنانا , فعندما نستيقظ كل صباح , يتم التعرف على أنانا , فكل منا عندما يصحو من نوم أو إغماء أو تخدير يتعرف على نفسه, فهو متأكد بشكل مطلق أنه هو ذاته عندما يضرم وعيه بعد أن يكون مطفأ .
إن التعرف على الذات وعلى أنها هي نفسها وهي ثابتة ولم تتغير , يجري لدى كل منا , ولكن هل فعلاً ذات كل منا هي تبقى ثابتة ولا تتغير ؟
إن ذات كل منا هي بنية ديناميكية في صيرورة وتغير مستمر , ومع هذا يحدث التعرف عليها, وعلى أنها مازالت هي نفسها ولم تتغير . إن هذا يحدث نتيجة عمل آليات التعرف العاملة في الدماغ .
لذلك ليس من الصعب إعادة التعرف على الذات من جديد , حتى بعد موت وتفكك الجسم .
فيمكن تحقيق التعرف على الذات من جديد , بالاعتماد على التحكم بعمليات التعرف الجارية في دماغ إنسان عامل , كي يحدث تعرف على أنه ذات الإنسان الذي مات , وذلك إذا أمكن إعادة إضرام أحاسيس تحقق ذلك .
وإذا تم إنتاج الوعي البشري في أجهزة إلكترونية بدل من بنيات فزيولوجية ( وهذا محتمل كثيراً), عندها يمكن إعادة إضرام وعي أي إنسان , يكون لدينا معلومات كافية لهذه الإعادة , صحيح أنه سوف تكون ذات جديدة ومختلفة عن الأصلية , ولكن تتعرف على أنها هي نفسها الذات القديمة الأصلية . فالمطابقة التامة ليست ضرورية في عملية حدوث التعرف , والتقمص هو مثال على ذلك , فحدوث التقمص هو حدوث تعرف جديد . وهو يحدث فعلاً . وكذلك الإنفصام وتعدد الشخصيات لدى الفرد نتيجة الأمراض النفسية .
والتذكر الذي هو أهم أعمال الدماغ , هو في واقعه تعرف . فعندما نقوم بتذكر أي شيء أو أي فكرة , فنحن في الواقع نقوم بذلك باستعمال آلية التعرف , فهي تمكننا من مطابقة ما تم استدعاؤه من الذاكرة مع ما هو موجود لدينا فكرة عنه , وعندما يكون هناك تطابق أو تشابه بينهما , ويحدث شعور التعرف , عندها نعتبر أننا حققنا تذكر ما كنا نسعى إليه .

الإرادة الواعية
إن الإرادة الواعية هي التحكم بمصادر أو مسببات الأحاسيس ( واردات الحواس )، ويتم ذلك عن طريق فتح وغلق المسارات بين ساحة الشعور ( الوعي ) ومصادر الأحاسيس . ويكون هذا التحكم ضمن حدود معينة لا يمكنه تجاوزها ، فيمكن لأي مصدر حسي ( وارد حاسة معينة – وهو تيار عصبي ) أن يدخل تياراته العصبية إلى ساحة الشعور في حالات كثيرة ولا تستطيع الإرادة منعه من ذلك ، فتيارات الألم وارتكاس الاهتداء وكل ما هو هام لا يمكن منعها من دخول ساحة الشعور,أو التحكم بدخولها إلا في حدود ضيقة جداً ( اليوغا والزن ) وبتمرين كثير متواصل ، ويتم التحكم بالتيارات العصبية الداخلة إلى ساحة الشعور بآليات عصبية وبطرق تعتمد على هذه الآليات ، وذلك بالتجربة والتعلم ، وبالإضافة إلى خصائص آليات الجهاز العصبي الفزيولوجية الأخرى وهي كلها موروثة ، فارتكاس الاهتداء مثلاً مبنى فزيولوجياً وهو موروث ، وكذلك آليات الإحساس وخاصة الإحساس باللذة والألم .
والتحكم بالتيارات العصبية ضمن ساحة الشعور هو معالجتها عن طريق تصنيفها ومقارنتها وقياسها وتقييمها والحكم عليها ، ويتم ذلك بمساعدة باقي بنيات الدماغ .
وتكوٌن البنيات الفكرية اللغوية لدى الإنسان جعل المعالجة الفكرية لديه تتقدم إلى مستويات عالية من الاتساع والفاعلية.
وقبل بناء البنيات الفكرية اللغوية كانت معالجة البنيات الفكرية ضمن ساحة الشعور ضعيفة ، وبالتالي كان الشعور الواعي محدود بالزمان والمكان والظروف , وهذا جعل وعي الإنسان متطور عن الوعي لدى باقي الحيوانات .

نشوء الإرادة لدى الإنسان
إن الإرادة هي استجابة مختارة من بين عدة استجابات ، ويبدأ تشكل الإرادة بعد الولادة ( وعلى الأغلب قبلها ) فالمولود الحديث يطلق استجاباته العشوائية التي تكون موروثة مثل حركة الرأس والفم ...... وعندما يلاقي أو يتأثر بالدفء والنعومة أو حلمة الثدي يتوقف عندها ( وتبدأ الرضاعة كاستجابة غريزية موروثة ) وتتوقف استجاباته العشوائية . وهذه أبسط أنواع الإرادة . البحث العشوائي عن الدفء والنعومة وحلمة الثدي والطعام ، وبعد ذلك يتعلم ربط قرائن (مؤثرات خارجية ) تترافق أثناء بحثه مع الدفء والنعومة والطعام ، وذلك بواسطة آليات الإشراط وآليات التصنيف العصبية الفزيولوجية (والتي تعتمد المقارنة والتقييم والتقرير وبالتالي الاستجابة) وكلها آليات فزيولوجية عصبية موروثة ، وبعد ذلك تتوسع وتتنوع الاستجابات التي يقوم الطفل بتصنيفها وربطها ، وهنا تنشأ السببية لديه، وذلك نتيجة توسع قدراته وبحثه ، وبالتالي تحقيق ارتباطات وتصنيفات متعددة وواسعة، وبالتالي نشوء استجابات جديدة أو مساعدة أو ممهدة لتحقيق استجابات أساسية .
إذاً بعد الولادة تعطى أوامر لاستجابات بحث , أغلبها عشوائياً ، وعندما تتحقق أو يترافق تحقق استجابة داخلية مطلوبة مع أحد أو مجموعة من هذه الاستجابات العشوائية ، عندها يتم ربطها مع بعضها البعض ( بآلية الإشراط الفزيولوجية العصبية ) ويصبح بالإمكان نشوء دوافع داخلية تطلب تحقيق الاستجابة العشوائية التي حققت الاستجابة الأساسية المطلوبة داخلياً ، أي تتحول الاستجابة العشوائية المحايدة إلى استجابة مقيمة . وتتوسع وتتعقد الارتباطات بين الأنواع الكثيرة من الاستجابات المقيمة ، وبهذه الطريقة تتوسع الاستجابة الداخلية إلى استجابة خارجية، ويتم بذلك انتقال تأثير الدماغ إلى خارج الجسم، ويظهر على شكل تأثير مادي نتيجة عمل هذا الدماغ ، وبذلك يؤثر الدماغ بالمادة .
وبعدما نشأ الوعي الفكري المترافق والمتأثر بالاستجابات العصبية، أي بعدما نشأ الإحساس المتطور ونما وتطور ، ظهر الفكر الواعي الذي يملك الإرادة الواعية .
إذاً البدء كان معالجة استجابات ، ثم معالجة استجابات مترافقة مع أحاسيس ، ثم معالجة أحاسيس واستجابات ووعي متطور بهما ، وأصبح التفكير محسوساً وتم الوعي به ، وطبعاً كل ذلك بمساعدة الذاكرة الواعية .
كيف يحرك الفكر المادة ؟ أو كيف يؤثر الفكر بالمادة ؟ إنه يتحكم أولاً بالاستجابات العضلية والحركية ( الفعلية ) وهي بدورها تحرك مواد العالم الخارجي .

الدخول لساحة الشعور , والوعي
كما ذكرنا مع التطور والتنوع والتوسع بشكل هائل لما يرد إلى الدماغ من مستقبلات الأحاسيس . صار من الضروري تنظيم وترتيب معالجتها من أجل الاهتمام بالأهم والضروري معالجته أولاً , وبذلك نشأ ما يمكن اعتباره بمثابة "مكتب الدخول" يتحكم بتنظيم دخول كمية محدودة من المعلومات الآتية من المستقبلات الحسية ولا يدخل إلا الهام والضروري منها لمعالجته , من أجل تحديد الاستجابة والتصرف المناسب لها .
ما هي الطرق التي تدخل بها المؤثرات (أو التيارات العصبية ) ساحة الشعور والوعي؟
هناك أولاً واردات الحواس وهي التيارات العصبية الآتية من المستقبلات الحسية, الداخلية, مثل الإحساس بالجوع أو العطش, والخوف وأحاسيس الانفعالات الكثيرة الأخرى... والكثير غيرها, و مستقبلات المؤثرات الخارجية, مثل النظر والسمع...., وباقي مستقبلات الحواس الأخرى للعالم الخارجي . وهناك فرق بين ما ترسله المستقبلات الحسية, وما يتم الإحساس والشعور والوعي به فعلياً .
وهناك ثانياً واردات الذاكرة من اللحاء وباقي أجزاء الدماغ, وهي ذات أنواع مختلفة, حسب آلية حدوثها, وهي:
أ_ التداعي نتيجة الإشراط والارتباط أو التتابع الزمني.
ب_ التداعي نتيجة الإشراط والارتباط المكاني ( التجاور المكاني).
ج_ التداعي نتيجة الارتباط للتشابه في التأثيرات أو المعنى(التشابه الذي يسمح بالتعميم)
د_ الاستدعاء المخطط الإرادي الواعي, نتيجة المعالجات الفكرية الإرادية الواعية.

دور المؤثرات التي تدخل ساحة الوعي أو الشعور وتأثيرها الكبير
إن المؤثرات التي تدخل ساحة الشعور وتعالج فيها تأخذ أهمية استثنائية على باقي المؤثرات الأخرى وبغض النظر عن أهميتها ودورها و وظيفتها الحيوية أو القيمة الفعلية لها , وهذا راجع إلى أن معالجة هذه المؤثرات لا تأخذ بالحسبان باقي المؤثرات الأخرى التي لم تدخل ساحة الشعور , وهذا لأن المعالجة لهذه المؤثرات تكون بطريق غير مباشر, فهي تتم عن طريق الإشراطات والتعلم والتحكم بمنحى المعالجة .
ويمكن إثبات ذلك بالقيام بمعالجة وضعين متكافئين في النتيجة كل على حدة , مثل تقرير أي من الطريقين أفضل للوصول إلى مكان معين بمعالجة كل منهما بمفرده , إننا نجد أحياناً أن كل من الطريقين هو الأفضل, وهذا غير دقيق, فهذا يظهر انحياز النتيجة عند المعالجة في ساحة الشعور , فنحن نصل إلى نتيجة متناقضة هي أن كلاً من الطريقين هو الأفضل .
ويمكن تفسير ذلك, بأن واردات الحواس أغلبها لا يدخل ساحة الشعور, فهي تعالج في مناطق الاستقبال لهذه الحواس في العقل الحوفي واللحاء ثم يرسل بعضها إلى ساحة الشعور, وأثناء ذلك ونتيجة الإشراطات والارتباطات المتكونة سابقاً, يحدث أن تعدل وتغير , أي أن واردات الحواس لا تصل إلى ساحة الشعور إلا بعد تعرضها للمعالجة والتعديل, وكذلك يدخل معها بعض مؤثرات التيارات العصبية الأخرى والتي كانت قد ترابطت معها .
فأي صوت أو صورة أو رائحة أو كلمة..... أي مؤثر حسي لا يصل إلى ساحة الشعور بشكل خام , فهو يتعرض للتعديل والتغيير, ويمكن أن تدخل معه مؤثرات أخرى , وهذا ما ينتج أغلب الأخطاء والتناقضات في المعالجات الفكرية الواعية.

تأثير الأحاسيس والدوافع على الأحكام العقلية
إن العقل البشري عندما يعمل ويقوم ببناء تقييماته وأحكامه ، إن كان للماضي أو للحاضر أو للمستقبل ، لا يراعي المنطق والسببية وباقي آليات عمله فقط ، بل يراعي أيضاً تأثيرات حواسه وانفعالاته ورغباته وقيمه ، لذلك عندما ينشئ تقييماته و أحكامه بالاعتماد على المعلومات التي لديه ، يدخل أيضاً عليها ( أو تدخل عليها أيضاً ) تأثيرات أحاسيسه وانفعالاته ورغباته وقيمه ، فتنحرف هذه الأحكام لتلائم غاياته وأحاسيسه وقيمه ، وهو كثيراً ما يستغل المعلومات غير الدقيقة لكي يدخل تأثيرات رغباته وأحاسيسه المتفقة معها .
مثال على ذلك بنائه للأساطير والقصص عن الماضي بما يناسب المعلومات التي لديه وبعد أن يضيف عليها رغباته وأحاسيسه ، ويخرج مثال أو صورة للماضي تحقق بالدرجة الأولى رغباته ودوافعه ، ويعتبر هذه الصورة هي المرجع الذي يعتمد عليه في تصرفاته ، وهو يقوم دوماً بتعديل لهذه الصورة أو المثال ليستوعب كل ما يصادفه من وقائع وأحداث تجري له ، فهو إما أن يعدل قليلاً من مثاله أو صورته ، أو يكيف الأحداث ويربطها مع بعضها بما يوافق مثاله الذي يعتمده ، وغالباً ما يقوم بتحوير وتعديل تفسير الأحداث , وليس تعديل مثاله الذي يكون بمثابة مرجع أساسي له .
ونحن نشاهد مثالاً آخر على تأثير الأحاسيس والدوافع الذاتية على المعلومات والمعارف عند ملاحظة تصوراتنا لأحداث وأمور تحدث لشخص نحبه أو نكرهه أو نغار منه ، فإننا نجد أن أغلب السيناريوهات التي نضعها لمستقبل هذا الشخص بغض النظر عن المعلومات المتوفرة لدينا عنه وعن أوضاعه ، أنها سوف تخضع في المحصلة إلى رغباتنا و إحساساتنا تجاهه ، فإن كنا نبغضه نرى أن نتيجة هذه السيناريوهات ( على الأغلب ) هي الضرر له ، وإذا كنا نحبه نجد أنها النجاح والسعادة ، وإذا كنا نغار منه نجد أنها الفشل والخسارة . ولكن وبعد أن تجري الأحداث وتحدث الوقائع نجد أن أحكامنا وتوقعاتنا ( آمالنا ) كانت على الأغلب غير دقيقة وبشكل كبير ، فنجد أن عدونا الذي نكرهه نجح وفاز ، والذي نحبه ونرغب بنجاحه فشل ، والذي كنا نغار منه نجح وتقدم .
ونحن نلاحظ تأثر أحكامنا وتصوراتنا بانفعالاتنا ورغباتنا بشكل واضح عندما نكره شخص معين، فتتكون أحكامنا وتصوراتنا من خلال هذا الكره ، وعندما نعود ونتصالح معه ونحبه ، تعود وتتغير أحكامنا بما يناسب ذلك ، مع أن الشخص نفسه وأغلب الأوضاع ما زالت متشابهة ، فالأحكام العقلية مهما كانت تسعى لتكون محايدة وموضوعية ، فإنها تتأثر بالأحاسيس والدوافع والرغبات التي تكون مرافقة لها أثناء إجرائها في العقل .

التأثير المتبادل بين المزاج والتفكير
لقد لوحظ وجود علاقة بين التفكير والتذكر والأحاسيس والانفعالات من جهة والمزاج من جهة أخرى - ويقصد بالمزاج الوضع الكيميائي والكهربائي للدماغ- , فعندما تكون فسيولوجيا الدماغ (وهي تتأثر بحوالي مئة مادة وغالبيتها ينتجه الدماغ أثناء عمله والباقي يصل إليه عن طريق الدم) في وضع معين تؤثر على التفكير والأحاسيس بشكل مختلف عنه فيما لو كانت في وضع أخر . وفلم شارلي شابلن مع السكير الغني مثالاً على ذلك: فالرجل الغني يتعرف على شارلي و يكون صديقه عندما يكون ثملاً, وعندما يصحو لا يتذكره ولا يتعرف عليه.
وقد أظهرت التجارب على الفئران أنها تتعلم الجري بالمتاهة عندما يكون في دماغها مواداً كيميائية معينة وتفشل في الجري عندما تختلف كيمياء دماغها عن وضعها أثناء التعلم, وقد تم جعل فأر يتعلم الجري يساراً عندما يكون دماغه معالجاً بمادة معينة, ويجري يميناً عندما يكون دماغه معالجاً بمادة أخرى.
إن للوضع الفسيولوجي للدماغ علاقة أساسية بآليات المعالجة أو التفكير والتذكر , والاستجابات العصبية والانفعالية , فعمل الدماغ العصبي الكهربائي يتم التحكم به بالمواد الكيميائية والتي يتم إنتاجها أثناء عمله, وكذلك نتيجة تفاعله مع باقي الجسم وخاصةً الغدد الصم. فهناك تأثير قوي وواسع للمزاج على عمل الدماغ سواء كان تفكيراً أو تذكراً أو توليد استجابة أفعال أو أحاسيس .
وبما أن الفرح أو الحزن أو الغضب أو الخوف أو الضحك وكافة الانفعالات تؤدي إلى إفراز مواد كيميائية تؤثر في عمل الدماغ , فتجعل القياسات والتقييمات والأحكام تناسب أوضاع الانفعالات, فإن هذا يجعل عمل الدماغ يتكيف -أو يتلون - ليناسب تلك الانفعالات والأوضاع , وبالتالي تتغير النتائج وتنحرف بشكل كبير.
وبناء على ذلك يمكننا التحكم بتقييماتنا وأحكامنا واستجاباتنا إذا غيرنا انفعالاتنا من الحزن إلى الفرح أو من الإحباط إلى الضحك , أو من الخوف إلى الشجاعة,......الخ .
والإنسان أثناء تطوره استخدم- طبعاً دون وعي منه- هذه الخصائص بشكل كبير, فأخذ يضحك في أوضاع خاسرة لكي يحول دون إفراز المواد التي تجعل مزاجه سيئاً , لأن الضحك يؤدي إلى جعل المزاج جيداً , فهو- أي المزاج الجيد واللذة والسعادة- كان ينتج بشكل أساسي عند الفوز والنجاح والنصر, فعندما يضحك الإنسان على خسارته أو فشله - شر البلية ما يضحك – كانت تلك استجابة فعالة في التعامل مع الأوضاع السيئة الخاسرة, فإنه بذلك يحول فشله إلى نصر ولو بشكل كاذب لتلافي النتائج المزاجية السيئة الناتجة عن الفشل أو الخسارة , فالنكات تزدهر في الأوضاع السيئة والصعبة لما تحقق من فاعلية في التعامل مع هذه الأوضاع.
فالمزاح والفكاهة والتنكيت لهم تأثير فسيولوجي هام وفعال في رفع طاقات ومعنويات الفرد وزيادة قدرته على امتصاص تأثير الصدمات والتوترات الانفعالية الشديدة, فالمزاح يجعل تهديدات الذات من قبل الآخرين ضعيفة التأثير, ويمكن التعامل معها بسهولة لأنها لا تحدث انفعالات قوية تستدعي استنفاراً كبيراً لقدرات الجسم والجهاز العصبي والتي ليس هناك داع لها وتعيق التصرف, ولأن أغلب هذه التهديدات شكلية , وحتى لو كانت هذه التهديدات جدية , فالتعامل معها بروية وهدوء وعدم انفعال زائد وبمعنويات عالية أفضل وأجدى .
فالمزاح والفكاهة ضروريان بشكل خاص للأفراد شديدي الانفعال , فدور المزاح كبير في خفض التوترات والانفعالات الشديدة , وكلما استخدم الشخص الانفعالي المزاح والفكاهة مبكراً في حياته كان ذلك أفضل له في تحقيق التكيف والتعامل المناسب مع الآخرين , والكثير من الناس انتبهوا لميزات الفكاهة والمزاح واستخدموها وحققوا الكثير من الفوائد.
إن التحول من المرح والسعادة إلى الغضب أو الحزن أو الخوف, أو التحول من المزاج الجيد إلى المزاج السيىء يمكن أن يحدث بسرعة ولكن العكس صعب الحدوث , فنحن لن نستطيع إضحاك إنسان فقد ابنه أو حلت به كارثة كبيرة, ولكن نستطيع جعل إنسان في قمة السعادة يتحول إلى الغضب أو الخوف أو الحزن بوضعه في ما يوجب ذلك.
فعندما يحدث الغضب أو الخوف أو الحزن تنتج وتفرز المواد الهرمونية والعصبية التي تنتج المزاج المرافق له, وهذه المواد لا تزول بسرعة لذلك تبقى تأثيراتها فترة من الزمن , وهذا الزمن يختلف من شخص إلى آخر, وكلما كان طول هذا الزمن مناسباً للأوضاع كان أفضل للتكيف معها. فالاستنفار لمواجهة الأوضاع الخطرة أو الصعبة يجب أن يكون سريعاً, أما فك أو إلغاء هذا الاستنفار فليس هناك ضرورة للإسراع به.

المعرفة مقابل الإحساس والشعور , أو العلم مقابل الفن
صحيح أن الإحساس والشعور والوعي هم الأساس والمرجع النهائي, بالنسبة لكل منا, ولكن تظل المعرفة والتنبؤ( وهي أيضاً حالة من الشعور والوعي) هي الوسيلة الأساسية , للتحكم الأفضل بالأحاسيس والمشاعر.
فالمعرفة تظهر لنا أن الوجود وكافة مناحيه هي لا متناهية , وتظهر أن هذا الوجود هو أصل وجودنا وأننا جزء بسيط منه, وتظهر تأثيرات هذا الوجود على أحاسيسنا ووعينا .
والآن إذا أردنا تقييم المعرفة و الشعور, أو العلم والفن, أي مقياس نختار ونعتمد؟
التقييم الحسي الذاتي , أم التقييم المعرفي الوجودي (أو الموضوعي) العام .
نعتمد الممتع أم المفيد للقياس , أي هل نعتمد أفضلية الشعور وأنه الأساس أم نعتمد المعرفة العامة هي الأساس , هل نعتبر الخير هو اللذيذ والممتع والجميل, والشر هو المؤلم والمزعج والقبيح , أم نعتبر أن الخير هو المعرفة العامة الدقيقة والتي توضح المفيد والضار وتوضح الممتع والمؤلم , والشر هو المعرفة غير الدقيقة أو الخاطئة.
هل المطلوب الممتع أم المفيد, أم الاثنان معاً ؟
إننا في الواقع نجد أن الخيار ليس في يدنا , فنحن مبرمجون وراثياً فزيولوجياً وتربوياً واجتماعياً شئنا أم أبينا . نحن نستطيع أحياناً خرق ومخالفة هذه البرمجة ولكن على الأغلب سوف نتعرض لقوى وممانعات تجبرنا على الالتزام بما برمجنا عليه .
ونحن نسعى للممتع والمفيد معاً ولكن بعضنا يعطي للممتع في الحاضر الأفضلية, وبعضنا الآخر يعطي للمفيد وللممتع في المستقبل الأفضلية وهو يحول الواجب إلى مفيد والمفيد إلى ممتع, ويجعل قيامه بالواجب أو الصحيح هو المفيد وهو بالتالي الممتع , فقيامه بالواجب أو المفروض يولد لديه السعادة والإمتاع(عميل منيح وكب بالبحر ولا يصح إلا الصحيح), فهو يتجاوز طلب اللذة والسعادة السريعة والعادية ليصل إلى المستويات العليا من السعادة والمتعة, والمرتبطة مع الواجب والصحيح والمفيد له ولمجتمعه .
وهذا الذي تعتمده كافة الأديان والحكومات والدول .
إذاً يجب اعتماد المفيد والأفضل العام حتى وإن لم يؤدي إلى الممتع , وذلك بالاعتماد على المعارف الدقيقة العامة والشاملة , ما أمكن ذلك.

جذب الأوضاع والمؤثرات أو المثيرات , ودفعنا لتحقيقها
نحن كثيراً ما نلاحظ أننا لا نقرر أهدافنا أو غاياتنا بإرادتنا الذاتية , فالأوضاع والمثيرات والظروف هي التي توجهنا وتحدد غالبية تصرفاتنا وأهدافنا , وهذا يشبه ما يحصل في الكومبيوتر, فالمدخلات هي التي تحدد المخرجات بعد معالجتها حسب نظام عمل الكومبيوتر والبرنامج العامل والذي يتضمن أيضاً الذاكرة المخزنة .
فالأوضاع أو الظروف تفرض تأثيراتها التي هي بمثابة مدخلات إلى دماغنا , فتعالج حسب آليات ونظام عمله وحسب ما تم تعلمه أي ما خزن في الذاكرة . وكثيراً ما تحدد هذه الظروف ( أو المدخلات ) دوافعنا وأهدافنا وتصرفاتنا .
نحن نربط بين التفكير والوعي والإدراك ، ونرتكز في بنائنا لمفهوم التفكير على طريقة تفكيرنا نحن , وتفكيرنا واسع ومعقد ومتداخل مع الشعور والوعي وآليات عصبية نفسية متطورة ، أي نحن نستخدم مفهوم التفكير بشكل غير واضح وغير مكمم بشكل دقيق ، لذلك لا يتضح لنا التفكير لدى النبات أو لدى بنية الحياة ( مع أنه موجود ومتطور ) لأننا نعتمد تفكيرنا فقط كمرجع لمفهوم التفكير .
ماذا سيحدث للأحاسيس البشرية وبشكل خاص للوعي ؟
على الأغلب سوف تتوسع مجالاتها وأنواعها وكميتها ، وسوف تنتظم وتتوافق مع المفيد والواجب والضروري لاستمرار وتطور البنيات المتفاعلة ( أغلبها إن لم يكن جميعها ) ولكن أين ستتوضع تلك الأحاسيس ؟
هل ستبقى متوضعة في العقول الفزيولوجية الحية ، أم ستتوضع في العقول الالكترونية ، أم في عقول مشتركة حيوية الكترونية ؟
الاحتمال الأكبر هو الأخير .
ماذا سيحدث للتيارات العصبية الحسية المؤلمة ؟
على الأغلب سوف تعدل وتخفف ، وسيتم السيطرة التامة عليها ، ولكن سوف يحافظ عليها من أجل وظيفتها الهامة (الحماية والإنذار والتوجيه ) ، بالإضافة إلى أنها ضرورية لإنتاج الأحاسيس اللذيذة (ربما يتعدل هذا فيما بعد وتصبح غير ضرورية ) .

















كيف يقوم الدماغ ببناء المعاني
إن الهدف الأساسي للجهاز العصبي بما فيه الدماغ هو تحديد وتعيين تأثيرات الأوضاع التي يتعرض لها الكائن الحي , وذلك من أجل التصرف بفاعلية عن طريق استجابات مناسبة تؤمن حماية واستمرار ونمو الكائن الحي , وكذلك من أجل تحديد وتعيين نتائجها المستقبلية المتوقعة على الكائن الحي , والتعامل معها بناء على المعنى الذي أعطي لها.
فبناء المعنى لمثير أو وضع ما هو تحديد وتعيين قيمته أي مقدار فائدته أو ضرره للكائن في الحاضر أو المستقبل , وبناءً على المعنى الذي يبنى يجري تصرف أو استجابة الكائن الحي , فنتيجة تحديد المعاني تقرر الأهداف والغايات .
إن معنى مؤثر ما , هو ما يمكن أن ينتجه من تأثيرات في الحاضر أو المستقبل أي إلى ماذا سيؤدي , لذلك هو احتمالي وهو يتضمن التنبؤ .

أسس آليات الاستجابات وبناء المعاني
إن المعنى لمؤثر أو وضع ما بالنسبة لنا نحن البشر يعطى في أول الأمر على شكل استجابة حسية لذة أو ألم ,أو محايد وعندها لا يصبح له معنى . ثم يتطور ويصبح على شكل نجاح أو فشل . ثم يصبح على شكل مفيد أو ضار, وبذلك يعود إلى أصله الذي نشأ منه وهو المفيد لبقاء واستمرار ونمو الكائن كفرد وكنوع .
إن كافة استجاباتنا تكون بناءً على المعنى الذي تم اعتماده وهي :
بناءً على معنى فزيولوجي موروث أو عصبي موروث وغير واع .
بناءً على معنى عصبي شعوري أي واع وهو موروث أيضاً .
بناً على معنى عصبي فكري واع غير موروث بيولوجيا إنما مكتسب نتيجة الحياة.
إن الذي يحدد ويقرر الاستجابة والتصرف , هو ما ينتج عن الدلالات والمعاني بعد التقييم النهائي , وبالتالي تتقرر وتنفذ الاستجابة التي تم التوصل إلى اعتمادها .
إن المسؤول الأساسي عن بناء المعنى في الدماغ هو : الدماغ الحوفي , بالإضافة إلى المناطق الجبهية من اللحاء ودورها هو تقديم المعلومات والاستشارات التي تطلب منها إن كان من قبل الدماغ الحوفي أو لمتابعة المعالجة الجارية على سبورة الوعي ( أو ساحة الشعور ) , والذي يقرر تلبية أو عدم تلبية متطلبات الدماغ الحوفي هو نتيجة الجدل أو التأثيرات المتبادلة بينها ( أي المناطق الجبهية ) وبين الدماغ الحوفي بما فيه النتوء اللوزي ( أو الأميجدالا ) , هو توازن واستقرار هذه التأثيرات – التفاعلات- المتبادلة . و إلا سوف يظل النتوء اللوزي يطلب ويرد عليه , ولا يقبل النتوء اللوزي بهذا الرد ويطلب رداً آخر فيعطى رداً آخر أو نفس الرد ولا يقبل به النتوء اللوزي ويعود ويطلب رداً .
أو يطلب منه الكف والانتظار ريثما تتغير الأوضاع والظروف , وبذلك يوقف ذلك الملف أو المشكلة , إما لأنه تم حلها والوصول إلى ما يرضى به النتوء اللوزي , أو لكفه و إيقافه عن المطالبة . ويمكن أن يبقى الطلب موجوداً وجاري كفه جزئياً وعندها ينتج القلق أو الندم أو التردد أو الخوف .
والنتوء اللوزي عندما يعطي معنى سيئاً لمؤثر ما , يطلب بذلك معالجة هذا المؤثر , إما بتحاشيه أو القيام باستجابات مناسبة لتحويل المعنى السيئ إلى محايد أو جيد إن أمكن ذلك .
وإذا كان معنى المؤثر مفيداً أو ممتعاً فهو يطلب تحقيق ما يلزم للاستفادة من هذا المعنى ، وذلك باستنفار القدرات التي تساهم وتساعد في ذلك .
فالمعنى إن كان سيئاً يجري التعامل معه إلى أن يصبح محايداً , وعندها يتوقف التعامل معه , فغياب المعنى لمؤثر ما يؤدي إلى إهمال التعامل مع هذا المؤثر و والتحول لغيره .
ونحن نلاحظ أن تحديد الدلالات والمعنى وتقيمهما بشكل واعي يتم بناء على محصلة كافة ما تم معالجته فكرياً . هذه الظاهرة هي أساس تشكل أغلب التناقضات والتضاربات بين الاستجابات التي يتم اعتمادها , لأن كل استجابة يتم اعتمادها وتنفيذها يكون ذلك بناءً على المدخلات التي تمت معالجتها , ولكن هذه المدخلات لا يمكن أن تتطابق عند تكرر الأوضاع لأن لكل منها له مدخلاته الخاصة . يمكن أن تتشابه المدخلات ولكن ليس ضرورياً أن تتشابه مخرجاتها(أي الاستجابات) .
وكذلك يمكن أن تختلف المدخلات وتتشابه المخرجات ( وهذا ناتج عن عمل دماغنا المختلف عن عمل الكومبيوتر, فدماغنا ضعيف التكميم مقارنةً بالكومبيوتر الذي هو مطلق التكميم أو رقمي , وهذا ما يسمح بذلك . وهذا ينطبق على غالبية معالجاتنا الفكرية ويستثنى من ذلك التفكير الرياضي . ففي الرياضيات ونظراً لتكميم بنياتها المطلق يتم التعامل مع بنيات فكرية تامة التكميم , لذلك تتساوى المخرجات عن تساوي المدخلات , هذا إذا لم تحدث أخطاء في المعالجة . ويمكن أن يحدث ذلك في العلوم الفيزيائية . ونحن نلاحظ أن الكومبيوتر يتعامل مع بنيات مطلقة التكميم لذلك عند تساوي المدخلات يجب أن تتساوى المخرجات )
إن من أهم أسباب استحالة تساوي المدخلات الحسية وبالتالي المدخلات العصبية الناتجة عنها والتي يتم معالجتها هو :
1ً – استحالة تساوي المؤثرات بشكل كامل(مطلق)
2ً - تعدد وتنوع المؤثرات التي تحدث في نفس الوقت .
3ً – المعالجة الفكرية نفسها تعتمد على ما تم اكتسابه وتعلمه نتيجة الحياة , وهذا يدخل مؤثرات وعناصر مختلفة على المعالجات الفكرية . لذلك يصعب حدوث التساوي التام للمدخلات , و يمكن أن تتساوى المحصلة ضمن فروق بسيطة , وتكون الاستجابة متطابقة مع عدم وجود تساوي المدخلات .
إن الشعور بالخسارة بالنسبة لنا نحن البشر يولد الشعور بالألم , فالإنسان يشعر بالخسارة وبالتالي بالألم عندما يجد أنه قام بعمل أو صفقة غير مجدية أي غير موفقة ولم تحقق هدفها , إن هذا الشعور يتشكل نتيجة عمل الدماغ كله وبشكل خاص الدماغ الحوفي .
فكما ذكرنا النتوء اللوزي هو مركز ومرجع التقييم والحكم على فاعلية وجدوى كافة الاستجابات التي يقوم بها الإنسان . فأي استجابة واعية حركية , أو حسية , أو فكرية , يقوم بها الإنسان , يقيم جدواها أو فاعليتها النتوء اللوزي , مع مساعدة ومشاركة باقي بنيات الدماغ الحوفي ومشاركة المناطق الجبهية من اللحاء أيضاً . فيقيمها ويتم ربط النجاح باللذة والفشل بألم , أو المفيد باستجابة ممتعة والضار باستجابة مؤلمة .
إن هذه الآلية هي أهم آلية في حياتنا الشعورية فهي المرجع النهائي لتقرير وتقييم كل شيء بالنسبة لنا, إنها تقرر الخير والشر بناء على الممتع والمؤلم ,أو بناءً على المفيد والضار .
وذلك بالاعتماد على النتائج الفزيولوجية والنفسية والفكرية الحادثة , كمرجع للتقييم .
وهذا التداخل و التأثير المتبادل بين الفزيولوجي والنفسي والفكري يعقد الوضع , ويجعل بناء المعاني متغيراً ومتطوراً حسب تغير الأوضاع , وحسب نتائج المعالجات الفكرية الجارية.
إن النتوء اللوزي عادة لا يبني وينتج استجابته إلا بعد أن يتلقى ناتج معالجة المعلومات والدلالات من اللحاء وبمشاركة التنظيم الشبكي معه في المعالجة , وحسب هذه المعالجة , طريقتها ودقتها , ودقة المعلومات المستخدمة تكون نتيجة الحكم والتقييم وبالتالي الاستجابة .
ولكن في بعض الحالات التي تتطلب استجابة سريعة وفورية ولا تسمح بمشاركة اللحاء والوعي في المعالجة, مثل الخطر الشديد أو عند الانفعالات الشديدة كالغضب الشديد أو الخوف والرعب.. في هذه الحالات يتصرف النتوء اللوزي والدماغ القديم فقط , ويصدرا الاستجابة .
لذلك نجد بعد أن يسمح الوقت بتدخل اللحاء وباقي أجزاء الدماغ وتعاد معالجة ما جرى بشكل أوسع وأدق , عندها نجد أن القرارات المتخذة بسرعة غير مناسبة وتحتاج إلى تعديل أو تغيير . وهذا نراه يحدث لكل منا , فنحن نجد أن أغلب أحكامنا وتقييماتنا المتسرعة والانفعالية غير مناسبة وغير دقيقة وبحاجة إلى تعديل وتصحيح.

أمثلة على تشكل المعنى لدينا
نفرض أننا اشترينا سلعة بعد مساومة اعتبرناها جيدة وأننا حققنا صفقة رابحة جيدة وسعدنا بذلك , ونحن في طريقنا وجدنا بائعاً يبيع نفس السلعة بسعر أقل من السعر الذي اشترينا به , عندها سوف يتغير شعورنا فوراً من الغبطة إلى الكآبة و يتغير معنى ما قمنا به . إن هذا يحدث نتيجة إعادة تقييم صفقتنا قام بها عقلنا واشترك فيها اللحاء والوعي بمعالجتها وقرر في النهاية أنها خاسرة . عندها يقوم النتوء اللوزي نتيجة هذا التقييم بتوليد الشعور بالضيق والألم نتيجة المعنى الجديد الذي نتج .
مثال آخر:
نفرض أننا أضعنا مبلغاً من المال ولم نعثر عليه بعد البحث الكثير عنه , إننا سوف ننزعج ونتألم لخسارتنا المبلغ , ولكن بعد التفكير نتذكر أننا اشترينا بها ولم تفقد , عندها تزول كآبتنا وربما نفرح مع أننا في الحالتين فقدنا المال , ولكن عندما نعلم أننا فقدناها في عمل أو صفقة مجدية يكون شعورنا بالرضا ولا نشعر بالألم أو الضيق , بعكس شعورنا الذي نحسه , عندما نعلم أو نعتبر أننا فقدناها في عمل أو صفقة غير مجدية.
وكل منا حدث له انزعاج لفقدانه مبلغاً صغيراً ذهب سدى دون مردود مجدي ولم ينزعج لفقدان مبلغ كبير طالما أنه حقق جدوى .
فالمهم التقييم النهائي للمعنى , أي جدوى أو عدم جدوى العمل أو الجهد أو المال المبذول , فهذا يقرر المعنى وبالتالي شعورنا , و يمكن إيراد أمثلة كثيرة توضح ذلك.
إن الشعور بالخسارة أو الربح, بالفوز أو الهزيمة, بالظلم أو بالعدل, بالمفيد أو الضار, بالخطأ أو بالصواب , هو راجع دوماً لتقييم يقوم به العقل القديم والحديث . الأول يهتم بالممتع والمؤلم , والثاني يهتم بشكل أوسع بالمفيد والضار والخطأ والصواب والخير والشر بالإضافة إلى الممتع والمؤلم .
ومن هذا المنظور نجد أن كافة التقييمات والأحكام الأخلاقية وغيرها تابعة للعقل - خصائصه وقدراته وذاكرته و معلوماته – والمعالجات التي يقوم بها .





كيف يقيم الدماغ ما يتعرض له الإنسان
ماهي البنيات الدماغية التي تقوم بالقياس والتقييم والحكم على مثير أو على وضع أنه مفيد أو ضار أو غير مجدي ؟ وماهي البنيات التي تحول تقييم المفيد أو الضار إلى ممتع أو مؤلم ؟
إن الذي يقوم بالتقييم بشكل أساسي هو الدماغ الحوفي وتساعده في ذلك باقي بنيات الدماغ, ولكن الدماغ الحوفي قدراته أصبحت محدودة وغير كافية للوصول إلى تقييمات عالية الدقة , للأحداث التي تقابلنا , فالدماغ الحوفي يقوم ببناء تقييماته بالاعتماد على تعيين المفيد أو غير المفيد أي الضار للجسم والذات , بناءً على مراجع قياس ومقارنة وتقييم أغلبها موروث ومحدد , وفي كثير من الأحيان لا تكون مناسبة ويوجد أفضل منها . فالدماغ الحوفي ليس لدية الإمكانات للقيام بمقارنة وقياس دقيقين إلا إذا استعان بمخزون اللحاء وقدرات المناطق الجبهية فيه . وهو في أغلب الحالات لا يقبل بتقييماتها بسهولة أو يرفضها وهذا يعقد الوضع ويجهد عمل الدماغ في أغلب الحالات .
إننا غالباً ما نتبنا تقييمات للأوضاع غير دقيقة نتيجة عمل الدماغ الحوفي ( أو كما يقال: بناءً على عواطفنا ) لأنٌ الدماغ الحوفي هو المسؤول عن العواطف أيضاً, فهو يبني تقييماته بناءً على ما هو موجود لديه من مراجع أغلبها موروث , وبعضها مكتسب نتيجة التربية والتعلم ( أي موروث اجتماعياً ) .
أما عندما يتدخل اللحاء ويجري معالجة دقيقة للأوضاع , ويعطي تقييمات جديدة أدق , غالباً لا يقبلها الدماغ الحوفي , فهو لا يتقبل هذه التقييمات بسهولة , لأنها جديدة عليه وليست معتمدة لديه .
فنحن نقيم ونحكم على الأوضاع بالاعتماد بشكل أساسي على عمل الدماغ الحوفي وبالذات الأميجدالا أو النتوء اللوزي فهو المسؤول عن تحديد إن كانت الأوضاع مفيدة أم ضارة , وبالتالي ينتج العواطف والانفعالات ويحدث الأحاسيس الممتعة أو المؤلمة بناءً على ذلك , وتدخل اللحاء لا يكون فعال كثيرا ً, مع أنه يراعي الظروف والأوضاع ويعالج الأمور بشكل أوسع وأدق . لأنه يحدث بعد أن يكون الدماغ الحوفي أعطى تقييماته وأحكامه , وهذا يجعل تغييرها صعب .
يمكن بالتربية والتعلم القوي الراسخ تعديل برمجة الدماغ الحوفي , لكي يقوم بمعالجة فعالة في تحقيق تقييمات تراعي مجالات واسعة للأوضاع , وبالتالي الوصول إلى تقييمات عالية الدقة .
نحن نلاحظ أن أغلب التقييمات والأحكام التي تتبناها المجتمعات أو الحكومات , تحاول أن تقلل الاعتماد على العواطف , ومع هذا يبقى الكثير من تأثرات الدماغ الحوفي .
لذلك نحن في غالبية أحكامنا نعتمد أحكام القيمة الذاتية , ولا نعتمد أحكام الواقع الموضوعي , فالدماغ الحوفي يلون كافة أحكامنا بالمراجع والقيم التي يعتمدها .









سلاسل الأهداف وسلاسل المعنى
إن وضع العقل لأهدافه يحدد القوى المحركة - كماً واتجاها - التي تسعى إلى تحقيق هذه الأهداف . فكل هدف أو رغبة أو دافع يتبناه العقل يحدث تأثيرات في عمل العقل , وهناك دوماً سلسلة مترابطة من الأهداف لاعتماد العقل لآلية السببية . ولطول وقوة ترابط هذه السلاسل تأثير أساسي على مسارات وطبيعة التفكير, وبالتالي تأثيرها على تحقيق الدوافع والأهداف . ودوماً ترافق سلسلة الأهداف سلسلة المعنى لهذه الأهداف .
ولكل إنسان منهجه وطريقته لبناء سلاسل المعنى وسلاسل الأهداف الخاصة به , وغالباً ما تكون هذه السلاسل قصيرة بضع حلقات أساسية تتضمن كل منها تفريعات لحلقات جزئية , مثلاً : العمل لجمع المال لتحقيق الدوافع والرغبات . أو الدراسة لتأمين عمل أو وظيفة ذات مردود مالي جيد أو مركز ومكانة جيدة . وكلما ازدادت معارف ومعلومات الإنسان توسعت وتفرعت سلاسل أهدافه وشملت مناحي أكثر, وكذلك توسعت معها سلاسل المعنى, وبالتالي تشابكت وتعقدت أيضاً.
لذلك كان التخطيط والتنظيم لسلاسل الأهداف سواء كانت لفرد أو جماعة أو مؤسسة أو دولة , هو هام جداً .
ونحن نشاهد التكرار والتقليد منتشر بشكل واسع في استعمال الطرق والخطط والآليات في التعامل مع سلاسل الأهداف , بالإضافة إلى تقليد ومحاكاة سلاسل أهداف , وسلاسل معنى الآخرين.
وإذا أخذنا لعبة الشطرنج كمثال على سلاسل الأهداف فإننا نجد أن تحديد خيارات النقلات الأولية يتبعه تحديد خيارات النقلات التالية, ونحن نلاحظ التنوع الكبير لهذه السلاسل وتداخلها , وإذا نظرنا إلى هذه السلاسل فإننا نجد أنها يمكن أن تتفرع بشكل واسع أو تزداد طولاً وهذا ما يجعل التعامل معها صعباً , وهذا ما يحصل للعقل أيضاً فهو لا يستطيع التعامل مع سلاسل طويلة أولا متناهية , وهذا ما يظهر بوضوح في تفكير أغلب الناس فهم يتبنون سلاسل قصيرة ومحدودة لأهدافهم.
وبناء سلاسل أهداف مترابطة و طويلة صعب ولا تمارسه إلا عقول قليلة , ومثال على هذا الفلاسفة العظام أرسطو, ليبنتز, كانت.... , فالسير خطوات أكثر في سلاسل الأهداف وسلاسل المعنى هو ما يميز العقول الكبيرة المبدعة, فهم يبحثون ويعالجون سلاسل أطول ماذا بعد ذلك .. ثم أيضاً ماذا بعد ذلك ؟ ثم ماذا أيضاً...
صحيح أنه لا بد من توقف ونهاية لسلسلة الأهداف وسلسلة المعنى, وليس ضرورياً أن تكون هذه السلسلة طويلة بالنسبة للفرد و طول سلسلة الأهداف ضروري في حالة الجماعة وفي حالة البنيات الاجتماعية الكبيرة مثل الشركات, الوزارات الجيوش, الدول...
وبالنسبة للفرد المهم من سلاسل الأهداف والمعنى بالدرجة الأولى هو الممتع المفيد له . أما بالنسبة للجماعات والبنيات الاجتماعية فالمهم أولاً المفيد والذي يساعد على البقاء والنمو والتطور والتقدم .








