Profile cover photo
Profile photo
Mohammed Ahmed Khalifa Al Suwaidi
34 followers -
Mohammed Ahmed Khalifa Al Suwaidi
Mohammed Ahmed Khalifa Al Suwaidi

34 followers
About
Posts

Post has attachment
Add a comment...

Post has attachment
#محمد_أحمد_السويدي_ترجمة_محادثات_مع_غوته
محادثات غوته | الجزء الرابع عشر
الأربعاء 7 فبراير 1827
تحدث غوته اليوم بقسوة عن بعض النقاد الذين لم يكونوا راضين عن ليسينغ، ووصفوه بصفات غير عادلة. قال، "عندما يقارن الناس بين أعمال ليسينغ وأعمال القدماء، ويطلقون عليه صفات تافهة وبائسة، ما الذي يعنيه ذلك؟ بدلًا من أن يشفقوا على الرجل الاستثنائي لكونه مضطرًا للعيش في وقت بائس، والذي لم يمنحه أي مواد أفضل من التي كتبها في أعماله، لاموه، لأنه في "مينا فون بارنهيلم"، لم يجد شيئًا أفضل من التدخّل في الشجار الجاري بين ولاية ساكسونيا وبروسيا. لكن نتاجه الجدلي المستمر نتج أيضًا عن سوء وقته.

في "إميليا غيلوتي"، نفَّسَ عن غضبه على الأمير. في "ناثان / ضد الكهنة.

الجمعة 16 فبراير 1827

لقد أخبرت غوته بأنني كنت أقوم مؤخرًا بقراءة عمل وينكلمان حول تقليد الأعمال الفنية الإغريقية، واعترفت أنه غالبًا ما بدا لي أنَّ وينكلمان لم يكن واضحًا تمامًا بشأن موضوعه.

قال غوته، "أنت على حق تمامًا، في بعض الأحيان نجد أنه يتلمس طريقه؛ لكن المسألة العظيمة هي أن ذاك الطريق دائمًا ما يؤدي إلى شيء ما. هو مثل كولومبوس، عندما لم يكن قد اكتشف العالم الجديد بعد، ومع ذلك كانت لديه فكرة حوله في ذهنه.

قد لا نتعلم شيئًا من خلال قراءة أعماله، لكننا نصبح شيئًا.

"لكن ماير ذهب إلى أبعد من ذلك، وحمل المعرفة الفنية إلى أعلى نقطة لها. إنَّ تاريخه الفني عمل خالد. لكنه لم يكن ليصبح ما هو عليه، إذا لم يكن، في شبابه، قد شكل نفسه من خلال قراءة وينكلمان، وسار في الطريق الذي عبدّه وينكلمان.

"وهكذا ترى مرة أخرى كيف يمكن لرجل أن يستفيد من وجود سلف عظيم، ومميزات الاستفادة المثلى منه".

الأربعاء، 21 فبراير، 1827

تناولت الغداء مع غوته. تحدث كثيرًا وبإعجاب عن ألكسندر فون هومبولت، الذي بدأ يقرأ أعماله حول كوبا وكولومبيا، والذي يبدو أنَّ آراءه بشأن مشروع المرور عبر خليج بنما تلاقي اهتمامًا خاصًا عنده. قال غوته، " لدى هامبولت معرفة كبيرة بموضوعه، مع ملاحظة أنه من خلال الاستفادة من بعض الجداول التي تتدفق إلى خليج المكسيك، ربما تكون تلك نهاية أفضل من خليج بنما. كل هذا مرهون بالمستقبل وبروح مغامرة.

ومع ذلك، فمن المؤكد أنهم إذا نجحوا في قطع مثل هذه القناة، فإنَّ السفن من أي حمولة وحجم يمكن أن تنتقل عبرها من الخليج المكسيكي إلى المحيط الهادئ، و فوائد لا حصر لها ستنتج للجنس البشري بأكمله، المتحضر، وغير المتحضر.