كيف نقيم ونبني أحكامنا
كما ذكرنا إن كافة التأثيرات و القوى التي نتعرض لها وتنشئ فينا أحاسيس و دوافع واستجابات , نقوم بتقييمها والحكم عليها والقيام بالاستجابة عليها بناء على ذلك , وهذا يتم بالاعتماد على ما يلي :
1_ المرجع الحسي أي الأحاسيس الممتعة أوالمؤلمة , الجميلة أو القبيحة .
2_ مرجع إفادتها أو ضررها لنا أو لمن يهمونا .
3_ مرجع صحتها أو خطأها , وذلك حسب المعارف والمعلومات التي نعتمدها .
فهذه الطرق الأساسية الثلاثة للتقييم تحدد القوى المحركة لاستجاباتنا كافة ، إن كانت أعمالاً أو أفكار أو أحاسيس أو انفعالات .
فالأفعال التي نقوم بها يمكن أن نقيمها أو نقيم نتائجها , بناء على فائدتها أو ضررها لنا . ويمكن أن نقيم نفس فعل بناء على أنه ممتع لنا أو مؤلم ودرجة ذلك , وكذلك يمكن أن نقيم نفس هذا الفعل بناء على صحيح أو خاطئ .
إن أحكامنا نبنيها بالاعتماد على معارفنا و تقييماتنا , وحسب دوافعنا , فنحن نحكم على عمل أو استجابة ما بأنه ممتع - أو مفيد - أو صحيح ، وكذلك يمكن أن نحكم كذلك على أحاسيس معينة ، أو أي استجابة لنا إن كانت فكرية أم حسية أم عملية, بناء على هذه المراجع الثلاث , الممتع أو المؤلم , المفيد أو الضار , الصحيح أو الخاطئ .
وكذلك نستبق الزمن ونحكم على الأوضاع قبل حدوثها بأنها مفيدة أو ممتعة أو صحيحة .
ونحن نلاحظ أن الممتع لا يكون ارتباطه بالمفيد أو الصحيح ضرورياً . فهذه المراجع الثلاثة هي منفصلة عن بعضها كمراجع للقياس والتقييم ، و يمكن أن نجري هذه التقييمات معاً . لذلك إذا أردنا تقييم أي وضع أو حادث حصل أو سوف يحصل ، يجب علينا إعطاؤه ثلاثة تقييمات منفصلة وهي :
1_ نقيم ونحدد ونقيس درجة فائدته إن كان مفيداً ، أو درجة ضرره إن كان ضاراً ، أو إن كان محايداً ليس له فائدة أو ضرر .
2 _ نحدد مقدار إمتاعه ، أو مقدار ألمه .
3_ نحدد هل هو صحيح أم خاطئ .
إن كافة الأفعال أو الاستجابات يمكن أن تصنف وتقيم وتقاس ويحكم عليها حسب هذه المراجع الثلاثة .
ولكن هذا لا يكفي لتوضيح الأمور ، فيجب تحديد مرجع ونوعية الإفادة أو الضرر ، فيمكن لعمل أن يكون مفيداً للفرد وضاراً بالمجتمع أو العكس ، أو يكون مفيداً لإنسان وضاراً بإنسان آخر .
ومفهوم المفيد فعّال عند استعماله في تحقيق الأهداف أو المشاريع وبناء المعارف والأحكام الدقيقة ، إذا استعمل بشكل واضح ومحدد ودقيق (أي مكمم بشكل دقيق) , وهو المعتمد الآن في أغلب تقييمات المعارف والعلوم النظرية والعملية ، وفي كافة المجالات السياسية والاجتماعية والحياة العملية .
أما مفهوم اللذيذ والمؤلم أو الجميل والقبيح , فهو يظهر أن كافة التقييمات مهما كانت تراعي الواجب أو المنفعة أو غيرها من التقييمات , يجب تحديد إن كانت ممتعة أم مؤلمة في النهاية .
فكافة أحكامنا عن أهدافنا أو غاياتنا يجب في النهاية أن توضح مقدار اللذة أو الألم الذي سوف يحصل في النهاية , فأحاسيسنا هي المرجع النهائي دوماً . فيمكن أن نتحمل بعض الآلام في بعض الأوقات أو الأوضاع ، ولكن في النهاية يجب أن تتفوق الأحاسيس الممتعة على المؤلمة , إذا لم تكن بالنسبة للفرد فيجب أن تكون للجماعة , وكذلك يجب تعيين مرجع الممتع والمؤلم إذا كان تأثير العمل أو الاستجابة تقع على شخص أو عدة أشخاص , والممتع والمؤلم خاص بالكائنات الحية فقط .
وبالإضافة لذلك فإن الممتع أوالمفيد ليس ثابتاً ، ويمكن أن يتغير ويتبدل حسب الأوضاع والظروف ، فالمفيد في بعض الأوضاع يمكن أن يكون ضاراً في أوضاع أخرى ، وكذلك الممتع في بعض الأوقات أو الظروف يمكن أن يكون مؤلماً في ظروف وأوضاع أخرى , لنحاول توضيح مفهوم الخير والشر بناء على ذلك .
إن مفهوم الخير يمكن أن يضم المفيد وهذا ما يكون غالباً ، ويمكن أن يضم الممتع أو المؤلم أحياناً ، وهذا تصنيف غير دقيق في التحديد ، لأنه يمكن أن يخلط بين الممتع والمؤلم مع المفيد ، فيمكن أن يكون المؤلم هو الخير في النهاية أحياناً .
والشر غالباً ما يطلق على المؤلم والضار ، ويمكن أن يكون هذا المؤلم في كثير من الأحيان هو المفيد ومع ذلك يصنف على أنه شر مع أنه ليس كذلك .
لذلك استعمال تصنيف الممتع والمفيد والصحيح أفضل في تحديد أحكامنا ، وبالتالي تكون درجة دقتها أعلى .
لقد اعتبر الخير هو الجمال والحق هو الجمال والصحيح هو الجميل , وهذا غير دقيق , فيمكن أن يكون القبيح هو المفيد أو هو الخير, وليس ضرورياً أن يكون الحق أو الصحيح جميل ، فمفاهيم الحق والخير والجميل مفاهيم غير واضحة .

المعاني و الأحاسيس
إن الأحاسيس والمشاعر الواعية هي القوى المحركة لغالبية المعالجات الفكرية والنفسية , فالتقييم و إصدار الأحكام يستمدوا قواهم المحركة من المعنى أو الدلالة والقيمة التي تبنى بشكل كبير على الإحساس و الإدراك الواعي , وإعطاء المعنى أو الدلالة أو القيمة أو المبرر أو الدور للأفكار الواعية هو الذي ينشئ القيم والأخلاق والقوانين الذاتية والاجتماعية .
والإنسان عندما يتأثر بمثيرات لها علاقة بدوافعه ورغباته الفزيولوجية والنفسية الأساسية غير الواعية , إن كانت موروثة أو مكتسبة , تضخم هذه المثيرات وتحدث أحاسيس قوية تناسب تلك الدوافع الدفينة , فالجائع تؤثر فيه بقوة أحاديث أو منظر أو رائحة الطعام وكذلك العطشان وكذلك الراغب بالحب , أو الراغب بالمال أو المجد أو الانتقام .
فمعاني المؤثرات تضخم وتحور أحياناً نتيجة الدوافع والرغبات القوية غير الواعية(الدفينة).
إن لدينا مفهوم الواجب ، وهو مفهوم يدل على آلية تصرف مكتسبة بالتربية والتعلم و أنه يجب ممارسة هذه الآلية لأنها الأفضل أو الأصح وهي المعتمدة دون الالتفات إلى غيرها من التصرفات . ومفهوم الواجب ( وكذلك المقدس ) يدل على التعلم والبرمجة الصارمة والمفروض نتيجة التربية والتعلم وتأثيرات المجتمع .

الممتع والمفيد والصحيح وعلاقتهم بالتقييم
كما ذكرنا يجب فصل الأحكام وتقييمات الممتع أو المؤلم عن أحكام وتقييمات المفيد أو الضار ، أي فصل تقييمات الأحاسيس عن تقييمات المعارف والتنبؤات ، و اعتبارهم صنفين مختلفين , وهذا يسمح بوجود الممتع وهو الضار ، وكذلك المفيد وهو المؤلم في نفس الوقت , نتيجة وجود حكمين منفصلين دون حدوث تناقض .
أما في حالة تصنيف الأحكام الذي يجعل الممتع والمفيد في حكم واحد , فيكون لدينا تناقضاً عند استعمال هذا التصنيف ، أو ضعف في درجة دقة الحكم .
إن التصنيفات والتنظيمات والترتيبات للأحكام يجب أن تأتي أولاً ، و بناء عليها يجري التقييم , أي أننا لا نستطيع أن نقيم أو أن نحكم على أي فعل أو أي شيء إلا بعد أن نصنفه و حسب مرجع محدد معين . وكافة المراجع تعود إلى مقدار وطبيعة وخصائص التأثير للشيء الذي نصنفه ، أي أن التصنيف الأساسي لكل شيء أو حادثة هو تصنيف لتأثيراته على شيء آخر أو أشياء أخرى ، وهذا يعني أنه لا يكفي تحديد وتصنيف التأثيرات ، بل يجب تحديد وتصنيف مكان التأثير، وعلى من يحدث هذا التأثير.
كما قلنا هناك ثلاثة مجالات لمراجع القياس والتقييم والمقارنة :
1_ التقييم الحسي بناء على درجة الممتع أو درجة المؤلم بالنسبة لفرد معين ، أو مجموعة أفراد معينين .
2_ التقييم بناء على درجة المفيد أو درجة الضار بالنسبة لفرد معين أو مجموعة أفراد معينين ، أو بالنسبة لبنية أو مجموعة بنيات معينة , أو بالنسبة لهدف أو غاية معينة
3_ المقارنة والقياس والتقييم , بناء على صحة أو خطأ الحكم واتفاقه مع الواقع .
إن أهم الأولويات ومراجع القياس بالنسبة لكل فرد هو الممتع والمؤلم الحالي والمستقبلي بالنسبة له ، ثم يأتي المفيد أو الضار بالنسبة له ، ثم يأتي بعد ذلك المفيد والضار بالنسبة لباقي أفراد مجتمعه ، وكذلك الممتع والمؤلم بالنسبة لغيره . هذا بشكل عام فيمكن أن تتغير هذه الأولويات حسب الأوضاع والظروف .
والقيمة يمكن أن تكون إما للممتع أو للمفيد أو للاثنين معاً ، وتكون للصحيح دوماً .

العلاقة بين الممتع و المفيد والصحيح , ومحاولة التوفيق بينهم
إن العلاقات والتأثيرات المتبادلة بين الممتع والمفيد والصحيح متشابكة ومتضاربة في كثير من الأحيان ، فكثيراً ما يكون المفيد هو المؤلم ، أو الصحيح هو المؤلم ، أو الممتع هو الضار .
هناك قوى ودوافع للتوفيق بين الثلاثة لكي يصبح الصحيح هو المفيد وهو الممتع ،أو الممتع هو المفيد , ودوماً نسعى ليكون المفيد الذاتي هو المفيد الجماعي . فهناك غالباً عدم تطابق بين المفيد للفرد والمفيد للآخرين أو للمجتمع , فالقوانين والأنظمة والقيم الأخلاقية والاجتماعية والعقائد والأديان , هي تسعى وتهدف إلى المفيد للجماعة بالإضافة إلى المفيد للأفراد ، ولكن أغلب الدوافع والغرائز والرغبات والأحاسيس هي تسعى للمفيد الذاتي .
فالممتع هو اللذيذ الجميل السعيد المفرح والأحاسيس والمشاعر اللذيذة والمرغوبة والمطلوبة ، والتي نسعى بكل جهدنا وفكرنا للحصول عليها وجعلها تحدث لنا , وهو غالباً هدفنا الأساسي .
إن الممتع يتحول بالتدريج منذ ولادتنا إلى هدف نسعى إليه بعد أن نعيشه ونستمتع به ، إنه يتحول فيصبح بمثابة المفيد لنا .
إن تناول وجبة لذيذة بعد جوع ، أو الذهاب برحلة سياحية ، أو سماع أغنية أو لحن يحدث الأحاسيس الرائعة ، وكذلك قراءة قصة من الروائع ، أو مشاهدة فلم جيد ، أو رقصة سعيدة .......الخ , تبقى من المتع المطلوبة لدينا , فالفن بكافة أشكاله هو مصدر المتعة لنا ، وقد أصبح الممتع يشمل أغلب أحاسيسنا من طعام وشراب وموسيقى ورقص وحب وأدب وممارسة شعائر دينية أو اجتماعية . . .
وكان يحدث دوماً تضارب وتناقض بين الممتع والمفيد ، فلا يمكن أن تكون الأحاسيس اللذيذة هي المفيدة دوماً فهي يمكن أن تكون ضارة ومدمرة للفرد أو الجماعة ، وكان التوفيق بين الممتع والمفيد (كما قلنا) هو الهدف الأول للفكر والعمل البشري ، فيجب التوفيق بين الممتع والمفيد , وجعل المفيد ممتع إن أمكن ، وجعل الضار مؤلم ، فيجب التوفيق بين المفيد المتمثل بالنمو والمحافظة على الذات والمجتمع ، والممتع المتمثل بالأحاسيس التي تحدث لنا , والتي لها خصائصها و آليات حدوثها .
وقد كانت المشكلة الأساسية ناتجة عن آلية الإشراط (وهي أهم الآليات العصبية ), والتي تبنى أغلب أحكامنا الفكرية عليها ، وهذه يمكن أن تجعل الضار هو الممتع في كثير من الأحيان نتيجة الإشراط أو الاقتران , المخدرات مثال .
إن السعي إلى الأحاسيس الممتعة ، وتحاشي الأحاسيس المزعجة والمؤلمة ، له دور أساسي وكبير في كافة تصرفاتنا ، فالبحث عن السعادة ، والسعي إلى ما يحقق السعادة واللذة من الأولويات بالنسبة لأغلبنا (إن لم نكن كلنا ) ، فالأحاسيس بالنسبة لنا هي المرجع الأساسي لكافة أفعالنا وأحكامنا ، فنحن غالباً ما نقيم أفعالنا وأهدافنا حسب الأحاسيس التي تنتجها أو تؤدي إليها .
والفرق الأساسي بين الممتع والمفيد هو :
أن الممتع ذاتي و يحدث الأحاسيس والمشاعر اللذيذة السعيدة والمريحة بشكل مباشر.
أما المفيد فهو يحتاج إلى معالجة فكرية لكي يظهر لنا , وهو الذي يمكن أن يحقق لنا الممتع في المستقبل ، وهو أيضاً الصحيح , ويؤدي إلى المحافظة علينا وعلى الآخرين والمجتمع ، فالمفيد ليس فقط الذي يحقق الممتع في المستقبل ، بل هو أيضاً ما يحقق البقاء والاستمرار والنمو لكافة الأفراد ونمو وتطور المجتمع ككل ، فهو الضروري فعله للمحافظة على الفرد وعلى المجتمع , فهناك المفيد للفرد وهناك المفيد للمجتمع .

نحن لا نستطيع تقييم إلا ما نعيه وندركه
نحن لا نستطيع تقييم إلا الأفعال والأحاسيس التي نعيها وندركها أو نحس بها ، فهذه فقط نستطيع إعطاء المعنى والدلالة لها ( أي تقييمها ) ، فالأفعال والأحاسيس تقيم ويحكم عليها بعد أن تدرك ويتم وعيها ، وكذلك المؤثرات من كافة الأشكال والأنواع لا يتم تقييمها أو إعطاء دلالة أو معنى لها إذا لم تدخل ساحة الشعور الواعي لدينا .
ونحن نجد أن الأحاسيس والعواطف و الانفعالات وما تنتجه من تأثيرات , قد نشأت وتطورت لأنها حققت فاعلية في التكيف والتوافق مع البيئة الطبيعية والبيئة الاجتماعية, فالغضب والخوف والكراهية والشجاعة والغيرة والتنافس على المكانة وعلى التفوق وغيرها , لهم الدور الهام والفعال في التكيف مع البيئة والأوضاع الاجتماعية.
ولكن البيئة وخاصة الأوضاع الاجتماعية تتغير , وهذا ما جعل الكثير من الانفعالات والعواطف غير مناسبة للأوضاع الجديدة ( مع أنها كانت ضرورية في الأوضاع السابقة ) , وهي بحاجة إلى تعديل أو إلغاء , وإيجاد ما هو مناسب للأوضاع الجديدة, والكثير من الناس ينتقدون ويهاجمون هذه الانفعالات (التي هي غريزية) ويعتبرونها حيوانية وسيئة ويجب القضاء عليها وهم محقون في أغلب الأحيان , إلا أن بعضها لا زال يؤدي وظيفة ودور في التكيف والتطور, فالمنافسة والغيرة والصراع وغيرهم لا زال لهم دور هام في تطور البنيات الاجتماعية , وطبعاً مع الزمن سوف تطور الكثير من الانفعالات والعواطف لتلائم الأوضاع والتطورات الاجتماعية .
كل إنسان يمكن أن ينتمي إلى الكثير من البنيات الاجتماعية ( أسرة – عشيرة – مصنع – شركة- حزب – دولة ......الخ ) ، وعند انتمائه لأي بنية اجتماعية يصبح بنية جزئية فيها ، وتفرض عليه التأثيرات وبالتالي التصرفات التي تفيد هذه البنية الاجتماعية ، أي الآليات والقوانين والقوى التي تساهم في تشكيل واستمرار ونمو هذه البنية .
لذلك كل إنسان يعيش في مجتمع وضمن بنيات اجتماعية يفرض عليه ما يفيد هذه البنيات ، وهذا يتعارض في أغلب الأحيان مع ما يفيده أو ما يمتعه ، فيجب التوفيق بين هذين المفيدين , المفيد للفرد والمفيد للبنيات الاجتماعية .
إن المفيد للمجتمع غالباً ما يكون مفروض على الفرد , و يمكن أن يكون تأثيره على الفرد أقوى من تأثير المفيد (الذاتي ) لديه ، ونحن نلاحظ أمثلة كثيرة على ذلك مثل : تحمل الآلام والتضحية وبذل الكثير, وأحياناً الموت في سبيل الأولاد أو الأسرة أو الوطن أو الدين ... ، مع أن هذا يكون في سبيل المفيد للبنيات الاجتماعية وليس المفيد للفرد .
فيجب أن يكون أخذ وعطاء مجدي بين المفيد للمجتمع والمفيد للفرد، أي يجب أن يحقق المفيد لكليهما , ويحقق التوافق بينهم ، هذا إذا أريد تطور ونمو واستمرار المجتمع وأفراده في نفس الوقت ، فالتضارب في التأثيرات والدوافع والأهداف المفيدة للفرد مع التي هي مفيدة لبنيات المجتمع يؤدي إلى ما هو ضار أو معيق لبنيات المجتمع وللأفراد معاً .
ويجب أن نلاحظ أن من يفعل ما يضر بالمجتمع , ليس ضرورياً أو حتمياً أن يضر نفسه ، فيمكن أن لا يرد المجتمع على ذلك ، لضعف استشعاره بهذا الضرر ، أو لضعف الرد عليه ( نقص القوانين والأنظمة أو محدوديتها أو ضعف تنفيذها ) .
ونحن نلاحظ دور العقائد والأديان والأخلاق الهام جداً في التوفيق بين المفيد للفرد والمفيد للمجتمع ، فالتلوث الذي يحدثه الأفراد لم يستشعر المجتمع ضرره ( لم يظهر هذا الضرر إلا بعد زمن ) لذلك لم يرد عليه ، ولكن عندما ظهر تأثيره الضار حدث الرد ، وذلك بإحداث قوانين وأنظمة تمنع أو تحد من التلوث .
وهذا معناه أن المجتمع وبنياته تستشعر ( أو تحس ) ما يفيدها وما يضرها وذلك بطرق وآليات خاصة بها وهي ترد بقوى وتأثيرات على ذلك ، ونحن نشاهد مجتمعات متطورة استطاعت المحافظة على نفسها وتطورها ونموها نتيجة كونها تطورت بشكل ملائم وفعال ، ومجتمعات مازالت متخلفة في تماسك وتطور بنياتها وقوانينها وأنظمتها .

علاقة المفيد والضار بالتغذية والنمو
إن أي نمو لبنية ( مهما كانت طبيعتها ) هو نتيجة تناول تغذية ( أي إضافة مواد وقوى لها ) ويمكن أن يؤدي إلى إخلال في توازن هذه البنية , ويتطلب معالجته للمحافظة على توازن هذه البنية , وهذا يكون على شكل مواءمة وتمثل (أو هضم ) لما تم تناوله . فكل تغذية يجب تمثلها ومواءمتها بشكل مناسب وجعلها تنتظم وتتزن ضمن البنية , أو يعاد إخراجها , و إلا يختل توازن تلك البنية .
ويمكن أن يتحقق توازن جديد نتيجة انتظام جديد(تكيف) مع البنيات المضافة , وهذا هو النمو والتطور.
وهناك حالة أخرى للتغذية وهي أن البنيات المضافة تقوم بوظيفة معينة محددة ومعزولة عن باقي التفاعلات , ثم يعاد إخراجها . وبذلك يستفاد من بعض خواصها(أي تقوم بدور معين ثم تخرج) كما في وقود السيارة . أو الطعام الذي يحرق(مثل السكريات وغيرها) للاستفادة من الطاقة ومثل الماء الذي يتم تناوله..., إن هذه البنيات الداخلة في تفاعلات . لا تدخل في التفاعلات الأساسية أو تدخل ولكن بشكل محدود و مسيطر عليه , فهي مساعدة ولها وظيفة محددة تقوم بها .
الذي أريد قوله هو أن أي تغذية يمكن أن تهدد البنية التي تناولتها إذا لم يتم تمثل ومواءمة مناسبة لمواد هذه التغذية .
وهذا نلاحظه لدى الكائنات الحية فنراها تسعى لتناول وتتغذى بمواد مناسبة لها , وتكون قادرة على هضمها وتمثلها , وتتحاشى تناول المواد التي لا تستطيع هضمها أو التي تهدد بنيتها(تضرها) .
ومن هنا يظهر المفيد والضار بالنسبة لهذه البنية , وكل بنية حية تضيف إلى نفسها بنيات جديدة يجب أن تكون مفيدة لها و غير ضارة بها , أي يمكن ضمها ومواءمتها وتمثلها ضمن بنيتها, و إلا تصبح ضارة بها , وهذا أساس المفيد والضار لأي بنية مهما كانت , إن كانت بنية حية أو بنية اجتماعية أو بنية آلة....الخ
والإنتاج متعلق بالتغذية والنمو والبناء وتصنيع الأشياء المادية أو الفكرية ، وهو يمكن أن يكون إنتاج للممتع أو المفيد ، ويمكن أن يكون أحياناً أنتاج للمؤلم أو الضار .
والإنتاج الفني هو إنتاج للممتع بالدرجة الأولى ، أما الإنتاج العلمي والصناعي فهو إنتاج للمفيد غالباً . ويجب تحديد وتعيين مرجع الإفادة أو مرجع الممتع .

الممتع والمفيد والصحيح في نشر المعارف
إن التحصيل المدرسي هو مفروض لأنه يعتبر مفيد للفرد وللمجتمع ، وإذا جعلناه ممتعاً نكون قد حققنا الكثير في نشر المعارف والعلوم ، ونحن نلاحظ صعوبة في تحقيق ذلك ، فالمدارس والجامعات تحقق تعليم الطلاب وتخرج المتعلمين ، ولكن بطريقة المفروض وتفشل غالباً في جعل التحصيل المعرفي ممتعا ً أيضاً , وهذا ما جعل مردوده منخفضا ً ويغلب عليه النسخ والمحاكاة والتكرار فهو واجب ومفروض يجب إنجازه حتى وإن ولد الألم والمعاناة ، مما يسيء كثيراً لنمو وتطور المعارف والعلوم .
ونحن نرى أن الأديان استطاعت تحقيق المفيد والواجب والممتع معاً ، لذلك حققت الانتشار الواسع والقوي في العقول أكثر من العلوم .
أما الفن فهدفه الأساسي هو تحقيق الممتع ، ويسعى لتحقيق المفيد بشكل محدود ، ونادراً ما يسعى لتحقيق المفروض (فهو عدو المفروض غالباً) .
إذاً المهم كثيراً بالنسبة لنشر المعارف وبالذات التحصيل الدراسي استعمال الطرق والعناصر المناسبة التي تجعل تذوق العلوم متعة (أي جعل العلم فناً ) ، وهذا ليس بالأمر الصعب ، فكما حقق الدين التوافق بين المفروض والمفيد والممتع , يمكن أن يحقق التعليم المدرسي نشر المعارف المفروضة ويجعلها ممتعة .
والأخلاق والأعراف الاجتماعية والقوانين , تهدف وتسعى إلى المفيد وتفرضه ، وهي لا تراعي كثيراً أن تجعله ممتعاً ، لذلك تخرق في أغلب الأحيان .

الخاص والعام , الفرد والجماعة
كما ذكرنا إن الوعي والمشاعر والأحاسيس هي غالباً المرجع والأساس للفرد ، أما المفيد والأفضل فهما المرجع والأساس العام إن كان للفرد أو للمجتمع , ويحدث تبادل تأثير بين الخاص والعام فالفرد يؤثر ويتأثر بالبنيات الاجتماعية التي ينتمي إليها ، مثلما هو يتأثر ويؤثر بالبنيات الجزئية ( أجهزته وأعضائه) التي يتكون منها ، ونتيجة تبادل التأثير بين بنية الفرد وباقي البنيات (إن كانت جزئية له أو شاملة له ) ، يحدث تطور ونمو لآليات وطرق الاستجابات بما يتوافق مع هذه التأثيرات المتبادلة ،وتكون نتيجة ذلك تداخل بين الممتع والمفيد ، أي تداخلت آليات الأحاسيس مع آليات المفيد والأفضل . فكان هناك الضروري والواجب واللازم والمفروض على الفرد , مع أنهم مؤلمون في كثير من الأحيان . وبناء على ذلك يكون هناك تعدد وتداخل في مراجع التقييم و الأفضليات ، فهناك الأفضليات والقيم الفردية الذاتية ، وهناك أفضليات وقوى وأنظمة للبنيات الاجتماعية والشاملة لهذا الفرد ، فتارة تسيطر الأحاسيس الذاتية أو المراجع الذاتية ، وتارة يسيطر الواجب والضروري واللازم أي الأخلاق والعادات والدين والقوانين والقوى الاجتماعية , و يبقى التأثير المتبادل (الجدل ) بين هذين المرجعين ، وتكون السيادة غالباً لقوى البنيات الاجتماعية .
ويجب ألا ننسى بنية الحياة ، لأنها هي المرجع لكل من البنيات الحية الفردية والبنيات الاجتماعية ، بالإضافة إلى البنيات الفزيولوجية المتنوعة التي تكون البنيات الحية ، فبنية الحياة ككل هي المسيطر الأول وهي الأقوى والأشمل ، فعمرها عدة مليارات من السنين ، وهي نمت وتطورت خلال هذه المدة ، وحافظت على بقائها ونموها وتطورها .
إننا الآن نشاهد التواصل والجدل بين بنية الحياة والبنيات التي أنتجتها , أي البنيات الفردية والبنيات الاجتماعية والبنيات التكنولوجية والبنيات الفكرية والبنيات الكثيرة الأخرى .
من يقود ويتحكم في مسار التفاعلات والجدل بين هذه البنيات جميعها ؟
المرشح لذلك هو البنيات الفكرية المتطورة ، فهذه البنيات بعد أن خرجت من العقول وانتشرت و توضّعت في الكتب وغيرها ، ثم توضعت في العقول الالكترونية ، وأصبحت تملك قدرات هائلة ، أصبحت هي المؤهلة للقيادة والتحكم في مسارات التفاعلات الجارية بين هذه البنيات .

الممتع والمفيد والصحيح وكيف نوزع قدراتنا عليهم
إننا نسعى غالباً إلى الممتع ثم إلى المفيد ، فالممتع هو استهلاك فعلي في الحاضر ، أما المفيد فهو الذي يحقق الممتع في المستقبل ، أو يمنع المؤلم والمدمر والسيئ ، فهو الذي يحقق الاستمرار والنمو .
إن دور العقل أو الفكر وكذلك المعارف والعلوم ، يهدف إلى تحقيق المفيد أولاً لأن تحقيقه سوف يحقق الممتع غالباً ، وثانياً يهدف إلى تحقيق الممتع الفوري .
إن قدرات كل إنسان توجه وتبذل أو توزع على الممتع له ، وعلى المفيد له ، أو الذي يتم اعتباره مفيداً ، وعلى الواجب عليه فعله أو المفروض عليه فعله ، فقدرات كل إنسان توزع على : 1-الممتع 2- المفيد 3-الواجب (أو المفروض أو الصحيح ) .
ويتم التوزيع حسب العناصر وخصائص هذه العناصر الموجود ضمنها كل إنسان ، بالإضافة إلى عناصره الذاتية وخصائصها ، لذلك يختلف هذا التوزيع ومقاديره بين إنسان وآخر ، فمنهم يركز على الممتع ، ومنهم من يركز على المفيد مع مراعاة الممتع ، ومنهم من يهتم بالثلاثة وذلك حسب طبيعة وخصائص كل منهم ، بالإضافة إلى الظروف والأوضاع المؤثرة على كل منهم .


التفكير
لقد عرف أحدهم التفكير بأنه سلسلة من العمليات العقلية ( أو المعالجة ) التي يقوم بها الدماغ عندما يتعرض لمثيرات استقبلها من الحواس , والتفكير بمعناه الأوسع هو عملية بحث عن معنى الأوضاع والمثيرات التي يتعرض لها الفرد , وقد يكون المعنى ظاهراً حيناً , وغامضاً حيناً آخر ويتطلب للتوصل إليه معالجة مكونات تلك الأوضاع .
إن دماغنا أهم أعضاؤنا وأكثرها تعقيداً وهو وراء كل عملياتنا الحياتية , سواء أكانت حركات بسيطة كتحريك مفصل في الأصبع أو حركات معقدة مثل المشي والسباحة وقيادة السيارة أو الكتابة والقراءة .. , أو كانت أعمال كالوعي والتفكير والتذكر والكلام والتعلم والخلق والابداع ,أو كانت أحاسيس ومشاعر وكافة العواطف والانفعالات, فهو الذي يولد اللذة والألم والسعادة أو الشقاء , فهو الذي يتضمن ذات ووعي كل منا .
ففيه تجمع المعلومات عن المحيط وما فيه , وعن حالة الجسم الداخلية, بواسطة واردات مستقبلات حسية – الحواس- التي تستجيب للمؤثرات الميكانيكية والضوئية والحرارية والكيميائية – نظر وسمع ولمس وذوق وشم .... – وتحولها إلى نبضات عصبية كهربائية ترسلها إلى الدماغ , الذي يقوم بتفسيرها وتصنيفها وتقييمها , وتخزين مضامينها ومعانيها , لكي يستخدمها في الحفاظ على الجسم وتحقيق حاجاته ودوافعه .
" يمكننا أن نتتبع نشوء العقل ( أو المعالجات الفكرية ) من أبسط الكائنات العضوية المفكرة والتي تمتلك ألياف عصبية إلى أعقد تلك الكائنات وهو الإنسان . ويمكننا أيضاً أن نصنع آلات تمتلك الكثير من السمات والخصائص المادية لمثل تلك الكائنات المفكرة البسيطة . وهكذا يبدو أن الكثير من جوانب العقل الإنساني لها أساس مادي محدد . وهناك جوانب من العقل لا نستطيع بعد تفسيرها تماماً من خلال البناء المادي , ولكن الثورة العقلية لا تزال في المهد .
إننا نعتبر أن الوعي والإدراك هما أساس مفهوم العقل أو التفكير , وهذا ما حجب عنا أساس مفهوم التفكير ، فالإدراك والوعي والفهم , هم المراحل المتقدمة جداً من المعالجات الفكرية للأحاسيس .
إن التعرف يتضمن التمييز, وللتمييز لا بد من المقارنة, لذا فالتعرف ليس عملية بسيطة وهو الأساس الذي يبنى عليه كل تفكير . والتعرف بالنسبة للعقل البشري يتم ببناء الهويات أو المفاهيم التي ترمز الأشياء التي تم التعرف عليها . وبناء على ذلك يمكن أن نعتبر كل بنية تقوم بالتعرف هي بنية تستطيع أن تفكر إذا قامت بمعالجة ما تعرفت عليه لكي تحقق أوضاعاً محددة . وهذا التعريف للتفكير يسمح لنا بتصنيف الكثير من البنيات على أنها تقوم بالتفكير.
ومن هذا المنظور يمكن اعتبار حتى البنيات الاجتماعية هي بنيات مفكرة مثلما وحيدات الخلية هي بنيات مفكرة .
ويمكن إرجاع كل تفكير مهما كان متطوراً ومعقداَ يمكن إرجاعه إلى أسسه , وإذا أخذنا التفكير البشري كمثال فإننا نجد أنه يعتمد بشكل أساسي على البنيات اللغوية الفكرية ومعالجتها ( وهوأيضاً يفكر بدون الاعتماد على اللغة ), والتي يمكن إرجاعها إلى البنيات الفكرية العصبية والتي بدورها يمكن إرجاعها إلى البنيات الفزيولوجية, والتي ترجع إلى البنيات الكيميائية التي ترجع إلى البنيات الفيزيائية .
إن أساس التفكير في رأيي هو القدرة على التعامل مع الخيارات والتحكم بها لتحقيق هدف معين . وهذا ما جعل الكثير من البنيات هي بنيات مفكرة . فبنية الحياة ، وكذلك بنية كل كائن حي حيوان أو نبات , والبنيات الاجتماعية , والكومبيوتر , وغيرها هي بنيات تتعامل مع الخيارات وتحقق هدفاً معين . فهي تفكر .
و للكائنات الحية عناصر وآليات متعددة للتفكير غير العناصر والآليات العصبية , فهي تعتمد العناصر الفيزيائية والكيميائية والفزيولوجية والأعضاء والأجهزة, وآليات متنوعة في التعامل مع الخيارات المتاحة للوصول إلى الأوضاع المستقرة والمناسبة لنموها واستمرارها(مثل جهاز أو أجهزة الحماية والمناعة_أجهزة التغذية والهضم والتمثل_أجهزة التكاثر والتزاوج_....), ويكون أغلبها موجوداً عند الأحياء البسيطة و القديمة ولا يعتمد على الجهاز العصبي أو على الأحاسيس وإذا اعتمد على جهاز عصبي فهو يكون جهازاً بسيطاً , ويجب أن ننتبه كما قلنا إلى أن الجهاز العصبي يعتمد في عمله على العناصر والآليات الفيزيائية والكيميائية أيضاً.

التفكير البشري والتفكير بشكل عام
إن التعامل مع الخيارات من أجل اختيار المناسب , هو أساس التفكير , يتم بناءً على أحد الطرق التالية:
1 _ بناءً على تأثير البنيات الخارجية على البنية المتعاملة مع الخيارات, أي أن الخيارات تكون مفروضة مباشرة على البنية, والتفاعلات بين البنيات الفيزيائية مثال على ذلك: النهر عندما يشكل مساره أو مجراه فهو يشكله حسب العناصر والقوى أو التأثيرات - أي الخيارات الفيزيائية- التي تحدث له.
2-بناءً على تأثير البنيات الخارجية ولكن بعد مرورها بمعالجة بسيطة أو معقدة, أي أن تأثير الخيارات يكون غير مباشر ويخضع لتعديل وتغيير حسب المعالجة التي يخضع لها , وأعقد أنواع المعالجات هي التي تتم في العقل البشري . ومن هذا المنظور نجد أن التفكير لم يعد مقتصراً على الإنسان أو الحيوان فهو موجود لدى بعض البنيات, فهو حادثة طبيعية منتشرة لدى بعض البنيات , ولكن الفرق الآخر و الهام بين التفكير البشري و الحيوانات المتطورة من جهة , و تفكير باقي البنيات المفكرة الأخرى من جهة ثانية هو وجود الإحساس أو الشعور المترافق مع التفكير والمتفاعل معه في نفس الوقت, وهذا الإحساس يصبح لدى الإنسان على شكل وعي متطور واسع . ويتشكل أيضاً وعي جماعي .













التفكير البشري
إن التفكير البشري هو تعامل فكري مع الخيارات المتاحة يستبق التعامل الواقعي معها , وهذا ما يميز التخطيط البشري عن تخطيط الكائنات الحية الأخرى , فتخطيط تلك البنيات يجري بالتعامل مع الخيارات المادية الموجودة , حسب البرنامج الوراثي الموضوع , ودون استباق المستقبل بشكل فكري .
فالكائنات الحية البسيطة ( اللافقريات ) تعتمد في تفكيرها على العناصر والقوى العصبية والحيوية والفيزيئية الموجودة . وإن كان هناك الذاكرة فكرية محدودة , ولا تتوقع أو تتنبأ للمستقبل , إلا حسب عوامل وراثية محدودة , وإن حدث وقامت بمشاريع مستقبلية , فيكون هذا مبرمج فزيولوجياً وعصبياً , وليس فكرياً وبشكل واع مثل الإنسان , وهذا هو الفرق الأساسي والهام جداً بين تفكيرنا وتفكير كافة الكائنات الحية الأخرى .
وهذا ما عرفه وشعر به كل من فكر في هذا الموضوع , فنحن نفكر ونتعامل مع الوجود بطريقة مختلفة عن باقي الكائنات الحية لأننا نستخدم البنيات الفكرية اللغوية التنبؤية ( السببية واستباق المستقبل ) وخصائصها الفريدة في التعامل مع الخيارات .
إن هذا الفرق الهام جداً هو ما يميزنا عن باقي الكائنات الحية وباقي بنيات الوجود الأخرى , فنحن نتعامل مع الخيارات في زمن مفتوح ( نسبياً ) , ماض و حاضر ومستقبل , أما باقي البنيات الحية فتتعامل مع الخيارات المتاحة لها في زمن الماضي والحاضر فقط ولا تستطيع استباق الحاضر إلى المستقبل في تعاملها مع الخيارات ( إلا بشكل غريزي وراثي محدود ) .
فاللغة والتخطيط الفكري , والسببية المتطورة هو ما يميز تفكيرنا عن باقي بنيات الوجود , فنحن فقط نستطيع أن نختار الخيار الأنسب من بين مجموعة خيارات متاحة لنا , وذلك بالاعتماد على أفضليتها المستقبلية وليس الحالية , وذلك باستعمال البنيات الفكرية اللغوية "التنبؤية " المتطورة العالية الدقة . وكلما كانت دقتها أعلى كان تخطيطنا أكثر فاعلية في تحقيق أهدافنا الموضوعة .

إن هذاالتوضيح للتفكير البشري يسٌهل فهمه , ويساعد في التعامل معه لبناء معارف عالية الدقة , وبالتالي يسهل التعامل مع الأوضاع لتحقيق الأهداف والدوافع .
فإذا اعتبرنا أن التفكير هو التعامل مع الخيارات المتاحة واختيار المناسب (أي معالجتها كما في الكومبيوتر) بناءً على طرق وآليات معتمدة سابقاً وذلك للوصول إلى أوضاع محددة سلفاً .
وإذا جعلنا الأحاسيس والإدراكات والوعي هي مرافقة للتفكير وليست من أساس التفكير فهي مستقلة عنه ولكنها مساعدة , فإننا نجد أن الكائنات الحية الأولية- وحيدة الخلية- تفكر ولكن بعناصر وآليات فزيولوجية و كيميائية . وأن هناك الكثير من البنيات تفكر فتعالج الخيارات المتاحة وتختار وتصحح وتعود وتختار للوصول للأنسب لها .
ووجدنا أن التفكير ليس مرتبطاً بالجهاز العصبي فقط كما يظن أغلبنا, فنحن نربط التفكير بالأحاسيس والانفعالات والمعالجات الفكرية المنطقية مع أن كل منهم له عناصره وآلياته الخاصة به , لكنهم يعملون معاً , وهذا يجعل نتائج عملهم معقدة متشابكة ويصعب فهمها . فيجب تحليل ناتج عملهم لكي يتوضح لنا عمل كل منهم .
وكل تفكير يعتمد التعرف والذاكرة , ولكي يتم التعرف لا بد أولاً من التأثر بالمراد التعرف عليه , ثم لا بد من الاحتفاظ – الذاكرة- , وتصنيف هذه التأثرات , وذلك بالاعتماد على تمييز تأثيرات كل منها على الآخر , وهذا يتم بمقارنتها مع بعضها لتمييز الفرو قات بينها . فالتعرف يتضمن التمييز , وللتمييز لا بد من المقارنة , لذا فالتعرف ليس عملية بسيطة وهو الأساس الذي يبنى عليه كل تفكير - أو المعالجة الفكرية- .
والتعرف بالنسبة للعقل البشري يتم ببناء الهويات أو المفاهيم التي ترمز الأشياء التي تم التعرف عليها, وبناء على ذلك يمكن أن نعتبر كل بنية تقوم بالتعرف هي بنية تستطيع أن تفكر إذا قامت بمعالجة ما تعرفت عليه لكي تحقق أوضاعاً محددة , وهذا التعريف للتفكير يسمح لنا بتصنيف الكثير من البنيات على أنها تقوم بالتفكير.
ومن هذا المنظور يمكن اعتبار حتى البنيات الاجتماعية هي بنيات مفكرة مثلما وحيدات الخلية هي بنيات مفكرة .
ويمكن إرجاع كل تفكير مهما كان متطوراً ومعقداَ , سواء كان هو أو البنيات التي تقوم بهذا التفكير , يمكن إرجاعه إلى أسسه الفيزيائية .
وإذا أخذنا التفكير البشري كمثال فإننا نجد أنه يعتمد بشكل أساسي على البنيات اللغوية الفكرية ومعالجتها , والتي يمكن إرجاعها إلى البنيات الفكرية العصبية والتي بدورها يمكن إرجاعها إلى البنيات الفزيولوجية, والتي ترجع إلى البنيات الكيميائية التي ترجع إلى البنيات الفيزيائية. و تتفاعل البنيات اللغوية مع البنيات الاجتماعية عبر الناس الذين يستعملونها وهذا يعقد الوضع كثيراً.

-----------------------------------------------------------------------------------
ملاحظة على أسس الجدل الفكري
إن كل جدل - تفاعل وتبادل تأثير- لابد أن يكون بين بنيتين أو أكثر, وكما ذكرنا التفكيرالذاتي هو تبادل تأثير بين عدة بنيات يجري في الدماغ وأهمها:
1- التشكيل الشبكي وهو المعالج الأساسي وأول المعالجات العصبية نشوءاً.
2- المهاد وماتحت المهاد والدماغ الحوفي.
3- مقدمة اللحاء وهو يشمل العقل الحديث
إن دماغ الإنسان بعد أن يكتسب أو يصنع البنيات الفكرية( وخاصة البنيات الفكرية اللغوية), يستطيع لوحده أن يعمل ويقوم بجدل بين بنياته(التفكير الذاتي) ودون مثيرات خارجية (دون مدخلات) وينتج الأحاسيس والبنيات الفكرية الجديدة, فهو يستطيع إجراء تبادل تأثير بين بنياته وإدارة هذا التبادل للوصول إلى هدف تم اعتماده, وكل منا يعرف الجدل الفكري الذي يقوم به, فكل منا يستطيع أن يفكر مثل شخصين يتجادلان وكثيراً ما يستعمل أحدنا عبارة قلت لنفسي أو راودتني نفسي وكثيراً ما يعاتب الإنسان نفسه أو يحكم على نفسه, وأكبر مثال على ذلك هو ماينتجه الأدباء من قصص وروايات تشمل الكثير من الشخصيات والأحداث والمجادلات الفكرية وسيناريو الأحداث....., فكل هذا تم صنعه في دماغ واحد هو عقل الكاتب, إن هذه القدرة للعقل البشري هي التي جعلته شيئاً خارقاً في نظر كل منا, فذات أو نفس أو روح كل منا هي هذا الشيء الخارق الذي ينتجه دماغنا .
---------------------------------------------------------------------------------





نحن البشر كيف نفكر
إن التفكير لدينا يعتمد بشكل كبير على اللغة , وكان البعض يرى أنه لا يمكن التفكير دون لغة , وأن الحيوانات تتصرف غريزياً ودون تفكير . ولكن ظهر أن غالبية الكائنات الحية تفكر وتتصرف بناءً على معالجة فكرية لما تتعرض له من ظروف ومؤثرات حسية , وبناءً على ما تعلمته أثناء حياتها .
هناك سؤال هام :هل هناك فرق جوهري بين تفكيرنا وتفكير باقي الكائنات الحية ؟؟
غالبية الناس ترى , أو يشعرون , أن لدينا شكلين من التفكير ( وفي رأيي هذا صحيح ) .
- التفكير الأول وهو التفكير بواسطة اللغة ,وهو : إرادي - منطقي - سببي , وهو تفكير تسلسلي . ففي حالة اللغة المحكية أو المكتوبة وفي حالات النقاش والجدل , وكذلك في حالات ذكر الحوادث والقصص يكون التفكير تسلسلي . وأيضاً في حالة التفكير المنطقي والتفكير السببي والرياضيات يكون التفكير تسلسلي . وفي حالة كافة أشكال التعلم في المدارس والجامعات يستعمل التفكير التسلسلي بشكل أساسي .
- أما التفكيرالثاني فهو تفكير حدسي وغير واع وشامل , مثل الإلهام والوحي والإبداع في الشعر والموسيقة والعلوم , وهو التفكير المتوازي . والمشي والسباحة وركوب الدراجة , وكافة المهارات الجسمية والمعرفية كإلقاء الخطب, تمارس بالتفكير المتوازي بشكل أساسي , مع توجيه وقيادة الفكير التسلسلي .
إن تعلّم كافة الحيوانات التصرفات والمهارات مثل تعلم الصيد من أبويها أو رفاقها , يتم باستخدام التفكير المتوازي , فهي تتعلم دفعة واحدة لكثير من الأمور , وليس خطوة خطوة , فهي لا تفكر بشكل تسلسلي مثلنا , لأنها لا تستخدم لغة متطورة تجبرها على التفكير التسلسلي .
فالأهمية الكبرى للغة والتي كانت العامل الأساسي في تطور الذكاء البشري بشكل جعل تفكيره ومعالجة المعلومات المدخلة لدماغه مختلفة ومميز عن باقي الكائنات الحية , حتى التي دماغها أكبر بكثير من دماغه , هي أنها سمحت لكافة مراكز الاستقبال الحسية أكانت سمعية أم بصرية أم شمية . . الخ تستطيع الترابط مع بعضها بواسطة اللغة التي استطاعت تمثيل الكثير من تأثيرات المدخلات الحسية برموز صوتية لغوية , وذلك عن طريق مناطق الارتباط اللغوية في الدماغ , وهذه المناطق التي تشكلت واتسعت بشكل كبير هي الأساس الذي حقق لنا الذكاء المتميز عن كافة الكائنات الحية . فنحن الوحيدين من بين الكائنات الحية الذين نستطيع تمثيل غالبية الأحاسيس بواسطة رموز لغوية فكرية وهي الكلمات .
لقد تطورت كثيراً طرق وأساليب الترميز والتمثيل لدينا نتيجة نشوء اللغة المحكية , فبواسطة اللغة التي هي ترميز ثاني للرموز الحسية الخام ( البصرية والصوتية وغيرها ) تم تمثيل أو ترميز واردات الحواس المختلفة بلغة أو رموز واحدة . فبواسطة اللغة المحكية ( أي الصوتية ) أو المقروءة , تم ترميز الكثير من واردات الحواس المختلفة , وأيضا تم تمثيل أحاسيسنا وعواطفنا وأفكارنا بتلك اللغة . وكان يحدث تدقيق وتصحيح لتلك التمثيلات أو التشبيهات أو النماذج التي يبنيها دماغنا كي يكون التمثيل أدق وأكثر مطابقة للواقع . فاختراع الكلمات وسع حدود العقل والوعي .
ولم يبدأ التواصل بين مناطق الذكاء لغوياً إلا منذ حولي 150 ألف سنة , وأخذت المعلومات عن مختلف جوانب الحياة تمثل بكلمات يتم التواصل بها بين الأدمغة . وتطورت طريقة ربط الأفكار وهذا أدى لنمو الذكاء البشري بشكل كبير وسريع وغير مسبوق . فبواسطة اللغة المحكية بدأت القصص والروايات ومن ثم الأساطير بالتشكل والتداول بين أفراد الجماعة , وهذا سمح مع أمور أخرى بنشوء وتكوّن الثقافة الخاصة بكل جماعة ,والتي صار يتم توارثها وتناميها نتيجة الحياة والتواصل الاجتماعي عن طريق هذه اللغة المحكية , وفي هذه المرحلة تم حدوث القفزة الكبيرة للتفكير والذكاء البشري التي ميزته عن باقي الكائنات الحية .


































أسس التفكير السببي والمنطقي لدينا
في رأيي إن أهمية اللغة ليس فقط أنها سهلت التواصل وسمحت بتمثيل وترميز غالبية الأشياء والأفعال , بل هناك أمرآخر هام جداً , وهو أنها جعلتنا نفكر ونعالج الأفكار بشكل مختلف عن باقي الكائنات الحية , فنحن أصبحنا نفكر بشكل تسلسلي واعي , سببي , منطقي .
فبناء اللغة واستعمالها يعتمد التفكير السببي المنطقي التسلسلي . فهناك الإسم والفعل والصفات والحالات . . , لتمثيل وترميز الأشياء ومجريات الأمور , وكذلك يستخدم الفعل والفاعل والمفعول لتمثيل السببي والمنطقي , لتسسل الحوادث وتطورها والتنبؤ لها , وهذا من أهم ما ميز طريقة تفكيرنا عن باقي الكائنات الحية , والدور الأساسي والأهم الذي جعل تفكيرنا مختلف ومميز عن باقي الكائنات الحية .
* نحن فقد من بين كافة الكائنات الحية نعتمد التفكير الإرادي ومعالجة الأفكار بطريقة تسلسلية نتيجة التفكير بوجود اللغة , وبالإضافة للطريقة التفرعية التي تفكر بها غالبية الكائنات الحية . والذي يقوم بعملية المعالجة المتوازية للمدخلات الحسية هو الدماغ القديم الزواحفي والدماغ الحوفي , وكانا يقوما بذلك قبل نشوء الدماغ الحديث بما فيه اللحاء .
لقد كان الدماغ الزواحفي يقوم بمعالجة مجموعة مدخلات في نفس الوقت أي بالتوازي, وليس واحد بعد الآخر, فقد كان لهذا الدماغ القدرة على معالجة كافة المدخلات في نفس الوقت .
فالدماغ في أول نشأته كانت مهمته معالجة كافة المدخلات الحسية في نفس الوقت أي بالتوازي , والمثيرات الأقوى والأهم هي التي تقرر الاستجابة , وذلك بعد مقارنة كافة المثيرات الداخلة للمعالجة مع بعضها في نفس الوقت . ثم بعد ذلك صارت بعض المدخلات تأخذ أهمية ليس لقوتها أو تأثيرها الحاضر ولكن لتأثيرها المستقبلي الهام , وهذا حدث نتيجة تشكل آليات الإشراط أو ترابط المثيرات مع بعضها نتيجة التجاور المكاني أو الزماني أو معانيها ( أي التعلم ) .
إن أهمّ خاصية للمعالجات الفكرية الإرادية الواعية لدينا والتي تميزنا عن باقي الكائنات الحية , والتي تشكلت نتيجة استعمالنا للغة محكية وتعتمد السببية والمنطق , هي التركيز على سلسلة مسار حوادث واحد للتفكير فيه ومعالجته من ضمن المدخلات الكثيرة , فمن المفيد تجنب تشتيت الانتباه عند ملاحظة المثيرات الجديدة , والتركيز على تحديد الهام منها لمعالجته هو فقط والتغاضي عن البقية , والاستمرار في ذلك المسار حتى نصل إلى نتيجة أو يحدث مثير جديد وهام يستدعي قطع المعالجة الجارية والإلتفات لمعالجة هذا الجديد . فالتفكير السببي والمنطقي والرياضي يعتمدون المعالجة بالتسلسل , لذلك هم مقيدين ومحدودين بسلسلة واحدة من الأفكار .
إن المعالجات الفكرية الإرادية الواعية لدينا تكون معالجة بالتسلسل , وفي نفس الوقت تجري لدينا معالجة بالتوازي في الدماغ الزواحفي والدماغ الحوفي وتكون غير واعية , ويتم إرسال نتائج هذه المعالجة إلى سبورة الوعي , فالدماغ الحوفي ينظم دخول المثيرات والأفكار بعد أن يعالجها بالتوازي إلى سبورة الوعي , فتشارك في تحديد الاستجابة . فالشيء المهم هو أن المقارنة اللازمة لإجراء القياس والحكم يلزمها معالجة بالتوازي , فلكي تتم مقارنة مجموعة مدخلات أو مؤثرات أو أفكار مع بعضها البعض يجب إدخالها معاً لمعالجتها دفعة واحدة , لذلك نجد دماغنا يستخدم المعالجة التسلسلية والمعالجة المتوازية في نفس الوقت .
فهناك فرق أساسي وهام بين التفكير بواسطة اللغة والتفكير بدون لغة , وهذا أهم ما يميز اختلاف تفكيرنا عن باقي تفكير الكائنات الحية , فنحن نفكر بشكل إرادي واعي سببي منطقي بواسطة اللغة . فنحن نفكر بواسطة بنيات لغوية تمثل أشياء وحوادث الوجود .

التفكيريعتمد على التعرف والذاكرة , ودوراللغة
إن كل تفكير يعتمد على التعرف , وعلى الذاكرة, ولكي يتم التعرف لا بد أولاً من التأثر بالمراد التعرف عليه, ثم لا بد من الاحتفاظ بهذه المعرفة ( الذاكرة ) . و يجب تصنيف هذه التأثرات وذلك بالاعتماد على تمييز تأثيرات كل منها عن الآخر, وهذا يتم بمقارنتها مع بعضها لتمييز الفروقات بينها . فالتعرف يتضمن التمييز, وللتمييز لا بد من المقارنة, لذا فالتعرف ليس عملية بسيطة وهو الأساس الذي يبنى عليه كل تفكير , والتعرف بالنسبة للعقل البشري يتم ببناء الهويات أو المفاهيم التي ترمز الأشياء التي تم التعرف عليها .
إن ما يفعله كل مفكر في تعامله مع الوجود , هو تعيين الثوابت الأساسية في هذا الوجود , لكي ينطلق منها ويبني عليها أفكاره .
فالوجود لا يمكن التعامل معه إلا بعد فهمه ومعرفته , وهذا لا يتم إلا بعد تثبيته وتحديده وتعيينه , و عمل العقل الأساسي هو التعرف على هذا الوجود وفهمه .
فأهم وظيفة للعقل البشري هي كشف البنيات المضمرة في الوجود , وذلك ببناء نماذج فكرية تمثلها . فكما يقول كانت" أن المعرفة وليدة فعل الذهن في الأشياء والعقل لا يدرك إلا ما ينتجه على صورته ومثاله" .
لقد قام العقل البشري من أجل التعامل المجدي مع الواقع وفهمه , باعتماد ما يلي :
تمثيل أشياء وعناصر الوجود وصيرورتها , وبالاعتماد على اللغة , بنوعين من الهويات أو المفاهيم - الثابتة - المحددة - المعينة , يستطيع التعامل بها .
ا - مفاهيم تدل على الأشياء وتحدد هويتها وخصائصها وأسمائها
ب - مفاهيم تدل على حركة أو تغيرات أو صيرورة الأشياء , أي المفاهيم التحريكية , مثل الأفعال
- وتثبيت المفهوم هو منعه من التغير والحركة والصيرورة , وهذا هو أساس مبدأ الهوية الذي هو : ( أ ) تبقي هي ( أ ) .
- وتحديد المفهوم ( أو البنية الفكرية ) هو فصله عن غيره من المفاهيم وتحديده .
- وتعيين المفهوم هو تعيين صفاته وتأثيراته , فعدم تعيين خصائصه و تأثيراته هو عدم تعيينه , مثال على ذلك : الإلكترون تعيّن صفاته و تأثيره بالنسبة للبروتون أو بالنسبة لمجال كهربائي أو مغناطيسي أو بالنسبة للجاذبية . فلابد من تعيين صفات وتأثيرات الشيء إذا أردنا التعامل معه . وصفات وتأثيرات أي شيء لا يمكن أن تعين بشكل مطلق , فصفات وتأثيرات أي شيء تابع للبنية أو البنيات التي يؤثر فيها .
وقام العقل بتحريك المفاهيم أو الهويات الممثلة للأشياء , بواسطة المفاهيم التحريكية التي يشكلها العقل , والتي تمثل تغيرات و صيرورة هذه الأشياء . فبذلك يستطيع تمثيل أحداث الوجود فكرياً , وبناء التنبؤات أو التوقعات لما سوف يحدث , أو لما حدث . فهو بذلك يحول اختلافات وصيرورة الأشياء , إلى اختلافات محددة معينة بين وحدات أو هويات معرّفة لديه , عندما يشكل البنيات الفكرية الممثلة للوجود وحوادثه . فالعقل يقوم بالتحريك الفكري ( أي المعالجات الفكرية أو التفكير ) لهذه البنيات الفكرية التي شكلها , وذلك خطوة , خطوة . أي يقوم بالتحريك الفكري للهويات الشيئية أو الإسمية , بواسطة الهويات التحريكية .
وبذلك استطاع الدماغ أو العقل تشكيل نموذج مختصر وبسيط للوجود وصيرورته , بواسطة تلك البنيات الفكرية التي شكلها , تمكنه من تحريك أو مفاعلة النموذج الذي شكله للوجود , إلى الأمام إلى المستقبل وهذا هو التركيب , أو إلى الخلف إلى الماضي وهو التحليل . وذلك بسرعة أكبر من سرعة تغيرات الواقع الفعلية . لقد استطاع العقل التعامل مع صيرورة وعدم تعيين الوجود بتلك الطريقة , صحيح أنه لن يستطيع بلوغ المطلق, ولكنه سوف يصل إلى نسبة عالية جداً من دقة التنبؤ تكفي متطلباته وأوضاعه .
وعندما أوجد عقل الإنسان الأفكار أو البنيات الفكرية اللغوية , التي استطاعت أن تمثل البنيات الواقعية وتمثل تفاعلاتها مع بعضها , تكون زمن فكري يمثل الحوادث و صيرورة الوقائع . فهو يستطيع أن يعرف أي يتنبأ بالأحداث , أو نتائج تفاعلات بين بنيات حدثت في الماضي أو سوف تحدث في المستقبل . وكذلك يستطيع أن يتنبأ بحوادث أو تفاعلات لم يتأثر إلا بجزء قليل منها , فهو يكمل ما ينقصه ويضع سيناريو للكثير من تلك الحوادث .
فالفكر يستطيع السير بتفاعلاته الفكرية بسرعة أكبر من السرعة التي تجري فيها في الواقع , أي إلى المستقبل . وكذلك يستطيع السير إلى الماضي عن طريق عكسه التفاعلات أو التحليل , ووضعه لسيناريو لما يمكن أن يكون حدث أو ما سوف يحدث , وتزداد دقة تنبؤاته باستمرار لتقترب من الواقع الفعلي .
إن كشف بنيات الوجود المتنوعة و اللا متناهية – بتمثيلها ببنيات فكرية- هو ما قام به العقل البشري, فهو يقوم بكشفها وتحديدها وتعيين خصائصها وبدقة متزايدة . والبنيات الفكرية العلمية العالية الدقة التي يكشفها - أو يشكلها- العقل البشري بمساعدة التكنولوجيا والذكاء الصناعي - الكومبيوتر وما شابهه- تتزايد بسرعة هائلة سواء كان بكميتها أو بدرجة دقتها أو سعتها وشمولها .
ولا يمكن كشف كامل بنيات الوجود مهما فعلنا لأنها لا متناهية , وهي في صيرورة دائمة , وتتخلق باستمرار بنيات جديدة وتختفي بنيات , فبنية الوجود الكلية لا يمكن تحديدها وتعيين خصائصها بصورة تامة , أي أن عدم التعيين والصيرورة لهذا الوجود , موجودة مهما فعلنا.
لكن نحن لا يهمنا ولا نريد إلا ما نحن بحاجة إليه, صحيح أن ما يمكن أن نحتاجه يمكن أن يكون شبه لا متناه وغير محدد , ويظهر جديد باستمرار فكلما ظهرت حاجة أو دافع جديد نسعى إلى تحقيقه .










التكميم الفكري
كما ذكرنا التثبيت , والتحديد , والتعيين , للمفاهيم هو بمثابة تكميم فكري للموجودات وصيرورتها , فهو يسمح بتمثيل الموجودات وصيرورتها ببنيات فكرية لغوية ثابتة محددة معينة
* اسمية للأشياء والهويات الأسماء الخاصة والعامة
* فعلية أو تحريكية للتغيرات للصيرورة . أي لها كمية وخصائص وتغيرات أو صيرورة معرّّفة . الأفعال وغيرها
فالعقل عندما يشكل البنيات الفكرية اللغوية , يكون ذلك بناءً على تكميم الكيف .
إن ( الكيف ) بالنسبة لنا مرتبط بأحاسيسنا بشكل أساسي , فهو تابع لأنواع أحاسيسنا وخصائصها , وهو مرتبط بالممتع والمفيد والجميل وبكافة أنواع الأحاسيس .
وتشكيل العقل ( للكم ) أتى لاحقاً نتيجة معالجة واردات الحواس بشكل متطور وبواسطة البنيات الفكرية اللغوية , من أجل الدقة في فهم وتحديد الواقع وصيرورته . وباقي الكائنات الحية يصعب عليها أو لا تستطيع التعامل مع الكم بشكل دقيق
مثال على تكميم العقل للكثرة والتعامل معها :
هناك مثل يقول" لا يمكن حمل بطيختان بيد واحدة " هذا صحيح في الوضع العادي . ولكن يمكن حمل بطيختان أو أكثر بيد واحدة إذا ربطت معاً أو وضعت في وعاء لتصبح مجموعة واحدة .
وهذا ما يفعله العقل عند التعامل مع الكثرة , فهو لا يستطيع التعامل إلا بالوحدات المحددة , لذلك هو يستعمل آلية تشكيل المجموعة بجمع عدة وحدات متماثلة أو متشابه في مجموعة أي ( بنية واحدة ) , فبذلك يستطيع التعامل معها وتحريكها و مفاعلتها مع باقي البنيات .
وطريقة تشكيل المجموعات هي نفسها التعميم الذي يتضمن ضم أو جمع عدد من البنيات الفكرية في مجموعة واحدة , لأنها تتضمن بعض الصفات أو الخصائص المتماثلة أو المتشابهة . فالمجموعة أو الفئة هي طريقة تكميم استعملها عقلنا في تعامله مع الكثرة , وأعادها للوحدة الواحدة , ليستطيع التعامل معها . فهو لا يستطيع التعامل مع الكثرة , إذا كانت غير معينة برقم أو كمية . فالتعيين برقم أو بكمية أو بخاصية يزيل عدم التعيين .
إذاً استعمل عقلنا الفئات أو المجموعات أو الأسماء العامة وكذلك الأعداد والصفات , لكي يتعامل مع الكثرة وتكميمها , فقد كمم العقل المقدار بالعدد .
وكمم المكان بالمسافات والاتجاهات والسطوح و الحجوم .
وكمم الزمان بالوحدات الزمنية والاتجاه قبل وبعد أي الماضي , والحاضر , والمستقبل .
وكمم قوة المؤثر بمقدار شدتها أو درجتها .
وكمم الأحاسيس بتحديد نوعها , أو تصنيفها .
وللتكميم الفكري درجات أو مستويات , أي يمكن أن يكون ضعيفاً وغير دقيق , ويمكن أن يكون دقيقاً , ويمكن أن يكون تاماً أو مطلقاً كما في العمليات الرياضية .
كما ذكرنا العقل لدينا يشكل نوعين من المفاهيم أو البنيات الفكرية اللغوية
مفاهيم تدل على الأشياء وتحدد هويتها وخصائصها مثل:
الأسماء الخاصة إن كانت خاصة مثل: زيد . عمر . دمشق . أو الأسماء العامة مثل: شجرة . قطة. سيارة . أو أسماء عامة مركبة مثل: الأسرة. الدولة. الاقتصاد . العلم . الفكر .
ويكممها , بالكميات , المقدار أوالعدد , وبالزمان قبل , بعد . وبالصفات والخصائص الكثيرة الأخرى . . .
مفاهيم تدل على حركة أو تغيرات أو صيرورة الأشياء أو الهويات أي مفاهيم فعلية أو تحريكية . فقد قام عقلنا بتثبيت وتحديد وتعيين التغيرات و الصيرورات وشكل البنيات الفكرية التحريكية مثل : كبر , صغر , صار , نما , أكل , ضرب , عمل , فرح . . . .
والبنيات الفكرية التحريكية العامة المعقدة , مثل : التعاون , الصداقة , الحرية , العدالة , الديمقراطية. . . . وباستعمال قواعد النحو ,العطف والربط والجمع والاستثناء...
واستخدم الاشراط أو الربط المنطقي الذي يعتمد عليه مبدأ أو آلية السببية ( إذا كان " كذا " يكون " كذا " ) .
وكذلك استعمل التصنيف والتعميم والقياس والمقارنة والتقييم والحكم , والاختبار والتصحيح , لكي تتطابق أو تقترب النتائج بين النموذج والأصل .
* بذلك استطاع الدماغ أو العقل تشكيل نموذج مختصر وبسيط للوجود وصيرورته , بواسطة تلك البنيات الفكرية التي شكلها , تمكنه من تحريك أو مفاعلة النموذج الذي شكله للوجود , إلى الأمام إلى المستقبل ( وهذا هو التركيب ) , أو إلى الخلف إلى الماضي ( وهذا هو التحليل ) . وذلك بسرعة أكبر من سرعة تغيرات الواقع الفعلية .
فالعقل يقوم بالتحريك الفكري ( أي المعالجات الفكرية أو التفكير ) لهذه البنيات الفكرية التي شكلها , وذلك خطوة , خطوة . أي يقوم بالتحريك الفكري للهويات الشيئية أو الإسمية , بواسطة الهويات التحريكية .




















التجريب العقلي , والتحريك الفكري
إن مسألة التجريب العقلي اهتم بها كثيراً " أرنست ماخ " في كتابه " المعرفة والخطأ " في الفصل الموسوم باسم " التجريب العقلي " . ثم أتى بعده " رنيانو" وركز على هذه المسألة في كتابه " نفسانية البرهان" , فأرجع كل أنواع البراهين العقلية تقريباً إلى التجريب العقلي .
فالتجريب العقلي معناه بصورة عامة أن يقوم الإنسان في داخل عقله بكل الفروض والتحقيقات والبراهين التي لا يتيسر له أن يقوم بها في الواقع . فكل مفكر وكذلك كل عالم قبل أن يقوم بعمل جديد يتصور كل ما يريد عمله وكل ما يحتاج إلية من عناصر وكيفية تحقيق ما يريد , وتوقع نتيجة ذلك .
وهذا الشكل من التجريب العقلي ألاستباقي هام وله فائدة كبيرة :
أولاً : من ناحية الاقتصاد في العمل .
ذلك لأن القيام بهذا التجريب في داخل الذهن لا يكلف المرء شيئأ من الناحية المادية فلا يحتاج لمواد ولا عمل وجهد إلا العمل الفكري , ولا يكون مثل التجريب الواقعي المادي الذي يحتاج إلى زمن طويل , وبالتالي الاقتصاد في الوقت والجهد والمواد والنفقات .
ثانياً : هذا التجريب العقلي قد يسمح بفرض فروض جريئة قد لا نتجه إلى اتخاذها لو أننا بإزاء تجريب واقعي , ومن الممكن أن تتحقق هذه الفروض بالفعل , لأن الحرية الميسرة للعقل في هذه الحالة أكبر منها في حالة التجريب الفعلي الذي كثيراً ما يشتت الذهن ويصرفه عن الإدراك الحقيقي للنسب العامة التي هي الأصل في كل نظرية مما يولد من جديد فروضاً خصبة تؤدي إلى اكتشاف نتائج أهم وأحسن .
والشاهد على هذا ما فعله كثير من العلماء وعلى رأسهم جاليلو , وبشكل خاص أينشتاين فهو لم يجري أي تجربة واقعية عندما بنى نظريته النسبية . لقد استطاع كل منهم الوصول لأفكار ونظريات وقوانين بالاعتماد بصورة أساسية على التجريب العقلي .
وقد قال ديكارت : على العموم إنني أستطيع أن أستغني عن إجراء أي تجربة واقعية لأنني أستطيع أن أركّب في ذهني كل العمليات الممكنة وحتى غير الممكنة .
ولا يقتصر استخدام التجريب العقلي على الفيزياء والعلوم الطبيعية بوجه عام , بل يستخدم في الرياضيات فنحن نجري براهين لا حصر لها في داخل العقل , فيما يتصل بنظرية هندسية . فدون حاجة إلى أي قلم يرسم لنا الأشكال الهندسية نستطيع أن نفرض الفروض وأن نسير في التحليل عائدين , أو نبدأ من التركيب متقدمين , إما للبرهنة على نظرية معلومة أو لبيان نتائج خاصة من نظرية ما . وفي هذا كله نحن نقوم بعملية تجريب عقلي كالحال تماماً في التجريب الفيزيائي .
ونحن نستخدم التجريب الفكري لاستبيان نتائج أي عمل أو أي تصرف . والتجريب العقلي هو الذي ينشئ التوقعات أو السيناريوهات لتطور الأحداث .
وهناك التجريب الفكري والحسي ألاستباقي لرحلة أو لمقابلة أو زيارة . . إلخ . وليس هذا فقط . فالتجريب الفكري أوسع وأشمل من كل هذا, فهو يشمل أسس عمل دماغنا , فالعقل أو الدماغ تعرف على الوجود عن طريق تمثيله بأفكار ( أي بنيات فكرية ) , وصار عن طريق تحريك ( أو اللعب ) بهذه الأفكار ( أو التجريب الفكري ) يسعى لفهم ومعرفة هذا الوجود , والاستدلال والتنبؤ لما سيحدث , أو لما حدث . عن طريق قيامه بالتحليل أو التركيب , اللذين يمكن اعتبارهم شكل من التجريب .
والتجريب الفكري الذي تصوره " ماخ " و " رنيانو " هو حالة خاصة متطورة من "التحريك الفكري" الذي يقوم به عقلنا في تعامله مع الوجود . فالتحريك الفكري هو الأساس الذي نقوم به في كافة عملياتنا الفكرية مها كان شكلها ونوعها ودرجة تعقيدها .
إن غالبية تصرفاتنا الإرادية الواعية لا نقوم بها إلا بعد إجراء التجريب الفكري ومن ثم اعتماد التصرفات التي نراها الأفضل . صحيح أننا نقوم بتصرفات فوراً ودون تجريب فكري إذا كانت الأوضاع متكررة , فهذا لأننا نكون تعلمنا ولم نعد بحاجة لدراسة الوضع والقيام بالتجريب الفكري . فالتجريب الفكري لا بد منه في كل تصرف جديد وفي كل تجديد وإبداع واختراع .
ما الفرق بين التجريب الفكري والتحريك الفكري ؟
إن التحريك الفكري هو أساس آليات عمل الدماغ , التي بواسطتها يقوم بالتعامل مع الواقع باعتماد الاستجابات المناسبة لتحقيق تكيف وتطور الإنسان . وكذلك التحريك الفكري هو أساس التفكير الواعي , أكان يعتمد على اللغة أم لا يعتمد عليها .
أما التجريب الفكري فهو شكل متطور للتحريك الفكري الإرادي الوعي , وهم يعتمد على القياس والمقارنة والتحليل و التركيب , وعلى المعلومات المتوفرة التي يتم استدعاؤها من الذاكرة .
والشكل المتطور والمتقدم من التجريب الفكري هو ما يبدعه المفكرين والعلماء والأدباء والفنانين من أفكار وأعمال وقصص وروايات وأعمال أدبية وفنية .
وهكذا نرى أن " رنيانو " قد أصاب عندما قال : أن التجريب الفكري يستخدم في كافة أشكال التفكير أكانت براهين أو غير ذلك .
إن كل لعب يمكن اعتباره شكل من التجريب , فاللعب الفكري هو نوع من التجريب الفكري , ونحن نستخدمه بشكل غريزي ونعتمد عليه بشكل كبير في طفولتنا ,
إن ألعابنا الواقعية لا يمكن لعبها دون الألعاب الفكرية فالألعاب الواقعية تعتمد بالأساس على الألعاب الفكرية, وعندما تكون الألعاب الفكرية المستخدمة محدودة وغير متطورة تكون هذه الألعاب ضعيفة وغير فعَالة في تحقيق الأهداف . صحيح أن اللعب و المران العملي يحسن الأداء في اللعب إلا أن تطوير الألعاب الواقعية بواسطة الألعاب الفكرية يكون أوسع و أسرع بكثير, فمخزون المعارف أو الأفكار الجماعية - العلم و غيره - هائل و يمكن أن يساعد في كل الألعاب.
وكافة الإبداعات والاختراعات في كافة المجالات تعتمد بشكل أساسي الألعاب الفكرية , ويلزمها الكثير من القدرات والمهارات والعناصر , ولا يستطيع الكثيرون لعبها حتى وإن كانوا يملكون المعارف والمعلومات الكثيرة, فلكي يستطيع الإنسان أن يبدع يجب أن يملك بالإضافة إلى المعارف خصائص وقدرات معينة , وعليه أن يجتاز الكثير من العقبات .










التفكير بالتفكير
المقصود بالتفكير بالتفكير ( أي الإحساس بالأفكار مسموعة أو مكتوبة أو متصورة ) فهو رصد أفكارنا والتفكير فيها , أي التفكير بأفكار مرمزة بكلمات ( وفي الأساس التفكير يشبه التذكر ويعتمد عليه , فالتفكير هو شكل من التذكر مع حدوث استجابات فكرية متسلسلة في نفس الوقت ) , ولا يمكننا فعل ذلك إذا لم تمثل هذه الأفكار ببنيات فكرية ( أي أفكار ) يجري استدعاؤها من الذاكرة والتفكير فيها , فنحن نستطيع رصد أحاسيسنا أثناء حدوثها أو استدعاء صور لها من الذاكرة بعد حدوثها , أي نستطيع التفكير بها أكان أثناء حدوثها , أوعند استدعاء صور أو تسجيلات لها من الذاكرة .
نحن نستطيع تمثيل أي شيء ( أحاسيس أو أفكار ) بكلمة ترمز إليه , فنحن نستطيع بواسطة اللغة تمثيل أي شيء بكلمات حتى العواطف والمفاهيم المعقدة مثل العدالة والأخلاق . . . الخ . ونحن في تواصلنا وتعاملاتنا مع بعضنا نعتمد بشكل أساسي على الكلمات وهي رموزالأفكار أي نتعامل بالأفكار.
إن الكثير من الكائنات الحية تفكر بأحاسيسها بشكل متطور , فهي تعالج المدخلات الحسية وتقوم بالاستجابات المناسبة لها , وكذلك تقيمها وتصنفها وتضعها في ذاكرتها , وتتعلم الكثير من الأمور , ولكنها لا تستطيع أن تعالج أفكار تمثل الأحاسيس أو الأشياء , فليس لديها لغة مثلنا يمثل فيها كل شيء , . لقد راى البعض أن التفكير من دون لغة صعب أو غير ممكن , عندما أخذ طريقة تفكيرنا المتطورة فقط كمثال للتفكير .
يمكن اعتبار التفكير بالأحاسيس التي تستدعى من الذاكرة هو شكل أولي من التفكير بالتفكير , و بنشوء اللغة المحكية لدينا تطور التفكير بالأحاسيس ليصبح تفكير بكلمات ترمز للأشياء وغالبية أمور حياتنا , وكان تأثيرالحياة الاجتماعية ونشوء اللغة المكتوبة ونشوء الثقافة وتطورها , هو الذي سمح لقدرتنا على التفكير بالأفكار وجعلها متطورة بهذا الشكل .
فالذي سمح لنا أن نفكر في تفكيرنا هو اللغة بالإضافة للحياة الاجتماعية التي أنشأت الثقافة , ولولا اللغة لما كنا نستطيع أن نفكر في تفكيرنا وتميزنا عن باقي الكائنات الحيّة في طريقة وأسلوب تفكيرنا .
إذاً أهم العوامل التي سمحت لنا التفكير بالأفكار هو امتلاكنا للغة محكية ومن ثم مكتوبة متطورة . طبعا بالإضافة لوجود : الذاكرة اللغوية المتطورة - وإمكانية نسخ الأفكار أو تذكرها - والتراسل بين فصي الدماغ - واستعمالنا التغذية العكسية أو جدل الأفكار - فهم عوامل أساسية أيضاً .
إن استدعاء فكرة ( أو إحساس ) لإعادة معالجتها هو الذي يسمح بالتفكير بالأفكار . وأيضاً رصد أفكار الآخرين والتفكير فيه هو بمثابة تفكير بتفكيرهم , وهذا ما أدى إلى تطور وتوسع قدرات ومجالات التفكير بالتفكير .
فللغة دور أساسي وهام في نشوء قدرتنا على التفكير بالتفكير , ويمكن اعتبار تصور كيفية حدوثه هو بمثابة تفكير بالتفكير , وأن الجدل الفكري الذاتي هو تفكير بالتفكير . والتفكير بالتفكير هو الذي وسع وعينا وميزنا عن باقي الكائنات الحية المتطورة والتي تفكر بطرق جيدة ولكنها لا تملك لغة متطورة , لذلك لا تستطيع التفكير مثلنا .

سؤال : ما هو الفرق بين الأحاسيس المباشرة وتذكر هذه الأحاسيس ؟
أولاً تنظر إلى الشجرة وتحس تأثيراتها شكلها وألوانها ورائحتها . . الخ .
بعد أن تغادر الشجرة تستعيد أو تتذكر تلك الشجرة وما أحدثت فيك من أحاسيس وتأثيرات .
ماهو الفرق بين هاتين الحالتين , الإحساس المباشر من جهة , وتذكر هذا الإحساس بعد حدوثه من جهة أخرى , أي إعادة إضرام الشعور بالأحاسيس السابقة .
ما الفرق بين تناول الطعام وما يحدثه من أحاسيس , وتصور أو تذكر أو التفكير في تناول الطعام وما يحدثه من أحاسيس , أو ممارسة الحب , وتصور أو التفكير في ممارسة الحب , عيش المشكلة أو المصيبة , وتصور أو التفكير في المشكلة أوالمصيبة . عيش التفوق والنجاح , وتصور الفوز والنجاح , عيش الآلام والأوجاع , تصور الآلام والأوجاع , ما الفرق بين زيارة بلد والسياحة فيه , وبين مشاهدة ذلك في السينما أو التلفزيون , أو تذكر زيارة سابقة وما جرى فيها . ما الفرق بين سماع لحن أو أغنية , وبين تذكر أو تصور سماع لحن أو أغنية .
ما هي خصائص كل من هذين الوضعين , أيهما أشد تأثراً أو أشد قوة ؟ وأيهما أجمل وأحلى ؟
فأنا عندما أقرر الذهاب في رحلة , أمر بتصورات لأحاسيس وانفعالات كثيرة قبل حدوث الرحلة , وهذه تؤثر على أحاسيسي عند حدوث الرحلة فعلاً وتتفاعل معها . هل الترقب والتوقع لأحاسيس معينة ثم حدوثها , هل يزيد أو ينقص من تأثيرها ؟ وهل يغير من تأثيراتها ؟ الظاهر نعم يغير .
فنحن البشر نتيجة اللغة والتواصل والعلاقات الاجتماعية والثقافة , أصبحت غالبية التأثيرات علينا تتأثر بما يخزن في ذاكرتنا من أحاسيس وأفكار وعواطف وانفعالات وإيحاءات وتوقع وترقب وآمال , وصارت تلك التأثيرات تفوق كثيراً تأثيرات الأحاسيس المباشرة . مع أنه في بداية حياتنا تكون الأحاسيس المباشرة هي المؤثرة فقط , وبالتدريج يتم تسجيل القوي والهام في ذاكرتنا , ويصبح مصدر تأثير إضافي عن حدوث وا يستدعي تذكره ودخوله ساحة شعورنا . ؟؟؟؟
أن برمجة الاستجابات وبالتالي التصرفات , والتعلم نتيجة الحياة , هو ناتج ترابط الأحاسيس ( الممتعة ) أو ( المؤلمة ) في الذاكرة مع الأفكار . ويجري تصنيف الأحاسيس إلى ممتعة – مؤلمة – محايدة , واعتماد هذا التصنيف بشكل أساسية في تقييم الحوادث والأوضاع , وتجرى تعديلات عليه عندما تستدعي الأمور ذلك .
فتأثير الأحاسيس الممتعة أو المؤلمة التي تسجل في الذاكرة . والتي نتجت عن الاستجابات والتصرفات المجدية بالنسبة للأحاسيس الممتعة والتي هي بمثابة مكافأة . والمؤلمة بالنسبة للتصرفات الفاشلة أو المعيقة لتحقيق دوافع وحاجات الكائن الحي والتي هي بمثابة عقوبة , هي التي توجه بشكل أساسي غالبية تصرفات الكائن الحي , وبالنسبة لنا تشكل أفكارنا , فهذا الترابط هو أساس برمجة التصرفات والتعلم , ثم يحدث ترسيخ لهذه التعلم نتيجة الممارسة المتكررة لهذه الاستجابات والتصرفات .
فالثقافة والأدب وكافة العلاقات البشرية تستخدم أو تعتمد بشكل أساسي على التفكير بالأفكار .

علاقة التفكير بالأفكار بظهور الوعي الراقي المتطور لدينا
عندما قال ديكارت : " أنا أفكر إذاً أنا موجود " فهو كان يفكر بالتفكير وبشكل متطور يعتمد على ثقافة متطورة , وهذا لا يستطيعه أي كائن حي غير الإنسان الذي يملك ثقافة متطورة , فهذا الإنسان يكون مدركا ً وواعيا ً لأبعاد الوجود وأبعاد " أناه أو ذاته " .
إن " أنا أفكر " تتضمن التفكير في التفكير أو رصد التفكير , لأنّ الأنا التي هي ناتج تفكير ترصد التفكير وتفكر فيه , أي تفكر بالتفكير . فنحن الوحيدين من بين الكائنات الحية الذين يمكننا أن نفكر في تفكيرنا ونرصده . لذلك مفهوم " الأنا " و إدراك الذات والوعي المميز والواضح لها , غير موجود لدى كافة الكائنات الحية , ربما ينشأ وعي بسيط لذاتها عندما يربيها الإنسان فترة طويلة ويتعامل معها باللغة , فيعطيها أوامر ويتلقى منها أوامر , وتشكل رفقة وصداقة معه .
ملاحظة على نشوء الأفكار
تنشأ الأفكار نتيجة تيارات كهربائية ومجالات كهرطيسية تجري في الدماغ . وخصائص الأفكار وتأثيراتها وقواها , هي ناتجة عن خصائص التيارات الكهربائية والمجالات الكهرطيسية , وتأثير الأفكارعلى المادة وقواها الفيزيائية هي ناتجة عن هذه الخصائص , بالإضافة إلى خصائص الأفكار الكثيرة التي ذكرنا أهمها , فقوى الفكر التي أدهشت الإنسان هي ناتجة عن استخدام خصائص الكهرباء , وهذه القوى يعتبرها الكثيرون قوى غير مادية , ولكن الآن ونتيجة تطور الفيزياء وباقي العلوم تعتبر المادة والكهرباء والمجالات الكهراطيسية ذات أصول واحدة ويمكن أن تتحول إلى بعضها البعض الخر .



























ما تفكر فيه
كما ذكرنا إن الهدف الأساسي للجهاز العصبي هو تحديد وتعيين "معاني" التأثيرات والأوضاع التي يتعرض لها الكائن الحي , وذلك من أجل التصرف بفاعلية عن طريق استجابات مناسبة تؤمن حماية واستمرار ونمو الكائن الحي , وكذلك من أجل تحديد وتعيين نتائجها المستقبلية المتوقعة على الكائن الحي , والتعامل معها بناء على المعنى الذي أعطي لها , والجديد من المؤثرات دوماً له الأفضلية في الدخول إلى ساحة الشعور لتحديده وتحديد مدى أهميته ومن ثم تصنيف تسلسل دوره في الدخول لساحة الشعور لمعالجته .
إن المؤثرات التي تدخل ساحة الشعور ( أو يتم الوعي بها ) وتعالج فيها تأخذ أهمية استثنائية على باقي المؤثرات الأخرى التي لا يتم الوعي بها , وبغض النظر عن أهميتها ودورها و وظيفتها الحيوية أو القيمية الفعلية , وهذا راجع إلى أن معالجة هذه المؤثرات لا تأخذ بالحسبان باقي المؤثرات الأخرى التي لم تدخل ساحة الشعور .
دور وأهمية ما يدخل لساحة الشعور . وطرق وأسالبي الإدخال التي تستخدم . لعب بعقله – غيَر له رأيه – غسلّو دماغه – ضحك عليه - . ., كل هذا يتم باستخدام التحكم في ما يدخل لساحة شعور الآخر , وتأثيرات كافة أشكال وسائل الإعلام تعتمد على التحكم في ما يدخل إلى ساحة شعور المتلقين .
و كما ذكرنا الطرق التي تدخل بها المؤثرات والتيارات العصبية والأفكار , إلى ساحة الشعور والوعي هي :
هناك أولاً واردات الحواس وهي التيارات العصبية الآتية من كافة الأعضاء والأجهزة الداخلية مثل الإحساس بالجوع أو العطش, والخوف وأحاسيس الانفعالات الكثيرة الأخرى .
وثانياً الواردة من مستقبلات الحسية الخارجية, مثل النظر والسمع.... وباقي مستقبلات الحواس الأخرى للعالم الخارجي .
وثالثاً واردات الذاكرة وهي التيارات العصبية الأتية من اللحاء وباقي أجزاء الدماغ, وهي ذات مصادر مختلفة , وهي التداعي نتيجة الإشراط أوالارتباط أو التتابع الزمني , وهناك الاستدعاء المخطط الإرادي الواعي , نتيجة المعالجات الفكرية الإرادية الواعية , وهذا نموذج المعالجة المتوازية لعمل النظام الشبكي اعتمده منذ عدة سنوات الأستاذ " وارن ماكلوك" ومساعدوه في معهد ماساتشوست للتنلوجيا , لتفسير طريقة اختيار ما يسمح بدخوله إلى ساحة الشعور . ويمكًن هذا النموذج من اتخاذ القرارات السريعة , فيما يتعلق بنوع التصرفات المطلوبة , رغم الكمية الهائلة الداخلة من المعلومات المختلفة .









الفهم البشري وفهم الثدييات الراقية
أن الفهم هو تذكر متفق ومنسجم مع ما هو مطلوب فهمه ( أي تأكيده ودعمه ), والفهم البشري متطور ومعقد نتيجة تطور اللغة والحضارة والمجتمع ، وهذا جعل كل شيء بحاجة للفهم بشكل أوسع ليتم التعامل معه بشكل أفضل فاعلية ، فالكلمات تفهم والقصص تفهم والأفكار تفهم والتعابير والحركات تفهم ، وأشكال الانفعالات تفهم ........الخ , كل هذا يفهم ضمن سياقه وضمن ارتباطاته بكافة عناصر الوضع الموجود فيه .
فالعقل البشري (وكذلك الثدييات تفهم وإن كانت لا تملك لغة ، فالفهم ليس مرتبط ضرورة باللغة ) يفهم أكثر بكثير من القراءة اللغوية لمعاني الكلمات ، فالفهم يصل إلى ما هو خلف الكلمات ، فهو لا يقرأ الكلمات فقط ، فهو يتعامل مع كافة عناصر الوضع من تعابير وحركات وانفعالات وسياق .....الخ المترافقة مع هذا الكلام . ويمكن أن يفهم من دون كلام ، فالفهم البشري متطور جداً ، فهو يتعامل مع القصد والغايات (ما يفكر فيه الآخر وما يسعى إليه وما يفهم هذا الآخر ) ، فالفهم البشري يبني ويشكل ( بتصور وبتخيل ) فهم وقصد الآخر المتعامل معه ، فهناك جدل وتبادل تأثير فكري وفهمي يتم بين المتخاطبين ، وهذا أعقد ما يقوم به العقل البشري .
والإنسان يقوم بالخداع والاحتيال والمناورة أيضاً عندما يتعامل مع الآخرين ليصعب عليهم الفهم ، أو ليخفي ما يريد إخفاؤه عنهم ، أو ليجعلهم يفهموا ما يريد هو أن يفهموه ، وهذا يضيف صعوبة أخرى على العقل ليفهم ما يجري بصورة جيدة . ونحن كثيراً ما نسمع عن سوء فهم أو سوء تفاهم ، وهناك أسباب كثيرة له، فهناك أوضاع يكون فيها الشخص ذاته لا يفهم بشكل جيد ما يريد هو نفسه ، وعندها كيف يمكن للآخرين أن يفهموه أو يفهموا ما يريد .
فالعلاقات البشرية المباشرة وغير المباشرة أعقد مما نتصور بكثير ، لذلك نجد المحاكاة والنسخ سائدة كثيراً ( ويتم ما يشبه توارثها ) فهي الأسهل والأوضح فهماً في التواصلات البشرية ، لذلك يستعملها غالبية أفراد المجتمع الواحد ، فالعادات والأعراف والتقاليد والأصول الخاصة بكل مجتمع تسهل كثيراً توحيد الفهم بين أفراد هذا المجتمع ، فهناك أصول وأنظمة وقوانين يتبعها الجميع للتفاهم فيما بينهم ( وهذا ما يميز المجتمعات المتخلفة عن المتقدمة ) ، وطبعاً هناك دوماً من يلعب بهذه الأصول ويخرقها ويتجاوزها لسبب من الأسباب .













التفكير والتخطيط
لقد عرٌف التخطيط بأنه الاختيار من بين البدائل بالنسبة لأهداف موضوعة أو هو اختيار من بين مسارات بديلة للتصرف المستقبلي, أي هو التعامل مع الخيارات الحالية والمستقبلية المتاحة, فهو لعب ولكنه هادف, أي هناك هدف موضوع مسبقاً وعن طريق اللعب - التجريب و الاختبارات الفكرية - يتم السعي لكي نتنبأ بدقة عالية عن كيفية سير الأحداث بناءً على الخيارات المتاحة ونختار ونقرر أيها أفضل بالنسبة لتحقيق هدفنا الموضوع.
إنه لعب فكري يستبق اللعب الواقعي وهذا ما يميز اللعب البشري عن كافة ألعاب الكائئات الأخرى فألعاب تلك الكائنات تجري مع الخيارات المادية الموجودة دون استباق المستقبل بشكل فكري , وألعاب تلك الكائنات تعتمد على الذاكرة المخزنة للماضي ولكنها لا تتوقع أو تتنبأ للمستقبل فالمستقبل مغلق بالنسبة لها, وهذا هو الفرق الأساسي والهام جداً بين تفكيرنا وتفكير كافة الكائنات الأخرى, وهذا ما عرفه وشعر به كل من فكر في هذا الموضوع فنحن نفكر ونتعامل مع الوجود بطريقة مختلفة عن باقي الكائنات لأننا نستخدم البنيات الفكرية التنبؤية- السببية واستباق المستقبل- وخصائصها الفريدة في التعامل مع الخيارات, إن هذا الفرق الهام جداً هو ما يميزنا عن باقي كائنات الوجود الأخرى فنحن نتعامل مع الخيارات في زمن مفتوح- نسبياً- ماض و حاضر ومستقبل أما باقي الكائنات فتتعامل مع الخيارات المتاحة لها في زمن الماضي والحاضر فقط, ولا تستطيع استباق الحاضر إلى المستقبل في تعاملها مع الخيارات . فالتخطيط والسببية الفكرية المتطورة هو ما يميز تفكيرنا عن باقي الكائنات , فنحن- فقط- نستطيع أن نختار الخيار الأنسب من بين مجموعة خيارات متاحة لنا وذلك بالاعتماد على أفضليتها المستقبلية وليس الحالية وذلك باستعمال البنيات الفكرية التنبؤية المتطورة العالية الدقة, وكلما كانت دقتها أعلى كان تخطيطنا أكثر فاعلية في تحقيق أهدافنا الموضوعة.

















التصنيف من آليات عمل العقل الأساسية
إن التصنيف له علاقته الهامة بالمعرفة وإطلاق الأحكام, والتصنيف ضروري للعلم, بل إنه أساسي للبقاء في هذا العالم .
فإذا لم تصنف الظواهر إلى أنماط عامة فسيكون علينا أن نتعامل مع كل منها على أنها نسيج لوحده, وسيؤدي إلى خلط لا مخرج منه , وإننا لن نستطيع أن نصل إلى أبسط التعميمات.
إن دقة التصنيف أو" التكميم" الجيد للتصنيف, يكون بخفض درجة التداخل بين البنيات التي يجري تصنيفها في أصناف مختلفة , وذلك بتحديد وتعيين كل صنف من البنيات بدقة عالية لكي يسهل التعامل معها فكرياً , و لتناسب الهدف الذي وضع من أجله التصنيف.
هناك تصنيفين أساسيين:
الأول هو: التصنيف البنيوي وهو تصنيف البنيات
والثاني هو: التصنيف الوظيفي وهو تصنيف الأدوار والوظائف لتلك البنيات.
والتصنيف البنيوي يكون للخصائص , والخصائص لها علاقة بالوظائف . لذلك هناك علاقة أساسية بين التصنيفين .
ومرجع التصنيف هام جداَ فهو الأساس للتصنيف والهدف من التصنيف، فالغاية أو الهدف من التصنيف تقرر طبيعة وخصائص التصنيف .
فتصنيف برغي أو عزقة ذات سن فرنسي مع عزقة ذات سن إنكليزي ( مع أنهما من نفس الحجم) لا يسمح باستعمال إحداها بدل الأخرى , وهذا يعني أن التصنيف حسب الحجم فقط لا يكفي ويجب مراعاة ملاءمة شكل وعدد الأسنان أيضاَ .
والتصنيف الكيميائي يمكن أن يعتمد فقط على تصنيف العناصر - الجدول الدوري- فقط لكي يستفاد منه في شرح وفهم التفاعلات الكيميائية العادية , أما إذا أريد من التصنيف التعامل مع التفاعلات النووية والإشعاعية , فعندها يجب توسيع هذا التصنيف بتصنيف كل عنصر إلى نظائره, فاليورانيوم 235 لا يصلح لصنع القنبلة الذرية ويلزم النظير 238 , لذلك يجب أن يكون التصنيف مناسباً وفعالاً لتحقيق الهدف منه .
لقد صنف الأقدمون بنيات الطبيعة إلى أربعة عناصر فقط الماء والتراب والهواء و النار , وصنفوا الأشياء إلى جماد وحيوان ونبات, و مادة وروح, وهذه التصنيفات ضعيفة في دقتها أودرجة تكميمها , وغير فعالة في بناء أحكام دقيقة .
إن دقة التصنيف هامة جداً لبناء الأحكام أو التنبؤات أو المعارف الدقيقة .
نأخذ تصنيف الأفعال إلى خير وشر - وهو تصنيف وظيفي- إن هذا التصنيف غير دقيق وغير كاف , فالمرجع للخير أو الشر غير محدد وغير معين ولا يحقق الهدف بشكل جيد وفعال, والأفضل منه تصنيف الأفعال إلى مفيد وضار أو محايد، وتحديد درجة الإفادة أو الضرر بالإضافة إلى تحديد الإفادة أو الضرر لمن ومن قبل من .
وهناك التصنيف الذي يعتمد على الانتماء أوالتضمن أو المجموعة , للبنيات , وهو من التصنيفات الهامة والفعالة في بناء المعارف والأحكام , فالتصنيف الذي اتبع في تصنيف أغلب العلوم تم بناءً على الانتماء أو تضمن البنيات لبعضها - أي التحليل والتركيب- , فتم البدء بالبنيات الفيزيائية وبتركيبها مع بعضها, فمثلاً تتشكل البنيات الكيميائية والبنيات الفيزيائية المعقدة الأخرى مثل الكواكب والنجوم, ثم تتشكل من البنيات الكيميائية البنيات الفزيولوجية , ثم البنيات الحية , ثم البنيات الاجتماعية , ثم باقي أنواع ومستويات البنيات الأخرى وفي كل مستوى تكون بنياته متضمنة في المستوى الذي يليه وتنتمي إليها - متضمنة فيها- بنيات المستوى الذي قبله , أي أن البنيات الكيميائية متضمنة في البنيات الفزيولوجية والبنيات الفيزيائية متضمنة في البنيات الكيميائية.
ويجب أن يهتم التصنيف – البنيوي- بالوظيفة أو الدور الذي تقوم به البنيات, عند دراسة وضعها كبنية جزئية في بنية أشمل منها, أو كبنية شاملة لبنيات جزئية، ففي تحديد الدور أو الوظيفة يتم دراسة وتعيين التأثيرات المتبادلة بين البنيات, وهذه الطريقة من الدراسة والتصنيف توضح وتكشف آليات وطرق التغير، وبالتالي القوانين والنظريات.
ويجب أن يراعي أي تصنيف جيد وفعال التمييز الواضح بين البنيات الفكرية التي تمثل الأشياء- أي الهويات أو الأسماء- من جهة, والبنيات الفكرية التحريكية - أي الأفعال والآليات- من جهة أخرى, ويجب أن يميز بين البنية الجزئية والبنية الشاملة لها أي منهما البنية الجزئية وأي منهما البنية الشاملة, و يجب كما قلنا أن يحدد في كل تصنيف المرجع والأساس الذي يبنى عليه التصنيف, ويجب أن يحدد الهدف أو الدور – الوظيفة- لكل تصنيف لماذا ولأي غاية نصنف ؟
فمثلاً: يمكن تصنيف السيارات حسب سعرها, أو حسب جمالها, أو حسب استخدامها, أو حسب قوتها...... , فهناك الكثير من طرق التصنيف لنفس النوع من البنيات, وذلك حسب الهدف من هذا التصنيف, وكذلك يمكن أن تصنف الكائنات الحية بطرق كثيرة , وكذلك يصنف الناس, وتصنف الأحكام- وهذا تصنيف وظيفي- إلى أحكام قيمة وأحكام واقع, وكذلك تصنف الاستجابات إلى أفعال وإلى أحاسيس . والتصنيف الذي يعتمد على فروق الكميات هو أبسط أنواع التصنيف .
مثال آخر على التصنيف: إذا كان لدينا عشرة كتب ونريد تصنيفها, فإن هذا سهل جداً لأن أي تصنيف لها سيكون كافياً للتعامل معها بفاعلية وسهولة , ولكن إذا كان لدينا مليون كتاب نريد تصنيفها كيف نفعل ذلك بحيث نستطيع التعامل بفاعلية وبحيث نستطيع الوصول إلى ما نريد بسهولة وسرعة إن هذا حتماً ليس بالأمر السهل, فهنا تظهر أهمية التصنيف الجيد في حالة تنوع وكثرة البنيات التي نتعامل معها ونريد تصنيفها ونحن نلاحظ الأهمية القصوى لتصنيف المعلومات وطرق البحث عنها على الأنترنيت .
وتبقى طريقة التصنيف بنموذج الشجرة - أصل وفروع- هي الأكثر استعمالا وفاعلية والأنسب لعمل العقل البشري, لأنها تناسب آليات عمل العقل وخاصة ًفي تنظيم و تخزين واسترجاع الأفكار والمعارف, وهذا يظهر أن تخزين الكم الهائل للمعلومات في العقل البشري إذا لم يكن منظماً أو مصنفاً بطريقة نموذج الشجرة أو شبيه بهذا النموذج لن يحقق فاعلية في استرجاع المعلومات مع أنها موجودة ومخزنة بقوة ووضوح في الذاكرة, فآليات الترابط والتداعي العاملة لا تستطيع الوصول إليها لاستدعائها إلى سبورة الوعي ,إن هذا يشبه تخزين الأشياء في مستودع أو سقيفة بعضها فوق بعض وبشكل عشوائي, فيكون الشيء المطلوب موجوداً ولكن الوصول إليه واستخراجه صعب وشبه مستحيل وخاصةً إذا كانت هناك أشياء كثيرة متراكمة فوقه, فعندها يفضل شراؤه بدلاً من البحث عنه, وهذا ما يحدث للمعلومات المخزنة في الذاكرة عندما لا تكون منظمة ومصنفة بطريقة مناسبة.
ولكن تصنيف كافة المعارف بنموذج شجرة واحدة يشملها كلها ليس بالأمر السهل, ولابد من عدة نماذج, وهذا راجع لعدم معرفة كافة الترابطات التي تسمح ببناء نموذج وحيد يضم كل تلك المعارف.
والشيء الهام أيضاً هو تحديد عدد التفرعات وأماكن وشكل هذه التفرعات في هذا النموذج, أي تحديد الترابطات والعلاقات فهذا ليس بالأمر السهل, فهناك آلاف الأنواع من العلاقات والتفاعلات والآليات, وهذا يستدعي وضع نموذج آخر لهذه العلاقات, أي يجب وضع نموذج شجرة للبنيات و الأشياء, ونموذج شجرة للعلاقات والتفاعلات والوظائف.
أما طريقة المعجم بالتصنيف مع أن لها وظيفتها في تخزين المعارف خارج العقول, فهي غير مناسبة أبدًا لتخزين واسترجاع المعلومات بالقدرات العقلية فقط , فهي لا تساعد على الحفظ واسترجاع المعلومات الموجودة في الذاكرة.
وقد كانت طريقة التصنيف التي اتبعتها الموسوعات لا بأس بها, فهي اعتمدت تصنيف الشجرة أو الأصول والفروع بالإضافة إلى طريقة المعجم.
وقد اعتمدت طريقة الخرائط أو الجغرافيا والبيانات والجداول والمخططات المصورة, والنظرة الشاملة ثم الخاصة بكل فرع أو قسم أو مجال والتي تظهر العناصر والعلاقات بينها كطريقة لتنظيم وتصنيف المعلومات وتوضيحها حيث ثبت أنها الأفضل, فهذه الطريقة تتعامل مع المعارف بطريقة ومنهج فكري بصري ولغوي معاً لتوضيحها وإظهار العلاقات بينها باستعمال الصور والبيانات التي تتضمن الكثير من المعلومات والعلاقات التي لا يمكن توضيحها باللغة فقط بالإضافة إلى أنها توضح خصائصها بشكل أفضل.
والمنهج الجغرافي يمكن استعماله حتى بدون استعمال صور, كما في الجغرافيا الاقتصادية أو السياسية..., وذلك باستعمال اللغة في توضيح صورة الوضع الإجمالي العام والخاص بالأصول والفروع, وميزات المنهج الجغرافي كثيرة جداً.
هل هذا كل شيء ؟
طبعاً لا , إن كل ما ذكرنا أصبح غير كاف الآن, فهو يتعامل مع صيرورة الواقع بطريقة السببية العادية البسيطة المختزلة وهي محدودة.
وقد نشأت طريقة جديدة أفضل لمعرفة و فهم الواقع وصيرورته, إنها " السيناريو" فهذه الطريقة تتجاوز السببية العادية وتستعمل السببية العامة أو الموسعة, بالإضافة إلى أنها تفتح الخيارات والاحتمالات الممكنة وتعددها, وتقارن وتفاضل بينها الاختيار الأفضل والأدق .
وقد كانت الأساطير والملاحم والعقائد هي السيناريوهات التي وضعها البشر قديما ً ، ونحن دوماً نضع سيناريوهات لأغلب ما نصادفه من أوضاع ونتبنى هذه السيناريوهات كأنها وقائع سوف تحدث فعلاً ونتصرف غالباً على أساس ذلك.