لكن عليّ أن أتساءل ما إذا كانت الولايات المتحدة ستسمح بأن يفقدوا فرصة الحصول على مثل هذا العمل من بين أيديهم. قد يكون من المتوقع أنَّ هذه الدولة الشابة، مع ميلها المتقن إلى الغرب، سوف تحتل وتؤهل مساحة كبيرة من الأرض خارج جبال الروكي خلال ثلاثين أو أربعين عامًا. علاوة على ذلك، يمكن توقع ذلك أيضًا على طول ساحل المحيط الهادي، حيث شكلت الطبيعة بالفعل أكثر المرافئ رحابة وتأمينًا، ستنشأ تدريجيًا مدن تجارية هامة، من أجل تعزيز الاتفاقية الكبيرة بين الصين وجزر الهند الشرقية والولايات المتحدة. في مثل هذه الحالة، لن يكون من المرغوب فقط، ولكن من الضروري تقريبًا، الحفاظ على تواصل أسرع بين الشواطئ الشرقية والغربية لأمريكا الشمالية، سواء بواسطة السفن التجارية أو رجال الحرب.

لذلك أكرر أنه أمر ضروري للغاية للولايات المتحدة أن تدخل ممرًا من الخليج المكسيكي إلى المحيط الهادئ، وأنا متأكد من أنهم سيفعلون ذلك.

"يمكنني العيش لرؤية ذلك! - لكنني لا أريد. أود أن أرى شيئًا آخر - تقاطع نهر الدانوب والراين. لكن هذا عمل ضخم للغاية لدرجة أنَّ لديَّ شكوكًا في اكتماله، خاصة بالأخذ في الاعتبار مواردنا الألمانية.

وثالثًا، وأخيرًا، أود أن أرى إنجلترا تبني قناة عبر خليج السويس.

هل يمكن أن أعيش لأرى هذه الأعمال الثلاثة العظيمة! سيستحق الأمر عناء العيش لأكثر من خمسين سنة أخرى لرؤيته".

الخميس 1 مارس 1827

تناولت الغداء مع غوته. وقد أخبرني بأنه تلقى رسالتين من الكونت ستيرنبرغ وزوبر، منحتاه متعة كبيرة. ثم تحدثنا كثيرًا عن نظرية الألوان والتجارب الموشورية الذاتية والقوانين التي يتكون بها قوس قزح. كان سعيدًا باهتمامي المتزايد باستمرار حول هذه الموضوعات الصعبة.

الأربعاء، 21 مارس، 1827

أراني غوته كتابًا صغيرًا من تأليف هاينرش، عن جوهر المأساة العتيقة. قال، "لقد قرأت ذلك باهتمام كبير، أخذ هاينرش عمليْ أوديب وأنتيغون لسوفوكليس كأساس لتطوير وجهات نظره. إنه كتاب رائع جدًا. وسأقرضه لك لتقرأه، وقد نكون قادرين على التحدث حوله. أنا لا أتفق مع رأيه. ولكن من المفيد للغاية أن نرى كيف ينظر رجل بمثل هذه الثقافة الفلسفية إلى العمل الفني الشعري من وجهة نظر غريبة بالنسبة لمدرسته. لن أقول اليوم أكثر من ذلك، لكي لا يؤثر ذلك على رأيك. فقط اقرأه، وسوف تجد أنه ينتج كل أنواع الأفكار ".

الأربعاء 28 مارس 1827

أحضرت إلى غوته كتاب هاينرش، الذي قرأته بانتباه. قرأت مرة أخرى أيضًا جميع مسرحيات سوفوكليس، لأتمكن من موضوعي بشكل كامل.

قال غوته، هل أعجبك؟ إنه ينتقد الأمر بشكل جيد أليس كذلك؟" قلت، "أثر هذا الكتاب عليّ بشكل غريب جدًا، ولم يثر داخلي أي كتاب آخر الكثير من أفكاري حول هذا الأمر من قبل؛ ومع ذلك، لا يوجد أي كتاب شعرت بالتناقض معه إلى هذا الحد".

قال غوته، هذه هي النقطة بالضبط. ما نتفق معه يجعلنا غير نشطين ولكن التناقض يجعلنا منتجين". قلت، "إنَّ نواياه تبدو جديرة بالثناء لأقصى درجة، وهو لا يقيد نفسه بأي حال من الأحوال بالأشياء السطحية. ولكنه في كثير من الأحيان يفقد نفسه في التحسينات والدوافع - بطريقة ذاتية للغاية- إنه يفقد الجانب الحقيقي من الموضوع في التفاصيل، وكذلك في المسح الشامل؛ وفي مثل هذه الحالة، يجبر المرء أن يقسو على نفسه وعلى موضوع التفكير كما فعل هاينرش. إلى جانب ذلك، كثيرًا ما كنت أتصور أنَّ تفكيري لم يكن جيدًا بما فيه الكفاية للقبض على الدقّة غير الاعتيادية لتميزه".