كيف تشكلت البنيات الفكرية
إن البنيات الفكرية ومخزون الذاكرة, تتشكل في أدمغة الكائنات الحية في أول الأمر , من واردات الحواس . فهي تتكوٌن نتيجة ترابط كمية معينة من واردات الحواس مع بعضها نتيجة تزامن حدوثها معاً بالإضافة إلى تكرار هذا الحدوث , ونتيجة آليات وعوامل أخرى , فتتشكل بذلك البنيات الفكرية الأولية أو الأساسية . وهذا يتم بعدما أن تتوضع في الذاكرة وتكون على شكل بنيوي أي حدوث نمو لمشابك ومحاور الخلايا العصبية التي تكرر مرور التيارات العصبية فيها . وعندها يصبح بالإمكان إعادة إنشائها نتيجة وصول جزء منها , وليس كلها.
فالبنيات الفكرية تتشكل نتيجة تثبيت وتحديد مجموعة معينة من واردات الحواس التي دخلت معاً إلى الدماغ , أو نتيجة ترابطها مع بعضها . والتثبيت ينتج عن تنامي محاور ومشابك الخلايا العصبية . و واردات الحواس تكون ذات كمية وشدة وخصائص ثابتة محددة أثناء إرسالها إلى الدماغ , فهي بمثابة صورة ثابتة محددة التقطت للواقع أثناء صيرورته .
هذا النوع من البنيات الفكرية الخام موجود لدى غالبية الكائنات الحية , فأصول الدماغ واحدة , فالفرق بيننا وبينهم هو في زيادة التخصص والتعقيد , ونشوء اللغة المحكية ثم المكتوبة هو الذي أحدث تلك الفروق الكبيرة بيننا وبينهم .
فعندما يولد الأطفال يبدؤون في أول الأمر بتشكيل بنياتهم الفكرية الخام , وبعد فترة يبدؤون بتشكيل بنياتهم الفكرية اللغوية .
وكل شيء ليس له واردات حسية يصعب على العقل تشكيل بنية فكرية له , والأفكار التي تنتج عن معالجة البنيات الفكرية اللغوية , هي فقط التي توجد بنيات فكرية ليس ضرورياً أن يكون لها أصل واقعي .
ولدى الإنسان الذي يعيش حياة اجتماعية تطورت هذه البنيات الفكرية العصبية الخام نتيجة التواصل بين الأفراد , فترابطت سلسلة البنيات الفكرية الخام لتشكل بنيات فكرية لغوية , عندما مثلت بعض البنيات الفكرية الخام بإشارات فيزيائية ( أصوات وتعبيرات وحركات . . ) تدل عليها , وهذا أدى لنشوء البنيات الفكرية اللغوية وتطورها لتصبح كما هي عليه لدينا الآن.
فاللغة لدينا تمثل البنيات الفكرية والحسية الكثيرة المتنوعة , ببنيات فكرية لغوية ومن ثم بنيات فيزيائية أصوات وإشارات محددة معينة وموحدة يتم التواصل بها بين الأفراد .
واستعملها دماغنا في معالجته البنيات الفكرية , فكل جملة هي بيان لعلاقات أي هي تصف أو تمثل صيرورة جزء من الوجود .
وهذه البنيات اللغوية الفيزيائية المرسلة للدماغ الآخر تصبح هي أيضاً مدخلات حسية , فهي تتحول من جديد لبنيات فكرية خام , وتصبح بنيات فكرية دلالية . فهي ترمز أفكار تم إرسالها من إنسان لآخر .
وبذلك نشأت وسيلة تستطيع بها البنيات الفكرية الانتقال من عقل إلى آخر وذلك عن طريق ترميزها ببنيات لغوية فيزيائية أصوات وإشارات تنتقل إلى المستقبلات الحسية للعقل الآخر ويقوم هذا العقل بفك رموزها وإعادتها إلى بنيات فكرية . أي نشأت وسيلة للتواصل بين الناس . فهذا تم بعد أن تحولت البنيات الفكرية اللغوية إلى بنيات فيزيائية لغوية ( مؤثرات فيزيائية إشارات وأصوات) , فإذا تلقتها حواس إنسان آخر يمكن أن تتحول إلى بنيات فكرية لغوية ثم إلى بنيات فكرية ومعاني , إذا تم فك رموزها .
فبهذا تنتقل البنيات الفكرية من دماغ إنسان إلى آخر وتصبح مهيأة لكي تتوضع فيه , أي يمكن أن تتحول هذه البنيات الفيزيائية اللغوية إلى بنيات فكرية عصبية و تتوضع في دماغ المتلقي .
عندما أوجد عقل الإنسان البنيات الفكرية اللغوية التي استطاعت أن تمثل البنيات الواقعية وتمثل تفاعلاتها مع بعضها , وبذلك شكل نموذجاً للوجود , وكذلك تكون زمن فكري (ذاتي وجماعي) يمثّّل الحوادث و صيرورة الوقائع . فهو بذلك يستطيع أن يعرف أي يتنبأ بالأحداث , أو نتائج تفاعلات بين بنيات , حدثت في الماضي أو سوف تحدث في المستقبل .
وكذلك يستطيع أن يتنبأ بحوادث أو تفاعلات لم يتأثر إلا بجزء قليل منها , فهو يكمل ما ينقصه ويضع سيناريو للكثير من تلك الحوادث .
فكما ذكرنا الفكر يستطيع السير بتفاعلاته الفكرية بسرعة أكبر من السرعة التي تجري فيها في الواقع , أي إلى المستقبل . وكذلك يستطيع السير إلى الماضي عن طريق عكسه التفاعلات أو التحليل , ووضعه لسيناريو لما يمكن أن يكون حدث أو ما سوف يحدث , وتزداد دقة تنبؤاته باستمرار لتقترب من الواقع الفعلي . وبذلك فُتح الزمن في هذا النموذج الذي صنعه للوجود . فالعقل عندها يستطيع السير فكرياً عبر الزمن إن كان إلى الماضي أو إلى المستقبل .
إن قدرات العقل البشري هائلة , وعندما يتعامل مع الواقع اللا متناه تكون الخيارات المتاحة لتفسيره هي أيضاً لا متناهية, فهو يستطيع تشكيل أغلب ما يريد من البنيات الفكرية ويعطي المعاني التي يريد لهذه البنيات.
وأول من عرف ذلك هم السفسطائيون , وقد اقتربوا بذلك من فهم الوجود بشكل كبير لأنهم عرفوا أهم خصائص الوجود, وخصائص العقل , فاللعب بالأفكار المتاحة واسع جداً , وخاصةً بالنسبة للعقل الذي تعلم الكثير من الأفكار, فقد أدركوا الخيارات الهائلة المتاحة أثناء التفكير, وهذا جعل كل شيء متاح في التفكير, فكل فكرة مهما كانت يمكن الرد عليها إما بتفنيدها ونقدها أو بتأييدها ودعمها .


















اللغة المحكية واللغة المكتوبة
إن ما يكتسب نتيجة التواصل الاجتماعي الواسع والمنوع والمعقد , والذي يتم نسخه و توارثه بالمحاكاة والتعلم أدى لنشوء تواصل إيمائي إشاري متطور, وبالتالي مهد لنشوء لغة محكية حدث تطور لها , ومن ثم تشكلت اللغة المكتوبة .
فمنذ حوالي مليوني سنة كان الإنسان يملك قدرات جسمية متواضعة نسبياً , مع وجود بيئة وأوضاع وحوادث متنوعة كثيرة ومعقدة و خيارات كثيرة , ووجود الكثير من التهديدات والأعداء . فكان بحاجة ماسة للتكيف مع الظروف والبقاء , وهذا أدى لتطور قدرات التواصل الإيمائية أوالإشارية , ومن ثم الصوتية أو اللغوية مع أفراد بني جنسه بشكل سريع , وهذا ما دفع الدماغ وبالذات اللحاء للنمو والتطور السريع خلال زمن قصير نسبياً . وهذا ما أدى إلى توصل الدماغ لقدرات تمثيل وترميز الواقع بأفكار مناسبة ونشوء اللغة , وكان هذا من أهم عوامل حدوث القفزة التي ميزتنا عن باقي الكائنات الحية , وهي القدرة على التخاطب الفعال بواسطة الإيماءات والإشارات ومن ثم تمثيل الواقع بلغة محكية ثم مكتوبة متطورة .
والأهمية الكبرى لللغة والتي كانت العامل الأساسي في تطور الذكاء البشري بشكل جعل تفكيره ومعالجة المعلومات المدخلة لدماغه مختلفة ومميزة عن باقي الكائنات الحية , حتى التي دماغها أكبر بكثير من دماغه هي :
أنها سمحت لكافة مركز الاستقبال الحسية أكانت سمعية أم بصرية أم شمية . . الخ تستطيع الترابط مع بعضها بواسطة اللغة , التي استطاعت تمثيل الكثير من تأثيرات المدخلات الحسية برموز صوتية لغوية , وذلك عن طريق مناطق الارتباط اللغوية في الدماغ , وهذه المناطق التي تشكلت واتسعت بشكل كبير هي الأساس الذي حقق لنا الذكاء المتميز عن كافة الكائنات الحية .
فبواسطة اللغة يتم التنسيق المترابط بين المركز البصري والسمعي والمراكز الحسية والحركية . . لتعبر عن المفاهيم ، وهذا ما يجعل الدماغ يعمل كلاً موحداً . فنحن الوحيدون من بين الكائنات الحية الذين نستطيع تمثيل غالبية الأحاسيس والأفكار بواسطة رموز لغوية فكرية وهي الكلمات .
ويرى تشومسكي :
أن الإدراك اللغوي والقدرة اللغوية هي صفات إنسانية أساسية تكمن في النوع البشري فقط . حيث أن لغة الفرد العادية هي عملية إبداعية ، وأن كل كلام هو تجديد في ذاته ، فاللغة ملكة إنسانية , والنحو عند تشومسكي هو مجموعة القواعد التي تُمكِّن الإنسان من توليد مجموعة من الجمل المفهومة ذات البناء الصحيح , وهو يفرق بين القدرة التي هي ملكة معرفة اللغة؛ حيث يمكن للفرد إنتاج وفهم عدد غير محدود من الجمل ، وتحديد الخطأ وتلمس الغموض الكامن في الناتج اللغوي من جهة , وبين الأداء الذي هو عملية استخدام هذه القدرة في نسق محدد من جهة أخرى .
فاختراع الكلمات وسع حدود العقل والوعي , ولم يبدأ التواصل والربط بين مناطق الأحاسيس المختلفة هذا إلا منذ حولي 150 ألف سنة . وأخذت المعلومات عن مختلف جوانب الحياة تمثل بكلمات يتم التواصل بها بين الأدمغة .
وتطورت طريقة ربط الأفكار وهذا أدى لنمو الذكاء البشري بشكل كبير وسريع وغير مسبوق . فبواسطة اللغة المحكية بدأت القصص والروايات ومن ثم الأساطير بالتشكل والتداول بين أفراد الجماعة , وهذا سمح مع أمور أخرى بنشوء وتكوّن الثقافة الخاصة بكل جماعة , والتي صار يتم توارثها وتناميها نتيجة الحياة والتواصل الاجتماعي عن طريق هذه اللغة المحكية , وفي هذه المرحلة تم حدوث القفزة الكبيرة للتفكير والذكاء البشري التي ميزته عن باقي الكائنات الحية .
منذ حوالي 300 ألف سنة بدأت اللغة بالتكوّن من الأصوات إلى الكلمات , وتطورت لتصبح كما هي عليه الآن خلال 150 ألف سنة .
كانت أهمية اختراع الكلمات في التواصل تتمثل في ابتكار أصوات محددة معينة أوضح وأدق من الإيماءات يتم تعليمها للصغار بسهولة . لقد سهلت اللغة عملية نقل الأفكار المتزايدة التعقيد .
كانت اللغة المحكية تستلزم التواصل المباشر بين البشر ليتم تناقل وتوصيل المعارف والأفكار , لذلك عندما تشكلت اللغة المكتوبة , وهذا كان منذ وقت قريب حوالي 6500 سنة وهي بداية التاريخ المكتوب , تمت قفزة أخرى سمحت بتناقل المعلومات والأفكار دون التواصل المباشر , وبالتالي تراكمها نتيجة توضعها أو تخزينها خارج الدماغ برموز وإشارات مادية تحفظها لفترات طويلة , وبذلك نشأ التاريخ نتيجة التواصل بين البشر الذي حدث نتيجة اللغة المكتوبة التي سمحت بانتقال الأفكار والمعلومات خلال الأجيال المتعاقبة .
لقد اعتمدت المجتمعات الإنسانية اللغة الصوتية المحكية كأساس في التواصل , وكانت الكلمات مؤلفة من وحدات صوتية أو فونيمات وليس من حروف . وكانت هذه الوحدات الصوتية تنقل الأفكار والتوجهات والأوامر بين أفراد الجماعة المتعامل بها . والكلمة المنطوقة لها قوة وفعل , فعند الشعوب البدائية اللغة المحكية هي أسلوب للفعل وليس مجرد علامة مقابلة للفكرة , وهي أساس التواصل بينهم . ولن توجد لغة مكتوبة دون أساس محكي لها , والكتابة لا تستغني أبداً عن الحكي , فاللغة المحكية هي الأساس . وكثير من اللغات لم تتحول إلى كتابة . والتفكير البشري يختلف بشكل واضح عندما يتم التحول من اللغة المحكية إلى لغة مكتوبة .
لقد نشأت أولاً اللغة المكتوبة التصويرية أو الهيلوغروفية ومن ثم اللغة المكتوبة الأبجدية . وكانت القراءة هي تحويل اللغة ( أوالرموز البصرية ) إلى رموز صوتية يجري نطقها , وهذا يستدعي سلامة البصر والسمع والنطق . وكان الترابط الوثيق بين قواعد النحو للغة والمضمون الدلالي لها , يحدد تكوين النظم اللغوية الفاعلة في تكوين الرسائل المعرفية ويسهل نقلها , ويجعل الطرائق اللفظية المختلفة للكلمات معاني مصاحبة لنمو الأفكار وصياغتها بما يتوافق مع المضامين لمعانيها الشعورية والدلالية لتحقيق أعلى قدر من الانسجام مع نظام الأفكار , بما ينطبق مع حالة الأفكار المعبرة عن مغزى واحد بطرق مختلفة . فالتوافق المنسجم بين الناحية الشعورية والنحوية والمعنى الدلالي يعطي اللغة مقدرة لتحقيق تواصل اجتماعي فعال .
إن المخ البشري الآن مهيأ لتحليل الوحدات الدنيا للجهاز الصوتي إلى فونيم ، أو وحدة صوتية متميزة ، فعندما يختلف معنى الكلام تحدث اختلافات صوتية تتضمن هذا الاختلاف . فالعلاقة بين الأنظمة الصوتية للحروف وقدرة التجاوب مع لفظها من خلال تأمين أوضاع وحركات فموية تميز أصوات الأحرف وحالة إخراجها , وتطور ذلك وأصبح بالامكان نقل الكثير من الدلالات والمعاني والأحاسيس والأفكار . والدماغ عندها يعمل ضمن التنسيق المترابط بين المركز البصري والسمعي والمراكز الحسية والحركية . . .
هناك فرق كبير بين تعلم اللغة المحكية وتعلم اللغة المكتوبة , ففكرة أن الأطفال يمكنهم تعلم القراءة بالطريقة نفسها التي تعلموا بها الكلام , أظهر الواقع عدم دقتها , فتعلم القراءة ليس بالأمر السهل كتعلم الكلام .
يتذكر معظمنا كيف تعلَّم القراءة ، في الوقت الذي لا نستطيع فيه تذكر أي شيء خاص حول تعلّمنا الكلام . ومع أن هاتين المهارتين متصلتان ، فإن طرق اكتسابهما تختلف اختلافا بيِّن .
فتعلم الكلام يتم طبيعياّ بالنسبة إلى جميع الأطفال تقريباً , ولكن تعلم القراءة يحتاج إلى تدريس متقن وجهد واع . وذلك يذكرنا بشيء من معاناة طفولتنا المبكرة ، عندما كان تعلم قراءة مقطعٍ بسيطٍ عملا شاقاً للبعض .
إن تعلم القراءة يعتمد أساساً على اتصال الفرد اتصالاً مباشراً بالأشياء والناس والأحداث , ولا شك أن القراءة بحد ذاتها خبرة مهمة. فعن طريقها يستطيع الفرد تشكيل صور ومفاهيم جديدة تمكنه من توسيع فهمه للواقع . وهذا يعني أن كل خبرة جديدة في القراءة تفيد في تشكيل أرضية مناسبة لفهم مزيد من النصوص والتمتع بها.
أما الكتابة فهي نشاط عقلي معقد فمن خلاله تتم معالجة أنواع مختلفة من المعلومات والأفكار , واختيار الأفكار المناسبة لموضوع ما ، وتنظيمها في فقرات متماسكة وبناء الجملة وانتقاء المفردات والتعابير ومراعاة قواعد اللغة , لتشكيل موضوعاً يوصل الأفكار والمشاعر الى القارئ . فالترابط الوثيق بين القواعد الناظمة للغة والمضمون الدلالي لها يحدد تكوين النظم اللغوية الفاعلة في تكوين الرسائل المعرفية , فالتوافق المنسجم بين الناحية الإدراكية والحسية , مع النحوية والمعنى الدلالي يعطي اللغة مقدرة لتحقيق التواصل الاجتماعي الفعال .























التواصل واللغة
لقد نشأ التواصل بين أدمغة الكائنات الحية وتطور إلى أن أصبح على ما هو عليه الآن لدى الإنسان . فالحيوانات وخاصةُ الثدييات التي تعيش جماعات , لديها طرق تنقل بواسطتها نواياها أو أفكارها إلى رفاقها , فهي تستعمل الحركات والأصوات وتعابير الوجه والعينين لنقل ما يجري في دماغها إلى أدمغة الآخرين . فالغزال عندما يشاهد الأسد متحفزا ً لافتراسه ويشاهد تعابير وجهه وعينيه , ويقرأ نية الأسد لافتراسه , يجري ويهرب بسرعة . واللبوة وكل أم ( لدى الثدييات) تقرأ أو تعرف دوافع ونوايا طفلها من خلال تصرفاته فتعرف بعض ما يجول في دماغه , وكذلك وليدها يعرف بالوراثة ويتعلم أن يتواصل مع أمه فيقرأ بعض ما يجول في دماغها.
لقد استطاعت الحيوانات أن تتواصل مع بعضها ونقل بعض ما يجري في أدمغتها إلى الآخرين . فقد تحقق نقل جزء مما يجري في أدمغتها إلى أدمغة غيرها بواسطة لغة مؤلفة من رموز بصرية وصوتية وشمية .
والطفل بعد ولادته يتواصل مع أمه بإشارات وتعبيرات وحركات وبواسطة الشم واللمس والنظر والسمع وباقي الحواس ، ثم يبدأ التواصل اللغوي بالتشكل تدريجياً وبالاعتماد على التواصل الحسي الذي هو أساس التواصل بين الإنسان والواقع بكافة مجالاته .
إن الأحاسيس والمشاعر والأفكار تجري في دماغ كل إنسان , وهي تحدث بشكل فردي داخل دماغه , ولا يمكن أن يعلم بوجودها الآخرون , إلا إذا حدث ما يعلمهم بوجودها . أي حصول تواصل معهم يتم بموجبه إعلامهم بها , بالإضافة إلى ضرورة وجود ما يشابهها لديهم , و إلا يستحيل أن يتمثلوها و يتصورها وبالتالي يعرفوها .
والتواصل الحسي يبقى الأساس في كل تواصل مباشر مع الآخرين ، وهذا التواصل له عناصره وأسسه وآلياته وهي التي تقرر نتيجة التواصل .
فتأثير اللقاءات المباشرة بين البشر يختلف كثيراً عن تأثير اللقاءات غير المباشرة مثل المراسلات والاتصالات الهاتفية ، فتعابير الوجه ونبرات وخصائص الكلام وطريقة الرد كل منها تقرأ , والمعلومات المتضمنة في كل تواصل مباشر أوسع بكثير من أي لقاء غير مباشر .
وتأثيرات اللقاء المباشر لم تدرس بشكل كاف لأنها أوسع بكثير مما يتوقع ، وتأثيرات اللقاء المباشر تختلف من مجتمع إلى آخر مع أن هناك أسساً مشتركة عامة بين كافة أنواع المجتمعات . والتأثيرات الاجتماعية الثقافية والعادات وغيرها ظلت تنتقل عبر آلاف السنين بالاتصال المباشر , بالتعابير والتصرفات والإيحاءات و تعابير الوجه والعينين , مترافقة مع اللغة المحكية .
وقد تطورت اللغة لدينا نحن البشر متجهة نحو التخصص والاختزال والتبسط إلى أن أصبحت إلى ما هي عليه لدينا الآن , لغة صوتية أو بصرية محكية أو مقروءة , و بقي استخدام كافة أشكال التواصل الأخرى .
وتم توحيد الرموز والدلالات اللغوية لكي تسهل نقل ما يجري في العقل إلى الآخرين , فأصبحت أحاسيس ومشاعر وأفكار الآخرين مكشوفة بشكل كبير ومن ثم تحقق تواصل فعال لدى البشر .
فالإنسان الآن لم يعد يعي ذاته فقط , فهو يستطيع أن يتمثل وعي الآخر , ولم يعد وحيداً , فقد تداخل وعيه الذاتي مع وعي الآخرين . فالحياة الاجتماعية التي يعيشها ليست مشاركة مادية فقط , فهي مشاركة في الأحاسيس والمشاعر والأفكار والرغبات والوعي أيضاً .
لكي يتواصل إنسان مع آخر بواسطة اللغة يجب أن يستعمل الكلمات أو الدلالات التي تمثل نفس المعاني والأفكار لديه , فلن يستطيع عقل إنسان أن يدرك أفكار عقل إنسان آخر إلا إذا استعملت واسطة تواصل ( لغة ) موحدة بين الاثنين, عندها يمكن نقل ما يدركه أو ما يشعر به أو يفكر به أحدهما إلى الآخر.
إن آليات التواصل بين البشر تشابه كافة آليات الإرسال و الاستقبال تماماَ , فهناك بنيات لغوية تمثل البنيات الفكرية تقوم بنقل مضمون الأحاسيس والأفكار والمعاني من عقل إنسان لآخر, وهذه تنقل على شكل أصوات أو رموز بصرية أو غيرها من وسائل الترميز, وتحمل المعلومات من عقل إلى آخر.
ويجب أن تتطابق آليات أو دارات الإرسال مع مثيلتها في الاستقبال ، لكي يتم نقل الرموز وبالتالي الأفكار والمعاني , فأنا لا أستطيع نقل مفهوم أي إحساس إلى إنسان آخر إذا لم يكن لديه نفس الإحساس أو شبيه به , أي يجب وجود - بنية أو جهاز- إحساس لدى الإنسان الآخر تشابه بنية الإحساس الموجودة لدي , لكي يستطيع استقبال ما أرسله له , وبالتالي يشعر بشبيه ما أشعر.
فالتواصل البشري بكافة أشكاله يعتمد على الأحاسيس والأفكار المتشابهة بالدرجة الأولى , وعلى البنيات الوسيطة المتشابهة - اللغة أو الرموز الموحدة - وعلى تشابه بنيتي الاستقبال والإرسال , أي يجب تشابه بنية وآليات العقلين المتواصلين , مثل أجهزة الراديو وكافة أنواع أجهزة التواصل, والتواصل الإنساني طبعاَ أعقد بكثير من أي تواصل آخر .
قال برغسون:
" هناك شيء واحد أمام الفيلسوف يستطيع أن يفعله , وهو أن يعين الآخرين على الشعور بحدس مشابه لحدسه، وذلك بواسطة التشبيهات والخيالات والصور الموجهة بالأفكار "
إذاَ لكي ندرك ما أدركه وما شعر به أفلاطون أو أرسطو أو فيثاغورس... وباقي الفلاسفة والمفكرين والعلماء, أو ما يقوله الأدباء والشعراء بشكل خاص , يجب علينا أن نستخدم بنيات لغوية نبني بها أفكار خاصة بنا تشابه الأفكار التي توصلوا إليها وأعطتهم الإدراك والشعور ذاك , عندها يمكن بذلك أن ندرك ونشعر بشبيه ما أدركوه وما شعروا به.
إن كل إنسان يجد أحاسيسه وأفكاره وحقائقه واضحة وصحيحة ومدركة بسهولة , ولكن عندما ينقلها لإنسان آخر يجد في أغلب الأحيان عدم تقبل أو تفهم أو إدراك لهذه الأفكار , وذلك بسبب اختلاف البنيات الفكرية أو اللغوية أو طريقة المعالجة الفكرية التي استعملت من قبل الاثنين , بالإضافة إلى اختلاف الدوافع والأهداف والمراجع بينهما .
قال أحدهم :
" نحن نرسل ونستقبل حالاتنا المزاجية من وإلى بعضنا البعض إلى الدرجة التي يتم فيها تنظيم للنفس خفي ضمني . أحياناً يكون تأثير بعض من يصادفوننا تأثيراًً سيئاً , وأحياناً أخرى يكون التأثير منعشاً للذات .
هذا التبادل الشعوري العاطفي يحدث من دون أن ندركه حسياً , لأنه يتم برهافة, مثل الأسلوب الذي ينطق به البائع مثلاً بكلمة "شكراً " فقد يتركنا وقد شعرنا بالتجاهل والغيظ , أو بالترحيب والتقدير . فنحن ننقل المشاعر لبعضنا البعض كما لو أنها فيروسات اجتماعية .
نحن نرسل إشارات عاطفية للمحيطين بنا , إشارات تؤثر فيهم . وبقدر ما نكون حاذقين اجتماعياً , تكون قدراتنا أفضل فيما نرسله من إشارات عاطفية . إنها- ببساطة- الوسيلة التي تضمن عدم تسرب الانفعالات المزعجة التي تسبب الضيق والكدر إلى علاقاتنا . والذكاء العاطفي يشمل" إدارة هذا التبادل" للإشارات. فالأشخاص القادرون على مساعدة الآخرين وإشباع رغباتهم يملكون سلعة اجتماعية ذات قيمة خاصة , "
مع نشوء وتطور التواصل اللغوي بقيت التأثيرات الحسية موجودة وتفاعلت معه في نقل المعلومات والتواصل بين أفراد الجماعة ، لذلك نجد فرقاً كبيراً بين الوضع النظري والوضع العملي في العلاقات الاجتماعية المباشرة .
فالمهارة في العلاقات الاجتماعية يكتسبها البعض خلال حياتهم دون دراسة نظرية ، فهم يكتسبونها ويتعلمونها من الاتصالات الواقعية المباشرة مع الآخرين ، وهذه المهارة يصعب تعلمها نظرياً لأنها تكتسب بشكل عملي مباشر , لكي تشترك كافة الأحاسيس مع الأفكار أثناء ممارستها ويتم الترابط والانسجام بين التصرفات والانفعالات والأحاسيس والأفكار .
فمهارات التواصل الاجتماعي المباشر هي من أعقد المهارات ، و مع أنه يمكن اكتسابها وتعلمها بطريقة مدرسية إلا أن ذلك يحتاج إلى زمن طويل ، وتشارك فيها كافة طرق التواصل . إن هذه المهارات تكتسب أثناء الحياة وعندما تتاح للفرد عناصر وخصائص فزيولوجية وعصبية ونفسية موروثة مناسبة ، وظروفاً وأوضاعاً وعلاقات اجتماعية ومادية مناسبة أيضاً ، فالأفراد الحساسون جداً أو الإنفعاليون أو الكسولون أو الإنطوائيون يصعب عليهم اكتساب مهارات في التواصل الاجتماعي المباشر . وكذلك الذين لم يتعرضوا لعلاقات اجتماعية واسعة ومتنوعة مباشرة مع الآخرين لا يحققون مهارات تواصل عالية .
وكما نعلم إن المهارة في العلاقات الاجتماعية المباشرة لها دورها الهام في كافة العلاقات والصفقات البشرية المباشرة ، فالتاجر الذي يتعامل مع الزبائن مباشرة يكون رأسماله الأساسي والفعال ليس المال أو البضاعة فقط ، بل مهارته في التواصل الاجتماعي مباشرة ، وهو يكتسبه بالممارسة وخلال الزمن وفي بدايات حياته لأنه يصعب اكتساب هذه المهارات أو ربما يستحيل في الكبر .
إن الماهر في التواصل المباشر يقرأ ويفهم ويعرف تعابير الوجه والصوت والحركات - وبدقة عالية - لمن يتواصل معه ، ويتصرف بما يناسب هذه الدلالات والأوضاع ، فالتاجر يعرف بعد بضع لحظات من اللقاء بأن الزبون يريد الشراء فعلاً أم لا ، أو أنه يستعلم فقط ، أو أنه يرغب كثيراً بالبضاعة أو العكس .......الخ .
والمهارة في التواصل المباشر تظهر بوضوح لدى الفرد الذي ينجح في مصالحة فريقين متخاصمين ، أو إجراء صفقة تجارية أو اجتماعية أو سياسية ........الخ .
إن الأمهات والآباء يفهمون أوضاع أولادهم بمجرد ملاحظات قليلة ، فهم يعرفون كيف يقرؤون حركاتهم وانفعالاتهم وأحاسيسهم ونبرات صوتهم وحركة وجههم ، كما أن الأبناء يعرفون آبائهم ، وكذلك الأصدقاء .
عندما يتواصل شخصان معاً , تنتقل الحالة النفسية من الشخص الأكثر قوة في التعبير عن مشاعره إلى الشخص الأضعف , وهناك أيضاَ بعض الأفراد أكثر حساسية في انتقال الانفعالات سريعاً إليهم .
إن ما نشعر به نحو إنسان- سواء كان شعوراً مريحاً أو سخيفاً- يكون في جانب منه على مستوى جسدي , وإن أحد العوامل المؤثرة في التفاعل بين الناس , هو الدقة التي يتم فيها التزامن العاطفي بينهم . فإذا كانوا خبراء في التناغم مع حالات الآخرين النفسية , أو قادرين على استيعاب الآخرين تحت سيطرتهم , عندئذ يسهل تفاعلهم أكثر على المستوى العاطفي . وهذا ما يميز القائد القوي أو الممثل القدير . إنها القدرة على تحريك آلاف الجماهير بهذه الطريقة . وهذا ما نعنيه حين نقول : " إن هذا الإنسان أو ذاك قد وضعهم في قبضة يده" فالجذب العاطفي هو جوهر التأثير" .
إن مكالمة أو كتابة أو فعل أي شيء للآخرين يكون غالباً بمثابة رسالة إلى فكر آخر ، وكل رسالة فكرية لا يمكن أن تصل وتحدث التأثير المطلوب أو المتوقع ، إذا لم تصل إلى الفكر المستقبل المناسب ، الذي يستطيع فك رموزها و يتأثر بها بالكيفية التي يتوقعها المرسل , والأهم من ذلك تقبل المستقبل استلامها ودرجة هذا التقبل , فالرسالة التي ترسل إلى من لا يرغب باستلامها ، أو لا يستطيع فك رموزها ومعرفة معناها المقصود, لن تحدث الأثر المطلوب، ويمكن أن تحدث أثراً مختلفاً غير متوقع .
وكما ذكرنا الأفكار لا يمكن نقلها أو إرسالها أو استقبالها إذا لم تحقق شروط التواصل الفكري . فنقل أفكار ومعلومات عن الدين البوذي إلى إنسان يؤمن بالدين المسيحي أو اليهودي ، لن تستقبل أو تحدث تأثيراً مماثلاً عندما تستقبل من إنسان يؤمن بالبوذية , فالخلفية أو الطريقة التي تفسر فيها الأفكار والمعلومات المنقولة ، تابعة لثقافة وأفكار ومعتقدات ودوافع الذي يقوم بتفسيرها .
فالتواصل الفكري معقد جداً ويتعرض للتغيير والتحوير، وهذا يكون في حالة نقل الأفكار والمعلومات غير الرياضية , فالأفكار الرياضية المنقولة والعلوم الفيزيائية تفسر بشكل موحد , هذا إذا تم استقبالها من قبل مستقبل مناسب .

طرق نقل الأفكار إلى الآخرين و فهم الرأي الآخر
لقد استخدم أفلاطون المحاورة في صياغة ونقل الأفكار إلى الآخرين ، وقد حققت طريقته النجاح في بناء ونقل أفكاره , وقد استخدم هذه الطريقة الكثير من المفكرين منهم جاليلو ، وتم استخدام الجدل والمحاورة الذاتية مثلما فعل ديكارت في التأملات ، وكانت هذه الطريقة فعالة أيضاً في صياغة ونقل الأفكار .
و قديماً استخدمت الطريقة الشعرية في رواية الملاحم المتضمنة للأفكار ، وكانت قد استخدمت في أول الأمر القصص والروايات لنقل الأحداث والأفكار المتضمنة فيها .
وقد كانت الأمثال الأكثر استخداماً وفاعلية في صياغة ونقل الأفكار والمعاني، ونحن نلاحظ هذا الكم من الأمثال لدى أغلب الشعوب .
والآن هناك طرق كثيرة لصياغة ونقل الأفكار المستخدمة في التربية والتعليم الابتدائي والثانوي والجامعي، وباقي طرق ووسائل الإعلام والتواصل ، وإن طرق صياغة ونقل الأفكار تحظى دوماً باهتمام كبير ، لأهميتها وفاعليتها ، وبالتالي تأثيراتها الكبيرة .
إن معرفة وفهم فكر و وجهة نظر الآخر ليس بالأمر السهل ، فهو صعب لعدة عوامل منها :
1_ لا يمكن معرفته إلا بطريقة غير مباشرة ، أي محاولة تمثيله بالوقوف مكانه، وهذا صعب لأنه يحتاج إلى قدرات كثيرة .
2_ عدم أهمية رأي الآخر بشكل مباشر ، فهو لا يهمنا بشكل مباشر يفرض علينا السعي لمعرفته وفهمه ، فذاتنا ورأينا هو المحسوس والمهم لنا .
3_ عدم توفر معلومات كافية لبناء ومعرفة الرأي الآخر فأغلبه محجوب عنا .
لذلك من الأسهل على كل منا اعتماد رأيه و فرضه على الآخر ، وهذا ما يفعله أغلبنا ، فخياراتنا هي الواضحة والملموسة والمعروفة، أما خيارات ودوافع الآخر فغير ظاهرة بوضوح لنا، وبالتالي أهميتها وتأثيرها بالنسبة لنا ضعيف ، فكل منا يحاول فرض دوافعه وخياراته على الآخرين ، كما يقوم الآخرون بفرض خياراتهم علينا . ولا بد من تنظيم ذلك طالما نحن والآخرون موجودون ويجب أن نبقى معهم شئنا أم أبينا .
من سوء التصرف وعدم فاعليته فرض خياراتنا على الآخرين , إلا في حالات خاصة وبعد معرفة دوافعهم وخياراتهم والأوضاع التي نحن جميعاً موجودون فيها.
إن معرفة دوافع وخيارات الآخر ورأيه وكذلك معرفة الوضع العام ، بالإضافة إلى معرفة دوافعنا وخياراتنا ثم السعي إلى إجراء صفقة مناسبة لنا وله هو المطلوب , فالصفقات نقوم بها نحن والآخر ، فكيف نحقق ذلك بمشاركة الآخر ومراعاة دوافعه ورأيه ، ودون فرض خياراتنا عليه ؟
هنا المشكلة ، ويمكن أن تحل ، أو هي حلت بوضع الأنظمة والأعراف والقوانين الاجتماعية بكافة أشكالها .
إن معرفة وفهم الآخر هامة وضرورية في حالة التعامل معه ، ففي كافة العلاقات الاجتماعية يلزمنا فهم ومعرفة الآخر ، لكي يتم التعامل معه بفاعلية وكفاءة ، وهذا ما قد حصل ، فقد تكيفت الانفعالات والعواطف بناء على فهم ومعرفة الآخر .
فالتعاطف والمشاركة والتقمص .. كلها آليات غريزية متوارثة ، مهمتها فهم ومعرفة الآخر والتواصل معه بفاعلية .
فالحياة البشرية الاجتماعية تكيفت بما يسهل التعامل والتواصل مع الآخر بشكل انفعالي تعاطفي غريزي . وكان هذا قبل نشوء اللغة ، وبعدها اتسع فهم الآخر وأصبح التعاطف والمشاركة بناء على الإشارات واللغة والدلالات الانفعالية يسهل فهم الآخر .
وكلنا يعرف ويفهم الانفعالات ودلالاتها الكثيرة بمجرد النظر والملاحظة للآخر ، فيمكن نقل وتبادل المعلومات الكثيرة عن طريقها .
ونشوء اللغة سهل فهم الآخر والتواصل معه من جهة ، وطور وعقد العلاقات البشرية من جهة أخرى , وبالتالي صعب فهم ومعرفة الآخر وما يفكر فيه- لزيادة الاحتمالات الممكنة في فك رموز ومعاني اللغة - وذلك نتيجة تطور المعارف والعلوم والعلاقات البشرية بشكل كبير ، وكان ذلك وبشكل خاص نتيجة سيطرة الكثيرين على انفعالاتهم وعلى الإشارات والدلالات الغريزية التي تظهر الوضع الداخلي للإنسان وبالإضافة إلى الكذب والمجاملة والتحايل وإظهار عكس الواقع .....الخ ، كل ذلك صعب فهم الآخر ، وخاصة إذا كانت هناك فروقاً في البيئات الاجتماعية والفكرية والعقائدية واللغوية .
والعقبات الكبرى في الوقت الحاضر في طريق فهم الآخر هي تعقد الأوضاع ، وبشكل خاص اختلاف الانتماءات ولاسيما المراجع، فالدلالات الفزيولوجية والنفسية والانفعالية واللغوية تداخلت مع بعضها ومع ما تم اكتسابه من عادات و معارف و ثقافات كثيرة مختلفة .

قدرات التواصل البشرية الخارقة تجعل كل إنسان عالم نفس
إن الذي مكن الروائي من بناء وتشكيل أو خلق الشخصيات في القصص والروايات والمسرحيات والأساطير .. هو قدرته على تمثٌل مشاعر وأفكار الآخرين عن طريق التواصل الفكري واللغوي والنفسي والانفعالي والحسي والرمزي ...الخ .
وكما ذكرنا مضامين الرسائل المتبادلة في اللقاءات المباشرة أوسع بكثير مما نتصور, وكل منا يملك قدرات تواصل أوسع بكثير من اللغة المحكية ، ( اللغة المحكية بما تتضمنه من نبرات الصوت وطريقة الإلقاء .....الخ لها قراءاتها ومدلولاتها ومعانيها الفكرية والنفسية ).. والإعجاز في هذه القدرات ما يشاهد لدى الكثير من الأدباء والروائيين في بناء وخلق الشخصيات والحوادث والمواقف .. لا يمكن أن يحدث دون وجود بنية تحتية له ، أي مؤهلات وقدرات وعناصر لازمة له .

قوة وأبعاد التواصل البشري
إن استعمال اللغة و كافة أشكال التعبير هي طريقة الدخول إلى عقل الإنسان الآخر والتأثير عليه , فإننا نستطيع بذلك , الإيحاء له بأفكار وتصورات ونوايا عن طريق ذلك .
إن هذه المدخلات مهما كانت طبيعتها تفرض تأثيراتها على هذا العقل , فهو مجبر على التعامل معها ومعالجتها والقيام باستجابات لها , وهذا يمكننا من التأثير على هذا الإنسان والتحكم في الكثير من استجاباته وبالتالي تصرفاته .إن هذه الظاهرة أو هذه القدرة التي نملكها كان يستخدمها الإنسان منذ القديم عندما أدرك فاعليتها وجدواها .
وكل منا لاحظ تأثير ذلك على الآخرين وخلق الإيحاءات والاستجابات لديهم وبالتالي التحكم بتصرفاتهم , وذلك عن طريق التكلم معهم بأسلوب وطريقة مناسبة . وقد كان للقصص و للخطابة والأمثال والشعر ( والآن الإعلام ) تأثيرهم الواضح الكبير.
وكانت الخطابة أشد تأثيراً لأنها كانت تستغل ظاهرة القطيع (أو الجمهرة ) التي تعتمد على المحاكاة والتقليد الغريزي للآخرين , وكلنا لاحظنا " هتلر" وغيره كيف كانوا يفرضون أفكارهم ودوافعهم وأهدافهم على الآخرين بواسطة الخطابة . وتأثير الإيحاء يمكن أن يكون ذاتي , " يكذب كذبة ويصدقها " مثل : جحا عندما قال للأولاد الذين يضايقونه . أن هناك وليمة في المكان الفلاني فركض الأولاد إلى هناك , وعندما فكر حجا بما قال , وجد أنه ربما يكون هناك فعلاً وليمة فركض خلفهم .
والوسوسة والتردد والتوهم . . هم ناتج تأثير أفكار وإيحاءات دخلت الدماغ وأعطت تأثيراتها . فإن الإيحاءات تشمل كافة مناحي حياتنا الثقافة والفكرية والعقائدية بشكل خاص .
والإيحاء هو أساس التنويم المغناطيسي , فإن كل منا يسعى للتأثير عليه ( وهذا أساس التنويم المغناطيسي)عندما يوحي إليه بأن أفكاره ومعارفه وقيمه هي الأفضل ويجب اعتمادها . فنحن نوحي لبعضنا بالأفكار والمفاهيم والقيم التي نعتمدها ونؤمن بها , وهذا بمثابة تنويم مغناطيسي نقوم به فنؤثر به عليهم وندفعهم لتبني أفكارنا وقيمنا وثقافتنا , وكذلك لتنفيذ أهدافنا ورغباتنا . وكافة أشكال الإعلام هي إيحاءات فكرية وثقافية وعقائدية وتجارية .
.ويفسر د . جون جروز يليير قوة الإيحاء في حالة التنويم المغناطيسي . يكون الفص الأيسر للمخ , وهو الجانب المسؤول عن النطق والتفسير والتحليل يكون محبوساً عن العمل , مطلقاً العنان للفص الأيمن المسؤول عن الخيالات والأحلام . وبينت تجاربه أنه لكي تنوم شخصاً ما يجب " قطع التيار" عن العقل الواعي – الجزء الواعي المحكوم بالفص الأيسر – , لترك الفص الأيمن حراً في الاستجابة لكل إيحاءات المنوم كما لو كان في حلم .
وحسب نظرية " جروز يليير" فإن الطريقة لتعطيل الفص الأيسر للمخ هي جعله يركز على شيء رتيب , مثل الصوت المتكرر أو الساعة المتأرجحة . . . فبمجرد أن قرر الفص الأيسر أنه لا شيء جدياً يستحق توليته الاهتمام , فإنه يترك الأمر للفص الأيمن , الذي يتعامل مع كل الإيحاءات كما لو كانت حقيقية .
وعلى مدى السنوات القليلة الماضية وجد الباحثون أن الأشخاص المنومين مغناطيسياً يستجيبون فعلياً للإيحاءات مع أنهم يدركون أحيانا التغيرات المثيرة التي يتعرضون لها في فكرهم وسلوكهم وكأنها تحدث من ذاتها , فكأن الدماغ أثناء النوم المغناطيسي يعلق مؤقتاً محاولاته توثيق المعلومات الحواسية الواردة إليه ""
في رأيي هذا غير دقيق , وليس للفص الأيسر والأيمن أي علاقة بالإيحاء , والأمر تابع للتواصل مع الدماغ الحوفي للآخر وإيحاء له للتأثير عليه وإقناعه , فهذا يحقق المطلوب .""
ومع ذلك فإن الشخص المنوم لا يعيش السلوك الموحى إليه تنويمياً على أنه شيء بجهد منه , بل يحسبه على العكس تصرفاً نمطياً عفوياً . وغالباً ما يقول من جرى تنويمهم أشياء . مثل : " لقد صارت يدي ثقيلة ونزلت من ذاتها " أو " وجدت نفسي فجأة لا أشعر بالألم .
ففي استجابة للإيحاء , يؤدي المنومون حركات من دون وعي ويخفقون في اكتشاف المنبه المؤلم بشدة , وينسون بشكل مؤقت إحدى الحقائق المألوفة لديهم .
وباستخدام التنويم المغناطيسي استطاع العلماء إحداث هلوسات وأشكال من الإكراه وأنماط معينة من فقدان الذاكرة وإثارة ذاكرات زائفة وأوهام لدى المنومين .
لقد بينت الاختبارات وجود باحة ( منطقة ) في الدماغ تدعى القشرة الحزامية الأمامية تنشط أثناء الهلوسة للمفحوصين المتطوعين تماما بقدر ما تنشط لدى سماعهم الفعلي للمنبه , وعلى النقيض من ذلك لم تنشط حين تخيل المفحوصين ( دون أن ينوموا )أنهم يسمعون المنبه .
فبطريقة ما خدع التنويم المغناطيسي هذه الباحة الدماغية , بحيث سجلت الصوت المهلوس على أنه صوت حقيقي .
وباستخدام التصوير pet , وجد العلماء أن التنويم المغناطيسي ( بالنسبة للشعور بالألم ) يقلل من نشاط القشرة الحزامية الأمامية ( المعروفة بكونها باحة معنية بالألم ) ولكنه لا يؤثر في نشاط القشرة الحسية الجسدية التي تجري فيها معالجة الإحساس بالألم .
التواصل وغسيل المخ
إن مفهوم غسيل المخ أو برمجة العقول يستخدم في نشر الثقافات والعقائد والمبادئ ودفع الناس لتبني أهداف ودوافع وغايات معينة , وذلك عن طريق الإيحاءات , باستخدام كافة أشكال الإعلام , فهو شكل من أشكال الإيحاء والتنويم المغناطيسي .
فكما ذكرنا عن طريق اللغة المحكية يكتسب أو يتعلم الإنسان التصرفات والأفكار والقيم من أفراد الجماعة التي ولد ضمنها . فهو يكتسب من أمه لغتها وكافة التصرفات والأفكار والتقييمات الأساسية التي هي اكتسبتها من أمها , و يتابع اكتسابه من باقي أفراد أسرته وعشيرته , وبذلك يتم برمجة دماغه بالأفكار والثقافة الموجودة لدى جماعته , أي يبرمج عقله عن طريق ثقافة مجتمعه , ويتم اعتماد ما اكتسبه دماغه في غالبية تصرفاته . وبهذا تنتقل الأفكار والثقافة عبر الأجيال .
ولكن كانت تحدث في كل فترة قفزة من تغيير في الأفكار المنقولة نتيجة ظهور أحد المفكرين ينتج عقله أفكار جديدة أو يعدل أو يطور بعض الأفكار الموجودة , ويملك في نفس الوقت القدرة _ كأن يكون رئيس الجماعة أو ذو شخصية قادرة . . . الخ- على نشر أفكاره في عقول جماعته . هذا الرجل كان أول من استعمل طريقة غسل الدماغ , وهو الذي نجح في أن يبدل أو يطور جزء من الثقافة التي تتوارثها جماعته .
أما الآن فغسيل الأدمغة أصبح يعتمد على المنجزات التي تحققت في مجال علم الاجتماع وعلم النفس وعلم الدماغ وما تحقق في مجال التواصل والاتصالات إن كانت سمعية أو مقروءة أو مرئية , وتم الاستفادة مما توصل إليه في مجال الإيحاء والتنويم المغناطيسي , ومن تأثير التكرار وتأثير ظاهرة الجمهرة . فصار غسيل الدماغ يحدث في كافة المجالات وعلى كافة المستويات إن كان على مستوى فرد أو مستوى مجموعة أو مستوى شعب كامل .
وطرق غسل الدماغ تنجح بسهولة عندما تطبق على الشبان الصغار فالكبار غالباً يصعب غسل دماغهم , فغسل الدماغ لا يمكن أن يتم بسهولة لدى الكبار , فهو يحتاج إلى وقت , ويمكن تقليل هذا الوقت باستعمال الكثير من الأساليب التي ثبتت صلاحيتها , مثل استخدام الأحاسيس النفسية والجسمية والمشاعر والعواطف القوية إن كانت مؤلمة أو مفرحة ولذيذة , واستعمال الإقناع الفكري , والترغيب والترهيب ولفترة طويلة , بشكل تجبر أغلب الأشخاص على تغيير أفكارهم ومبادئهم وعقائدهم .
ومعالجة الأمراض النفسية بالتحليل النفسي يمكن اعتباره نوع من غسيل الدماغ , ويمكن أن يتم غسل أدمغة الأفراد والجماعات دون أن يدروا أن ذلك جرى لهم , وهذا يتم عن طريق الإعلام بكافة أنواعه وأشكاله المسموعة والمقروءة والمرئية صحف ومجلات وكتب وإذاعات ومحطات تلفزيون , وبواسطة أجهزة التعليم بكافة أشكالها . وهذه الوسائل أصبحت تملكها وتتحكم بها الدول والمؤسسات الكبيرة فهي الآن تقوم بغسل أدمغة غالبية الأفراد ووضع الأفكار والدوافع .... التي تريد
.يقول هربرت . أ . شيللر :
تكتيكان يشكلان الوعي , تستخدم الأساطير بكافة أشكالها القديمة والحديثة من أجل السيطرة على الأفراد , وعندما يتم إدخالهم على نحو غير محسوس في الوعي الجماعي , وهو ما يحدث بالفعل من خلال أجهزة الثقافة والإعلام , فإن قوة تأثيرها تتضاعف من حيث أن الأفراد يظلون غير واعين بأنه قد تم تضليلهم .
ويقول جورج جيبرنر :
إن بنية الثقافة الشعبية التي تربط عناصر الوجود بعضها ببعض , وتشكل الوعي العام بما هو كائن , بما هو هام , وهو حق , وما هو مرتبط بأي شيء آخر , هذه البنية أصبحت في الوقت الحاضر منتجاً يتم تصنيعه .
فالأفكار والعقائد والمبادئ التي يتبناها كل منا ( أي التي دخلت عقله وتوضعت فيه ) , أوحى له الآخرون بها , فصار ملزم بخدمتها وتنفيذ مضمونها حتى وإن تعارضت مع أقوى الدوافع البيولوجية مثل المحافظة على الذات , فهو يضحي بنفسه من أجل الأفكار التي تبناها .
في النهاية إننا نرى : أن المؤثرين الأساسيين أو المتحكمين فينا , هم مبدعون و خالقون هذه الأفكار " فجلجامش وحمورابي وهوميروس وسقراط وأفلاطون وأرسطو وبوذا و كونفوشيوس و زراتشت وابن عربي وابن رشد وكانت وهيوم وماركس وفرويد وأينشتاين . . . والآلاف غيرهم " هم الذين خلقوا الأفكار وزرعوها في العقول ..
سوف يقول الكثيرون أن الدوافع والغايات هي الأساس , وليس الأفكار والثقافة التي يكتسبها الإنسان من مجتمعه , لأنها هي التي تستخدم تأثيرات الأفكار والإيحاءات والإعلام لتحقق نفسها .
إن هذا هو الواقع فعلاً , ولكن الغالبية العظمى من هذه الدوافع والغايات , صنعتها الأفكار والثقافة والعقائد المنتشرة في المجتمع .
إن هذا أدركه الإنسان منذ قديم الزمان ( ودون أن يعرفه بشكل واضح ) وهو يستخدمه دوماً وبفاعلية كبيرة . فالمتحكم فينا هو الأفكار المنتشرة في العقول وبالذات التي تنشرها وسائل الإعلام , فهي التي توحي لنا بالكثير من تصرفاتنا , وتفرض علينا قواها وتأثيراتها , وبالتالي تفرض علينا غالبية استجاباتنا وتصرفاتنا .
فالمؤثر الأكبر فينا ليس الأشخاص والمؤسسات والحكومات , بل الأفكار والعقائد .. التي ينشرها الإعلام .


































الكائنات الفكرية
ما هي الكائنات الفكرية وما هي صفاتها وخصائصها ؟
إن الكائنات الفكرية ( أو الأفكار )هي بنيات غير مادية , فالأفكار هي شكل متطور من أشكال الكائنات الفكرية . ويمكن اعتبار الكائنات الفكرية الآن هي البنيات الأكثر تطوراً في هذا الكون , فهي على قمة سلسلة البنيات التي تشكلت حتى الآن .
والأفكار كائن حي بأتم معنى الكلمة , فالحياة ليست خصائص الكائنات البيولوجية فحسب , وإنما هي من خصائص الكائنات الفكرية أيضا . والكائنات الفكرية لا تموت بسهولة فهي تسعى بشكل دائم لإستمرار الحياة والبقاء الدائم ما أمكن .
إن كافة الأفكار والمعارف هي بمثابة كائنات فكرية , فهي تتفاعل مع بعضها ضمن الدماغ , فتتطور وتتشكل أفكار جديدة , وهذه الكائنات تسعى للخروج من الدماغ الذي تكونت فيه والدخول إلى الأدمغة الأخرى .
وتتطور الافكار وتنشأ أفكار جديدة مثلما تتطور وتنشأ البنيات الحية , والأفكار تولد وتموت مثل الكائنات الحية . والأفكار تدافع عن نفسها وتحافظ عليها .
ويمكن تشبيه الأفكار أيضاً بالجينات أوالفيروسات , فهي تنتقل من عقل لآخر ( كما تنتقل الفيروسات من جسم لآخر ) وبذلك تنتشر في العقول , وهي تحمي وتدافع عن نفسها , وتتنافس و تتصارع مع الأفكار الأخرى .
نحن نعطي للمفاهيم ( أو الأفكار ) التي تدل على الأشياء أو الأسماء , الحياة , ونجعلها تملك إرادة وتفعل , ولها دوافع وأحاسيس وانفعالات وغايات وقيم , وهي تولد وتعيش وتموت .
وغالبية الكتاب والمفكرين يعاملون البنيات الفكرية الشيئية ( أوالأسماء ) على أنها كائنات حية لها أهداف وغايات وعندها خير وشر وتخطئ وتصيب ......الخ, وهذا ناتج عن التطور اللغوي والاجتماعي والنفسي والعصبي المرتكز على الأسس البيولوجية والفزيولوجية والاجتماعية. فالتواصل بين البشر في هذه الأوضاع فرض ذلك ، وجعل التعامل مع المفاهيم التي تصف وتمثل الأشياء ( الأسماء أو الهويات) كأنها كائنات حية , فتوصيل المفاهيم والمعاني والأفكار للآخر يكون أسهل وأسرع وأفضل عندما تحمل مضامين الأحاسيس والمفاهيم والمعاني البشرية .
لننظر إلى ما يكتبه أغلب المفكرين فنشاهد أمثلة واضحة على ذلك ( تحميل البنيات الفكرية الاسمية الخصائص الفكرية والنفسية والمعاني البشرية )
أمثلة : فشل العلم في تحقيق كذا - نجحت المدرسة كذا في تحقيق كذا – تفوق العلم على الأدب - تشارك الأدب مع الفن في إنجاز كذا وكذا ......وهناك الكثير, الكثير.
وهذا ناتج في الأساس عن اعتمادنا اللغة في التفكير , فهناك الإسم , والفعل , والفاعل , والمفعول به . وكل اسم يمكن أن يقوم بفعل ويصبح فاعل أو مسبب ويحدث التأثيرات .
نشوء الكائنات الفكرية لدينا
كما ذكرنا إن الأفكار هي بمثابة كائنات فكرية وهي بنيات غير مادية وهي تكون عالم الفكر , ومثلما نشأت الكائنات الحية من العناصر والمركبات الكيميائية بعد أن تفاعلت حسب القوى والآليات الموجودة , كذلك نشأت الكائنات الفكرية في الأجهزة العصبية لدى الكائنات الحية , وكان نشوؤها متسلسل ومتطور , إلى أن وصلت إلى ما هي عليه لدينا في الوقت الحاضر .
فالأفكار أو الكائنات الفكرية تتكون في أول الأمر - أوفي شكلها الخام - في الجهاز العصبي من السيالات العصبية الكهربائية الواردة من المستقبلات الحسية . فالمتقبلات الحسية بكافة أشكالها تحول - أو ترمز - بعض أنواع التأثيرات الفيزيائية - ضوئية , صوتية , حرارية , ميكانيكية , كيميائية , إلى نبضات عصبية كهربائية على شكل سيالات كهربائية عصبية , ترسل إلى الدماغ الذي يقوم بتقييمها وتصنيفها بناءً على نتائج تأثيراتها على الجسم , إن كانت مفيدة أو ضارة أو محايدة , ثم يقوم بالاستجابة بناءً على ذلك لقد كانت وسيلة إعلامية , وكذلك وسيلة تنفيذية تقوم بالاستجابات إن كانت استجابات كيميائية فزيولوجية , أو حركية , وتطورت ليصبح جزء منها حسي واعي .
ولدى الإنسان الذي يعيش في مجتمع تطورت هذه البنيات الفكرية العصبية , فترابطت سلاسل لتشكل بنية فكرية متطورة . وقد حدثت قفزة كبيرة عندما مثلت بعض البنيات الفكرية بإشارات - أصوات وتعبيرات وحركات ومن ثم كلمات تدل عليها , وهذا أدى لنشوء البنيات الفكرية اللغوية .
فهذه الدلالات - أو البنيات اللغوية الفيزيائية - عادت ودخلت إلى الدماغ كمدخلات حسية , و تحولت من جديد لبنيات فكرية خام وأصبحت بنيات فكرية دلالية أو لغوية , فهي ترمز أفكار تم إرسالها من إنسان لآخر . وبذلك نشأت وسيلة تستطيع بها هذه البنيات الفكرية الخروج من الدماغ أو العقل الذي نشأت فيه الانتقال إلى دماغ أو عقل آخر , وهذا يتم بعد أن تتحول البنيات الفكرية اللغوية إلى بنيات فيزيائية لغوية دلالية - مؤثرات فيزيائية إشارات وأصوات وحركات وإيماءات - فإذا تلقتها حواس إنسان آخر يمكن أن تصل إلى دماغه وتتحول إلى بنيات فكرية لغوية ثم إلى بنيات فكرية , هذا إذا تم فك رموزها .
و بهذ استطاعت البنيات الفكرية أن تنتقل من دماغ إنسان إلى آخر , وتصبح مهيأة لكي تتوضع فيه . أي يمكن أن تتحول البنيات الفيزيائية الدلالية أو اللغوية , إلى بنيات فكرية عصبية .
كيف خرجت من الدماغ وانتقلت للأدمغة الأخرى ؟
إن الإشارات أو الدلالات ( أو البنيات اللغوية الفيزيائية ) نتيجة التواصل تعود وتدخل إلى الدماغ الآخر كمدخلات حسية , وهذا يتم بعد أن تتحول البنيات الفكرية اللغوية إلى بنيات فيزيائية لغوية دلالية ( مؤثرات فيزيائية إشارات وأصوات ) فإذا تلقتها حواس إنسان آخر يمكن أن تصل إلى دماغه وتتحول إلى بنيات فكرية لغوية ثم إلى بنيات فكرية خام, هذا إذا تم فك رموزها .
وبهذ استطاعت البنيات الفكرية أن تنتقل من دماغ إنسان إلى آخر , وتصبح مهيئة لكي تتوضع فيه .أي يمكن أن تتحول البنيات الفيزيائية الدلالية أواللغوية , إلى بنيات فكرية عصبية , وتتوضع في دماغ المتلقي .
إن الأفكار تنتقل من عقل إلى آخر , فيتم نسخها وانتشارها في أدمغة ( عقول ) البشر , وهذا يشبه توالد وانتشار البنيات الحية التي تنسخ وتنتشر بالتوالد .
ولكي تنتقل وتنسخ وتنتشر في العقول لابد من توفر عوامل وظروف معينة لكي يتم ذلك , وأهم هذه العوامل هي :
أولاً : الاتصال بين العقول , لكي يتم انتقال الأفكار, وذلك بحدوث النقل والتلقي , وبالتالي التبني , والتوضع أو التخزين . وذلك بوجود أي نوع من اللغة إشارات بصرية أو إشارات صوتية . . وبالاضافة إلى جاهزية الحواس والعقل , للتواصل والتلقي المناسب .
ثانياً : عدم وجود ما يمنع من تبني الأفكار, فوجود أفكار سابقة يؤثر على الانتقال والتبني للأفكار. وكذلك عدم جدوى هذه الأفكار .
ثالثاً : المحاكاة والتقليد التي يملكها الإنسان, تؤثر بشكل كبير على انتشار الأفكار . وهذا لا يحدث إلا إذا وجدت بيئة مناسبة لها , فيجب أن تنسجم وتتوافق مع الأفكار الموجودة , ولا تناقضها , هذا إذا تم فهمها ( أي تم تمثيلها ببنيات فكرية مناسبة ) .
وليس ضرورياً أن تكون البنية الفكرية المتكونة مطابقة للأصل الذي كانت عليه في دماغ المرسل , أي يعاد تشكيلها حسب قدرات وخصائص الدماغ المتلقي , لذلك هي غالباً ما تتعرض للتعديل والتغير عندما تنسخ في عقل المتلقي .

توريث البنيات الفكرية نتيجة الحياة الاجتماعية
إن الأفكار والعقائد والأحاسيس والانفعالات البشرية , تنتقل نتيجة العلاقات الاجتماعية , وبشكل خاص عن طريق العلاقات الأسرية , وبالذات عن طريق الأم , فللأم الدور الأكبر( بالاضافة للأب) في نقل البنيات الفكرية , وتنقل أيضاً التقييمات الأساسية التي تحدد المفيد أو الضار, فهي التي تعلم طفلها كيفية اختيار طعامه , وكيفية تعامله مع الأوضاع التي تصادفه , بتعليمه أسس تقييم هذه الأوضاع من ناحية فائدتها أو ضررها له . وهي بالإضافة لأفراد أسرته والمتعاملين معه , يزرعون في عقله , أو يبرمجون عقله وينقلون له الأفكار والمعارف والعقائد والمشاعر ..., التي هم توارثوها أيضا من أسرهم و مجتمعهم .
صحيح أنه الآن يوجد الإعلام , الممثل بالمدارس وباقي طرق التعليم , بالإضافة إلى الراديو والتلفزيون وكافة وسائل الإعلام , وهي غالباً ما تساعد على توحيد ما يتم نشره في أغلب العقول . ولكن يبقى الكثير من الاختلافات التي ينشرها هذا الإعلام الموجه , مع ما يكتسب من الأسرة والمحيط القريب الموجود فيه الفرد.
إن هذه الظاهرة هي من أهم أسباب الاختلافات والتناقضات الفكرية والعقائدية بين البشر , وذلك نتيجة توسع العلاقات البشرية لتشمل مجالا ً واسعاً , من الجماعات مختلفة بالأفكار والعقائد والقيم, وهي التي تولد الآن أكثر الصراعات بين البشر .
قوى الكائنات الفكرية
إن الكائنات الفكرية تستخدم عقل الإنسان لحمايتها , فبعد أن تتوضع في دماغه , تدفعه للدفاع عنها والسعي لنشرها في العقول الأخرى , وهي تقاوم البنيات الفكرية الأخرى , وتسعى لمنعها من الدخول إلى الدماغ الموجودة هي فيه .
فالفكرة متى دخلت العقل وتوضعت فيه , تمنع الأفكار الأخرى من الدخول والتوضع إذا لم تكن متسقة معها أوتناقضها . فهي تقبل دخول الأفكار التي تؤيدها أو التي تنسجم معها ولا تخالفها .
و كذلك تتصارع البنيات (أوالكائنات ) الفكرية مع بعضها , وهي تشكل مجموعات ( أحزاب ) متعاونة مع بعضها , وتتصارع مع الأحزاب الأخرى , فيهزم بعضها , ويتراجع انتشار بعضها , ويزداد انتشار المنتصر , ويمكن أن تقضي على منافسها أوتوقف انتشاره .
وهي تموت مع موت الدماغ الحامل لها , ولكن يمكن أن يبقى نسخ منها في عقول أخرى . وهذا يشبه ما يحصل للغات عندما تنتشر أو تنحسر أو تموت , لأن اللغات هي في أساسها صورة أو ممثل للبنيات الفكرية .
فكل بنية فكرية تسعى لكي تتوالد وتنتشر في العقول , وتسعى إلى منع غيرها من البنيات الفكرية من الانتشار في العقول , وهي تدافع عن بقائها وانتشارها تجاه الأفكار الأخرى . وهي تستخدم في صراعها هذا كافة قدرات الإنسان الفكرية والمادية والاجتماعية والاقتصادية ...
والملاحظ أن انتصار الأفكار وانتشارها في العقول , مرتبطة بالقدارات التي يملكها الذين يتبنوها ويدافعون عنها , وعددهم في المجتمع . وذلك بغض النظر عن صحة أو دقة أو فائدة هذه الأفكار . وإذا حدث جدال فكري ( أو صراع بين البنيات الفكرية) بين شخصين أو فريقين , فالنصر سوف يكون للذي يملك قدرات أكثر ويستخدمها في هذا الصراع , وسوف يكون لعدد أفراد الفريق تأثير كبير في تحقيق النصر , وذلك بغض النظر عن دقة أو فائدة الأفكار المنتصرة .
وهذا ينطبق على كافة أشكال البنيات الفكرية , إن كانت عملية , أو عقائدية , أو علمية ..
فالذي يقرر بقاء البنيات الفكرية , وانتشارها في أكبر كمية من عقول أفراد المجتمع , هو ما يلي :
1 – عدد الذين يتبنوها في المجتمع , فمهما كانت الأفكار دقيقة أو مفيدة , ولكن الذين يتبنوها قلائل جداً , فهي لن تنتشر .
2 – ارتباطها مع بعضها ومع المنتشر في المجتمع , فكل الأفكار التي تناقض أو لا تنسجم مع ما هو موجود سوف تقاوم وتمنع من الانتشار , وبغض النظر عن دقتها أو فائدتها .
3 – كمية القدرات الفكرية والمادية والاجتماعية التي يملكها من يدافع عنها ويسعى لانتشارها .
4 – توافقها مع الأوضاع والظروف المادية والاجتماعية والاقتصادية الموجودة في المجتمع .
لذلك عندما تتغير الأوضاع والظروف , يصبح احتمال انتشار أفكار جديدة أكثر لأن الأوضاع الجديدة تؤدي إلى ظهور ضعف وعدم جدوى الأفكار غير المفيدة المنتشرة في العقول , وهذا يساعد في نمو وانتشار الأفكار الأصح والأفضل , للأفراد وللمجتمع ككل .
إن تشكّل البنيات الفكرية وانتشارها سمح بالسير عبر الزمن إن كان للماضي أو للمستقبل , وهذا سمح بتفاعل ( أو بحدوث تأثير ) بين الماضي والحاضر وبين المستقبل والحاضر , فهذا كان لا يمكن حدوثه لدى البنيات الفيزيائية , نعم الماضي يكوّن الحاضر , والحاضر يكوّن المستقبل , ولكن حسب الآليات الفيزيائية التي تتفاعل بها البنيات الفيزيائية .
أما تأثير البنيات الفكرية فهو يسمح بحدوث تفاعلات جديدة تختلف عن التفاعلات الفيزيائية وبالتالي تكون النتائج مختلفة عن النتائج التي كانت تحدث بوجود تأثير تفاعلات البنيات الفيزيائية فقط .
صحيح أن البنيات الفكرية تكوّنت من البنيات الفيزيائية , وهي تشكلت نتيجة تطور سلاسل تفاعلات البنيات الفيزيائية التي كونت البنيات أو الكائنات الحية , ثم تطورت البنيات الحية فكونت البنيات الفكرية الفزيولوجية , ثم نتيجة حياة الإنسان الاجتماعية وتواصله مع غيره , استطاعت البنيات الفكرية اللغوية أن تخرج من العقل وتنتقل إلى العقول الأخرى , وبالتالي تبقى بعد موت صانعها .
ثم نتيجة استخدام الرموز والكتابة استطاعت تلك البنيات أن تخرج من الأدمغة وتتوضع خارجها , وبهذا استطاعت أن تبقى وتنتقل عبر أزمان طويلة , فبنشوء الكائنات الفكرية حدثت قفزة جديدة في سلسلة تطور بنيات الوجود .
تأثير الأفكار وخاصةً الموروثة اجتماعياً والتي تم ترسيخها هو الموجه الأساسي لاستجاباتنا وتصرفاتنا . إننا نشاهد كيف تؤثر الأفكار والعقائد المتبنات في تصرفات الناس . فالأفكار والمعارف والعقائد ( أي الكائنات الفكرية ) هي التي تتحكم في قدرات وتصرفات البشر فهي توظفها لتحميها ولتحقق انتشارها , وعندما تتصارع الأفكار مع بعضها يكون التفوق والانتصار للأفكار التي وظفت قدرات وقوى بشرية أكثر, وذلك بغض النظر عن صحة أو خطأ تلك الأفكار, وانتصار أفكار على أفكار أخرى يؤدي إلى انحسار الأفكار المهزومة وانتشار الأفكار المنتصرة .
إن الأفكار والعقائد والمبادئ التي يتبناها كل منا ( أي التي دخلت عقله وتوضعت فيه ) أوحى له الآخرون بها , فصار ملزم بخدمتها وتنفيذ مضمونها حتى وإن تعارضت مع أقوى الدوافع البيولوجية مثل المحافظة على الذات , فهو يمكن أن يضحي بنفسه من أجل الأفكار التي تبناها .
إننا نرى أن المؤثرين الأساسيين أو المتحكمين فينا , هم مبدعون وخالقون هذه الأفكار ( فجلجامش وحمورابي وهوميروس وسقراط وأفلاطون وأرسطو وبوذا و كونفوشيوس و زراتشت وابن عربي وابن رشد وكانت وهيوم وماركس وفرويد وأينشتاين . . . والآلاف غيرهم ) هم الذين خلقوا الأفكار وزرعوها في العقول ..
سوف يقول الكثيرون : أن الدوافع والغايات هي الأساس , وليس الأفكار والثقافة التي يكتسبها الإنسان من مجتمعه لأنها هي التي تستخدم تأثيرات الأفكار والإيحاءات والإعلام لتحقق نفسها , إن هذا هو الواقع فعلاً . ولكن الغالبية العظمى من هذه الدوافع والغايات , صنعتها الأفكار والثقافة والعقائد المنتشرة في المجتمع .






















عالم المادة وعالم الفكر
هناك من جهة الواقع المادي- الفيزيائي- والتفاعلات المادية والعملية مع الناس
هذا الواقع المادي يمتص أغلب قدرات و أوقات الناس و يستغرق أغلب حياتهم و يمنعهم من فهم و استيعاب الحياة والوجود بصورة أوسع و أشمل .
وهناك من جهة أخرى عالم الفكر أو عالم البنيات الفكرية
أي الأفكار والمعارف مثل الفلسفة و المنطق , والعقائد و التاريخ و الأدب و كافة العلوم
وهو عالم موازي لذلك العالم الواقعي المادي و له عناصره و قوانينه و آلياته و خصائصه التي تختلف عن العالم المادي الفيزيائي اختلافات هامة
منها أن عالم الفكر لا يخضع للقوانين الفيزيائية و الطبيعية المادية
فالمكان و الزمان و التفاعلات فيه تجري بطريقة مختلفة و حسب آليات و قوانين مختلفة
ففي عالم الفكر يمكن السير عبر الزمن ذهاباً وإياباً , إلى الماضي أو إلى المستقبل , وكذلك يمكن السير بسرعة أكبر من سرعة الضوء , ويمكن إجراء تفاعلات كثيرة لا يمكن أن تجرى في الواقع الفيزيائي . إن هذا يجعل عالم الفكر أوسع و أشمل و أسرع من العالم المادي بكثير
ففي عالم الفكر يمكن التحرر من أسر الواقع المادي وتفاعلاته المحدودة بالمكان و الزمان و القوانين الفيزيائية , والانطلاق عبر الزمان ( عبر التاريخ ) و القيام بالتفاعلات و التجارب الفكرية المستحيل إجراؤها مادياً
فالتفاعلات الفكرية تستبق تفاعلات الواقع الفيزيائي بواسطة التنبؤات و التصورات أو التخيلات المرتكزة على المعارف , والعلوم الوضعية المتطورة والواسعة
و امكانيات عالم الفكر في المساعدة في تحقيق الأهداف و الغايات و المشاريع و الدوافع الفردية و الجماعية هائلة جداَ
مثال : الفكر الديني و هو جزء من عالم الفكر , يقوم بدور كبير و فعَال للكثير من الناس .
و وجودنا . هو وعينا , وهو موجود في عالم الفكر , أي نحن كشعور ووعي موجدون في عالم الفكر














من يقودنا ويتحكم بنا
كما ذكرنا إن الأحاسيس والمشاعر الواعية هي القوى المحركة لغالبية المعالجات الفكرية والنفسية ,والمتحكمة بغالبية استجاباتنا وتصرفاتنا .
فالتقييم والإرادة والأحكام يستمدون قواهم المحركة من المعنى أو الدلالة , والقيمة والمعنى تبنى بشكل كبير على الإحساس و الإدراك الواعي .
وإعطاء المعنى أو الدلالة أو القيمة أو المبرر أو الدور للأحاسيس والأفكار الواعية وغير الواعية , هو من يقرركافة تصرفاتنا , وهوالذي ينشئ القيم والأخلاق الاجتماعية والمبادئ الذاتية.
والإنسان عندما يتأثر بمثيرات لها علاقة بدوافعه ورغباته الفزيولوجية والنفسية الأساسية الواعية أو غير الواعية (إن كانت موروثة أو مكتسبة) تضخم هذه المثيرات وتحدث أحاسيس قوية تناسب تلك الدوافع الدفينة , فالجائع تؤثر فيه بقوة أحاديث , أو منظر, أو رائحة الطعام, وكذلك الظمآن , وكذلك الراغب بالحب, أو الراغب بالمال أو المجد أو الانتقام...., فمعاني المؤثرات تضخم وتحور أحياناً نتيجة الدوافع والرغبات القوية غير الواعية (الدفينة) .
الذي أريد تأكيده هو : أن الذي يقودنا ليس ما هو مسجل ومخزن في مركز الإحساس في اللحاء , فهو بمثابة أرشيف كبير للذاكرة .
فالعقل القديم (الحوفي)المعتمد على الغرائز والدوافع الحيوية الموروثة والمكتسبة , و بالإضافة إلى المراكز الجبهية من اللحاء بالذات التي فيها المراكز العليا للقيادة , هم من يتحكمون بنا .
فالدماغ الحوفي لا يهتم ( أو لا يعرف ) وليس مخزن فيه معاني المعارف والمعلومات الموجودة في اللحاء, وهو يتأثر قليلاً بالقيم الاجتماعية الحديثة نسبياً , فمرجع تقييمه وتحديده لمعاني المؤثرات التي ترده يعتمد على الدوافع الحيوية والفزيولوجية والدوافع النفسية الأساسية الغريزية الموروثة(مثل المكانة والغيرة وغيرها) , والعقل القديم يفرض غالباً دوافعه و معانيه, إما بصورة مباشرة أو غير مباشرة, أو بصورة معدلة ومصححة من قبل المناطق الجبهية في اللحاء .
فالقيادة العليا للتصرفات البشرية ما زالت خاضعة بشكل كبير لتأثيرات العقل القديم , و تقوم المناطق الجبهية ( الممثلة للعقل الحديث)غالباً بانتقاد تأثيرات العقل القديم وتسعى لتعديل أوتصحيح تأثيراته , ولكن يظل العقل القديم يفرض قواه ومعانيه في غالب الأحيان , وذلك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة , ولابد في النهاية من إرضائه لأنه لن يبقى ساكتاً بسهولة.
أثناء الحياة الواعية بالنسبة لنا, هناك دوماً تيارات عصبية واردة للمعالجة , آتية من مستقبلات الحواس أو من اللحاء أو من الدماغ القديم أو من باقي بنيات الدماغ الأخرى, وهناك دوماً تقييمات ومعاني تعطى لهذه الواردات بعد معالجتها, وهناك دوماً سلاسل من الاستجابات, وهذا ما يمثل ذات أو نفس أو روح كل منا. فهناك دوماً سلاسل متداخلة كل سلسلة مؤلفة من تيارات عصبية يجري معالجتها .
إن آليات تحديد وتقييم المعاني وبالتالي الاستجابات , تتم بالدماغ بناءً على استجابات آلية موروثة بيولوجياً , وبناءً على معاني واستجابات تم اكتسابها نتيجة الحياة .
فللحياة الاجتماعية المتطورة وللثقافة والحضارة دور كبير في تشكيل هذه الاستجابات , والذي له أكبر تأثير في اكتساب هذه الاستجابات هو ما يكتسب في بدايات الحياة , من الأم بشكل خاص ومن الأسرة , فهذا يكون بمثابة موروث أسري . فكل أم وكل أسرة تنقل لأطفالها الاستجابات الأساسية وأسس التقييم , ثم يدخل تأثير باقي بنيات المجتمع , الأقارب والجيران والمدرسة ... الخ , فالذي يحدد مسار تطور الاستجابات والتقييم عند الفرد بشكل أساسي هو ما يتم اكتسابه أولاً وهو ما تم اكتسابه من الأم .
إن هذا الوضع هو الذي يشكل الفروقات في الاستجابات والتقييمات بين الأفراد في المجتمعات المختلفة , لأنه ناتج عن استجابات وتقييمات مختلفة بين الأمهات , التي اكتسبنها من أمهاتهم ومجتمعهم , وتكون تلك الاستجابات والتقييمات منتظمة ومتفقة مع العادات والأعراف والديانات والثقافات الموجودة في مجتمعهم .
لذلك أغلب استجاباتنا وتقييماتنا هي ناتج عن ما اكتسبناه من المجتمع الموجودين فيه . وتوحيد الاستجابات والتقييمات ضروري لتماسك المجتمع ونموه , وله دور كبير في انتظام العلاقات بين الأفراد والمؤسسات . ولكننا الآن نلاحظ تفاعل ونماذج المجتمعات المختلفة مع بعضها , وهذا ما ينتج غالبية التناقضات في العلاقات , عندما يتفاعل الأفراد من مجتمعات مختلفة مع بعضهم .
فالذي يحدد ويقرر الاستجابة والتصرفات هو ما ينتج عن الدلالات والمعاني بعد التقييم النهائي , وبالتالي تتقرر وتنفذ الاستجابة التي تم التوصل إلى اعتماده .

عمل الدماغ الحوفي
كما ذكرنا إن أكثر أجزاء الدماغ بدائية هو جذع الدماغ المحيط بقمة الحبل الشوكي , وهذا الجزء القاعدي من المخ ينظم وظائف الحياة الأساسية كالتنفس والتمثيل الغذائي لأعضاء الجسم الأخرى كما يتحكم في ردود الفعل والحركات النمطية , وهذا الدماغ لا يمكن أن يفكر أو أن يتعلم فهو ليس أكثر من مجموعة أدوات تنظيمية مبرمجة تحافظ على استمرارية قيام الجسم بوظائفه الإحيائية والاستجابة بطريقة تضمن البقاء , وإن هذا الدماغ هو الذي كان سائدا في عصر الزواحف .
ونشوء العقل المفكر من العقل الحسي والإنفعالي يكشف عن العلاقة بين الفكر والمشاعر, وقد كان وجود العقل الحسي وبالذات اللذة والألم والانفعالات موجودا في المخ قبل وجود العقل المنطقي بزمان طويل.
إن أقدم أصل لحياتنا الإنفعالية هو حاسة الشم, فهي الخلايا التي تستقبل وتحلل الرائحة في الفص الشمي من المخ فكل كيان كان سواء أكان مفيدا أم ضارا , رفيقا جنسيا أم عدوا , مفترسا أم فريسة فإن هذا الكيان له بصمة جزيئية مميزة بوسعها الإنتشار في الهواء وعليه فقد كان الشم حاسة في غاية الأهمية للمحافظة على البقاء . وقد بدأت المراكز الإنفعالية القديمة في التطور من الفص الشمي في الدماغ إلى أن كبر حجمها بالشكل الكافي حتى أحاطت حول مقدمة جذع الدماغ .
وكان المركز الشمي في المرحلة البدائية يتكون من خلايا عصبية على شكل طبقات رقيقة متجمعة وظيفتها تحليل الرائحة من الخلايا التي شمتها ثم تصنفها وترسلها إلى مجموعة الخلايا المتصلة بها والتي تحدد ما هو صالح للأكل أو غير ذلك أو أنه فريسة أو مفترسة أو ممكن التعامل معه جنسيا أو معاد ثم ترسل طبقة أخرى من الخلايا رسائل عاكسة عبر الجهاز العصبي تبلغ الجسم ما يجب عليه أن يفعله بإزاء هذا الآخر, هل يقضمه أم يبصقه أم يقترب أم يبتعد أم يطارده.
وقد نشأت الطبقات الرئيسية للعقل الشعوري المقيم باللذة والألم , والإنفعالات , مع ظهور الثدييات وهي الطبقات المتحلقة حول جذع الدماغ وتشبه عمامة صغيرة بداخلها تجويف يستقر به جذع الدماغ ولأن هذا الجزء يلتف ويحيط بجذع الدماغ فقد أطلق عليه ( الجهاز الحوفي ) وهو مشتق من اللاتينية والتي تعني دائرة , وقد أضاف هذا الجهاز إلى قدرات وأعمال المخ اللذة والألم والعواطف والانفعالات , فالجهاز الحوفي هو المتحكم الأكبر بنا .
فمنذ حوالي مائة مليون عام تعاظم حجم المخ في الثدييات وتكونت طبقات عدة جديدة من خلايا المخ , وهي المناطق التي تتمثل ما يـأتي عن طريق الحس وتفهمه وتنسق الحركة وهذه الطبقات أضيفت إلى المخ فتكونت القشرة الجديدة وعلى خلاف الطبقتين القديمتين فإن الطبقة الجديدة مثلت تقدماً مميزاً.
والقشرة الجديدة تمثل مركز التقييم الشعوري , فهي ترتب ما يأتيها عن طريق الحواس وتقيمه وتفهمه, وهي تضيف للشعور القيمة من ناحية أنه مفيد وبالتالي يكون ممتع أو هو ضار وبالتالي يكون مؤلم , وتضيف عليه الانفعالات مما تسمح لنا أن ننفعل من جراء الأفكار والخيال والرموز .
وقد حققت القشرة الجديدة للكائن إمكانات أكبر للنجاة في الشدائد وجعله أكثر تحملا ً, وكما أن هذه المقدرة للبقاء على قيد الحياة تعتمد على مقدرة القشرة الجديدة على تخطيط استراتيجية طويلة الأجل وغيرها من الحيل الذهنية كما أضافت هذه القشرة تحديد الفروق الدقيقة بين الأفكار.
إن نظام الإثابة والعقاب عن طريق اللذة والألم يعتمد على الدماغ المتوسط والجهاز الحوفي . فعندما تثار رغبة ما فإن اشباعها أوتلبيتها يؤدي الى توليد السرور. فالنشاط المؤدي إلى تحقيق الرغبات يقود في حد ذاته إلى السرور , فالسرور هو نوع من الإغراء تقدمه الطبيعة لتجعلنا نحقق أغراضها الحيوية من حيث بقاء النوع والفرد
ومع تطور هذه القشرة أو الجهاز الحوفي فقد تحسنت وسيلتان قويتان هما : التعلم والذاكرة, وأتاحت هذه الخطوة الثورية للحيوان أن يكون أكثر ذكاء في خياراته من أجل البقاء وأن تواكب استجاباته المتطلبات المتغيرة, وأن لا تكون ردود أفعاله آلية كما كانت من قبل . فإذا تسبب الطعام بمرض الحيوان استطاع تجنبه في المرة القادمة, وظلت قدرته على تحديد ماذا يأكل وماذا يتجنب تتم من خلال حاسة الشم وحدها حيث تقوم الرابطة بين بصلة الشم والجهاز الحوفي بمهمة التمييز بين الروائح المختلفة والتعرف عليها والمقارنة بينها في ذلك الوقت وما كانت عليه في الماضي ,وبذلك تفرق ما بين المفيد والضار, حيث كان هذا يتم في الفص الدماغ الشمي .
إن الجهاز الدماغي الحوفي الذي تتميز به اللبونات يؤثر في السلوك الغريزي اللاواعي كالاستجابات المتعلقة بالبقاء ، وكاستجابة «المجابهة أو الهرب» واستجابة التكاثر .
ونحن البشر نتيجة الحياة الاجتماعية واللغة والثقافة , نجد أن الدماغ الحوفي هو المتحكم في غالبية تصرفاتنا إن لم يكن كلها . فهوالمسؤول عن تحديد وتعيين تأثيرات الأوضاع التي نتعرض لها وتحديد معانيها , وذلك من أجل التصرف بفاعلية عن طريق استجابات مناسبة . وهو الذي يساهم بشكل أساسي في تحديد وتعيين نتائجها المستقبلية المتوقعة , والتعامل معها بناء على المعاني التي تعطى لها .
فالضمير , والأخلاق , والقيم , والعادات والتقاليد , واكتساب الخبرة , والتذكر والإلهام , والأحلام , والتحكم بنشوء و إدارة العواطف والإنفعالات , والتحكم بشكل أساسي بنشوء اللذة والألم أو الممتع والمؤلم , بالإضافة للتحكم بتقييم المفيد والضار, والتحكم في مدخلات ساحة الشعور , والوضع بالانتظار للأمور التي تطلب الدخول لساحة الشعور , كلهم ناتج عمل أومشاركة الدماغ الحوفي .
إن المراكز العليا من القشرة الجديدة أو اللحاء لا تتحكم في حياتنا خاصة في حالات الطواريء والحالات الانفعالية , ويمكننا القول أنها تنزل عند إرادة الجهاز الحوفي ولأن كثيرا من المراكز العليا نشأت من مجال المنطقة الحوفية أو أنها امتداد لها .
فلهذا يلعب الجهاز الحوفي دورا ً حاسما في عمل الدماغ ككل , فهو الأصل الذي نما عليه الدماغ الأحدث , حيث نجد أن المراكز الشعورية ترتبط بمجموعة الدوائر العصبية بكل أجزاء القشرة الجديدة, وهذا ما يرفع مراكز الإنفعال إلى مرتبة القوة الهائلة التي تؤثر في أداء بقية الدماغ بما فيها مراكز التفكير.
فقد تطور مفهوم الدماغ الحوفي وابتعد كثيراً عن الأصل الشمي , ويشمل هذا الجانب التشريحي والوظيفي معاً , ونستطيع تمييز مفهومين للجملة الحافية الأول مصغر ويشمل عدد من البنى القشرية وتحت القشرية التي تتصف بقدمها من الناحية التطورية والواقعة ضمن الدماغ الانتهائي , والمفهوم الثاني أكثر اتساعاً ويضيف إلى ما سبق عدداً آخر من البنى يقع في الدماغ المتوسط والمهاد .

موقع الجهاز الحوفي وعمله
إن الجهاز الحوفي يحيط بأعلى جذع يربط المنطقتين القشرية والدماغ المتوسِّط بالمراكز الأخفض التي تحكم وظائف الجسم التلقائية الداخلية ومن بنياته :
- الجسم الحلمي وهو نواة الدقيقة تعمل كمحطة ترحيل، فهي تنقل المعلومات من وإلى القبو والمهاد.
- وهناك بصلتا الشَّمّ , إن اتصال هذان الجزأان بالجهاز الحوفي يساعد في تفسير أن حسَّ الشَّم يثير الذكريات القوية والاستجابات الانفعالية.
- واللوزة التي تؤثر في جعل سلوك الجسم وأنشطته تتماشى مع احتياجاته الداخلية، وهي تشمل الاغتذاء والرغبة الجنسية وردود الفعل الانفعالية كالغضب والخوف وغيره .
- والتلفيف نظير الحصيني وهذه تساعد مع تراكيب أخرى في تعديل التعابير الانفعالية كحدة الغضب والرعب.
- والحصين (قرن آمون) وهو وثيق الصلة بالتعلم، والتعرُّف على الأشياء الجديدة، والتذكر، وبشكل خاص تذكر الأوضاع الهامة والتي ولدت انفعالات قوية .
- التلفيف الحزامي إن هذه المنطقة بالإضافة إلى التلفيف نظير الحُصينيّ وبصلتي الشَّمِّ، تؤلف القشرة الحوفيَّة التي تعدل السلوك والانفعالات.
وإن المناطق الحوفيَّة تؤثر في النشاط الطبيعي عبر العُقد القاعديَّة التعنقدات الكبيرة لأجسام الخلايا العصبية تحت القشرة . وتتصل المناطق الحوفية للدماغ المتوسِّط أيضاً بالقشرة الدِّماغية وبالمهاد.
والبنى الحافية تحت القشرية تضم نوى المنطقة الحجاجية , ونواة والمعقد النووي اللوزي , والعقد القاعدية .
وهناك اتصالات متعددة للجملة الحافية , صادرة وواردة , فيما بينها وبين القشرة الخية الحديثة والمهاد والوطاء والدماغ المتوسط والأجسام المخططة والبصلة الشمية .
وتتأثر السلوكيات الاجتماعية بشدة بعمل الجملة الحافية , حيث تهبط بشدة ردود الفعل التقيمية والانفعالية بعد تخريب النوى اللوزية بينما ترتفع بشدة مفرطة عقب تخريب النواة الحجاجية التي تخفف الردود الانفعالية بعكس النواة اللوزية .
وتمارس الجملة الحافية دورها من خلال نمطين من العمليات وهي :
النمط الأول : تربط مجموعة العمليات الإدراكية الأولى ذات المضمون الشعوري , مع العناصر الموضوعية ( أو الواقعية ) للمعلومات الحسية مع الأخذ بعين الاعتبار تجارب الفرد السابقة مما يعطي لهذه المعلومات صفة المغزى أو المعنى أوالقيمة , ويسمح للدماغ بإمكانية التوقع أو التنبؤ والمبادرة باستجابة معينة أو الامتناع عن استجابة معينة , كما تكتسب المعلومات الراهنة قيماً دافعة للعمل يحث الفرد على الاستجابة المناسبة .
النمط الثاني : وهو الأهم فهو بمثابة مقارنة وقياس وتقييم , فهو يسمح للدماغ برصد حالات النجاح أوالفشل , أو بتعبير آخر يسمح برصد مدى تطابق النتائج الحاصلة للاستجابة المنفذة مع النتائج المتوقعة مسبقاً , فعندما يحصل التطابق تنشأ تجربة شعورية سارة وتشتغل جملة التعزيز الإيجابي , ويتم إنهاء المعالجات الفكرية لتحقق المطلوب . أما إذا لم يتحقق ذلك تنشأ تجربة شعورية غير سارة , ويعاد معالجة الأمور فكرياً وعملياً , وترصد وتدرس النتائج , وتنفذ الاستجابة المناسبة .
وقد طرح بابيز مسألة مشاركة الجهاز الحوفي في التحكم في الانفعالات . ووصف بابيز دوائر عصبية ارتدادية بحسبانها الأساس العصبى للانفعال . وتشمل مكونات المخ الأوسط في دائرة بابيز تحت المهاد، ونويات المهاد ، والتلفيف الحزمى , وفرس البحر , والروابط بينها. وقد وصف بابيز هذه المكونات بأنها تشكل ميكانيزماً متجانساً من شأنه أن يحسن أداء الانفعالات المركزية وأن يشارك كذلك في التعبير الانفعالى. واعتبر أن نظريته تتوافق مع نظرية كانون - بارد.
وطور ماكلين نظرية بابيز بافتراضه بأن الجهاز الحوفي يستخدم كدماغ حشوي
ويعني به أن وظائف الجهاز الحوفي ليست مقصورة على الأعضاء الداخلية ولكنه هو عضو يقوم بتفسير التجربة على أساس الإحساس أكثر من تفسيرها على أساس لغة رموز معرفية والتجربة التى يفسرها في شكل معلومات تم تلقيها من أحشاء البدن ، والتى يبدو أنه يقصد بها كل بنيات الجسد البدنية والحشوية ، وأشار الى أن الدماغ الحشوي له موقع استراتيجي في الربط بين كل أشكال الإدراك الخارجي والداخلي .
إن الشعور والسلوك يتم تفسيرهما على أساس دوائر وألياف عصبية في بعض المراكز العليا في المخ.