قال غوته، "إذا أعدت تفكيرك فلسفيًا مثله، فسيكون ذلك أفضل. لكن، لأتكلم بصراحة، أنا أأسف أنَّ رجلًا ذا قوة فطرية من الساحل الشمالي لألمانيا، مثل هاينرش، يجب أن تفسده فلسفة هيغل حيث يفقد كل الملاحظات والفكر غير المقيد والطبيعي، ويصبح أسلوبه تدريجيًا مصطنعًا وثقيلًا، في كل من الفكر والتعبير؛ حتى أننا نجد فقرات في كتابه حيث يصبح إدراكنا متجمدًا، ولا نعود نعرف ما نقرأه ".

قلت، "لقد كونت الانطباع ذاته. لكنني سعدت مع ذلك أيضًا بإيجاد بعض الفقرات التي بدت لي واضحة تمامًا وملائمة للإنسانية بشكل عام، على سبيل المثال، مثل علاقته بحكاية أوديب".

قال غوته، هنا اضطر إلى أن يحصر نفسه في موضوعه بدقة. ولكن هناك عدة فقرات في كتابه لا يتطور فيها الفكر، وتتحرك فيها اللغة الغامضة باستمرار في المكان نفسه وفي الدائرة ذاتها، تمامًا مثل "جداول ضرب" الساحرة في عملي فاوست أعطاني الكتاب مرة أخرى وقال من محاضرته السادسة حول الجوقة، نادرًا ما فهمت أي شيء. ما رأيك في هذا المقطع على سبيل المثال، والذي يحدث بالقرب من النهاية": هذا الإدراك دلالة حقيقية له! على هذا الأساس، إدراكه الحقيقي، الذي كحقيقة ويقين لنفسه، يشكل بالتالي اليقين العقلي عالميًا، والذي هو بالتأكيد في الوقت نفسه تكفير يقين الجوقة، بحيث في هذا اليقين وحده، الذي أظهر نفسه على أنه نتيجة الحركة المشتركة للعمل المأساوي، تحافظ الجوقة على علاقتها الملائمة بالوعي الشعبي العالمي، وبهذه الصفة لا تمثل فقط الناس، بل يقينها أيضًا.

"أعتقد أننا اكتفينا من هذا. كيف يمكن للإنجليز والفرنسيين أن يفهموا لغة فلاسفتنا، بينما نحن الإلمان أنفسنا لا نفهمها". قلت، "وعلى الرغم من كل هذا، كلانا نتفق على أنَّ هدفًا نبيلًا يكمن في أساس الكتاب، وأنه يمتلك جودة في الأفكار".

قال غوته، إنَّ فكرته عن العلاقة بين الأسرة والدولة والصراعات المأساوية التي قد تنشأ عنهم هي بالتأكيد جيدة وموحية؛ ولكنني لا زلت لا أستطيع أن أفكر بأنَّ هذه هي الفكرة الوحيدة الصحيحة، أو حتى الأفضل للفن المأساوي. فنحن جميعًا أعضاء في عائلة ودولة، والمصير المأساوي لا يصيبنا في كثير من الأحيان ولا يجرحنا بكلتا الطريقتين.

ومع ذلك قد نكون شخصيات مأساوية جيدة جدًا، إذا كنا مجرد أعضاء في عائلة أو دولة؛ لأنَّ النقطة الوحيدة على أي حال هي تنشئة صراع لا وجود لحل له، وقد ينشأ هذا من موقف عدائي في أي علاقة مهما كانت، بشرط أن يكون للشخص أساس طبيعي حقًا، ومأساوي في مجمله حقًا، وهكذا يقع أياكس ضحية شيطان الشرف المجروح، وهرقل ضحية شيطان الغيرة، وفي أي من هاتين الحالتين هل هناك صراع بين التقوى العائلية والفضيلة السياسية لأنه وطبقًا لهاينرش هذان هما عنصرا المأساة الإغريقية.