ما هي البنى المؤلفة للدماغ الحوفي
لقد تكلمنا سابقا عن الدماغ الحوفي ونعود ونتابع . لقد تطور مفهوم الدماغ الحوفي ( أو الجملة الحافية ) كثيراً , وابتعد كثيراً عن الأصل الشمّي الذي نشأ وتطور منه . ونستطيع التمييز بين مفهومين للجملة الحافية .
الأول يدعى الجملة الحافية المصغّرة والتي تقتصر على عدد من البنى القشرية وتحت القشرية التي تتصف بقدمها من الناحية التطورية والواقعة ضمن الدماغ الانتهائي .
والمفهوم الثاني أكثر اتساعاً فيضيف إلى ما سبق عدداً آخر من البنى تقع في الدماغ المتوسط والمهاد .
تقع بنى الجملة الحافية القشرية في الوجه الداخلي لنصفي الكرة المخيّة , وأهم هذه البنى :
التلفيف المسنن , قرن أمون أو الحصين , البصلة الشميّة , اللوزة ( التي هي أكثر النوى القاعدية قدما وتأثيراً ), الباحة الحجاجية , القشرة الأمامية ( ذات الدور الهام جداً لدينا, وهي تابعة للحاء ) .
وتتكون من أربع طبقات وهي :
1 – طبقة القشرة المغايرة اللحائية الابتدائية , وهي مؤلفة من التلفيف المسنن وقرن أمون والكلابة .
2 – طبقة القشرية المغايرة اللحائية القديمة , وهي أشد تعقيداً من سابقتها وتضم البصلة الشمية والحديبة الشمية والنواة الحجاجية والباحة الكمثرية والباحة اللوزية .
3 – طبقة قشرية حول المغايرة تحيط بالقشرة المغايرة الابتدائية والقديمة , وتضم القشرة الجزيرية وعدة بنى أخرى .
4 – طبقة القشرة المجاورة للمغايرة وهي قشرة انتقالية , لذلك تبدو متماثلة أو شبيهة بالقشرة المخية الحديثة , كما أنها ذات طابع مميز .
أما البنى الحافية تحت القشرية : فإنها تضم نوى المنطقة الحجاجية , ونواة , والمعقد النووي اللوزي , والعقد القاعدية . وهناك إتصالات متعددة للجملة الحافية , صادرة وواردة , فيما بينها وبين القشرة الخية الحديثة والمهاد والوطاء والدماغ المتوسط والأجسام المخططة والبصلة الشمية
اللوزة أو الأميجدالا
حينما يوجه شخص ما وعيه إلى العالم من حوله , يواجه قدراً متدفقاً من المعلومات الحسية الواردة من المستقبلات الحسية : مناظر , أصوات , روائح , أحاسيس , وما إلى ذلك . عندها يقوم الدماغ بمعالجة هذه المعلومات في الباحات الحسية الموجودة في الدماغ الحوفي الذي يعالج الأحاسيس الأولية الأساسية مثل الشم والألم وغيرها , وفي اللحاء الذي يعالج الأحاسيس البصرية والصوتية وباقي الأحاسيس والمعاني اللغوية المتطورة . ويعود ويرسل أو يرحل نتائج هذه المعالجة والتحليل إلى الدماغ الحوفي وبالذات إلى اللوزة ( أو الأميجدالا ) التي تعمل كمدخل للمنظومة الحوفية التي تقوم بتقييم مجمل المدخلات , وتنظم الرد المناسب لها بالاعتماد على القيام بالاستجابة المناسبة , وأيضاً تستعين بإضرام الانفعالات المناسبة لذلك .
واعتماداً على المعارف أو المعلومات المختزنة لدى الشخص تقرر اللوزة المخيّة كيف يجب عليه أن يستجيب فكرياً وعملياً وانفعالياً , مثلا : بالخوف ( لرؤية لص ) أو بالشهوة ( لرؤية محب ) أو باللامبالاة ( لرؤية شيء تافه ) .
وتتدفق الرسائل من اللوزة المخيّة إلى باقي أجزاء المنظومة العصبية المستقلة , التي تهيئ الجسم للعمل المناسب , فإن كان الشخص يواجه لصاً على سبيل المثال , فستزداد سرعة نبضات قلبه و سيتعرق جسده ليبرد الحرارة الناجمة عن الجهد العضلي , ومن ثم يرتجع ( تحدث تغذية عكسية ) تيقّظ المنظومة المستقلة إلى الدماغ , مضخماً الاستجابة الانفعالية , ومع الزمن تنشئ اللوزة ( الأميجدالا ) المخيّة منظراً عاماً بارزاً , خريطة تبين تفصيلات الدلائل الانفعالية لكل شيء في بيئة الشخص .
إن الدماغ الحوفي ( وبشكل خاص اللوزة ) هو المتحكم الأساسي في كافة مناحي عواطفنا وانفعالاتنا وحتى أفكارنا . وهو في الأساس مبرمج بيولوجياً أو غريزياً , وكذلك يتم برمجته نتيجة الحياة وبشكل خاص نتيجة الحياة الاجتماعية .
ومن وظائف اللوزة القيام أو المشاركة بالتحكم بما يدخل إلى سبورة الوعي من أمور, والتي توضع بالانتظار وبالتسلسل حسب الأهمية كي تدخل إلى سبورة الوعي للمعالجة .
وكما ذكرنا لها عمل هام آخر وهو أنها تجلب من الذاكرة ما تطلبه سبورة الوعي للمعالجة الواعية , فهي التي تستدعي من مخزون الذاكرة الكبير المتوضّع في اللحاء, ما تطلبه منها سبورة الوعي . فاللوزة تشارك بشكل أساسي بإدارة مدخلات ومخرجات ساحة الشعور.
وبالنسبة للإنسان أصبح المكتسب نتيجة الحياة الاجتماعية يماثل وحتى يزيد عن الموروث بيولوجياً , فالحضانة والرعاية والتربية لفترة طويلة , واللغة , والعلاقات الاجتماعية الكثيرة والواسعة , جعل ما يتم اكتسابه اجتماعياً أكثر من الموروث بيولوجياً.
نحن نعرف أن الذي يعرض على سبورة الوعي هو جزء صغير جداً مما هو موجود في الدماغ . فالمعروض على سبورة الوعي هو ما تمت الموافقة عليه من قبل مكتب الدخول الذي هو الدماغ الحوفي بما فيه العقد القاعدية واللوزة .
ويمكن أن يوضع قيد الانتظار في مكتب الدخول سبعة مواضيع أو ملفات , وواحد فقط يتم إدخاله إلى ساحة الشعور. ويستطيع مكتب الدخول استدعاء غالبية ما هو موجود في الذاكرة .

"ملاحظة على فرس البحر أو قرن أمون"
لقد اقترح جراي نموذجاً لكيفية تفاعل المكونات المختلفة للجهاز الحوفي , فرأى في فرس البحر أن "دائرة بابيز" التي تربط تكوين فرس البحر بباقي مكونات المخ أنما تعمل كأداة رقابية حيث تتابع السلوك الحادث والمعلومات الآتية من العالم, بحيث تتأكد من أن السلوك يسير وفق خطة أن المعلومات عن العالم تتوافق مع التوقعات.
وفرس البحر ينظر إليه على أنه يقوم بدور وسيط يصل بين الانفعالات وبين العمليات الفكرية المصاحبة لها , أي الأساس المعرفي للانفعالات , فهو يقوم بوظائف يمكن وضعها في خدمة انفعال القلق أو بتعبير آخر فحينما ينتابك القلق تجد نفسك منخرطاً في نوع من عمليات التفكير, وهي عمليات تجري في فرس البحر.
هناك علاقات متبادلة متعددة بين جمل التعزيز الإيجابي والسلبي من جهة , والجملة الحافية من جهة أخرى . بسبب الدور الذي تلعبه هذه الأخيرة , في تسجيل النجاحات والفشل , وفي إعداد ردود الفعل الشعورية ,وإضفاء المعاني والمضامين على المنبهات المختلفة .

تحول الممتع إلى مؤلم أو العكس من أهم أعمال الدماغ الحوفي
إن تحويل استجابة ( لمثير معين ) من استجابة ممتعة إلى استجابة مؤلمة أو العكس , هي أيضاً من وظائف الدماغ القديم فهو الذي يقوم بذلك . فالاستجابة الأساسية لتناول الطعام هي إنتاج الأحاسيس الممتعة وخاصةٌ عند تناوله بعد جوع , ولكن يمكن أن تتحول هذه الاستجابة إلى إنتاج أحاسيس مؤلمة , نتيجة تناول نفس الطعام , بعد الشبع , أو نتيجة أسباب أخرى نفسية .
كيف يحدث تحول نتيجة تأثير مثير, من استجابة ممتعة, فيصبح هو نفسه مصدر ألم ؟
إن هذا يحدث نتيجة القيام بتقييم هذا المثير من ناحية إفادته أو ضرره للإنسان , فتقييم تناول الطعام بعد الاكتفاء والشبع , هو أنه ضار بالجسم , وهذا ما يؤدي إلى حدوث الاستجابة المؤلمة .
بينما كان تقييم الطعام عندما كان الجسم بحاجة إليه , هو أنه مفيد ولازم للجسم , وهذا يؤدي إلى حدوث الاستجابة الممتعة .
إن هذا التحول في القيمة من مفيد إلى ضار, تحددها وتقررها اللوزة وبمساعدة بنيات أخرى , ثم بعد ذلك يتم إنتاج الاستجابة الحسية .
فالمفيد ينتج الممتع والضار ينتج المؤلم . هذه الآلية من أهم الآليات التي تقرر غالبية تصرفاتنا
وكما ذكرنا من عمل الدماغ الحوفي " الوضع في الانتظار" . إن الوضع في الانتظار للأمور التي تستدعي المعالجة في سبورة الوعي , من أهم وظائف الدماغ الحوفي . وآلية الوضع بالانتظار تعتمد بشكل أساسي على تصنيف وترتيب الأمور التي تستدعي المعالجة في سبورة الوعي بتسلسل يراعي أهميتها , وأهميتها تقرر بالاعتماد على تقييمها ومقارنتها مع بعضها وعلى الأسبقية الزمنية , ويمكن للأمور الهامة أن تتجاوز الأسبقية الزمنية .
وكل ما يوضع في الانتظار لا يحذف إلا في الحالات التالية :
1 – إهماله أو نسيانه لطول فترة انتظاره .
2 - فقد أهميته , أو عدم جدوى معالجته .
3 – دخوله للمعالجة , وإتمام معالجته بالوصول إلى تحقيق المطلوب , و إلا يعاد ليوضع في الانتظار من جديد ليصار إلى إعادة إدخاله لسبورة الوعي .
وفي حالة ورود أمر هام يجب معالجته , يخرج الأمر الذي تجري معالجته , ويدخل الأمر الهام ليعالج وتحديد أهميته , وإعطائه دور حسب هذه الأهمية.
4 – النوم أو الغيبوبة أي إغلاق أو إطفاء سبورة الوعي , فتوقف كافة الأمور , وتجري معالجتها بعد الصحو .
والعمل الهام الآخر الذي يقوم به الدماغ الحوفي , هو القيام باستدعاء ما تطلبه سبورة الوعي من مخازن الذاكرة, إن كان في اللحاء أو غيره .
وفي أحيان كثيرة يقوم الدماغ الحوفي بالقيام بتقرير وتنفيذ الاستجابة , ودون حدوث معالجة لها في سبورة الوعي .

دور الدماغ الحوفي في بناء الذاكرة الدلالية
إن الذاكرة تساهم في إنشاء المعاني , وكذلك للمعاني و الأحاسيس والانفعالات تأثير قوي على بناء الذاكرة , ويمكن أن تبنى ذاكرة قوية , لحادثة من مرة واحدة , و دون التكرار اللازم لبناء الذاكرة , وذلك نتيجة المعنى الهام لها . فالإنسان يتعلم ويتذكر الحالات والأوضاع المؤلمة أو السارة أو ذات المعنى القوي بسهولة , لأنها تسجل بشكل جيد .
إن الذي يساهم في جعل الدماغ يبني ذاكرة في اللحاء من تجربة واحدة , مع أنه يلزم لبناء ذاكرة تكرار مرور تيارات عصبية في محاور ومشابك معينة وبشكل متواقت يؤدي إلى نمو أو تطور هذه المحاور والمشابك حسب جريان هذه التيارات وخصائصها . هي اللوزة ويشاركها في ذلك قرن آمون وبنيات دماغية أخرى , فاللوزة وقرن آمون هما اللذان يجهزان ويحضران القدرات اللازمة لتكرار و إعادة جريان التيارات العصبية ذات المعنى الهام .
ونحن نلاحظ أن هذه الآلية تتعامل مع المعنى بشكل أساسي , وهذه الطريقة في بناء الذاكرة تختلف عن طريقة التعلم الحركية أو العضلية , الواعية أو غير الواعية , وهذه مسؤول عنها المخيخ , وكذلك تختلف عن الذاكرة العادية فهذه تبنى بالتكرار.
وللوزة دور هام في بناء الذاكرة الفكرية الراقية , والتي هي دوماً واعية ومحملة بالمعاني المعقدة , اللغوية والثقافية والاجتماعية المتطورة , ويصعب بناء هذا النوع من الذاكرة دون عمل اللوزة .

دور وأهمية ما يدخل لساحة الشعور . وطرق وأساليب الإدخال التي تستخدم .
كما ذكرنا الطرق التي تدخل بها المؤثرات والتيارات العصبية والأفكار , إلى ساحة الشعور والوعي هي :
هناك أولاً واردات الحواس وهي التيارات العصبية الآتية من كافة الأعضاء والأجهزة الداخلية مثل الإحساس بالجوع أو العطش, والخوف وأحاسيس الانفعالات الكثيرة الأخرى .
وثانياً الواردة من المستقبلات الحسية الخارجية, مثل النظر والسمع.... وباقي مستقبلات الحواس الأخرى للعالم الخارجي .
وثالثاً واردات الذاكرة وهي التيارات العصبية الآتية من اللحاء وباقي أجزاء الدماغ, وهي ذات مصادر مختلفة وهي , التداعي نتيجة الإشراط أوالارتباط أو التتابع الزمني , وهناك الاستدعاء المخطط الإرادي الواعي , نتيجة المعالجات الفكرية الإرادية الواعية .
والملاحظ أن المؤثرات التي تدخل ساحة الشعور ( أو يتم الوعي بها ) وتعالج فيها تأخذ أهمية استثنائية على باقي المؤثرات الأخرى التي لا يتم الوعي بها , وبغض النظر عن أهميتها ودورها و وظيفتها الحيوية أو القيمية الفعلية , وهذا راجع إلى أن معالجة هذه المؤثرات لا تأخذ بالحسبان باقي المؤثرات الأخرى التي لم تدخل ساحة الشعور .
والجديد من المؤثرات دوماً له الأفضلية في الدخول إلى ساحة الشعور لتحديده وتحديد مدى أهميته ومن ثم تصنيف تسلسل دوره في الدخول لساحة الشعور لمعالجته .
كما ذكرنا إن البنيات المتحكمة فيما يتم إدخاله لساحة الشعور هي بمثابة مكتب مسؤول عن ما يدخل لساحة الشعور لمعالجته . والدماغ الحوفي ( أو الجملة الحافية ) عنصر رئيسي في إدارة مدخلات ساحة الشعور , فهو مسؤول عن بناء الذكريات الهامة وأسلوب استخدامها , وما يكتسب تدريجياً من تعلم ومهارات وأساليب تصرف واستجابة لما يتعرض له الإنسان خلال حياته . فتلعب البنى الحافية الدور الأول في إعداد وتنفيذ استجابات وسلوك الإنسان في حياته , فالدماغ الحوفي هو المتحكم الأساس في كل ما يتم إدخاله إلى ساحة الشعور .
البعض يرجح كون العقد القاعدية هي بوابات مكتب الدخول والمتحكمة في ما يدخل إلى ساحة الشعور , ربما كان التشكيل الشبكي في أول الأمر هو المسؤول عن مدخلات ساحة الشعور عندما كان الدماغ في بداية تطوره , ولكن عندما توسعت وتعقدت الأمور تكونت العقد القاعدية للقيام بهذه المهمة , وبقي للتشكيل الشبكي دوره كمتحكم بمدخلات الشعور في الأمور الأساسية والبسيطة . . ومن المرجح أن العقد العصبية القاعدية هي التي تتحكم في قدرة المرء على البدء و التوقف عن الأفكار .
وبالنسبة لمكان ساحة الشعور في الدماغ , البعض يعتبر أن الفصوص الجبهية ( والتي تعتبرتابعة للدماغ الحوفي ) هي التي توجد فيها ساحة الشعور أو هي التي تنشؤها وهذا غير دقيق , إن الفصوص الجبهية مركز معالجة وتقييم شامل ودقيق لكافة الواردات الحسية التي تصل إلى اللحاء وفيها يقيم المفيد والضار, والممتع والمؤلم, والصحيح والخاطئ والمجدي وغير المجدي (طبعاً بمساعدة النتوء اللوزي), ولكنها لا تحدث الوعي لوحدها فهي تشارك في تشكيل الوعي لدينا بشكل أساسي .

أهم خاصية لمكتب الدخول هي
أنه دوماً يكرر إدخال الأمور , وخاصة الأمور الهامة , والتي لم يتم حلها , أوالتي لم يكون الحل الذي تم التوصل إليه مرضي ويقبل به تقييم الدماغ الحوفي .
إن قوة إلحاح مكتب الدخول لتكرار إدخال أمر معين إلى ساحة الشعور مرتبطة بطبيعة وخصائص الإنسان , وما تم تعلمه واكتسابه نتيجة الحياة من قيم ومبادئ وتوجهات وأحكام وتقييمات .
والملاحظ أن التكرار غالباً يستمر طالما لم يتم التوصل لنتيجة أو استجابة ترضي تقييم الدماغ الحوفي , أي الوصول إلى ما يستدعي توقف التكرار , ولكن هذا يرهق الجهاز العصبي والجسم ويبدد الطاقات دون جدوى .
صحيح أنه يمكن أن يحدث توقف مؤقت لتكرار الإدخال عند حدوث أمور جديدة أو هامة تستدعي معالجتها فوراً , ولكن بعد الانتهاء منها يعود التكرار . وهناك الكثير من الأمور لا يتم فيها التوصل إلى حل مرضي لأسباب متعددة أهمها :
1 – عدم توفر العناصر والظروف التي تسمح بحل مرضي , لأن ذلك يستدعي تغير الأوضاع وهذا يحتاج لمرور زمن ليس بقصير .
2 – عدم وجود حل .
3 – الحل يكون متناقضا ً مع أمور أخرى , وهو يؤدي إلى نشوء مشاكل .
4 – القدرات المتاحة للفرد , والمعارف التي تعلمها الفرد , للسيطرة على ما يدخل إلى ساحة الشعور غير مناسبة أو غير فعالة في التحكم والسيطرة .
ولكن غالبية أمور حياتنا في الوقت الحاضر أصبح اتخاذ القرار المناسب فيها من الأمور الصعبة , نظراً لتوسع الخيارات المتاحة , وتعقد وتشابك الأوضاع , وهذا يجعل البت بالأمور بقرار محدد مناسب ليس بالأمر السهل .
أي لابد من حدوث حالات كثيرة لا يتحقق فيها الحل المرضي وكما نرغب بشكل كامل .
من أشكال التكرار تتولد الحالات التالية :
القلق : قلق الأم على ابنها وعلى صحته وراحته وتغذيته .
الانتظار والترقب : في حالات متعددة في لقاء المواعيد , الانتظار لنتائج لفحص , انتظار الأم لإبنها أو أي انتظار مشابه , . .
التأكد والالتزام : من الملابس والتصرفات والعادات .
الإدمان بأشكاله الكثيرة والمتنوعة .
الندم .
التردد .
العناد ( يباسة الراس ) , وعدم الاقتناع مهما كانت البراهين .
الطموح والتصميم , والثقة بالنفس والإصرار , والتعصب . . .
الوسواس وهو اكتساب تصرفات يجري ممارستها باستمرار في أوضاع معينة , كالأفكار التي يتكرر دخولها لسبورة الوعي عدة مرات في اليوم وتبقى لفترة طويلة , أو تكرار القيام بشيء ما عددًا معينًا من المرات . وقد لوحظت سلوكيات مشابهة للوسواس لدى الحيوانات مثل الكلاب والجياد والطيور .
و تشير الأبحاث إلى أن الوسواس يتضمن مشكلات في الاتصال بين الجزء الأمامي من المخ المسؤول عن الإحساس بالخوف والخطر والتركيبات الأكثر عمقًا للدماغ أو البنى الحافية , وتضخيم هذا الخطر , طبعاً للتربية وما يتعلمه المرء في حياته دور أساسي . وكل عادة مكتسبة ومعززة بقوة تصبح بمثابة وسواس تجري ممارستها والمحافظة عليها ودون تعديلها أو تطويرها . وهناك أفكار وأمور تبقى عشرات السنين إن لم يكن طول العمر يتكرر دخولها لوعينا ,
وكذلك هناك أمور ممتعة ومفرحة يتكرر دخولها إلى ساحة الشعور وذلك بقصد إطالة لحظات الاستمتاع , مثلما هناك أمور مزعجة أو مؤلمة يتكرر إدخالها إلى ساحة الشعور .
هناك قول مأثور وهو " إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون " لكن ما مدى هذه " الما . تريد " هل فعلاً يستحيل تحقيق ما تريد أم هناك احتمال ولو ضئيل في تحقيقه , والمشكلة الكبرى في اقتناع وقبول الدماغ الحوفي لدينا بالواقع الموجود أو " الما . يكون " , والقيام بالسعي لإلغاء الدافع والاستجابة المرغوبة وكفها , لحين أو بشكل دائم , وطبعاً طبيعة المشكلة ومدى أهميتها له تأثير كبير .
لقد وجد أن ممارسي اليوغا و" كهان الزين " لهم القدرة الكبيرة على التركيزعلى أمور أو أفكار معينة بشكل كبير والتحكم في ما يدخل لساحة شعورهم , فهم مهما كانت طبيعة المثير الجديد , الذي دوماً يأخذ أفضلية لدخول ساحة الشعور, لهم القدرة على منعه من دخول ساحة الشعور , والفحص الكهربائي لدماغهم أثبت ذلك , أي هم لهم سيطرة شبه كاملة على مدخلات ساحة شعورهم اكتسبوها بالتعلم والمران المستمر
لماذا يحدث تكرار إدخال أمر معين إلى ساحة الشعور, والاستمرار في معالجة الأمور وتكراره حتى الوصول إلى المطلوب ؟
هناك أهمية كبيرة لتكرار معالجة الأمور الهامة التي لم تحل , والمثابرة على تحقيقها , هذا ما نشاهده لدى كافة الكائنات الحية والتي تسعى للمحافظة على حياتها ونموها واستمرارها كفرد وكنوع , مثلاً : لنلاحظ تصرفات الحيوانات المفترسة كيف تسعى وتثابر على تكرارالسعي لصيد فرائسها ولا تتوقف حتى تصيدها , أو تتهدد حياتها .

طرق إيقاف تكرار الإدخال غير المجدي , والتحكم بما يدخل لساحة الشعور
التبرير بشتى الوسائل حتى الوسائل غير الواقعية أو غير المنطقية , لحل المشكلة وإيقاف التكرار
تعلم طرق للإيقاف نتيجة الممارسة والخبرة , مثل اليوغا وغيرها .
العلاج النفسي وهو يحل مشكلة التكرار في حالات كثيرة .
استعمال الأدوية في الحالات الصعبة المستعصية .
إشغال الفكر بأمور أخرى , أو الانخراط في العلاقات الاجتماعية والترويح عن النفس .
النوم إن أمكن لإيقاف هدر الطاقة العصبية , وهذا يكون صعب في الحالات القوية .
دور وتأثير العلاقات الاجتماعية في تخفيف المعاناة من تكرار دخول الأمور المؤلمة أو المزعجة إلى ساحة الشعور .
والملاحظ أن اليأس والإحباط هما حل ضروري لوقف تكرار إدخال الأمور المؤلمة والمزعجة والمستعصية الميؤوس من حلها لساحة الشعور , وأمثلة على أوضاع ميؤوس منها : موت عزيز , خسارة شاملة وكبيرة , مرض عضال مؤكد , . . . , ففي هذا الوضع يكون اليأس والإحباط , الحل الأفضل , فيحفظ الطاقة والجهد الفكري والجسمي المهدور دون نتيجة مجدية .
هذه حالات واضح الوضع فيها والقرار ليس صعبا ً , ولكن هنا الكثير من الأوضاع التي تكون الأمور معقدة ومتشابكة , وبالتالي النتيجة غير واضحة , وهنا تكمن الصعوبة بالنسبة لكل منا , وبالتالي تتعقد وتتصعب الأمور والنتائج .
التربية ودورها : إن ما يدخل إلى ساحة الشعور لدى المولود الحديث أوالطفل , هو المتعلق بتلبية الدوافع والاستجابات الأساسية والهامة , ويبقى في ساحة الشعور حتى يلبى , وتكون هذه الدوافع والاستجابات محدودة وتتعلق بأهم أمور حياة الطفل , وتتزايد هذه الأمور نتيجة تعرف الطفل على المحيط وتأثيراته . ويكون تصميم الطفل على تحقيق دوافعه شديد , وهو على شكل بكاء ويستمر حتى يلبى , أو يحدث أمر آخر أهم , فيجري اعتماده وترك الأول . أي هذه الخاصية هي من أسس عمل الجهاز العصبي لدينا , ولدى غالبية الكائنات الحية إن لم يكن كلها .
إن إقناع الطفل وتعليمه القبول بتأخير تحقيق دوافعه واستجاباته المرغوبة , والانتظار ( أي التوقف عن تكرار طلب التحقيق لفترة زمنية ) عن طريق إقناعه بأنها سوف تحقق في المستقبل القريب , هو تعليمه التحكم بمدخلات الشعور لديه .
فالأطفال الذين يقبلون بتأخير تحقيق دوافعهم ورغباتهم والإنتظار سوف يكونون في المستقبل مهيئين للتحكم في ما يدخل لساحة شعورهم , أي يكون ما يفكرون فيه بشكل منظم ومجدي أكثر .
وهناك الوضع في الانتظارسنتكلم عنه بتوسع لاحقاً : فهناك أمور توضع في الانتظار ( أو في الذاكرة القريبة ) لتنفيذها مثل : تنفيذ الأعمال , تنفيذ المشتريات , تنفيذ الخطط والمشاريع . . . , أي التذكر للأمور المطلوب عملها والموضوعة في الانتظار .

إن مراكز الثواب والعقاب تمثل بلا شك أحد أهم الضوابط في نشاط وتصرفات الثدييات والإنسان
وقد وجد أن الخبرة الحسية التي لا تؤدي إلى أي من الثواب أو العقاب نادراً ما يتم تذكرها على الإطلاق , إن تكرار منبه خلال فترة من الزمن يؤدي إلى انطفاء شبه كامل لاستجابة اللحاء إذا كان هذا المنبه لا يستثير مراكز الثواب أو العقاب فالحيوان يصبح معتاداً على المنبه الحسي, ولكن إذا كان المنبه يؤدي إلى ثواب أو عقاب فإن استجابة اللحاء تصبح تدريجياً أكثر حدة بتكرار المنبه بدلاً من خمود الاستجابة - ويقال في هذه الحالة أن الاستجابة قد تدعمت أو تعززت- وعلى هذا فإن الحيوان يبني آثارا ً قوية ً لذكريات الخبرة التي تؤدي إلى الإثابة أو العقاب, فالثواب والعقاب , والعواطف والانفعالات , لهم علاقة كبيرة بالتعلم .
وفرس البحر- قرن آمون أو الحصين- يلعب دوراً في تقرير درجة انتباه الشخص , وله علاقة بالتعلم . يعتقد أنه يلعب دوراً في ربط الخصائص الانفعالية للخبرات الحسية , ثم يقوم بدوره بنقل المعلومات إلى مراكز الثواب والعقاب وغيرها من المراكز, ويقوم بربط الإشارات الحسية المختلفة الواردة بشكل يؤدي إلى استجابة مناسبة من المهاد "
المهاد و دوره الهام في الثواب والعقاب
" من بين مهام المهاد ضبط وظائف الجسم الهامة للحياة إن كانت شعورية أو لا شعورية- ضبط الضغط الشرياني- توازن سوائل الجسم- محتوى السوائل من الأملاح- التغذية- النشاط المعدي والمعوي- الافرازات للغدد الصم, وله علاقة وثيقة مع الجانب الانفعالي من الإحساسات, مثل اللذة والألم وبالتالي الثواب والعقاب.
فالتنبيه الكهربائي لمناطق معينة يجلب السرور والرخاء للحيوان, وتنبيه مناطق أخرى يسبب ألماً شديداً أو خوفاً أو دفاعاً أو هروباً, هناك مناطق ثواب وعقاب في المخ وفي المهاد المراكز الأساسية, والمراكز الأخرى في اللوزة والحاجز والعقد القاعدية وفي اللحاء القاعدي للمخ المتوسط .

اكتشاف سر قدرة الوخز بالإبر على تعطيل إحساس الدماغ بالألم , ودور الدماغ الحوفي في ذلك .
كان العلماء يشككون دائماً في علاج الألم من خلال الطب الصيني القديم، أو ما يسمى بالوخز بالإبر . إلا أن دراسة جديدة كشفت عن أن هذه التقنية تعمل على إغلاق أجزاء من الدماغ ، لها علاقة بالإحساس بالألم، مما قاد العلماء إلى تصديق فعالية الوخز بالإبر، في القضاء على الألم، كما يفعل المخدر. فقد وجدت دراسة أجراها علماء من جامعة هول يورك للطب، على مجموعة من المتطوعين بأن الوخز العميق بالإبر يعمل على إبطال جزء من الدماغ الحوفي ، وهو الجزء المسؤول عن الإحساس بالألم.
وتقول كاثي سايكس الأستاذة في جامعة بريستول في بريطانيا، "إن المنطقة الموجودة في الدماغ، والتي تتوقف خلال إجراء الوخز بالإبر هي جزء من نسيج الألم و المسؤولة عن الإحساس فيه"، مضيفة بأن تلك المنطقة تساعد الشخص على تحديد ما إذا كان هنالك ما يؤلم أم لا، وأن الوخز بالإبر يغير بطريقة ما إحساس الشخص بالألم.
وخلال الدراسة قام العلماء بتقسيم المتطوعين إلى قسمين، حيث تم وخز القسم الأول في ظهر أيديهم لمسافة ميلي مترات ، بينما قاموا بوخز القسم الثاني لمسافة أعمق . وكانت النتيجة بأن من اختبروا في القسم الثاني لم يشعروا بألم بعد وخزهم بالإبر.
وعند إجراء تخطيط لدماغ هؤلاء وجد العلماء بأن هنالك تعطيلا يمكن قياسه للدماغ الحوفي ، وهو المسؤول عن الإحساس بالألم .

الدماغ الحوفي واللحاء والعلاقة بينهم
الدماغ الحوفي عقل أو معالج أساسي قائم بذاته, فهو كان يقود ويدير استجابات و تصرفات الكائن الحي لدى أواخر الزواحف وأوائل الثدييات, أي قبل نشوء اللحاء . وقبله كان يقوم بهذا العمل جزع الدماغ الذي يوجد فيه التشكيل الشبكي , والذي لا زال هو المدير الأول , فهو يدير ما يستدعى إلى ساحة الوعي ( طبعاً بمشاركة الدماغ الحوفي ) , والأنا الواعية تنشأ نتيجة إدارته لكافة بنيات الدماغ بمساعدة المهاد الذي يقوم بنقل وترحيل التيارات العصبية الواردة من المستقبلات الحسية عن طريق التشكيل الشبكي إلى اللحاء والمراكز الأخرى, ويدير أيضاً التأثيرات المتبادلة بين اللحاء والدماغ الحوفي وكذلك أعمال المخيخ .
لقد كان النتوء اللوزي وقرن آمون ( أو فرس البحر ) وباقي الدماغ الحوفي هم الذين يتلقون واردات الحواس الشمية والصوتية والبصرية والحرارية......, فكان الدماغ الحوفي هو الذي يعالج ويقيم واردات الحواس, وينتج الاستجابة المناسبة لها, وكانت أغلب الاستجابات موروثة محددة, وكانت إمكانية تعديل أو تغيير الاستجابة نادرة . فالمعالجة التي يقوم بها الدماغ الحوفي محدودة وضمن خيارات قليلة معينة محددة, وتكون موروثة, وكل استجابة جديدة يكتسبها الكائن الحي لا يورثها إلى أبنائه(وتنتهي بموته, إلا إذا سجلت وراثياُ وهذا يكون نادراً وبطيئاً جداً), أي كان تطوير العقل الحوفي لاستجاباته بطيئاً جداً. وقد نشأ اللحاء وتطورت مقدمته نتيجة الحاجة إلى المساعدة في معالجة كافة واردات الحواس بشكل أوسع .
فالأحاسيس يتم الاحساس بها أولا في اللحاء , ولكن ليس من الضروري أن يتم الوعي بها , والذي يقرر الوعي بها هو الدماغ الحوفي عن طريق مكتب الدخول الموجود في الدماغ الحوفي .
هذا يشبه تماماً قيادة رئيس القبيلة أو العشيرة أو الإمارة الصغيرة , فهو يكون قادراً على القيادة نظراً لاستطاعته التعامل مع مجريات الأمور, ولكن إذا كبرت العشيرة أو الإمارة لتصبح دولة كبيرة لها الكثير من العلاقات الداخلية والخارجية, عندها لابد لرئيس القبيلة أو الأمير من الاستعانة بالوزراء و الولاة والنواب عنه, وإذا كبرت الدولة أكثر عندها لابد من نشوء الوزارات والمؤسسات , ولابد من المستشارين والخبراء لمساعدة الرئيس في القيادة و الإدارة , وهذا ما حصل في تطور الدماغ, عند تطور قيادته للجسم , ثم للعلا قات المادية مع الطبيعة , ثم للعلاقات الاجتماعية , ثم العلاقات الثقافية . فقد كان لابد من نشوء بنيات دماغية تقوم بهذه الأعمال, فنشأ اللحاء وتطور ليصبح كما هو عليه لدينا . فهو بمثابة المساعد والمستشار والخبير للدماغ الحوفي الذي يبقى هو المعالج الأساسي والمقيم والمتحكم الأساسي في إدارة كافة شؤون الإنسان الجسمية والاجتماعية والفكرية.
والفرق الأساسي بين اللحاء والدماغ الحوفي هو :
قوة المعالجة واتساع الذاكرة لدى اللحاء..
ولكن الإدارة والقيادة للدماغ الحوفي مع المناطق الجبهوية من اللحاء التي هي تابعة للدماغ الحوفي , فهو الذي يقرر المعاني وبالتالي يقرر الأهداف والغايات بشكل أساسي , صحيح أن اللحاء (المناطق الجبهية منه) يمكنه إقناع الدماغ الحوفي في بعض الأحيان ويجعله ينفذ أهدافه التي غالباً ما تكون أفضل , ولكن هذا لا يتم دوماً بسهولة, فللدماغ الحوفي ثوابته الأساسية الموروثة في المعالجة والتقييم ويصعب تغييرها , إلا ضمن حدود صغيرة.
فاستجابة الغيرة والكثير غيرها ليس من السهل تعديلها. يمكن تعديلها خلال أجيال ومن خلال تعديل العلاقات الاجتماعية المرافقة, فالدماغ الحوفي يتعلم ولكن ببطء شديد ونتيجة التكرار الكثير والزمن الطويل. فالضمير لدينا هو ما تم تعليمه للعقل الحوفي نتيجة الحياة الاجتماعية .
إذاً تظل القيادة الأساسية والتحكم بالاستجابات والانفعالات بالذات بيد الدماغ الحوفي لأنها في الأصل عمله الأساسي , وكان تشكل اللحاء (المناطق الجبهية ) لمساعدته وليس لينوب عنه .
ولكن معالجة اللحاء (المناطق الجبهية ) أفضل وأوسع وأدق , ومع هذا فالقيادة والتحكم ليست بيده, فهو مستشار فقط للعقل الحوفي .
وفي أحيان كثيرة لا يوافق اللحاء (المناطق الجبهية ) على استجابات الدماغ الحوفي ويحتج عليها, ولكن دون جدوى في أغلب الأحيان . و قدرات اللحاء لدينا الآن تنمو بسرعة هائلة نتيجة الحياة الاجتماعية والثقافية والعلمية, سواء أكان في سعة أو دقة المعالجة أو في مخزون المعلومات.
والآن يجد اللحاء في أحيان كثيرة طرقاً للاحتيال على الدماغ الحوفي وجعله ينفذ خياراته, فهو يدير عمل الدماغ الحوفي بطرق ذكية كثيرة ويجعله يمتثل لما يريد , فالعقل الحديث المعتمد على اللحاء (المناطق الجبهية ) يستخدم المعارف والمعلومات الدقيقة التي تم التوصل إليها . بالإضافة إلى استعمال الأطعمة والوجبات والمشروبات والعقاقير المناسبة والتي تسمح له بتعديل استجابات العقل الحوفي , فهو يدير الكثير من الاستجابات بطريق غير مباشر وعبر الدماغ الحوفي .
ومع كل هذا يظل الدماغ الحوفي هو باني المعاني الأساسي , فحتى اللحاء نفسه يطلب منه تحديد المعاني , أي أنه يبقى في النهاية هو الأساس, لأنه هو الذي يحدد الممتع والمفيد وباقي المعاني بشكل أساسي .

ما هو الفرق بين التشكيل الشبكي , والدماغ الحوفي, واللحاء, من ناحية التعامل مع الخيارات والإرادة ؟
إن الفرق الأساسي هو أن التشكيل الشبكي يتعامل مع الخيارات والتي هي تيارات عصبية(طبعاً بمساعدة المهاد) بشكلها الفزيولوجي العصبي ويقيمها بناءً على تأثيراتها وقواها الفزيولوجية الكيميائية العصبية اللحظية , ويتم ذلك بناءً على الاستجابات الموروثة والاشراطات التي تبنى أثناء الحياة وحسب قوى وخصائص التيارات العصبية التي ترد إليه .
والمهمة الأكبر للتشكيل الشبكي تشكيل وإدارة الوعي اللحظي , والذي يتشكل نتيجة الدارات العصبية الكهربائية المتصلة معه, والإرادة التي ينشؤها التشكيل الشبكي نتيجة تعامله مع هذه التيارات تقرر بناءً على نتيجة تفاعل التيارات العصبية الجارية فيه .
وإذا لم يتدخل الدماغ الحوفي وبشكل خاص النتوء اللوزي بتقييماته عن طريق الدارات العصبية بينه وبين التشكيل الشبكي فإن إدارة التشكيل الشبكي تفقد الكثير من توجيهاتها لحماية ورعاية الإنسان. فالمعاني المسقبلية لا يبنيها التشكيل الشبكي إلا بمساعدة الدماغ الحوفي .
أما المعاني الواسعة والمتطورة التي يبنيها عقلنا الآن فهي تعتمد بشكل كبير على عمل اللحاء وبالذات الفصوص الجبهية , فنحن نلاحظ الأشخاص الذين قطعت الاتصالات بين المناطق الجبهوية والدماغ الحوفي نتيجة حوادث أو عملية جراحيةأن تصرفاتهم وتفكيرهم ومشاعرهم أصبحت لا تهتم بالمعاني المتطورة مثل المعاني الاجتماعية والثقافية والفكرية , ففي هذه الحالات يقوم التشكيل الشبكي ببناء المعاني والقرارات بناءً على ما يرده من المستقبلات الحسية ومن الدماغ الحوفي فقط ودون تدخل الفصوص الجبهية من اللحاء التي يمكن اعتبارها القسم الحديث من الدماغ الحوفي لأنها تتابع وتكمل عمله في التقييم والتقرير لإدارة الجسم وإدارة كافة التصرفات بما فيها التصرفات الاجتماعية والفكرية
" و يرى ( نوتا ) أن المناطق الحجاجية من الفص أمام الجبهي (المناطق الجبهية ) تعتبرالقسم الحديث النشوء من الجملة الحافيٌة الذي يتلقى فعاليات الجملة الحافيٌة ويقوم بصقلها إلى حد كبير, كما يؤهل هذه المنطقة القيام بدور في مجال الموازنة بين الرغبة والامكانات, وبذلك تكون الباحة الحجاجية مقراً لتكامل العالمين الوظيفيين الكبيرين الإعاشي والاتصالي فيجري إعادة تمثيل للعالم الخارجي المرتسم على القشرة المخية الجبهية الجانبية وعلى القشرة الجبهية الصدغية الأمامية بشكل متكامل مع المعطيات الهرمونية والحشوية للوسط الداخلي "
وبهدف إعادة التوازن العاطفي عند اختلاله ومعالجة حالات مستعصية من الخوف والقلق والهواجس والاكتئاب وغير ذلك , سادت لفترة من الزمن الجراحة النفسية العصبية التي توجهت واستهدفت بأساليب شتى قطع بعض الاتصالات بين الجملة الحافيٌة والقشرة تحت الحجاجية من جهة وبين حصان البحر( قرن أمون) وتلفيف الجسم الثفني من جهة أخرى .
البعض يعتبر أن الفصوص الجبهية هي التي توجد فيها سبورة الوعي أو هي التي تنشؤها وهذا غير دقيق, إن الفصوص الجبهية مركز معالجة وتقييم شامل ودقيق لكافة الواردات الحسية التي تصل إلى اللحاء وفيها يقيم المفيد والضار, والممتع والمؤلم, والصحيح والخاطئ والمجدي وغير المجدي (طبعاً بمساعدة النتوء اللوزي), ولكنها لا تحدث الوعي لوحدها فهي تشارك في تشكيل الوعي لدينا بشكل أساسي , وفي الدماغ الحوفي بما فيه النتوء اللوزي والحصين يجري التقييم الأولي لما يرد من تيارات عصبية (إعلامية) , وفيه يجري تحويل المفيد والمجدي إلى ممتع, والضار وغير المجدي إلى مؤلم, ويعتمد تقييمه بشكل أساسي على أسس فزيولوجية وعصبية موروثة أي مراجع تقييم محددة أغلبها موروث أو تم اكتسابها في بدايات الحياة ويصعب تعديلها أو اكتساب جديد بعد ذلك ,أما تقييمات الفصوص الجبهية فهي كلها مكتسبة أثناء كافة مراحل الحياة.

الدماغ الحوفي والتصرفات الاجتماعية والعاطفية
نستطيع تصنيف كافة أشكال استجاباتنا وتصرفاتنا إلى نوعين أو نمطين :
الأول استجابات وتصرفات نمطية تسمح ببقاء وتطور الفرد والنوع , وهي بشكل أساسي موروثة بيولوجياً , وتلعب تقلبات عوامل الوسط الداخلي دوراً هاماً في هذا النمط من السلوك الذي يعتبر منظماً بيولوجياً يحفظ الفرد والنوع . فكل ابتعاد عن سوية التوازنات الفزيولوجية للجسم توجه الفرد نحو العمل على إعادة التوازن إلى سويته الطبيعية وأهم هذه التصرفات (سلوك التغذية والبحث عن الغذاء , السلوك الجنسي , . . . ) .
الثاني استجابات وتصرفات اجتماعية تسمح بالحوار والتفاعل مع المجتمع الذي يعيش فيه الفرد . وفي مجال هذه السلوكيات الاجتماعية تكون المنبهات البيئية , وما تضيفه عليها تجارب الفرد من معان اجتماعية , تلعب الدور الأساسي في انبثاق السلوك الاجتماعي , ولا تكتسب المعلومات الحسية صفاتها الدافعة انطلاقاً من سلوكية غريزية موروثة فقط , بل تكتسب أيضاً من التكيفات الاجتماعية والعاطفية التي تعلمها من مجتمعه . وهنا يبرز دور الدماغ الحوفي كعنصر رئيس في إدارة السلوك , وباعتباره المسؤول الأساسي لبناء الذكريات المستخدمة في التصرفات والسلوكيات الاجتماعية , وأسلوب استخدامها .
السلوكيات الاجتماعية :
تلعب الجملة الحافية ( أو الدماغ الحوفي ) الدور الأول في إعداد وتنفيذ سلوك الكائن الحي ( وبشكل خاص الإنسان ) الذي يتفاعل مع بيئته , وهي التي تظهر الفروق السلوكية الفردية وتظهر الشخصية المتأثرة بالحياة الماضية .
ويختفي دور هذه الجملة عندما يوضع الفرد في بيئة تختلف كلياً عن بيئته المعتادة , فعندها يصبح مخزون ذاكرته الذي اكتسبه أثناء حياته غير فعال . وقد ظهر أن السلوكيات الاجتماعية تتأثر بشدة وتهبط ردود الفعل الانفعالية بعد تخريب اللوزة بينما ترتفع بشدّة مفرطة بعد تخريب النواة الحجاجية مما يدل على أن هذه النواة تخفف ردود الفعل الانفعالية بعكس اللوزة .













أسس ومصادر الانفعالات
إن أقدم أصل لحياتنا الانفعالية هو حاسة الشم أو " الفص الشمي " أي الخلايا التي تستقبل واردات حاسة الشم وتحللها . فكل مفيد أو ضار , أو رفيق جنسي , أو مفترس , أو فريسة , كل كيان من هذه الكيانات له بصمة جزيئية مميزة يمكن أن تنتشر في الهواء . لذا كان الشم في تلك الأزمنة البدائية هو أهم حاسة حاسمة للبقاء على قيد الحياة .
وقد بدأت المراكز الانفعالية القديمة في التطور من " الفص الشمي " في الدماغ , إلى أن كبر حجمها بالقدر الذي يكفي للتحلق حول مقدمة جذع الدماغ , وكان مركز الشم في المراحل البدائية يتكون من خلايا عصبية على شكل طبقات رقيقة متجمعة , مهمتها أن تحلل الروائح ثم تصنفها , وترسلها إلى مجموعة الخلايا المتصلة بها التي تحدد ما هو صالح للأكل أو ضار , صالح للتعامل معه جنسياً , أو معاد . . . , ثم ترسل طبقة أخرى من الخلايا رسائل عن النتيجة تبلغ الجسم بما يجب أن يفعله , هل يأكل الشيء أم يتحاشاه , هل يقترب أم يبتعد ويهرب , أو يطارد . . .
وقد نشأت الطبقات الرئيسية للعقل الانفعالي مع ظهور الثدييات , وهي الطبقات المتحلقة حول جذع المخ , وتشبه عمامة صغيرة بأسفلها تجويف يستقر فيه الجذع, ولأن الجزء من الدماغ يلتف ويحيط بجذع المخ , أطلق عليه اسم " الجهاز الحوفي " .
هذه الأرض الجديدة الخاصة بالأعصاب , أضافت إلى سجل المخ التاريخي عواطف وانفعالات مميزة . فالجهاز الحوفي هو الذي يتحكم فينا حين تسيطر علينا الشهوة أو الغضب أو التراجع خوفاً أو الوله والحب . . .
ويقول د . داماسيو " إن البوابة التي يمر فيها تعلم الإنسان للانفعالات أو نقطة الالتقاء بين التفكير والعاطفة , المتمثلة في الدائرة العصبية ل " الأميجدالا " في مقدم الفص الأمامي للمخ , والتي تمثل المخزن الذي يحتفظ فيه الإنسان بخبراته التي يكتسبها عما يفضله وعما يرفضه خلال حياته "
هاتان الطريقتان المختلفتان للمعرفة , تتفاعلان لبناء حياتنا العقلية .
الأولى طريقة العقل المنطقي السببي وهي طريقة فهم ما ندركه تمام الإدراك والواضح وضوحاً كاملاً في وعينا , وما يحتاج منا إلى التفكير فيه بعمق وتأمله . وهذا العقل يعمل بطريقة التسلسل وبمعالجة منحى واحد من الأحداث أي يدرس ويعالج سلسلة أفكار واحدة .
الثانية طريقة العقل الحوفي , والعاطفي والانفعالي وهو مندفع وغير منطقي أحيانا . وهو يعمل بالتوازي , أي بمعالجة عدة مدخلات حسية في نفس الوقت , ويركز على واحد ويضع الباقي في الانتظار ريثما ينتهي منه .
وهناك تأثير متبادل بين الانفعال والتفكير . فقنوات الاتصال بين النتوء اللوزي " الأميجدالا " والتراكيب الحوفية المتصلة به وبين اللحاء " القشرة الجديدة " هي محور كل المعارك واتفاقات التعاون بين العقل والعاطفة , بين التفكير والشعور .
هذه الدوائر العصبية تفسر أهمية الانفعال الحاسمة لفاعلية الفكر في اتخاذ قرارات حكيمة , وإتاحة الفرصة للتفكير الواضح .
ويقترب هذا التقسيم الثنائي إلى عاطفي ومنطقي من التمييز الشائع , بين العقل والقلب . فحين يعرف الإنسان بقلبه أن هذا الشيء صحيح ( وهذا بمثابة حدس ) , فهذا أمر يختلف عن الاقتناع المنطقي السببي .

وظيفة الانفعالات والعواطف
إن الوظيفة الأساسية للانفعالات والعواطف هي رفع جاهزية وقدرة الفعل والاستجابة التي تعتبر مناسبة وفعالة في مواجهة ما يتعرض له الكائن الحي , وهي موجودة فقط لدى الحيوانات الراقية , فهناك انفعالات أساسية نشترك بها مع الثدييات الراقية و الرأسيات, وهي انفعال الغضب والخوف والحب....., وهي انفعالات أساسية قديمة لدينا , وقد نشأت لدينا نتيجة حياتنا الاجتماعية انفعالات وعواطف جديدة وهي خاصة بنا , فهي تكونت نتيجة العلاقات الاجتماعية و الحضارة والثقافة والعقائد..., فقد نشأت وتطورت أنواع كثيرة من الانفعالات والعواطف نتيجة لذلك.
والانفعالات لدينا دوماً تكون مترافقة مع أحاسيس خاصة بها . وهناك انفعالات إخبارية مثل الدهشة والتعجب والترقب والضحك . وهناك انفعالات مثل الحب والحنان والصداقة, والزهو, والغيرة, والحسد , والكراهية....., وكل هذه الانفعالات ترافقها أحاسيس معينة خاصة بكل منها.
وأحاسيس الانفعالات لدينا لا تنتج عن واردات أجهزة الحواس فقط , فهي تنتج بعد حدوث تفاعلات وعمليات في الدماغ والذاكرة بشكل خاص , بالإضافة إلى عمل وتأثيرات الغدد الصم , فالغضب لا يحدث لدينا إلا بعد معالجة فكرية , والتي تتأثر بالذاكرة وما تم تعلمه , وهناك تأثير متبادل بين الدماغ والغدد الصم , ويمكن التحكم في إحداث الانفعالات باستعمال تأثيرات كيميائية وفسيولوجية .
أما الضحك والاندهاش وبعض الانفعالات المشابهة فآلية حدوثها تعتمد بشكل أساسي على عمل الدماغ ويكون تأثير مستقبلات الحواس غير أساسي , لذلك هي خاصة بالإنسان وبعض الرأسيات فقط . والأحاسيس الناتجة عن انفعال رعشة الحب تحدث بمشاركة تأثيرات دماغية مع تأثيرات انفعالية مع تأثيرات المستقبلات الحسية.
وهناك الأحاسيس الناتجة عن انفعالات وعواطف النصر أو الفوز والنجاح , أو الهزيمة والفشل , وغيرها وهي تشبه في بعض النواحي انفعال الضحك بأنها تعتمد بشكل أساسي على معالجة ما هو مخزن في الذاكرة .
وهناك الكثير من الانفعالات والعواطف المتطورة الأخرى التي تكونت لدى البشر نتيجة الحضارة والثقافة وهي ليست عامة بين البشر , فهي لا زالت في طور التشكل والتطور والانتشار .
و يبقى الضحك انفعالاً مميزاً وهو ليس آخر الانفعالات التي نشأت لدى الإنسان , وهناك علاقة بين انفعال الضحك والتعجب والمفاجأة والتوقع والتناقض , فالضحك يحدث نتيجة المعالجة الفكرية للحوادث والأفكار والتناقضات..., فالغباء والأخطاء والتناقضات الواضحة أو المستورة قليلاً والمبالغات ... هي من عوامل حدوث الضحك , وإن آلية حدوث الضحك تعتمد على:
1- التناقض أو سير الأحداث بطريقة غريبة وغير متوقعة , أو بشكل عكسي
2- المفاجأة بحدوث غير المتوقع , أو حدوث المدهش , أو ظهور الغباء مع ادعاء الذكاء, أو ادعاء القوة بينما هناك الضعف أو العكس.
3- المبالغة, يا له من غبي جداً- يا له من ذكي جداً يا له من ماكر جداً.......
4- تفريغ المشاعر العدائية , أو الجنسية ... والمطلوب إخفاؤها أو كبتها .
كما ذكرنا إن كافة الانفعالات والعواطف لدينا , لها دور و وظيفة فسيولوجية وعصبية ونفسية , فالضحك وظيفته الظاهرة هي الشعور بالغبطة والسعادة, ولكن له دور و وظيفة أعمق من ذلك وهي غير ظاهرة فانفعال الضحك نشأ آخر الانفعالات لدى الرأسيات الراقية فهو موجود بشكل محدود لدى الشمبانزي والأورانج أوتان .
إن الغضب , والحقد , والإحباط , و الكآبة , والرعب , والقلق ,..... وكافة الانفعالات المؤلمة والمجهدة للجسم وللجهاز العصبي , وخاصة دارات القلق والتردد والندم والوسوسة والتي تعمل باستمرار تستهلك الطاقات العصبية بكميات كبيرة , بالإضافة إلى أنها تؤدي لجعل الجسم والدماغ يفرز الكثير من المواد الكيميائية العصبية والهورمونات التي تجهد العقل والجسم بدون داع في أغلب الأحيان .
إن كل هذا يمكن أن يخفف أو تتم السيطرة عليه , وذلك بقطع أو إيقاف هذه الدارات العاملة , بواسطة الموسيقى والأغاني الجميلة وبواسطة النكتة والمزاح بشكل خاص , ويكون تأثيرهم فعالاً وسريعاً في أغلب الأحيان, إلا إذا كانت تلك الدارات قوية جداً فعندها يصعب تقبل الموسيقى أو المزاح والتنكيت.

قرع أحاسيس الانفعالات
إن أحاسيس الانفعالات لا تحدث بسهولة , فيجب حدوث الانفعال المطلوب أولاً لكي يحدث الإحساس المصاحب للانفعال , ولإحداث الانفعال يجب التحضير والتمهيد له جسمياً ونفسياً وعصبياً , فإحساس الضحك مثال على نوع منها, وانفعال الضحك ليس من النوع الصعب جداً إحداثه, بعكس رعشة الحب التي ليس من السهل إحداثها فيجب التحضير الجسمي والنفسي لها .
ومن أحاسيس الانفعالات الأحاسيس الناتجة عن الأعمال الأدبية والأعمال السينمائية , وعن الخطابة وغيرها, فهي تحتاج إلى تهيئة المتلقين لها, وامتلاكهم لخصائص نفسية وفكرية مناسبة لكي يتسنى إحداث الانفعالات المطلوبة لديهم .
وأغلب أحاسيس الانفعالات إن لم يكن كلها, سواء كانت أحاسيس انفعال الغضب أو الحقد أو الخوف أو الحزن أو اليأس والإحباط..... أو كانت أحاسيس انفعالات الفرح أو النصر والفوز أو الشجاعة أو السمو ..... , لا يمكن إحداثها أو التحكم بها بسهولة وبساطة , فلا بد من أوضاع تؤدي لحدثها , ولا بد من التحضير لها نفسياً وفكرياً .
وهذا يجعل الفنون التي تسعى لإحداث أحاسيس الانفعالات , مثل الخطابة والأدب والسينما والموسيقى , ليس من السهل إحداثها وقرعها لدى المتلقين , فهي تحتاج إلى إمكانيات وخبرة من الذين يريدون جعل الآخرين يتأثرون بها ويتذوقونها , فإحداث أحاسيس الانفعالات أصعب من إحداث كافة أنواع الأحاسيس العادية .
و نحن الآن في حالة تغير سريع للأوضاع الاجتماعية , وهذا يجعل الكثير من الانفعالات والعواطف غير مناسبة للأوضاع الجديدة , وهي بحاجة إلى تعديل أو إلغاء , وإيجاد ما هو مناسب للأوضاع الجديدة .
والكثير من الناس ينتقدون ويهاجمون هذه الانفعالات التي هي غريزية , ويعتبرونها الآن أصبحت حيوانية وسيئة ويجب القضاء عليها , وهم محقون في أغلب الأحيان .
إلا أن بعضها لا زال يؤدي وظيفة ودوراً في التكيف والتطور . فالغضب والمنافسة والغيرة والصراع مثلاً لا زال لهم الدور الهام في تطور البنيات الاجتماعية .
و مع الزمن سوف تتطور الكثير من الانفعالات والعواطف , وتنشأ انفعالات جديدة , لتلائم بشكل أفضل الأوضاع والتطورات الاجتماعية , وهذا ما نشاهده فعلاً .

علاقة الدوافع بالأحاسيس والانفعالات
إن عمل الدوافع يتحقق من خلال التحكم بالاستجابات الحركية والحسية - وخاصة المفيد والضار , واللذة والألم - فالدافع لآلية معينة أو لسلوك معين ينتج عن طريق التحكم بالاستجابات التي تحصل ومعالجتها .
فظهور دافع الجوع يلاحظ من خلال تغير الاستجابات الخاصة بالطعام وهذا راجع إلى الأوضاع الكيميائية والفزيولوجية للجسم . فانخفاض وارتفاع شدة الاستجابة وتغير الأحاسيس من لذة إلى ألم أو العكس هو ما يظهر الدافع في ساحة الشعور , ولكن ما هي الآلية التي تتحكم بتغير الاستجابات وبتغير الأحاسيس ؟
كيف يحدث خفض أو رفع و تعديل الاستجابات , أو نشوء استجابات جديدة ؟
كيف يحدث تغيير الأحاسيس لنفس المؤثرات ؟
فالحيوان الذي أكل حتى منتهى الشبع يعاف الطعام ويمكن أن يسبب له الألم إذا أجبر عليه بعد أن كان مصدر لذة أثناء الجوع .
إن الأحاسيس الخاصة باللذة والألم- الممتع والمؤلم- بشكل خاص هي التي تتأثر نتيجة إرواء الدوافع . أما الأحاسيس الإخبارية مثل السمع والبصر .... فهي تتأثر ولكن بشكل بسيط أو غير مباشر, وذلك عن طريق زيادة أو خفض التركيز والانتباه على الهام منها ودوره في تحقيق الدافع , فالحيوانات الصيادة ترتفع حساسية حواسها الإخبارية نظر وسمع .... المرتبطة بالصيد عندما تقوم بالصيد بعد شعورها بالجوع , وتعود هذه الحواس إلى طبيعتها بعد الصيد والشبع .
إذاً هناك تحكم في شدة واتجاه الاستجابات والأحاسيس يحدث بآلية معينة ، فهناك تحكم بمقدار ونوعية واتجاه الاستجابة لنفس المؤثرات نتيجة الوضع الكلي للكائن الحي .
فالاستجابات لنفس المؤثرات ليست ثابتة ومحددة بل هي تابعة لوضع الكائن الحي الكلي ، فالنار المؤلمة التي تدفع الإنسان للهرب منها كاستجابة ، يمكن أن يقترب منها ويتعرض لها كاستجابة إذا كان الوضع الكلي يستدعي ذلك كإنقاذ الإنسان لابنه أو ممتلكاته، وذلك نتيجة تكون استجابة أقوى من استجابة الهرب تدفع بذلك الإنسان إلى الاقتراب بدل الابتعاد .
إذاً الإشراط والكف والتحكم بالاستجابات و بناء على المقارنة والتقييم و المفاضلة , لما هو مفيد أو ضار هو ما يقرر سلوك الكائن الحي .
والتعلم والتذكٌر والتفكير يبنى على الإشراط والكف ,الذي هو اشراط جديد . بالإضافة للتقييم والتحكم بالاستجابات والدوافع , ونحن نلاحظ تأثير المعارف و الإعلام على التحكم بالاستجابات ، فالإعلام بكافة أشكاله مسموع, مكتوب , مرئي ..., يهدف إلى التحكم بالاستجابات وبالتالي بالدوافع .

الأحاسيس والانفعالات القوية وتأثيرها على المعالجات الفكرية الدقيقة
إن الأحاسيس وخاصةً القوية والناتجة عن الانفعالات والعواطف , تحدث تأثيرات قوية على كافة بنيات الدماغ, وهذه التأثيرات تعيق أو تشوش أو تطمس الأحاسيس الفكرية الدقيقة والتي تكون غالباً ذات طاقة ضعيفة وهي بحاجة دوماً لرفع طاقتها , بالاعتماد على الأحاسيس المناسبة والتشجيع والمكافأة مثل اللذة الفكرية القوية والانفعال المصاحب لها أثناء إجراؤها.
ولا يمكن معالجة أفكار كثيرة ومتنوعة دون طاقة وقدرة عصبية كافية , فتوفر المخزون الكبير من المعلومات في الذاكرة وتوفر الآليات الفكرية المتطورة لمفاعلة المعلومات غير كاف , فهناك حاجة إلى قوى طاقة وقوى محركة كافية, بالإضافة إلى عدم حدوث تشويشات من باقي الأحاسيس القوية.
فهناك الكثير من العقول التي تملك مخزوناً هائلاً من المعلومات وتملك آليات معالجة فكرية متطورة ولكنها معرضة لضغوط وقوى أحاسيس وانفعالات غير ملائمة , فالآخرون والأوضاع المادية والاجتماعية تعيقهم عن إجراء معالجات فكرية وإنتاج أفكار ومعلومات متطورة . طبعاً هناك القدرة على التكيف مع الأوضاع الصعبة , ولكن يظل مردود تفكير الشخص الحساس والانفعالي يتأثر كثيراً بهذه الأوضاع.
ونحن نجد أن أغلب المفكرين العظام والحساسين جداً قد أنتجوا أفكارهم الهامة أثناء العزلة.
إذاً بما أن التفكير أو المعالجة الفكرية للبنيات الفكرية يعتمد على الإحساس والوعي بهذه الأفكار, فإن أي أحاسيس مرافقة لها سوف تؤثر على نتيجة هذه المعالجة, وخاصة إذا كانت هذه الأحاسيس والانفعالات قوية ومتضاربة معها, فعندها توقف المعالجة الفكرية , أو تسير بشكل غير جيد و خاطئ .
وكل منا لاحظ تأثير الانفعالات والعواطف والأحاسيس القوية على نتيجة تفكيره , ولكن أغلبنا لا يعلم أو لا ينتبه للتأثيرات التي دخلت في تفاعلات المعالجة الفكرية وغيرت النتيجة .
فالأم لن تحكم ضد ابنها في أغلب الحالات مهما كان خطأه واضحاً ومثبتاً فالتبرير له موجود دوماً, وهذا ناتج عن التأثيرات المرافقة , وكذلك عندما أحدهم يكره أو يحب شخصاً أو شيئاً فإن أحكامه أو نتيجة معالجته الفكرية سوف تكون متأثرة بهذا الكره أو الحب, وهناك الكثير من الأمثلة على التأثير الكبير للأحاسيس والانفعالات والعواطف المرافقة للتفكير.






















أسس ذاكرتنا , وكيف تعمل
الذاكرة والتذكر لدينا هما الاسترجاع للأحاسيس أو الأفكار أو الأحداث الماضية . ويتم ذلك بواسطة القدرة على تسجيل الدلالات والمعلومات التي تمكننا من استرجاعها أو استرجاع ما يشبهها، ويتم ذلك بالاعتماد على خصائص وقدرات الدماغ .
وهذا ينعكس في القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات حول وقائع العالم الخارجي والداخلي والاستجابات العضوية ، وبالتالي إدخالها المتعدد في وشائج الإدراك والمعرفة والسلوك , وذلك بتحقيق الربط بين الوضعيّات السابقة للحالة النفسية والوضعيّات الراهنة ، وبين عمليات التحضير للأوضاع المستقبلية , وهذا يضمن استمرارية وجود \"الأنا\" الإنسانية، وتتدخل بهذا بصياغة الشخصية والسمات الفردية.
فالقدرة على التسجيل وعلى الاسترجاع ما تم تسجيله هي التي تنشئ الذاكرة والقدرة على تذكرها. والتسجيل بكتابة الرموز أو الكلمات . وكذلك مسجلات الصوت ومسجلات الصورة , هم نوع من الذاكرة.
وقال وليم جيمس:
التذكر يعني التفكير أو الإحساس بشيء ما، كان معاشاً في الماضي ، ولم نحاول نحن أن نفكر فيه قبل ذلك .
أي هو فعل إرادي مقصود وليس توارد خواطر يتم من تلقاء ذاته .
أي هناك فرق بين التذكر الإرادي المقصود للأفكار والوقائع والأحاسيس، وبين تداعي ذكريات الأحداث أو الأفكار من تلقاء نفسها نتيجة الأحداث الجارية التي تذكرنا بها ودون قصد منا .
ما هو الشكل الذي نخزن فيه ذكرياتنا ؟ وكيف يتم ذلك؟ وما هي آلياته؟
هناك شكلان للذاكرة
الأول دينامي: وهو مؤلف من تيارات كهربائية عصبية أو ترددات أوطنينات كهرطيسية وهذا ما يشبه السوفتوير ( البرامج ) في الكومبيوتر، أي ما يمكن أن يصدره الشكل البنيوي.
فالشكل الأول يشمل الذاكرة العاملة . فهو يشمل تذكر الأحاسيس بكافة أشكالها البسيطة الخام، وهي الأحاسيس الموروثة والمتشابهة بين البشر , والأحاسيس والأفكار والمعاني المكتسبة نتيجة الحياة.
والثاني بنيوي مادي: مكون من الخلايا والمحاور والمشابك والمواد الفيزيائية والكيميائية الدماغية، وهذا ما يشبه الهاردوير في الكومبيوتر.
فالشكل البنيوي يشمل البنية الفيزيائية والكيميائية والفزيولوجية للدماغ وهو الذي ينتج الذاكرة الدينامية . ويمتاز الشكل البنيوي الدماغي عن الهاردوير في الكومبيوتر بأنه متغير ومتطور وليس ثابت كما في الكومبيوتر، ووظيفة الشكل البنيوي هي بناء الذاكرة العاملة .
فيجب التمييز بين بنيات الدماغ وناتج عمل الدماغ (أي بين \"السوفت وير\" و\"الهارد وير\") فالتفكير والأحاسيس هي \"سوفت وير\"، أي هي برامج تعرض هي أحاسيس وأفكار وتصورات..، تنتجها بنية الدماغ أو \"الهارد وير\" الدماغي .
والهاردوير الدماغي يتعرض للتغير والتطور نتيجة التغيرات المختلفة التي تحدث في الدماغ، ويمكن توضيح هذا التغير بالمثال التالي:
إن رؤية السماء أو البحر لدى الإنسان الطبيعي يقرع طنينات حسية بصرية تحدث الإحساس باللون الأزرق , وهذا يحدث لكافة البشر الطبيعيين وفي كل مراحل عمرهم . فالمولود إذا تأثرت عينيه بلون السماء أو البحر سوف يحس باللون الأزرق وهذا لا يعتبر تذكر، فهذه أحاسيس خام .
أما إذا قلنا لإنسان ناضج : ما هو لون السماء أو لون البحر فإنه سوف يقول إن لونهما أزرق، كيف حدث ذلك؟
لقد تشكلت لديه نتيجة حياته ، ترابطات بين خلايا ومحاور ومشابك دماغه بين المراكز السمعية والبصرية والمعاني والمفاهيم اللغوية سمحت له بإجراء التذكر وحدوث التخيل أو الاستدعاء للأحاسيس التي تمثل اللون الأزرق، عند ذكر الكلمات التي تسأل عن لون البحر أو السماء.
فالتذكر يتم بناؤه من الأحاسيس الأولية الخام أو المكتسبة، نتيجة تنامي محاور ومشابك الخلايا العصبية في الدماغ، بالإضافة إلى عمل موصلات كيميائية متعددة في الدماغ . وذلك بناءً على التجاور والترابط المكاني للخلايا العصبية، والترابط الزماني، والترابط في النتائج والمعاني، الذي يحدث أثناء الحياة.
فالتذكر هو ( إعادة ) تشكيل أحاسيس أو أفكار أو حوادث في الدماغ حدثت في الماضي ، وذلك نتيجة مؤثرات جديدة، وهو ليس استدعاء لها بالمعنى الحرفي .
إن تشكل المفاهيم اللغوية لدينا ناتج عن حدوث ترابطات بين المثيرات الحسية والصوتية وباقي الحواس ومناطق اللغة، وما يحدث فيها من ترابطات بين المفاهيم . فالمفاهيم اللغوية هي ناتجة عن استرجاع لأحاسيس أو أفكار أو أوضاع , أي هي تذكر.
والتذكر دوماً هو إعادة تشكيل لأحاسيس أو أفكار حسية، تم نتيجة الأوضاع الحالية للدماغ، وبما أن الدماغ في وضع متنامي متغير، لذلك التذكر لا يكون ثابت، ففي كل مرة نتذكر يقوم دماغنا ببناء هذه الذكريات من جديد وحسب أوضاعه في تلك اللحظة .
ويمكن في حالات كثيرة عدم استطاعة تذكر معلومات مع أنها مسجلة بشكل جيد، وهذا يكون نتيجة انشغال العمليات الفكرية بأمور أخرى، ويمكن تذكرها عندما يتفرغ الدماغ لها , أو لأسباب وعوامل أخرى .
فبما أن كل الذكريات تسجل في الشكل البنيوي وفوق بعضها لذلك (في نفس الخلايا) يمكن أن يحدث الكثير من أشكال التداخل بينها، فالجديد المسجل يؤثر بالمسجل سابقاً وكذلك يتأثر به .
لذلك في كل مرة نستعيد فيها ذكريات معينة ، يمكن أن يكون هذا الاستدعاء مختلف. وهذا متعلق بقوة التسجيل التي تعتمد على كبر ومتانة المشابك والمحاور التي تم بناؤها. فالذكريات المسجلة بقوة يصعب تعديلها ، وكذلك يسهل استدعاؤها إلى سبورة الوعي .
كيف يتم استدعاء الإرادي للأحاسيس والأفكار المخزنة في الذاكرة إلى سبورة الوعي؟
إن آلية الاستدعاء تشبه قليلاً طريقة البحث في أجهزة الراديو أو التلفزيون عن إذاعة أو محطة تلفزيونية، فالذي يحدث هو توليف تردد دارات الاستقبال في هذه الأجهزة على تردد المحطة المطلوب استقبالها، فعندها يتم اختيار محطة من بين كل المحطات التي تبث في الفضاء، يذاع فقط ما تبثه هذه المحطة.
أما الذي يحدث في العقل، فهو يشبه هذا قليلاً، فهناك في الدماغ ما يشبه مفاتيح التوليف في أجهزة الاستقبال اللاسلكي وهي الأحاسيس الخام والذكريات المسجلة ( ولكنها بالملايين )، وعن طريق التحكم بهذه المفاتيح تفتح مسارات أحاسيس أو أفكار معينة وتستدعى إلى سبورة الوعي .
هذا يحدث في حالة الاستدعاء الإرادي لبعض ما هو مخزن في الذاكرة . إن هذه العملية تجري في الدماغ بطرق متنوعة وبعضها معقد جداً .
و نظام الأيقونات , أو نظام \"الوندوز\" يشبه قليلاً في بعض النواحي نظام عمل الدماغ الذي يعتمد آليات التداعي نتيجة الترابط فهي التي تسمح بذلك .
ولكن هناك فرق هام وهو: أن العنوان الذي يسجل لمجموعة أحاسيس معينة أو أفكار معينة في الذاكرة، يمكن أن يكون أي جزء من هذه الأحاسيس أو الأفكار .
أما في نظام الوندوز فالعنوان محدد ومعين .
ففي الدماغ يُعتمد الترابط الزماني أو المكاني بين الأحاسيس، أو ترابط بالمعاني بين الأفكار، وهذا يُبنى نتيجة تنامي المحاور والمشابك لخلايا الدماغ نتيجة الحياة . صحيح أن بعض الذكريات وبشكل خاص الأحاسيس القوية أو الأفكار التي تحمل المعاني الهامة، تكون كعناوين أوضح، وتكون هي الجزء الذي يسهّل الوصول إلى الكل المطلوب بسرعة.
فالاستدعاء لحادثة أو معلومات من الذاكرة في الدماغ، يتم بقرع أو بتنبيه ( الجزء المتوفر ) من تلك الحادثة أو من تلك الأفكار، وهو يكون بمثابة عنوان لهذه الذاكرة، وهذا العنوان يمكن أن يكون صحيح أو غير صحيح . و يمكن حتى لو كان صحيح ولكنه جزء ثانوي وضعيف من تلك الحادثة، فعندها لن يتم استدعاء الحادثة أو الأفكار من الذاكرة ، فيجب أن يكون هذا الجزء الذي استخدم كعنوان يملك القدرة على استدعاء الحادثة أو الأفكار المطلوبة.
ويمكن لأحاسيس أو أفكار معينة تعالج في سبورة الوعي أن تستدعي من مخازن الذاكرة أحاسيس وأفكار كثيرة بشكل آلي( التداعي ), نتيجة الترابط معها، وهذه بدورها عندما تحضر إلى سبورة الوعي تكون كعناوين لذكريات أخرى يجري استدعاؤها، وهنا يحدث قطار الوعي الذاتي للذكريات, مثال على ذلك :
محاولتنا تذكر ما فعلنا مبارح , أننا نبذأ من وضع معين يسهل تذكره ومنه نبدأ تذكر الحوادث وحسب ارتباطها به , ويتم هذا بالتداعي وليس بالتذكر الإرادي .
هذا النوع من التذكر أو الذاكرة لا يتبع التصنيف الذي يعتمد على الذاكرة القصيرة والذاكرة المديدة , فيمكن تذكر بواسطته و بسهولة حوادث سجلت مرة واحدة .
الذاكرة وبناء المعاني
كما ذكرنا إن الذاكرة تساهم في إنشاء المعنى ، وبالتالي للمعنى والأحاسيس والانفعالات تأثير قوي على بناء الذاكرة . فيمكن أن تبنى ذاكرة قوية لحادثة من مرة واحدة، ودون التكرار اللازم لبناء الذاكرة، وذلك نتيجة المعنى الهام لها. فالإنسان يتعلم ويتذكر الحالات والأوضاع المؤلمة أو السارة أو ذات المعنى القوي بسهولة، لأنها مسجلة بشكل جيد.
كما ذكرنا إن الذي يساهم في جعل الدماغ يبني ذاكرة راسخة في اللحاء من تجربة واحدة، مع أنه يلزم لبناء ذاكرة تكرار مرور تيارات عصبية في محاور ومشابك معينة وبشكل يؤدي إلى نمو أو تطور هذه المحاور والمشابك , هو النتوء اللوزي ويشاركه في ذلك قرن آمون وبنيات دماغية أخرى فالنتوء اللوزي وقرن آمون هما اللذان يجهزان ويحضران القدرات اللازمة لتكرار و إعادة جريان التيارات العصبية، ذات المعنى الهام .
وللنتوء اللوزي دور هام في بناء الذاكرة الفكرية الراقية ، والتي هي دوماً واعية ومحملة بالمعاني المعقدة اللغوية والثقافية والاجتماعية المتطورة، ويصعب بناء هذا النوع من الذاكرة دون عمل النتوء اللوزي.

الذاكرة القوية
إن هذه الذاكرة ( أوهي بمثابة ذاكرة) لم يتكلم عنها أحد مع أنها واضحة , ونعيشها جميعاً .
هذه الذاكرة تتصف بخصائص مميزة وهي :
1 – إنها تكرار الاستدعاء لأفكار معينة لسبورة الوعي , وبشكل آلي , ودون إرادتنا . فالذي يسجل في هذه الذاكرة يدخل إلى سبورة الوعي كلما سنحت له الفرصة ويطلب معالجته . ويتكرر دخوله كل فترة زمنية وذلك حسب شدة أهميته , لذلك هذه الذاكرة غير مسيطر عليها .
2 – هذه الذاكرة دوماً محملة بالمعاني والانفعالات , لذلك هي قوية جداً , لذلك تنتقل إلى الذاكرة الدائمة ( البنيوية ) بسهولة وتكون راسخة التسجيل فيها , وهذا يكون نتيجة تكرار عرضها على سبورة الوعي , وهي تتحول من ذاكرة دينامية ترددية إلى ذاكرة بنيوية دوماً .
3 – هذه الذاكرة غير مسيطر عليها من قبل الأنا الواعية لذلك هي تؤثر بشكل كبير على المعالجات الجارية في سبورة الوعي . فهي غالباً تربك وتعيق وترهق ما يجري في سبورة الوعي , فهي تؤدي إلى بذل الكثير من الجهد غير المجدي نتيجة إلحاحها المتكرر , وهي الأساس المسبب لكافة العقد والأمراض النفسية , والتردد والندم . . ..
أما لماذا هي بهذا الشكل وهذه القوة , فهذا لأنه تم اعتبار ما تسجله أنه له معنى هام جداً , ويجب أن يكون له الأفضلية في المعالجة على سبورة الوعي , ويجب الوصول إلى نتائج إيجابية , و إلا يجب تكرار المعالجة بطريقة مختلفة , ولا يتوقف هذا التكرار إلا في الحالات التالية :
1 - اليأس والإحباط .
2 – التوقف المؤقت لفترة زمنية , ريثما تتغير الأوضاع .
وغالبية ما يعالج على سبورة الوعي هو وارد من هذه الذاكرة , وهذا يعني أن أهم أجزاء " أنا " كلّ منا هي ناتجة عن ما يجري في هذه الذاكرة .
إن هذه الذاكرة هي متوضعة في الدماغ الحوفي , الحصين والنتوء اللوزي والعقد القاعدية , هم أهم البنيات المتحكمين في هذه الذاكرة .
ويوجد في الذاكرة عادة 7 أماكن , يمكن أن يوضع في كل منها موضوع معين واحد قيد الانتظار للدخول إلى سبورة الوعي , وهناك ترتيب للأفضلية للذي يدخل للمعالجة إلى سبورة الوعي , والأقوى هوالذي يمثل الذاكرة القوية وهو الذي يتكرر دخوله .
تفسير ظاهرة التذكر اللاحق بوجود الذاكرة القوية
فنحن يحدث لنا كثيراً أن نحاول تذكر اسم شخص أو اسم مكان أو فكرة معينة نعلم أننا نعرفها ولكننا نفشل في ذلك ونترك الأمر , ولكن بعد فترة نجد أن ما فشلنا في تذكره حضر إلى سبورة الوعي من تلقاء نفسه ودون عناء .
إن هذه الظاهرة التي تحدث لنا جميعا , يمكننا أن نفسرها بالاعتماد على الذاكرة القوية .
فقد قامت هذه الذاكرة ودون وعينا بتكرار طلب استدعاء الذكريات المطلوبة , وهذا التكرار غالباً يؤدي إلى إحضار الذكريات المطلوبة ( إذا كانت كافية لاستدعائها ) وعندها تدخلها إلى سبورة الوعي فنتذكرها .




كيف تكتسب الخبرة
تعريف الخبرة
الخبرة هي المهارة في أداء الأعمال العملية أو الفكرية بجودة عالية وبسرعة وسهولة دون بذل مجهود كبير.
واكتساب الخبرة يتم نتيجة تعلّم الدماغ المهارة في تنفيذ الأعمال المطلوبة , بشكل يمكّنه من القيام بهذه الأعمال دون تدخل الوعي بشكل مفصل , فهو يقوم عندها بالإشراف ومراقبة التنفيذ والتدخل عند الضرورة أو عندما تكون المهارات المكتسبة غير كافية أو غير ملائمة , فيطلب المعلومات والمشورة من الذاكرة اللحاء .
مثال على ذلك:
لقد كان أحد الموسيقيين الكبار يقود الأركسترا بنغمتين في نفس الوقت , وعندما سؤل كيف يفعل ذلك أجاب : أقود النغمة الأولى بشكل واعي وأترك النغمة الثانية لقيادة اللا وعي لأنها مسجلة ومحفوظة بشكل جيد .
وكذلك كل من أتقن قيادة السيارة يستطيع التكلم ومناقشة مرافقيه , أو القيام بأعمال أخرى وهو يقود سيارته .
وكذلك من يقوم بالترجمة الفورية من لغة إلى أخرى , فيقوم الوعي و اللا وعي بالقيام بعدة أعمال في نفس الوقت . وهناك الكثير من الأمثلة وفي كافة المجالات .
والمهارات تكون في كافة مجالات حياتنا . تعلم الكلام – المشي – السباحة – قيادة دراجة أو سيارة – القراءة أو الكتابة – الصيد أو القنص -العزف على آلة موسيقية – الرقص – الألعاب الرياضة – الشطرنج – الدق على الآلة الكاتبة – الشعر أو الخطابة – المهارات المهنية . . . الخ
كيف يكتسب الخبراء ( في أي مجال كان ) مهاراتهم وخبرتهم ؟
كم هي الحصة التي تنسب للموهبة الفطرية الموروثة , وكم هي حصة التعلم والتدريب والممارسة المكثفة في ذلك ؟ كيف يتم اكتساب الخبرة ؟ وما هي العناصر والعوامل اللازمة لاكتساب خبرة ما ؟ وكيف نقيس ونقيم الخبرة , . . .
لقد بحث المختصون في علم النفس عن أجوبة لهذه الأسئلة في دراسات أجريت على أساتذة الشطرنج , لقد اختاروا مهارات الشطرنج لأنها يمكن قياسها وتجزئتها إلى مكوناتها , وإخضاعها لتجارب يمكن متابعتها بسهولة في وسطها الطبيعي الذي هو قاعة المباريات , ولهذه الأسباب أفاد الشطرنج كأفضل ميدان اختبار لنظريات التفكير واكتساب الخبرة .
لقد جرى اعتماد قياس المهارة في لعبة الشطرنج التي تعتمد على القدرات البصرية الفكرية والتفكير والتحليل , لأنها أفضل وأدق من أي نشاط آخر ، أكان نشاطاً رياضياً أم مهنياً أم موسيقياً . . , ويمكن قياسها ومقارنتها بدقة نظراً لوجود سجلات تصنيف دقيقة لعدد هائل من اللاعبين . والسبب الآخر لاختيار لعبة الشطرنج كنموذج لدراسة كيفية تشكل ونمو الخبرة والمهارة , وليس لعبة البلياردو أو البريدج هو شهرة وأهمية هذه اللعبة وانتشارها الواسع في العالم .
وأفضت النتائج التي تجمعت لديهم على مدى قرن من الزمن إلى نظريات جديدة توضح كيف ينظم الدماغ المعلومات ويسترجعها , وكيف تكتسب المهارات الفكرية والمهارات العملية ويصبح أداؤها سهلا ً وبكفاءة عالية .
إن هذه الأبحاث ذات فائدة كبيرة للمربين وغيرهم . فمعرفة كيف يكتسب أساتذة الشطرنج مهارتهم وخبرتهم يمكن أن تطبق في تعليم القراءة والكتابة والرياضيات وغيرها من الأعمال الفكرية .
نظرية " الشّنكات "
في الستينات من القرن الماضي حاول " سيمون و شاس من جامعة كرنيكي ملون " التوصل إلى فهم أفضل لذاكرة الخبراء , إذ تابعا ما قام به " دو كروت " , بسؤال واختبار لاعبي الشطرنج من مستويات مختلفة , فتبين لهم أن الذاكرة الشطرنجية هي نوعية أكثر مما كان يبدو من حيث إنها ليست مجرد توالف مع اللعبة نفسها , بل توالف مع الأوضاع النمطية لأحجار الشطرنج . فهذه التجارب أيدت الدراسات السابقة التي بينت بشكل مقنع أن القدرة أو الخبرة في مجال ما لاتنحو إلى الانتقال إلى مجال آخر .
كيف يعالج أساتذة الشطرنج كميات واسعة من المعلومات الشطرنجية المخزنة لديهم , وهي مهمة يبدو أنها ترهق الذاكرة العاملة ؟
لقد فسر " سيمون " ذلك باستعمالهم تشكيل الأوضاع الشطرنجية الكيفية باستخدام نموذجاَ مبنياً على مجموعات من أحجار الشطرنج يتكرر ظهورها في أوضاع محددة تدعى " الشّنكات " . لكي يتوضح مفهوم الشّنكات يجب توضيح " الذاكرة العاملة " التي يقول عنها عالم النفس " ميلر " أنها ( دفتر خربشات الدماغ ) والذي يعتمد ما يكتب فيه على ما يتم تذكره والتفكير فيه , ولا يمكن أن نفكر إلا بسبع + , - 2 أشياء أو مفردات في وقت واحد , وبضم تراتيبات المعلومات في شنكات يستطيع أساتذة الشطرنج احتواء كمية كبيرة من المعلومات في هذه الشّنكات السبعة . ففي سياق الشطرنج يمكن ملاحظة الفروق ما بين المبتدئين وأساتذة الشطرنج . فإذا كان على رقعة الشطرنج عشرون قطعة فقد يمثل ذلك بالنسبة للمبتدئ عشرون شكنة معلومات أما أستاذ الشطرنج فإنه يجمع بين قطع ليشكل عدد قليل من شنكات يستطيع التعامل مها بسهولة .
وهذا يشابه قراءة الكلمات بدل من قراءة الحروف أو قراءة الجمل بدل من قراءة الكلمات . فبدل أن يحوي الشّنكة حرف يمكن أن يحوي كلمة , أو يحوي جملة أو فكرة , أو يحوي قصة فيها مجموعة أفكار وحوادث .
والمتفق عليه في موضوع اكتساب الخبرة هو أن تشكل هذه البنى في الدماغ يستغرق جهداً ووقتاً كبيراً , ويقول " أريكسون " أن المهم في اكتساب الخبرة المثابرة وبذل الجهد باستمرار لمواجهة تحديات تتجاوز إمكانات المرء .
يبدأ تاريخ المهارات البشرية بتعلم التعرف على الوجوه , وجه الأم والأهل وتمييزها عن وجوه الغرباء , ثم التعرف على الأصوات . ثم تعلم التحكم بحركات أعضاء الجسم , ثم الكلام والمشي وباقي المهارات الفكرية والعملية كافة .
وبالنسبة لأسلافنا الأوائل كان اكتساب مهارة الصيد , وهي مهارة حاسمة لبقائه على قيد الحياة . فالصياد الماهر والخبير يعرف أين توجد الطرائد وكيف يتتبعها , وكيف يباغتها أو يتحايل عليها ليصطادها . فقد كان يكتسب هذه المهارات ويتعلمها من جماعته بشكل متدرج ومتصاعد منذ طفولته , وتنمو خبرته ومهاراته وفق علاقة خطية وذلك حتى أواسط الثلاثينيات من العمر حيث تبلغ الأوج .
ويتم اكتساب المهارات والخبرات , أو التعلم لأي شكل من مهارات أكانت فكرية أم عملية , عن طريق بناء برامج دماغية , وهذا لا يتم إلا بمشاركة الدماغ القديم .
إن التعلم يختلف عن تسجيل الأفكار والحوادث وغيرها في الذاكرة , من ناحية تنوعه وحجمه فهو اكتساب طرق تصرف واستجابات وتفكير ( أو برامج ) متكاملة ومتطورة , في مجال ما , أكان تعلم التكلم أو تعلم المشي أو تعلم قيادة دراجة أو سيارة أو تعلم رياضة معينة أو تعلم العزف على آلة موسيقية ما أو الغناء أو الرقص أو تعلم مهنة ....... إلخ .
وبالنسبة لنا هناك برامج تصرف أو مهارات واستجابات نرثها بيولوجياً كالدوافع والانفعالات وغيرها , وهناك برامج تصرفات نكتسبها أو نتعلمها نتيجة حياتنا الاجتماعية الثقافية والحضارية , كاكتساب اللغة الأم والقراءة والكتابة والمهن الزراعية والصناعية والتجارية والكثير الكثير غيرها .
فالمهارات المكتسبة نتيجة التعلم تكون نتيجة عمل ومشاركة غالبية بنيات الدماغ , الدماغ الحوفي واللحاء والمخيخ وبشكل خاص الدماغ الحوفي , ويحدث تنسيق وتعاون بينهم , ولا يتم هذا الاكتساب بسرعة أو بسهولة , فيلزمه تكرار وممارسة لفترات طويلة كي يتم .
فالخبرة والمهارة هي مجموعة برامج فكرية وعملية ( أي تصرفات واستجابات ومعالجات فكرية ) تم اكتسابها نتيجة عمل وتفكير وجهد موجه ولفترات طويلة . ويجب أن تكون البنيات التحتية لهذه المهارات متوفرة .
واكتساب المهارة والخبرة لا يعتمد كثيراً على التحليل , بل على المعرفة المنسقة والممارسة المتكررة .
إن غالبية أنظمة التعليم الأساسي والثانوي تهتم بالدرجة الأولى بتعليم مهارات القراءة والكتابة والحساب . . . , و بالبنيات التحتية اللازمة لغالبية المهارات , وهي لا تكسب المتعلمين الخبرة بل تعلمهم البنيات التحتية التي سوف تلزمهم عندما يريدوا ممارسة أعمالهم مستقبلاً ويصبحوا ماهرين أو خبراء فيها .

البنيات التحتية الواجب توفرها للخبرة المطلوب اكتسابها
إن أي مهارة لا يمكن أن تكتسب دون توفر البنيات التحتية اللازمة لها , فتعلم الكلام يلزمه توفر كافة القدرات الضرورية فمثلاً إذا كان الطفل لا يسمع لا يمكنه تعلم الكلام , وكل مهنة أو خبرة يلزمها بنياتها التحتية .
الاستراتيجية والنظرة الشمولية , كيف يقرأ الخبير الأوضاع والأحداث , مثلاً كيف يقرأ لاعب الشطرنج الخبير وضعه أثناء اللعب , إنه يرى إن كان وضع قطعه مناسبا ً إذا كان يريد أن يشن هجوماً أو يقوم بتضحية لتحقيق مكاسب أو يرى أن أحد جهاته أو الوسط ضعيف ويمكن أن يتعرض لهجوم خصمه عليه , فتقييم الوضع الشامل ووضع استراتيجيات الدفاع أو الهجوم هي الأمور الهامة بالنسبة له لتحقيق فوزه . و خبراء الاقتصاد وخبراء الساسة وخبراء الإلكترونيات وخبراء الرياضيات وخبراء الطب وخبراء الفيزياء أو الكيمياء أو البيولوجيا و خبراء الهندسة في كافة مجالاتها و خبراء الآثار . . , يفعلون ذلك ، فهم يعتمدون استراتيجيات لقراءة الأحداث والأوضاع والمستقبل.
دور الموهبة أو الموروث البيولوجي للقدرات الشخصية الجسمية والفكرية ,
تشير الأدلة إلى رجحان أن الخبراء يصنعون ولا يولدون . يظهر أن التحفيز والممارسة يشكل عاملا ً أكثر أهمية من المقدرة الفطرية الموروثة , في تشكل الخبرة ونمائها , وليس عرضاَ أن المهارة والخبرة في الموسيقى والشطرنج وأصناف الرياضة . . . الخ جميعها تتحدد الخبرة فيها بالأداء والممارسة والتنافس ( وليس بالشهادة الأكاديمية ) . إضافة إلى ذلك فإن النجاح يبنى على النجاح , لأن كل نجاح يقوي ويعزز التحفيز والممارسة وبالتالي نمو ونضوج الخبرة .

اكتساب الخبرة والإبداع
الخبرة هي التقليد والنسخ والتكرار , وهذا يمكن أن يعيق الإبداع الذي هو تجديد والخروج عن المألوف والمنسوخ , فالخبرة لازمة ولكنها غير كافية , فيجب أن يملك المبدع الخبرة بالإضافة إلى دوافع وقدرات التجديد والتطوير, وأن يكون لديه ميل للإطلاع والمعرفة والبحث عن المعلومات الجديدة , وامتلاكه قدرة عالية على اكتشاف الكثير من الحلول الملائمة للمشكلة , وإعادة بناء خبراته في صياغة جديدة أفضل . وعندها يصبح من العباقرة والعلماء المميزين .





