قلت، المرء يرى بوضوح أنه كان يضع أنتيغون في ذهنه خلال هذ الأمر. ويبدو أيضًا أنه فكر فقط في شخصية وطريقة عمل هذه البطلة، لأنه يؤكد دائمًا على أنَّ تقوى الأسرة تبدو أكثر نقاء في المرأة، وخاصة في الأخت؛ وأنَّ الأخت لا تحب الأخ سوى بنقاء تام ودون شعور جنسي.

أجاب غوته، يجب أن أفكر أنَّ حب الأخت لأختها كان ولا يزال أكثر نقاء وغير جنسي. بينما نحن نعلم أنَّ هناك حالات عديدة حدثت فيها ميول حسية كبيرة بين الأخ والأخت، بعلم ودون علم!

تابع غوته، يجب أن تكون قد لاحظت بشكل عام أنَّ هاينرش ليس ملمًا بفكرة المأساة الإغريقية؛ وأنه ينظر إلى سوفوكليس كمن يخترع ويرتب قطعه ومن ثم ينطلق وبعدها يعد العلاقات الحسية بين شخصياته بحسب ذلك. لكن سوفوكليس عندما كتب قطعه، لم يبدأ من فكرة؛ بل على العكس، فقد بحث في بعض التقاليد الشعبية التي كانت توجد فيها فكرة جيدة. وفكر فقط في تكييفها بأفضل الطرق وأكثرها فعالية للمسرح.

لن يسمح أتيريديس بدفن أياكس؛ ولكن كما هو الحال في أنتيغون، تكافح الأخت من أجل الأخ، لذا في أياكس يكافح الأخ من أجل الأخ. تتولى الأخت مسئولية بولينيس غير المدفون، ويتولى الأخ مسئولية "أياكس"، كظرف طارئ، لا ينتمي إلى اختراع الشاعر، ولكن إلى التقاليد التي يتبعها الشاعر أو التي اضطر إلى إتباعها

أجبت، ما قاله عن سلوك كريون يبدو أنه لا يمكن الدفاع عنه بالمثل. يحاول أن يثبت أنه، في منع دفن بولينيكس، يعمل كريون من الفضيلة السياسية الخالصة، وبما أنَّ كريون ليس مجرد رجل، ولكنه أمير أيضًا، يضع الاقتراح، حيث أنَّ الرجل يمثل القوة المأساوية للدولة، فإنَّ هذا الرجل لا يمكن أن يكون غير الشخص نفسه الذي هو تجسيد للدولة نفسها - أي الأمير.

أجاب غوته بابتسامة، هناك تأكيدات لا أحد سيؤمن بها، إلى جانب ذلك، لا يتصرف كريون بأي حال من الأحوال من الفضيلة السياسية، ولكن من الكراهية تجاه الموتى. عندما سعى بولينيكس لإعادة تحصيل ميراث الأب الذي حرم منه بالقوة، لم يرتكب مثل هذه الجريمة الوحشية ضد الدولة التي تقول بأنَّ موته كان غير كاف، وأنَّ العقاب الإضافي للجثة البريئة كان مطلوبًا.

لا ينبغي أبدًا أن يوضع أي إجراء في فئة الفضيلة السياسية التي تعارض الفضيلة بشكل عام. عندما تمنع كريون عن دفن بولينيس، ولم يملأ فقط الهواء بالجثة المتحللة ولكنه سمح أيضًا للكلاب والطيور الجارحة أن تأكل القطع الممزقة من الجثة الميتة، وبالتالي نجس المذابح - فإنَّ عملًا هجوميًا كهذا على الآلهة والرجال لا يُعدُّ بأي حال من الأحوال فاضلًا سياسيًا، بل على العكس، جريمة سياسية.

إلى جانب ذلك، فالجميع في المسرحية ضده. شيوخ الدولة الذين يشكلون الجوقة ضده. الشعب كله ضده. ترسياس ضده. عائلته ضده. لكنه لا يسمع، ويستمر بالعناد في المعصية، حتى إنه جلب الخراب لجميع الذين ينتمون إليه، وهو نفسه في النهاية لا شيء سوى ظل".

قلت، ومع ذلك، عندما يسمعه المرء يتكلم، لا يمكن للمرء سوى الاعتقاد بأنه في الجانب الصحيح إلى حد ما. قال غوته "هذا هو الشيء ذاته، الذي يسيطر من خلاله سوفوكليس. والذي يتكون في الحياة الدرامية بشكل عام. تمتلك شخصياته هبة البلاغة، وتعرف كيف تشرح دوافع أعمالها بشكل مقنع، بحيث يكون السامع دائمًا إلى جانب المتكلم الأخير.

يمكن للمرء أن يرى أنه حصل على تعليم بلاغي ممتاز في شبابه، والذي أصبح من خلاله مدربًا على البحث عن جميع الدوافع والأسباب الظاهرة للأشياء. ومع ذلك، فإنَّ موهبته العظيمة في هذا الصدد قد جعلته يقع في الأخطاء، لأنه كان يذهب بعيدًا في بعض الأحيان.

هناك مقطع في أنتيغون أراه دائمًا على أنه عيب، وسأقدم الكثير لعالم لغوي لإثبات أنه مقتبس وكاذب.

بعد أن تشرح البطلة، في سياق المقطوعة، الدوافع النبيلة لعملها، وتعرض نقاوة روحها العالية، أخيرًا، عندما تقاد إلى الموت، تقدم دافعًا هزيلًا، ومضحكًا".

"تقول إنها لو كانت أمًا، لما كانت قد فعلت الأمر نفسه، سواء لأطفالها الميتين أو لزوجها الميت، ما فعلته لأخيها. تقول: "إذا مات زوجي لكنت قد حصلت على آخر، وإذا مات أطفالي، كان يمكن أن يكون لديّ أطفال جدد من زوجي. لكن مع أخي، القضية مختلفة. لا يمكنني الحصول على شقيق آخر، أمي وأبي ميتان، لا يوجد أحد ليلد أحدًا".

"هذا هو، على الأقل، الإحساس العاري لهذا المقطع، الذي في رأيي، عندما يوضع في فم بطلة تذهب إلى موتها، يزعج النغمة المأساوية، ويبدو لي بعيد المنال، - لتذوقه أيضًا الكثير من الحسابات الجدلية. كما قلت، أود أن يطلعنا عالم فقه اللغة أنَّ هذا المقطع زائف".

ثم تحدثنا بعد ذلك عن سوفوكليس، مشيرًا إلى أنه في كتبه كان دائمًا أقل نظرًا إلى النزعة الأخلاقية من بحثه عن معالجة ملائمة للموضوع، خاصة في ما يتعلق بالتأثير المسرحي.

قال غوته، "لا أعترض على أن تكون للشاعر الدرامي نزعة أخلاقية، ولكن عندما يتعلق الأمر بتنفيذ موضوعه بوضوح وفعالية أمام جمهوره، فإنَّ غرضه الأخلاقي يثبت أنه قليل الاستخدام، ويصبح بحاجة إلى الكثير من الفهم والإلمام بالمسرح لمعرفة ما يجب فعله وما يجب تركه. وإذا كان هناك تأثير أخلاقي في الموضوع فسوف يظهر، وليس على الشاعر التفكير في شيء سوى المعالجة الفعالة والفنية لموضوعه. ولو كانت للشاعر روح عالية مثل سوفوكليس، فإنَّ نفوذه سيكون دائمًا أخلاقيًا، ولذلك فبإمكانه أن يفعل ما يريد. إلى جانب ذلك فقد كان سوفوكليس يعرف المسرح ويفهم حرفته بدقة.

أجبت، "أجل معرفته بالمسرح جيدة، وتأثيره المسرحي قوي، نحن نرى في كتابه "فيلوكتيتس "، التشابه الكبير الذي تحمله هذه القطعة مع "أوديب، في كولونوس"، من خلال الترتيب ومسار العمل.

"في كلتا الحالتين نرى البطل في حالة عاجزة. كلاهما من كبار السن ويعاني ضعفًا جسديًا. أوديب لديه ابنته إلى جانبه كدليل وداعم. فلوكتيتس لديه قوسه. ولا يزال التشابه مستمرًا. كلاهما تم دفعه جانبًا ليعاني. ولكن عندما يقول وسيط الوحي إنه لا يمكن الحصول على النصر إلا بمساعدتهما فقط، يتم السعي لاستعادتهما مرة أخرى؛ يوليسييس يأتي إلى فلوكتيتس، ويذهب كريون لأوديب. كلاهما يبدآن خطابهما بكلمات مكرمة وشريفة. ولكن عندما يصبح خطاباهما دون جدوى، فإنهما يستخدمان العنف، ونرى فيلوكتيتس يحرم من قوسه، وأوديب من ابنته".