مسيرة تطور العقل البشري
ما هو سبب قدرات عقلنا وذكائنا المميز عن باقي الكائنات الحية ؟
وما هي العوامل التي سمحت لكي يصبح الإنسان ذكياً بشكل يجعله مميزا ً , ويفكر بالطريقة التي نحن نفكر بها الآن ؟
كيف حدث هذا الفارق الكبير بيننا وبين كافة الكائنات الحية مع أنه يوجد كائنات حية دماغها يملك قدرات تفوق قدرات دماغنا كالحيتان والفيلة ؟
ماهي أهم العوامل التي أدت لذلك ؟
يرى البعض أن أهم ما يميز تفكيرنا عن باقي الكائنات الحية وبالتالي ذكائنا المميز عنها هو :
ما يكتسب نتيجة التواصل الاجتماعي الواسع والمنوع والمعقد , والذي يتم نسخه و توارثه بالمحاكاة والتعلم . فهو أدى لنشوء تواصل إيمائي إشاري متطور , وبالتالي مهد لنشوء لغة محكية حدث تطور لها , ومن ثم تشكلت اللغة المكتوبة . بالإضافة لنشوء التقنية وصنع الأدوات وتوارثها نتيجة الحياة الاجتماعية , وهي التي نتجت عن قدرات عمل عقلنا ويدينا والقامة المنتصبة وعوامل أخرى .
إن دور التقنية واستعمال الأدوات المتكرر وصنع الأدوات كالرمح والفأس وغيره , وتعليم ذلك للآخرين , ساعدنا بشكل كبير في توسيع قدراتنا وبالتالي خياراتنا في التعامل مع ظروف الحياة . صحيح أن هناك الكثير من الكائنات الحية تستعمل التقنية مثل النحل والعناكب والطيور وغيرها , ولكنها لا تطورها فهي تكتسبها بيولوجياً . وهناك الكثير من الكائنات الحية تستعمل التقنية أو بعض الأشياء كأدوات ولكنها لا تحتفظ بها ولا تعيد صنعها . وكل هذا أحدث قفزة تطور كبيرة لقدرات عمل دماغنا وبالتالي تفكيرنا , عن باقي الكائنات الحية , وخلال زمن قصير نسبياً .
إن قدرات الذكاء عند الكائن الحي , بشكل عام , هي نتيجة برامج التفكير أو معالجة المدخلات للدماغ الموروثة بيولوجياً , وبرامج التفكير والمعالجة المكتسبة أو التي يتم تعلمها نتيجة الحياة والحياة الاجتماعية .
فالقدرات الموروثة بيولوجياً هي : القدرة على التفكير ومعالجة الأفكار والقدرة على التعلم , و سرعة الحفظ في الذاكرة وكميته , والقدرة على التذكر أو الاستدعاء من مخازن الذاكرة واستخدام مخزون الذاكرة , والقدرة على المعالجة الفكرية لزمن طويل , والقدرة على معالجة الأفكار الكثيرة , والقدرة على معالجة الأفكار المعقدة , وكل هذا يكون موروثاً بيولوجياً , وهذه القدرات تكون عادة تابعة لوزن الدماغ وعدد الخلايا العصبية وطريقة اتصالاتها وتناميها .
أما قدرات الذكاء التي تكتسب نتيجة الحياة والحياة الاجتماعية فهي : قوة برامج التفكير المكتسبة التي تم تعلمها نتيجة الحياة , وكمية المعلومات أوالمعارف الدقيقة المكتسبة , وهذا يكون عادة تابعاً لظروف الحياة , وبشكل خاص تأثيرات المجتمع بالنسبة لنا نحن البشر , فهذه التأثيرات هي أساس تميز تفكيرنا عن باقي الكائنات الحية .
أما حساب نسبة وزن الدماغ إلى وزن الجسم في تحديد قدرات الذكاء التي تستعمل غالباً , فهي غير دقيقة . إن وزن الدماغ عند الإنسان بشكل عام يتراوح بين 1300 غ و2000 غ ، ووسطياً وزن دماغ الأنثى أقل بحوالي 200 غ , فهو بذلك يكون (50/1) من حجم جسم الإنسان . ويقدر وزن دماغ الفيل بين 4000 – 4500 غ , لذا يكون (500/1) من حجم الفيل .
ويرى البعض أن الرجل ليس أذكى من المرأة لأن وزن دماغه أكبر , و ليس الفيل أو الحوت أذكى من الإنسان ؛ إذا اعتمد في تحديد الذكاء نسبة وزن الدماغ إلى وزن الجسم ككل .
ولكن إذا ما قورن دماغ الإنسان بدماغ طائر السنونو فإن وزن دماغ الإنسان يشكل نسبة 2.5 % من وزن الجسم كله . أما وزن دماغ طائر السنونو فيشكل نسبة 4.2 % من وزن الجسم كله ) أي نسبة وزن الدماغ إلى وزن الجسم غير دقيقة.
والملاحظ أن الدماغ يتطور باستمرار نتيجة التعلم ، فالزوائد الشجرية تتفرع كلما اكتسبنا معلومات جديدة ، و زيادة تفرعها يزيد من الذكاء , و بالتالي قدرة أقوى على تذكر المعلومات ، فكلما زاد تشابك الخلايا العصبية في المخ زادت نسبة تواصلها وتبادلها للمعلومات والعمليات المنطقية , وهذا يجعل لوزن الدماغ وعدد خلاياه ومشابكه تأثيرا ً أساسيا ً على كمية الذكاء .
إن البحث في تطور العقل البشري يبدأ عادة بالسؤال السهل والصعب في آن معاً وهو :
ما الذي تغير في الدماغ وسمح بالتغير في طريقة تفكيرنا وجعلنا بهذا الذكاء ؟
لقد رأى عالم النفس الكندي ميرلين دونالد أن ذلك مرتبط بطريقة تمثيل عقلنا للواقع , ووجود علاقات اجتماعية متطورة ومعقدة سمحت بتعليم ما يتم اكتسابه من معارف للأبناء وباقي أفراد الجماعة . وهو يرى أن تطور العقل له علاقة جوهرية بالطرق التي يمثل بها تجاربه و كل ما يصادفه من أشياء وحوادث . فهذا يسمح للعقل إدارة أفضل للمعلومات المخزنة فيه عن التجارب التي يعيشها . ونتيجة ذلك استطاع عقلنا تشكيل المفاهيم التي تدل على الأشياء والحوادث , وعن طريق تداول هذه المفاهيم بين الجماعة صار بالإمكان تحقيق تواصل أكثر فاعلية ووضوح , وهذا سهل نقل الخبرات المكتسبة إلى الآخرين . وكذلك سمح باسترجاع الذكريات المخزنة بسهولة ودقة أكثر , ونقلها للآخرين .
وقد حدثت قفزة كبيرة نتيجة الانتقال من التخاطب الإيمائي الإشاري إلى التخاطب الصوتي اللغوي المتطور . فقد كان نقل التجارب والمعلومات للآخرين وتعليمهم معقد وصعب باستعمال الإيماءات والإشارات , فباسخدام التمثيل المتطور نتيجة اللغة المحكية أصبح انتشار الثقافة أسهل وأسرع .
إن النموذج الذي قدمه دونالد بارتكازه على علم الآثار وعلم النفس الحديثين يمكن أن يلخص لنا قفزات عديدة حصلت في كيفية إدارة المعلومات المخزنة في الدماغ , حيث كانت كل قفزة تعطي مستوى جديد من المعرفة وحالة جديدة من الإدراك والوعي .
ويرى دونالد أن أول قفزة معرفية حدثت منذ ما يقارب مليوني سنة مع أول ظهور للبشر البدائيين من فئة الإنسان العاقل حيث تشير أدواتهم الحجرية المتناسقة إلى وجود عقل جديد يمتلك القدرة على التمثيل " الإرادي " , وكان يقوم بتمثيل وتعليم ذريته ورفاقه طريقة صنع تلك الأدوات . فبذلك أصبح بمقدورالعقل القدرة على انتقاء تجربة من الماضي وإعادة تقديمها للآخرين .
فقد كان يتطلب إيصال الذكريات المسترجعة بشكل " إرادي " القدرة على التمثيل ,الذي يمكّن من إيصال المعلومات التي تسمح بتعلم ونسخ ما تم صنعه سابقاً . وكان ذلك في أول الأمر يعتمد على التواصل عن طريق الإيماءات والأصوات التي ترمز نقل التنبيهات والتوجيهات و من ثم الأفكار للآخرين . فكان يرسل الشخص المعلومات بواسطة الإيماءات الجسدية والأصوات التي سبقت ظهور اللغة , ثم دمجت مع بعضها لتمثيل سلسلة من الأحداث المترابطة , ومن ثم مثلت على شكل مسرحيات بسيطة تعتمد الإيقاع والرقص .
إن تطور وارتقاء إدارة الدماغ للمعلومات المخزنة فيه والتجارب التي يعيشها , كانت منذ حوالي مليوني سنة , فقد بدأ باستخدام الأدوات البسيطة . لقد كان الإنسان حينها يملك قدرات جسمية متواضعة نسبياً , مع وجود بيئة وأوضاع وحوادث متنوعة كثيرة ومعقدة و خيارات كثيرة ووجود الكثير من التهديدات والأعداء . فكان بحاجة ماسة للتكيف مع الظروف والبقاء , وهذا أدى لتطور القدرات بشكل سريع , لأنه دفع الدماغ لبناء أو تشكيل برامج فكرية متطورة ومعقدة تسمح بالتعامل مع تلك الأوضاع , وبالتالي دفع الدماغ وبالذات اللحاء للتطور والنمو السريع خلال زمن قصير نسبياً .
كل هذا أدى إلى توصل الدماغ لقدرات تمثيل وترميز الواقع بأفكار مناسبة . وهذا كان أهم عوامل حدوث القفزة التي ميزتنا عن باقي الكائنات الحية , وهي القدرة على التخاطب الفعال بواسطة الإيماءات والإشارات , والأهم تمثيل الواقع بلغة محكية ثم مكتوبة متطورة .
فمنذ حوالي 300 ألف سنة بدأت اللغة بالتكوّن باختراع الكلمات , وتطورت لتصبح كما هي عليه الآن , خلال 150 ألف سنة . كانت أهمية اختراع الكلمات في التواصل تتمثل في ابتكار أصوات محددة معينة أوضح وأدق من الإيماءات يتم تعليمها للصغار بسهولة . لقد سهلت اللغة عملية نقل الأفكار المتزايدة التعقيد .
والأهمية الكبرى لللغة والتي كانت العامل الأساسي في تطور الذكاء البشري بشكل جعل تفكيره ومعالجة المعلومات المدخلة لدماغه مختلفة ومميزة عن باقي الكائنات الحية حتى التي دماغها أكبر بكثير من دماغه , هي أنها سمحت لكافة مراكز الاستقبال الحسية أكانت سمعية أم بصرية أم شمية . . الخ بأن تستطيع الترابط مع بعضها بواسطة اللغة , التي استطاعت تمثيل الكثير من تأثيرات المدخلات الحسية برموز صوتية لغوية , وذلك عن طريق مناطق الارتباط اللغوية في الدماغ , وهذه المناطق التي تشكلت واتسعت بشكل كبير هي الأساس الذي حقق لنا الذكاء المتميز عن كافة الكائنات الحية . فنحن الوحيدون من بين الكائنات الحية الذين نستطيع تمثيل غالبية الأحاسيس بواسطة رموز لغوية فكرية وهي الكلمات .
لقد تطورت كثيراً طرق وأساليب الترميز والتمثيل لدينا نتيجة نشوء اللغة المحكية , فبواسطة اللغة التي هي ترميز ثاني للرموز الحسية الخام ( البصرية والصوتية وغيرها ) تم تمثيل أو ترميز واردات الحواس المختلفة بلغة أو رموز واحدة . فبواسطة اللغة المحكية ( أي الصوتية ) أو المقروءة , تم ترميز الكثير من واردات الحواس المختلفة , وأيضا تم تمثيل أحاسيسنا وعواطفنا وأفكارنا بتلك اللغة . وكان يحدث تدقيق وتصحيح لتلك التمثيلات أو التشبيهات أو النماذج التي يبنيها دماغنا كي يكون التمثيل أدق وأكثر مطابقة للواقع .
فاختراع الكلمات وسع حدود العقل والوعي . ولم يبدأ التواصل بين مناطق الذكاء هذا إلا منذ حولي 150 ألف سنة , وأخذت المعلومات عن مختلف جوانب الحياة تمثل بكلمات يتم التواصل بها بين الأدمغة . وتطورت طريقة ربط الأفكار وهذا أدى لنمو الذكاء البشري بشكل كبير وسريع وغير مسبوق . فبواسطة اللغة المحكية بدأت القصص والروايات ومن ثم الأساطير بالتشكل والتداول بين أفراد الجماعة , وهذا سمح مع أمور أخرى بنشوء وتكوّن الثقافة الخاصة بكل جماعة , والتي صار يتم توارثها وتناميها نتيجة الحياة والتواصل الاجتماعي عن طريق هذه اللغة المحكية , وفي هذه المرحلة تم حدوث القفزة الكبيرة للتفكير والذكاء البشري التي ميزته عن باقي الكائنات الحية .
كانت اللغة المحكية تستلزم التواصل المباشر بين البشر ليتم تناقل وتوصيل المعارف والأفكار , لذلك عندما تشكلت اللغة المكتوبة , وهذا كان منذ وقت قريب حوالي 6500 سنة وهي بداية التاريخ المكتوب , تمت قفزة أخرى سمحت بتناقل المعلومات والأفكار دون التواصل المباشر , وبالتالي تراكمها نتيجة توضعها أو تخزينها خارج الدماغ برموز وإشارات مادية تحفظها لفترات طويلة , وبذلك نشأ التاريخ نتيجة التواصل بين البشر الذي حدث نتيجة اللغة المكتوبة التي سمحت بانتقال الأفكار والمعلومات خلال الأجيال المتعاقبة .
وفي رأيي أن أهمية اللغة ليس فقط أنها سهلت التواصل وسمحت بتمثيل وترميز غالبية الأشياء والأفعال , بل هناك أمر هام آخر وهو أنها جعلتنا نفكر ونعالج الأفكار بشكل إرادي تسلسلي وواعي سببي ومنطقي .
فبناء اللغة واستعمالها يعتمد التفكير السببي المنطقي التسلسلي . فهناك الإسم والفعل والصفات والحالات . . الخ لتمثيل وترميز الأشياء ومجريات الأمور, وكذلك يستخدم الفعل والفاعل والمفعول للتمثيل السببي والمنطقي لتسلسل الحوادث وتطورها والتنبؤ لها , وهذا من أهم ما ميز طريقة تفكيرنا عن باقي الكائنات الحية .
كيف نشأت وتطورت لدينا اللغة المحكية من الإشارات والإيماءات إلى لغة محكية ثم مكتوبة ؟
في البدء بالتنبيه والإشارة وإعطاء الأوامر , ثم الدلالة للأسماء والأفعال , ثم التصنيف الذي اعتمد التعميم نتيجة التشابه في بعض الخصائص , مثال الطعام هو كل ماهو صالح للأكل . ثم كما ذكرنا , ذكر الحوادث والقصص والروايات .
وكما ذكرنا إن أهم ما يميز دماغنا عن باقي أدمغة الكائنات الحية الأخرى جميعها هو المناطق المسؤولة عن اللغة الموجودة بين مراكز الأحاسيس في اللحاء , فلبعض الكائنات الحية مثل الفيلة والحيتان لحاء متطور ولكن لم تتشكل وتنمو مناطق اللغة التي تربط مراكز الأحاسيس مع بعضها كما هي موجودة لدينا , فنحن نستطيع تمثل الكثير من أحاسيسنا وأفكارنا بكلمات تدل عليها وننقلها بواسطة الكلمات المحكية للآخرين .
وكان لنشوء الثقافة والحضارة نتيجة التوارث الاجتماعي للأفكار والمعلومات والتصرفات والتقنية بكافة أشكالها , الدور الأساسي والأهم الذي جعل تفكيرنا مختلفاً ومميزاًعن باقي الكائنات الحية .
فدماغنا نحن البشر لديه خصائص موروثة بيولوجياً , بالإضافة إلى أنه يكتسب موروثا ً اجتماعياً فكرياً ثقافياً تقنياً، وهذا ما ميزنا عن كافة الكائنات الحية.
ويمكن أن يظهر مقدار وأهمية الموروث الفكري الاجتماعي إذا جعلنا مولوداً بشرياً يعيش بطريقة تعزله عن كافة التأثيرات الاجتماعية , مع توفير مستلزمات الحياة والبقاء له ( لأنه يستحيل عيشه دون مساعدة كأن ترعاه حيوانات أخرى ويعيش في مجتمعها ) وجعله يعتمد على الموروث البيولوجي فقط , ودون الموروث الاجتماعي البشري في تعامله مع ظروف الحياة .
عندها نلاحظ الخصائص الفكرية والتقنية التي سوف يخسرها , إنه قبل كل شيء سوف يخسر اللغة وبذلك يخسر كل ما تمنحه اللغة من ميزات فكرية عن باقي الكائنات الحية , وهذا سوف يجعله شبيه بباقي الكائنات الحية المتطورة ولن يتفوق عليها إلا قليلاُ هذا إذا تفوق .

كيف أصبحنا نتمثل أو نتصور الوجود مقارنة بباقي الكائنات الحية
إن نتيجة الحياة الاجتماعية ونشوء الثقافة والحضارة صار تعرفنا على الوجود ليس فقط عن طريق الحواس , فالثقافة أصبح دورها يضاهي دور الحواس في تعرفنا على الوجود .
فالترميز اللغوي للأفكار والتواصل بين العقول ونشوء المعارف أو الثقافة وتناميها هو من يحدد الآن نموذج الوجود لدى كل منا . فعندما شكّل عقل الإنسان الأفكار أو البنيات الفكرية , التي استطاعت أن تمثل البنيات الواقعية وتمثل تفاعلاتها مع بعضها , تكون زمن فكري يمثّّل الحوادث و صيرورة الوقائع . فهو يستطيع أن يعرف أي يتنبأ بالأحداث , أو نتائج تفاعلات بين بنيات حدثت في الماضي أو سوف تحدث في المستقبل . وكذلك يستطيع أن يتنبأ بحوادث أو تفاعلات لم يتأثر إلا بجزء قليل منها , فهو يكمل ما ينقصه ويضع سيناريو للكثير من تلك الحوادث .
واستطاع دماغنا تشكيل نموذج مختصر وبسيط للوجود وصيرورته , بواسطة البنيات الفكرية التي شكلها , تمكّنه من تحريك أو مفاعلة النموذج الذي شكله للوجود , إلى الأمام و إلى المستقبل وهذا هو التركيب , أو إلى الخلف إلى الماضي وهو التحليل . وذلك بسرعة أكبر من سرعة تغيرات الواقع الفعلية . فالدماغ بواسطة معالجة ما يرده من المستقبلات الحسية ( أي التفكير ) يستطيع السير بتفاعلاته الفكرية بسرعة أكبر من السرعة التي تجري فيها في الواقع , أي إلى المستقبل . وكذلك يستطيع السير إلى الماضي عن طريق عكسه التفاعلات أو التحليل , ووضعه لسيناريو لما يمكن أن يكون حدث أو ما سوف يحدث , وتزداد دقة تنبؤاته باستمرار لتقترب من الواقع الفعلي .

والآن أصبحت مهام الدماغ لدينا كبيرة وواسعة فيجب عليه أن يسعى لحماية واستمرار ونمو بنيتنا الذاتية , بالإضافة إلى حماية ورعاية البنيات الجزئية التي تكونها ( الخلايا والأعضاء والأجهزة . . . إلخ ) , و أيضاً الاهتمام بالبنيات التي نحن بنية جزئية فيها أو تنتمي إليها ( الأسرة والجماعة والعقيدة والمؤسسة والدولة . . . إلخ ) , فقد ظهر له أن كل هذه البنيات تؤثر علينا قليلاً أوكثيراً ويجب التعامل معها فكرياً .























نظرة على الأسس العصبية للأحلام
الأحلام . تلك الظاهرة التي شغلت كافة البشر .
لقد أعطى الإنسان منذ قديم الزمان أهمية قصوى لهذه الظاهرة , وقد كان الإنسان البدائي غالباً لا يميز بين الوعي أثناء الصحو والوعي أثناء الحلم , لذلك كثيراً ما اختلطت أحداث الواقع مع أحداث الحلم , وعندما نشأت الأديان فسر كل منها هذه الظاهرة . ولم تستثنى أي جماعة بشرية من محاولتها فهم هذه الظاهرة .
لقد كتبت مئات الكتب عن الأحلام ودورها وأسبابها , وجرت بحوث كثيرة عنها وهذا بعضها :
في بدء القرن العشرين ظهرت آراء فرويد ومؤلفاته التي غيرت كل المفاهيم السابقة للأحلام حيث وصف وظيفة الأحلام بأنها عملية عقلية سايكولوجية تصدر من منطقة اللاوعي في العقل - التي افترضها - للتعبير عن رغبات مكبوتة ، بطريقة التداعي الحر. لقد ظن فرويد أنه كشف سر الأحلام , ولكن ظهر لاحقاً أن ظاهرة الأحلام لا تزال بحاجة إلى دراسة وبحث ليتم فهم أسسها وأصولها البيولوجية العصبية .
وجاء بعد فرويد "كارل يونغ" و"ألفرد إدلر" وغيرهما من الذين عارضوا أفكاره وبخاصة تلك التي تتعلق بالرغبات الجنسية المكبوتة , وعدوا وظيفة الأحلام وظيفة نفسية تكيفية تهدف إلى إيجاد تكيف للفرد مع واقعه الحياتي وإلى حل مشاكله.. إلخ .
وقال الدكتور كلاوديو باسيتي : "لا تزال كيفية نشأة الأحلام , والهدف الذي تنشأ من أجله , أسئلة مفتوحة بلا إجابة "
- لقد ظهرت تفسيرات كثيرة لآلية تكوين الأحلام , والرموز التي تتصف بها وفوائدها . ولكن ما الآلية والرمز والوظيفة.. تلك الألغاز المحيرة في الأحلام؟
- أي البنيات الدماغية تشارك في إحداثها .
- ما هي المراكز التي تتواصل مع بعضها لكي تنشأ الأحلام .
- ما هي علاقة الوعي أثناء الصحو ( أو أثناء اليقظة ) بالوعي أثناء الحلم .
- لماذا هناك اختلافات كثيرة وهامة بين الوعي أثناء الصحو , والوعي أثناء الحلم .
يجب أولاً أن نفسر ونفهم كيف يحدث تفكيرنا ووعينا بشكل عام أثناء اليقظة أو أثناء الحلم , ثم نحاول أن نفهم كيف يحدث التفكير والوعي أثناء الحلم .
وكما ذكرنا يمكننا أن نعرف الوعي الذاتي بشكل عام بأنه ما يحصل في الدماغ الفرد أثناء اليقظة أو أثناء الأحلام من شعور وإحساس وإدراك . ويطلق على المنطقة التي يحدث فيها الوعي ساحة الشعور أو سبورة الوعي أو الذاكرة العاملة , أو النفس أو الروح , أو الأنا الواعية .
فالوعي هو عبارة عن مصباح كشاف يضيء ذلك الموضع في اللحاء أو بعض واردات الحواس , بنشاط هام ذي قيمة للبقاء على قيد الحياة . وبشكل عام يضيء الوعي فكرة أو مجموعة أحاسيس معينة في وقت واحد .
ويحدث الوعي بكف كل واردات الحواس و ما يرد من اللحاء وباقي أقسام دماغية , و منعها من دخول ساحة الشعور فيما عدا المتعلق بناحية معينة , وهذه الناحية هي ما يمكن أن نسميه بسلسلة وعي الأحاسيس والأفكار .
وتنشأ الأحاسيس أو الأفكار الواعية , لأنها تتكرر خلال زمن قصير أو طويل ولا تكون لحظية تجري لمرة واحدة وتنتهي فوراً , وهي تنتشر في أغلب بنيات الدماغ . فالذي ينتج الوعي الذاتي هو تكرار جريان التيارات العصبية في بنيات الدماغ , بين التشكيل الشبكي والمهاد واللحاء والدماغ القديم وأحياناً المخيخ , فتكرر جريان هذه التيارات هو الذي يخلق " زمن الوعي الذاتي" وبالتالي الزمن البشري الذاتي .
كما ذكرنا عملية الدخول إلى سبورة الوعي وحدوث الوعي , تجري في الدماغ بطرق متنوعة وبعضها معقد وهي :
- من واردات الحواس الهامة التي تدخل إلى سبورة الوعي .
- من الذكريات التي تستدعى نتيجة الترابط مع بعضها .
- نتيجة طلب الذكريات من قبل سبورة الوعي , أثناء التفكير .
- الاستدعاء الشبه عشوائي للذكريات من مراكز ذاكرة الدماغ الحوفي أثناء الحلم
وفي هذه الحالة تحدث أعقد عمليات الوعي فالشعور و اللاشعور يعملان وعمل اللاشعور هو الأقوى والمسيطر . أما في حالة الصحو فالشعور أو الوعي أثناء الصحو يكون هو المسيطر على إدارة ما يعرض على سبورة الوعي ويكون تأثير اللاشعور ( الناتج عن عمل الدماغ القديم أو الدماغ الحوفي ) ضعيفا ً .
وبالنسبة لوعي الأحلام فعلى الأغلب يحدث بناءً على عمل المهاد والتشكيل الشبكي والدماغ القديم , ودور اللحاء يكون أقل مايمكن لأنه في حالة راحة لاستجماع قوته ( و يتم السعي لتحاشي إيقاظه ) , وهنا نجد أن التيارات الآتية من المستقبلات الحسية قد تم كف غالبيتها , وكذلك أغلب مسارات التشكيل الشبكي والمهاد مع اللحاء كفت أيضاً .
وتعقيد آلية تشكل الأحلام , ناتج عن عدم سيطرت المهاد الكاملة على إدارة هذا البث , نتيجة التدخل الكبير للدماغ القديم , الذي يصبح تأثيره كبير وأساسي .
لذلك نلاحظ وجود ازدواجية أو ثنائية أثناء الحلم .
- فهناك صانع ومخرج للحلم وهو الدماغ الحوفي .
- وهناك المشاهد والمعلق على ذلك وهو جزء من الدماغ الحديث بمافيه اللحاء .
فالدماغ القديم باستخدامه مخزون ذاكرته المحدودة , يصنع ويخرج حوادث الحلم دفعة واحدة لأنه يعمل بالتوازي ( وهذا يماثل طريقة حدوث الإلهام لأنها أيضاّ من عمل الدماغ القديم ) .
والدماغ الحديث مع مشاركة محدودة من اللحاء(جزء صغير من ذاكرته) يقوم بالمراقبة والتعليق والتدخل الضعيف بحوادث الحلم . لذلك كان فهم الحلم أصعب بكثير مما تصوره فرويد . فأعقد عمليات الدماغ تكون أثناء الحلم وليس أثناء الصحو .
فالحلم ينتج عن التيارات العصبية الكهربائية التي تجري في الدماغ أثناء النوم واللحاء والدماغ الحديث في حالة راحة ويجب عدم إزعاجه , وكما ذكرنا في هذه الحالة تكون غالبية البنيات التي تنتج الوعي أثناء الصحو في حالة راحة , وتنشط بنيات الدماغ الحوفي , ويقوم هذا الدماغ بقدراته المتواضعة بالتعامل مع المدخلات الحسية ومعالجتها , فيحاول وضعها في صورة وأحداث ومن ثم عرضها , وهذه المعالجة هي أحداث الحلم .
أما مراقب أحداث الحلم والمشارك فيها فهو جزء من الدماغ الحديث الذي يكون في هذه الحالة غالبية بنياته في وضع راحة .
فأثناء الحلم ينعكس الوضع بين الدماغ الحديث والدماغ الحوفي .
ففي حالة الصحو يكون الدماغ الحديث بمافيه اللحاء في أوج نشاطه ويقوم بالتعامل مع المدخلات الحسية والأفكار . أما الدماغ الحوفي ( وهو الذي له الدور الأول في تشكيل اللاوعي ) فيكون عامل ( كلاشعور) ولكن عمل الدماغ الحديث يطغى عليه .
بينما في حالة الحلم غالبية بنيات الدماغ الحديث تكون في حالة راحة ولا تشارك في معالجة المدحلات الحسية الحاصلة أثناء النوم , فيقوم الدماغ الحوفي بمعالجتها وضمن قدراته المتواضعة , فذاكرته محدودة , ومنطقه متواضع لأنه يعمل بالتوازي ولا يستعمل السببية , بعكس الدماغ الحديث الذي يعمل بالتسلسل ويعتمد السببية والمنطق في معالجاته للمدخلات الحسية وباقي الأمور .
أي في الحلم يقوم الدماغ الحوفي بمعالجة المدخلات الحسية , والنفسية , بدل الدماغ الحديث , عن طريق عرض أحداث ومواقف ومشاعر, من المخزنة في ذاكرته الخاصة , كرد واستجابة لتلك المدخلات , ولكن بشكل ركيك لا يراعي المنطق والسببية وتسلسل الأحداث بشكل مستمر .
الفرق الأساسي بين الوعي أثناء الصحو والوعي أثناء الحلم
1 - واردات الحواس إلى سبورة الوعي لاترسل إلى مراكزها في اللحاء أثناء الحلم , فيقوم بمعالجتها الدماغ الحوفي .
2 - أثناء الحلم اتصالات سبورة الوعي مع اللحاء يضعف كثيراً , ويصبح هذا الاتصال تابع لتوجيهات الدماغ القديم أو الدماغ الحوفي .
3 - أثناء الحلم ينشط كثيراً الدماغ القديم ويصبح هو المدير والمخرج لما يدخل إلى سبورة الوعي . فيقوم باستدعاء مكونات الحلم من ذاكرته الخاصة أو ربما من ذاكرة اللحاء عن طريق اتصالات خاصة به , لذلك تختلف عن اتصالات سبورة الوعي أثناء وعي الصحو .
4 – التفكير أثناء الحلم يكون بشكل أساسي متوازي دفعة واحدة كما في الإلهام , وغير سببي وغير منطقي , والتفكير التسلسلي المنطقي ضعيف وهو ما يقوم به مراقب الحلم .
فالمهم من يكون هو المدير والمسؤول عن ما يدخل إلى سبورة الوعي , فهذا هو الذي يحدث الفروق الكبيرة بين الوعي أثناء الحلم والوعي أثناء الصحو .
- فهناك مدير منطقي ويستخدم السببية ومنظم وفعال , ويستطيع استخدام أرشيف معلومات واسع وذاكرة دقيقة و واسعة , ويملك قدرات معالجة متطورة . هو الذي يكون عامل أثناء وعي اليقظة .
- وهناك مدير غير منظم وغير منطقي ولا يعتمد كثيراً السببية . هو الذي يكون المدير أثناء الحلم .
الخلاصة :
تحدث الأحلام نتيجة استلام الدماغ الحوفي قيادة معالجة الأمور بدل الدماغ الحديث الذي يرتاح ليستعيد نشاطه , لذلك ليس للأحلام علاقة كبيرة بالأحداث التي جرت أثناء النهار ( أو السابقة ) التي حدثت أثناء عمل الدماغ الحديث ( إلا إذا كانت هامة جداّ ومؤثرة نفسياً وانفعالياً فتظهر في الأحلام ).
ومعالجة الدماغ الحوفي للأمور تكون حسب قدراته المتواضعة , مقارنة بمعالجة الدماغ الحديث الذي يستخدم ذاكرة متطورة وواسعة بالإضافة لمعالجة متطورة للمدخلات الحسية وباقي الأمور .
فالدماغ الحوفي يستخدم ذاكرة متواضعة ومحدودة , ولكنه يعمل بطريقة شاملة وسريعة في معالجة الأمور لأنه يعمل بالتوازي ودفعةّ واحدة فينشئ كافة عناصر ساحة الحلم وسيناريو الأحداث , وذلك بالاعتماد على ما يصله من مدخلات حسية ( أو نفسية ) من الوسط الخارجي أو من داخل الجسم , كالجوع أو العطش أو الرغبة الجنسية فيرى أمور متعلقة بها , أو البرد فيرى أحلام مزعجة , أو الحر فيرى أحلام مزعجة ,أو ضيق في التنفس فيرى أنه يختنق , أو أصوات عالية فيرى أحلام متعلقة بها , أوتعسر الهضم فيرى الكوابيس , أو الطاقة الزائدة والراحة فيرى نفسه يطير . . . الخ
ا
لأحلام وما يحدث فيها من إلهامات
قال العالم "ديمتري ميندلييف" بأنه أثناء نومه اكتشف الجدول الدوري للعناصر الكيميائية.
كما قيل أن الكيميائي "فريدريك أوغست كيكولي" في القرن التاسع عشر قال بأنه وصل إلى التركيب الكيميائي للبنزين أثناء نومه وهو اكتشاف عظيم حيث كان يحلم بثعبان يعض مؤخرته.
أما الرياضيون ومنهم"جاك نيكلاوس " فقد تحدثوا أيضًا عن عمليات الاستبصار التي حدثت لهم أثناء النوم ليلاً . فأثناء النوم ليلاً حدثت الكثير من الأعمال المهمة حيث تم تصحيح العديد من الأساليب وأزيل العديد من الغموض عن أشياء كثيرة .
إن هذا يدعم فكرة دور الدماغ الحوفي كمنشئ أساسي للأحلام
وبالنسبة للوعي أثناء التنويم المغناطيسي يكون الذي يقوم بالتنويم هو من يتحكم بما يدخل لوعي من ينومه
وبالنسبة لأحلام اليقظة يكف جزء كبير من واردات الحواس مع بقاء اللحاء والدماغ الحوفي عاملان بفاعلية , ويقوم الدماغ الحوفي بالمشاركة في ما يدخل إلى سبورة الوعي باستخدام مخزون اللحاء . وهذا ما يجعل أحلام اليقظة تختلف بشكل أساسي عن الأحلام أثناء النوم .

يجد كثير من القراء أن الاعتماد على المثيرات التي يتعامل معها العقل الحوفي فقط في تشكل الأحلام غير كافي , وأن هذا معروف سابقاً لتفسير أشكال وحوادث الأحلام . نعم هذه المثيرات تنشئ أحلام متعلقة بها ولكن هناك الكثيرمن الأحلام ليست متعلقة بتلك المثيرات .
طبعاً هذا صحيح
لقد ذكرت أن للدماغ الحوفي له مخزونه الخاص من الذاكرة ( وهذا المخزون ينشأ بطرق خاصة , حسب عمله , يعرفه المحللون النفسيون , سوف أشرحها مستقبلاً ) .
هذا المخزون من الذاكرة له تداعياته على أحداث الأحلام , فيحدث استدعاء من تلك الذاكرة نتيجة ارتباطها بحوادث الحلم .
والمشكلة الكبرى هي صعوبة أو استحالة فهم أو تفسير تلك الارتباطات , لأنها لاتعتمد على المنطق بل على أمور أخرى نفسية وانفعالية وقيمية . لذلك تظهر على أنها عشوائية , وانتقالات غير سببية وغير مفهومة
وكذلك تدخل الدماغ الحديث , الجزئي والمحدود , يتفاعل مع أحداث الحلم ويؤدي إلى تطورها وزيادة تعقيدها . فتظهر لنا بهذه الصورة .
" لقد وجد العالمان الان هوبسون وروبرت مكارلي أن الحلم ليس إلا إشارات كهربائية عشوائية يمر بها المخ حال النوم , ويقوم نتيجة لذلك بعرض مجموعة من الصور والمواقف المختزنة في الذاكرة ولكن بشكل عشوائي , ويأتي دور العقل الواعي الذي لا يقتنع بهذه العشوائية فيحاول وضعها في صورة منطقية عبر عرضها كقصة وهو ما نسميه الحلم , وتأتي محاولات العقل الواعي دون أن نعي به !!
واعتبرت هذه النظرية هي الأقوى في مجال شرح الكيفية التي يتم بها الحلم ! "
في رأيي هذا غير دقيق , والتفسير الذي ذكرته أراه أدق

" لماذا سبعة "
لماذا أيام الأسبوع 7 ؟ لماذا عجائب الدنيا 7 ؟ لماذا السموات 7 ؟ لماذا (الذواكر) 7 ؟
لماذا النغمات الموسيقية 7 ؟ لماذا ألوان الطيف الرئيسية 7 ؟ . . . .
لماذا سبعة ؟ و ليس 5 أو عشرة حسب أصابع اليد الذي استعمل في أعداد النظام العشري . أولماذا لا يكون 4 أو 6 أو 12 الذي استعمل في تقسيم السنة إلى 12 شهراً وليس 7 , لقد كان يستعمل في التقويم الشهر القمري الذي جعل السنة حوالي 12 شهراً وهذا ما اعتمد في التقويم الشمسي الذي نشأ لاحقاً .
ما هو العامل أو السبب الذي جعل البشر قديماً تعتمد نظام السبعة في طريقة تعداد الفئات والبنيات , والآن لم يعد يستعمل .
الملاحظ عندما استعملت الكتابة بكثرة بعد أن كان يعتمد على الشفاهية ( الذي يعتمد بكثرة على الذاكرة قصيرة الأمد ) قد انخفض اعتماد التصنيف السباعي , فالكتابة تسهل التصنيف لأكثر من 7 فئات , لأنها تعتمد بشكل كبير على الذاكرة الدائمة وعلى التسجيل . وينخفض استعمال التصنيف السباعي أو لا يستعمل عند استعمال الكتابة بدل الشفاهية .
عندما يطلب منك استرجاع فوري لمادة كنت قد قرأتها أو لرقم كنت قد سمعته للتو أو بعد فترة وجيزة من عرضها فإن عليك عندئذ أن تعتمد في استرجاعك على الذاكرة الدينامية التي يطلق عليها البعض (الذاكرة القصيرة المدى) .
والاحتفاظ برقم هاتف جديد، أو اسم شارع جديد تسير فيه أو تتجه إليه أو مقطع من جملة وصلت إلى مسامعك منذ برهة، أو مقاطع صوتية من لحن موسيقي توقف فجأة، أو عدد من الكلمات التي فرغت من قراءتها منذ قليل , من عمل الذاكرة الدينامية .
كما ذكرنا , سعة الذاكرة الدينامية أو القصيرة المدى لدى غالبية البشر هو 7 فئات وهذا معناه أن الشخص العادي يستطيع أن يختزن في ذاكرته القصيرة المدى ( 7 ) عناصر أو بنود أو ملفات, وهناك قليل من الأفراد تخزن أقل من 7 (5 أو6 ) عناصر , أو أكثر من 7 ( 8 أو 9 ) عناصر .
وإن سعة الذاكرة القصيرة المدى تظل هي هي، بغض النظر عن المادة ذاتها. أي أن هذه العناصر يمكن أن تكون حروفاً أو كلمات علماً بأن كل كلمة مؤلفة من عدد من الحروف , أو جمل أو حوادث . . . ، إن هذه الوضعية تشير إلى أن ما تختزنه الذاكرة القصيرة المدى هو وحدات ذات معنى من المعلومات وليست الجزئيات التي تتألف منها هذه الوحدات .
وضع أفكار أو معلومات معين في الانتظار ( 7 عناصر كحد أقصى ) ريثما تدخل لساحة الشعور كي تعالج , هذا الإدخال يتم حسب أهميتها .
في رأيي أن العقد القاعدية لها الدور الأساسي , فهي أماكن الانتظار السبعة لمكتب الدخول إلى ساحة الشعور . ربما كان التشكيل الشبكي في أول الأمر هو المسؤول عن مدخلات ساحة الشعور عندما كان الدماغ في بداية تطوره , ولكن عندما توسعت وتعقدت الأمور تكونت العقد القاعدية للقيام بهذه المهمة , بقي للتشكيل الشبكي دوره كمتحكم بمدخلات الشعور في الأمور الأساسية والبسيطة . . ومن المرجح أن العقد العصبية القاعدية هي التي تتحكم في قدرة المرء على البدء و التوقف عن ما يدخل لساحة الشعور .
ملاحظة
إن تصنيف الألوان إلى سبع قديماً تم بالاعتماد على الذاكرة القصيرة وهي التي تستخدم غالباً في التواصل الشفهي , ولكن الآن بعد استخدام الكتابة التي تعتمد على الذاكرة الدائمة بشكل كبير صنفت الألوان إلى عدد كبير مثل : أرجواني – حديدي – ذهبي - فضي – بترولي – سماوي – دم الغزال . . .
ولكن لماذا تصنيف النغمات الموسيقية لا يزال ( 7 ) ,وكيف يتعامل دماغنا مع النغمات الموسيقية . يجب دراسة واختبار علاقة ذلك بعمل الدماغ تجريبياً , فهذا يمكن أن يوضح عمل دماغنا أكثر.































المحتويات
كيف تعامل الإنسان مع التفكير والدماغ

الجهازالعصبي

نشوء وتطور الدماغ

تعضي و بنية الجهاز العصبي

الجهاز العصبي لدى الإنسان

المراحل الأربعة لتطور الدماغ لدينا

الإحساس

الوعي

التفكير

نحن البشر كيف نفكر

أسس التفكير السببي والمنطقي لدينا

التفكير يعتمد على التعرف والذاكرة , ودوراللغة

كيف تشكلت البنيات الفكرية في الادمغة

التكميم الفكري

التجريب العقلي , والتحريك الفكري

التفكير بالتفكير

الفهم البشري وفهم الثدييات الراقية

التفكير والتخطيط

التصنيف من آليات عمل العقل الأساسية

الكائنات الفكرية

التواصل واللغة

اللغة المحكية واللغة المكتوبة

كيف يقوم الدماغ ببناء المعاني

كيف يقيم الدماغ ما يتعرض له الإنسان

سلاسل الأهداف وسلاسل المعنى

كيف نقيم ونبني أحكامنا

من يقودنا ويتحكم بنا

عمل الدماغ الحوفي

الدماغ الحوفي واللحاء والعلاقة بينهم

الدماغ الحوفي والتصرفات الاجتماعية والعاطفية

أسس ومصادر الانفعالات

أسس ذاكرتنا , وكيف تعمل

كيف تكتسب الخبرة

مسيرة تطور العقل البشري

نظر على الأسس العصبية للأحلام

" لماذا سبعة "






















المصادر
الدماغ والفكر** . تشالز فيرست ترجمة د. محمود سيد رصاص دار المعرفة دمشق 1993
اعرف دماغك . د. إبراهيم فريد الدر دار الأفاق الحديثة دمشق 1983
المخ البشري مدخل إلى دراسة السيكولوجيا والسلوك** كرستين تمبل ترجمة .د. عاطف أحمد.عالم المعرفة الكويت العدد 287
الذكاء * آلان سارتون ترجمة د. محمود سيد رصاص دار المعرفة دمشق 1987
تنانين عدن * كارل ساغان ترجمة نافع أيوب لبس اتحاد كتاب العرب دمشق1996
أدمغة الإنسان الثلاث * بول مالكين مجلة العلم والتكنولوجيا العدد 26
العقل ودونالد هب ** ب.م. ميلز مجلة العلوم الكويت م 11 – عدد 8,9
مستقبل المخ البشري د. بول شوشار مجلة الصفر م4 العدد 19
العقل والدماغ * د.ج. فيشباخ مجلة العلوم الكويت م 10 عدد 5
الدماغ المتنامي* ج.سي.شاتر = = = = =
الأسس البيولوجية للتعلم والفردية* ر.ي.كاندل د.ر. هوكنز = = = = =
الدماغ واللغة* ر.ا. دماسيو ه. دماسيو = = = = =
الذاكرة العاملة والعقل* س.ب. كولمان- رايك = = = = =
مشكلة الوعي * ف. كريك-سي.ه. كوخ = = = = =
لغز الخبرة الواعية** د.ج. تشالمرز مجلة العلوم الكويت م13- عدد 6,7
الوعي و اللا وعي من أين يبدأ * لويس دوبروي مجلة الصفر العدد 27
الإبصار نافذة على الوعي* ن.ك.لوكوثيتيس ترجمة زياد القطب_محمد غانم مجلة العلوم الكويت م16- عدد3
كيف يعمل العقل الباطن (ألا شعور) * ج. ويس مجلة العلوم الكويت م 11 – عدد 6,7
فرويد وماري والسينما ( النسخ الآلي- الزمان- تمثيل الذاكرة-منظومة الإدراك والشعور والوعي)**
ماري أن . دوان مجلة الثقافة العالمية العدد 87
الدماغ والعقل* أ.ر. داماسيو ترجمة زياد القطب. عدنان الحموي مجلة العلوم الكويت المجلد18- العدد5,6
لغة الإشارة في الدماغ * ج. هيكوك و.بيلوجي ي.س. كليما مجلة العلوم المجلد 18 العدد5,6
اللدونة في نمو الدماغ* ش.أوكي-ف. سيكيفيتز مجلة العلوم الكويت م6- عدد 10
عودة إلى الدماغ المشقوق م. س. كازانيكا مجلة العلوم الكويت م15 عدد 12
تشريح الدماغ بالصوت ه س كارلسون مجلة العلوم الكويت م 13 عدد12
اتجاهات في علم الأعصاب (آلية التفكير) * ت. بيردسكي مجلة العلوم الكويت م14 عدد 5
رسم خريطة المخ شارون بيجلي مجلة الثقافة العالمية العدد 54
نحو بناء صورة للمخ** جيرالدم إدلمان مجلة الثقافة العالمية العدد 95
علم المخ في نهاية القرن ** فرنون ب. مونكاستل مجلة الثقافة العالمية العدد 95
الفيزيولوجيا العامة وظائف الاتصال جزأن الجملة العصبية** د. حسين أبو حامد جامعة دمشق 1989
زرع الدماغ (المستحيل يبدو ممكناً) د. فؤاد حجاج مجلة العربي الكويت العدد 531
ذاكرة الإنسان- بنى وعمليات ** روبرتا كلاتسكي ترجمة د. جمال الدين الخضور وزارة الثقافة دمشق 1995
تشريح الذاكرة * م.ميشكين.ت.ابنزيلر مجلة العلوم الكويت م 4_عدد3
اختزان الذاكرة والأجهزة العصبية* د.ل. الكون مجلة العلوم الكويت م 7 – عدد4
سيكولوجية الذاكرة, قضايا واتجاهات حديثة * . د. محمد قاسم عبد الله. عالم المعرفة الكويت العدد 290
التاريخ الطبيعي للذكريات (قرن أمون والنتوء اللوزي)* ليزا غرنيية مجلة الثقافة العالمية العدد 105
عندما يقوي الانفعال الذاكرة (النتوء اللوزي) * الزبيث فيلبس مجلة الثقافة العالمية العدد 105
المادة والذاكرة*. هنري برغسون . ترجمة أسعد درقاوي مراجعة ا.د. بديع الكسم وزارة الثقافة دمشق 1967
الانفعال والذاكرة و ارتباطهما بالدماغ ** ج. ي. لودوكس
إشكالية الحفظ وعشوائية المعالجة د. الطيب بنعبيد مجلة العربي الكويت العدد 531
الأصول المشتركة للفكر*** روبيه دنبار مجلة الثقافة العالمية العدد 47
الذكاء العاطفي*** دانيال جولمان ترجمة ليلى الجبالي عالم المعرفة الكويت العدد 263
الحواس * آلي ماك أرثر
البيولوجيا العصبية للخوف * ن. ه. كالين مجلة العلوم الكويت م10 – عدد 3.4
هل يمكن التفكير دون لغة * دومنيك لابلان مجلة الثقافة العالمية العدد 102
كيف صرنا بشراً** قد يكون اكتساب اللغة والقدرة على ممارسة الفنون الرمزية هما اللذين ميز الإنسان العاقل مجلة العلوم المجلد 18/11,12
التفكير عند الحيوان* ر. ب. كرفين مجلة العلوم الكويت م 8 – عدد 8
المعنى والعقل لدى النسانيس ** ر.م.سيفارت د.ل. تشيني مجلة العلوم الكويت م 10 – عدد 3,4
الذاكرة والكفاءة والتحليل الرمزي** وليم .ج . أشورب باباج مجلة الثقافة العالمية العدد82
هل يمكن لآلة أن تفكر* م.ب.تشرتشلاند ب.س. تشرتشلاند مجلة العلوم الكويت م9 – عدد11,12
ذكاء القطيع * (ذكاء النمل وارتباطه بالتغذية العكسية) مجلة الثقافة العالمية العدد 106
الكومبيوتر البشري * أوكي تشيجبو مجلة الثقافة العالمية العدد 88
قوى الإقناع ديفيد ويلتش مجلة الثقافة العالمية العدد100
التنويم المغناطيسي حقيقة أم خيال مجلة الثقافة العالمية العدد 104
هل للأفكار أهمية في أمريكا ويلقيد م . ماكلي مجلة الثقافة العالمية العدد 126
قصف العقول * ط2 فيليب تايلور ترجمة سامي خشبة عالم المعرفة الكويت العدد 256
ما هو صحيح وما هو خطئ عن التنويم المغنطيسي ** م.ر ناش مجلة العلوم الكويت















عناوين على النيت

أطاب :" صور الجهاز العصبي "
-----------------------------------------------------

http://arabic.nabeelnayef.com/index.php?option=com_content&task=view&id=157&Itemid=34
لغز الوعي
http://arabic.nabeelnayef.com/index.php?option=com_content&task=view&id=70&Itemid=34
الكائنات الفكرية
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=165
الانفعال والذاكرة وارتباطهما بالدماغ
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=724
المنطق الجزيئي للشم
تستطيع الثدييات تعرّف آلاف الروائح التي يثير بعضها
استجابات قوية لديها.
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=2385
البيولوجيا العصبية للثقة
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=2397
البحث عن ماهية الذكاء
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=2415
إضاءة الدماغ
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=2451
مدى أهمية الضحك
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=2452
تشكل تضاريس الدماغ
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=2337
هذا هو دور دماغك في الطعام
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=2090
لمادة الدماغ البيضاء دور مهم
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=2208
الخلايا المناعية تتواصل مع بعصها .
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=2113
البيولوجيا العصبية للذات
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=2176
نحو سيطرة أفضل على الألم
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=1715
تثبيت الذاكرات(*
تصبح بعض اللحظات ذاكرات مستديمة، في حين يتبخر بعضها الآخر. وقد يتضمن سبب
ذلك السيرورات نفسها التي تتشكل أدمغتنا وفقها.
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=1585
المَرْهوانا(1) الخاصة بالدماغ(*)
يمكن أن تساعد الأبحاث في الكيماويات الطبيعية، التي تحاكي تأثيرات المرهوانا في الدماغ، على تفسير
الألم والقلق واضطرابات الأكل، وأشكال الرُّهاب phobias،وحالات أخرى غيرها؛
كما يمكن أن تساعد هذه الأبحاث على اقتراح معالجات لها.

http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=1534
كشف بعض خفايا الفُصام(*)
إن فهما عميقا لسيرورة التأشير(1) في دماغ
المصابين بالفصام يبعث أملا جديدا بمعالجته.
إننا، نحن البشر، رئيسات(1) غريبة.
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=577
عِلَلٌ في الدماغ(*)
علينا أن نتواضع ولو قليلا؛ فبعض الأحياء الدقيقة تستطيع أن تتحكم في الدَّارِيَّة العصبية(1) على نحو أفضل منا.
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=618
الحقائق الكاملة عن نبات الجنكو بايلوبا(*)
يمكن لهذه الإضافة العشبية الشعبية أن تحسن ذاكرتك قليلا،
ولكنك تستطيع أن تحظى بالتأثير نفسه إذا أكلت قطعة حلوى.
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=420
الدماغ والعقل(*
كيف يتشكل العقل الواعي؟ سؤال كثيرا ما طرحه الفلاسفة وعلماء الأعصاب وعامة الناس. ولا بد من أن يؤدي المزيد من التعمق في فهم آليات عمل الدماغ إلى الإجابة عن هذا التساؤل.
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=422
لغة الإشارة في الدماغ(*)
كيف يعالج الدماغ البشري اللغة؟ ثمة دراسات جديدة على الصم مستخدمي الإشارات
تلمِّح إلى إجابة عن هذا السؤال.
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=1370
ثقافات الشمپانزات(*)
إن أقرب أقرباء النوع البشري هو أكثر قربا مما كنا نعتقد. فالشمپانزات تبدي سلوكيات جديرة بالملاحظة، لا يمكن وصفها إلا كعادات اجتماعية انتقلت من جيل إلى آخر.
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=1365
قوة المحاكيات(*)
لعل الأفكار وأنماط السلوك، وهي تُنتسخ من فرد إلى آخر بالتقليد، هي التي أجبرت الجينات البشرية على جعلنا كما نحن عليه اليوم.
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=1372
ذكاء أسراب الحَشرات (*)
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=1368
إنتاج فئران أكثر ذكاء(*)
من خلال الهندسة الوراثية، جمع العلماء بعضا من المكونات الجزيئية المركزية للتعلُّم والذاكرة بغية إنتاج فئران أكثر ذكاء
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=1156
النمو الأخلاقي للأولاد
لا يكفي أن يميز الأولاد بين الخطأ والصواب، بل يتعين أن ينمو لديهم الالتزام بالتصرف وفقا لمُثُلهم.
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=1170
خلايا عصبية جديدة لأدمغة البالغين(*)
خلافا للاعتقاد السائد فإن دماغ الإنسان ينتج خلايا عصبية جديدة في سن البلوغ. فهل يمكن لهذه المقدرة التي اكتشفناها حديثا أن تقود إلى معالجات أفضل للأمراض العصبية؟
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=1266
الإبصار: نافذة على الوعي(*)
في بحوثهم حول العقل يركِّز العلماء على الإدراك الإبصاري من خلال طريقة تأويلنا لما نرى.
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=961
عودة إلى الدماغ المشقوق(*)
إن البحوث التي أدت إلى اختراق معارف كثيرة فيما يتعلق بالدماغ والتي بدأت قبل ما ينوف على ربع قرن، قادت إلى تبصرات متواصلة فيما يتعلق بالوعي وتنظيم الدماغ.
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=1085
مشكلة الوعي(*)
يمكن الآن معالجة هذه المشكلة بالتقصي العلمي للجهاز الإبصاري، وسيتطلب حلها تعاونا وثيقا بين
علماء النفس وعلماء الجهاز العصبي إلى جانب المنظِّرين(1).
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=1031
لغز الخبرة الواعية(*) شرع علماء الأعصاب في سبر أغوار واحد من أعمق أسرار الوجود. بيد أن معرفة الدماغ وحده قد لا توصلهم إلى كُنْهِهِ.
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=1083
السعي وراء السعادة(*)
تكشف البحوث الحديثة عن بعض التبصرات المضادة للحدس حول عدد الناس السعداء وأسباب سعادتهم.
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=1928
وراثيات القدرات المعرفية
بوسع البحوث الخاصة بمهارات معرفية نوعية أن توضح كيف تطور الجينات مكونات القدرات العقلية.
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=322
اتجاهات في علم الأعصاب
آلية التفكير
إن الدراسات التي تُجرى على أدمغة القرود، والتي تم إجراؤها مؤخرا على أدمغة البشر، تكشف عن الأسس (المرتكزات) العصبية للذاكرة العاملة، وهي واحدة من أهم وظائف العقل.
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=900
الذكاء الصنعي
بنك للمعرفة المكتسبة بالمحاكمة العقلية السليمة، يجري تطويره.
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=788
فَهْمُ داءِ پاركنسون
لايزال الفاعل المسؤول غائبا. ولكنّ الأدلة المتنامية توحي بأن مواد شديدة التفاعل، تسمى الجذور الحُرّة، تؤدي دورا رئيسا في هذا الاضطراب العصبي الشائع.
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=165
الانفعال والذاكرة وارتباطهما بالدماغ
مازال مستمرًّا تقفي المسارات العصبية التي تشكل الأساس لتكوين ذاكرات متعلقة بالإدراك الانفعالي الفطري، مثل الخوف.
http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=52
لماذا يتحدث الأطفال إلى أنفسهم
غالبًا ما يُوبَّخ الأطفال بسبب تحدثهم إلى أنفسهم بصوت مرتفع، مع أن ذلك يساعدهم على ضبط سلوكهم وإتقان مهارات جديدة.

Wait while more posts are being loaded