يقول غوته، "إنَّ أعمال العنف هذه، تعطي فرصة للمداخلات الممتازة، ومثل هذه الحالات من العجز تثير مشاعر الجمهور، والتي يستخدمها الشاعر الذي هدفه إحداث تأثير على الجمهور. من أجل تعزيز هذا التأثير في أوديب، يكون فيلوكتيتس رجلًا عجوزًا ضعيفًا، بينما يجب أن يكون وفقًا لمختلف الظروف رجلًا في مقتبل العمر. ولكن لم يكن باستطاعة الشاعر استخدام فكرة الرجل الحيوي في مقتبل عمره في مسرحيته؛ إذ لم يكن لها أي تأثير، ولذلك جعله رجلًا ضعيفًا، عجوزًا ضعيفًا".

أكملت، "إنَّ التشابه مع فلوكتيتس لا يزال أبعد من ذلك. البطل، في كلا القطعتين، لا ينفعل، لكنه يعاني الأمرين. من ناحية أخرى، يجد هذين البطلين الضعيفين أن هناك شخصيتان قويتان ضد كل منهما.

قال غوته، "أوديب أمامه كريون وبولينيس، وفيلوكتيتس أمامه نيوبتوليموس ويوليسييس. كان من الضروري وجود شخصين متعارضين لمناقشة الموضوع من جميع الجوانب، والحصول على الأحداث والانفعال اللازمين للقطعة. قد تضيف، أنَّ كلتا الحالتين تحملان هذا التشابه الإضافي، الذي نراه في كل من الوضع الفعال للغاية للتغير السعيد، حيث أنَّ أحد أبطاله، في وضعه المشين، قد استعاد ابنته المحبوبة، واستعاد الآخر قوسه المحبوب".

الاستنتاجات السعيدة من هاتين القطعتين متشابهة أيضًا. يتم تخليص كلا البطلين من أحزانهما: ينتزع أوديب بسعادة بعيدًا، وبالنسبة إلى فيلوكتيتس، فإننا نعرف من خلال الوسيط أنَّ علاجه سيتم في طروادة، بواسطة أَسْكْلِيپْيُوسْ .

واصل غوته، "موليير هو الرجل الذي يجب أن نبحث في أعماله، عندما نرغب في تعلم كيفية التصرف على المسرح لنصل لأهدافنا الحديثة".

"هل تعرف مسرحية (المريض الوهمي؟ ) هناك مشهد فيها، يبدو لي رمزًا للمعرفة الكاملة. أعني المشهد حيث يسأل (المريض الوهمي) ابنته الصغيرة لويسون إذا كان هناك شاب في غرفة شقيقتها الكبرى.

"الآن، أي شخص آخر لا يفهم حرفته بشكل جيد، كان سيسمح للويسون الصغيرة أن تقول الحقيقة على الفور، وبذلك كانت ستنتهي الحبكة كلها.

"ولكن ما هي الدوافع المختلفة للتأخير التي قدمها موليير في هذا العمل أملًا في الحياة والتأثير. هو أولًا يجعل لويسون الصغيرة كما لو أنها لم تفهم والدها. ثم تنكر أنها تعرف أي شيء. ثم تهدد أن تطعن نفسها بالقضيب وتسقط كما لو أنها ميتة. ثم، عندما ينفجر والدها في يأس، تنبثق من إغمائها المتجهم بفرحة صارمة، وأخيرًا، شيئًا فشيئًا، تعترف بكل شيء.

"إنَّ شرحي يمكن أن يعطيك فكرة ضئيلة للغاية عن حركة المشهد، ولكن اقرأ هذا المشهد بنفسك حتى تصبح متأثرًا تمامًا بقيمته المسرحية، وسوف تعترف بأنَّ هناك إرشادات عملية واردة فيه أكثر من جميع نظريات في العالم.

تابع غوته، "لقد عرفت وأحببت موليير خلال شبابي، وتعلمت منه خلال حياتي كلها. دائمًا ما أقوم بقراءة بعض مسرحياته كل عام، حتى أتمكن من مواصلة الاجتماع المستمر مع ما هو ممتاز. إنه ليس مجرد العلاج الفني المثالي الذي يسعدني. ولكن على وجه الخصوص الطبيعة اللطيفة، والعقل المتشعب للشاعر، يوجد فيهما نعمة وشعور بالفخر، ونبرة المجتمع الجيد، التي لا يمكن أن تحققها طبيعته الفطرية إلا بالجماع اليومي مع أبرز رجال عصره. أعرف فقط أجزاء قليلة من أعمال ميناندر؛ لكنها تعطيني فكرة عالية عنه، وأنظر إلى هذا الإغريقي العظيم باعتباره الرجل الوحيد الذي يمكن مقارنته بموليير.

قلت، "أنا سعيد لسماعك تتحدث بشكل طيب عن موليير. هذا يبدو مختلفًا قليلًا عما يقوله فون شليغل! لقد استمعت اليوم بامتعاض عظيم ما يقوله بشأن موليير في محاضراته عن الشعر الدرامي. إنه ينظر إليه نظرة متواضعة، باعتباره مهرجًا مبتذلًا، لم ير سوى المجتمع الجيد، والذي كان من اختصاصه أن يبتكر كل أنواع المتعة لتسلية سيده".

أجاب غوته، "بالنسبة لرجل مثل شليغل فالطبيعة الأصيلة لموليير تعتبر قبحًا حقيقيًا. فهو يشعر أنه ليس لديه أي شيء مشترك معه، ولا يمكنه تحمله. "بُغضِ البشرية"، التي قرأتها مرارًا وتكرارًا، كواحدة من أكثر القطع المفضلة لدي، تعتبر عملًا بغيضًا بالنسبة له. يضطر إلى الثناء على "طرطوف " قليلًا، لكنه ينتقده مرة أخرى بقدر ما يستطيع. لا يستطيع شليغل أن يسامح موليير بسبب السخرية من تأثير النساء، وكما أشار أحد أصدقائي، أنه كان سيُسخر منهن لو أنه عاش مع موليير.

قال غوته، "لا يجب أن ننكر أنَّ شليغل يعرف الكثير، والمرء يشعر بالرعب تقريبًا من معرفته الاستثنائية وقراءته الواسعة. لكن هذا لا يكفى. كل التعلم في العالم دون حكمة لا يكفي. نقده من جانب واحد تمامًا، لأنه في جميع القطع المسرحية يرى فقط هيكل الحبكة والترتيب، ويشير فقط إلى نقاط صغيرة تشابه الأسلاف العظماء، دون أن يزعج نفسه على الأقل بما يقدمه المؤلف من حياة رشيقة وثقافة عالية الروح. ولكن ما الفائدة من كل فنون الموهبة، إذا لم نجد في قطعة مسرحية شخصية مؤثرة أو عظيمة للمؤلف؟

هذا وحده يؤثر على الشعب. إنني أنظر إلى الطريقة التي تناول بها شليغل الدراما الفرنسية كطريقة لتشكيل منتقد سيئ، يمحض كل شيء لأجل تبجيل التفوق، ويمر على الطبيعة السليمة لشخصية رائعة كما لو كانت قشًا وتبنًا".

أجبته، "لكنه تعامل مع شكسبير وكالديرون، من ناحية أخرى، بعدالة ومودة"

أجاب غوته، "كلاهما من النوع الذي لا يمكن للمرء أن يقول ما يكفي لمدحهم، على الرغم من أنني لا يجب أن أتساءل عما إذا كان شليغل قد انتقدهما أيضًا. هكذا هو أيضًا في ما يخص أخيل وسوفوكليس. في الواقع، شخص شليغل الصغير ليس كافيًا لفهم وتقدير هذه الطبيعة السامية. إذا كان هذا هو الحال، لكان قد تعمق في عمل يوربيديس بطريقة مختلفة.

لكنه يعرف أنَّ علماء اللغة لا يقدرونه كثيرًا، ولذلك فهو يشعر بالفرح الشديد لأنه يملك مثل هذه السلطة العليا، فهو يبحث عن الأخطاء في عمل ذلك السلف العظيم يوربيديس، ويحاول أن يوبخه بقدر استطاعته. أنا لا أنكر أنَّ يوربيديس لديه أخطاؤه، لكنه كان دائمًا منافسًا محترمًا جدًا لسوفوكليس وأخيل. رغم أنه لم يكن يملك الجدية العظيمة والاكتمال الفني الشديد لسلفيه السابقين، وتعامل مع الأمور بطريقة أكثر تساهلًا وإنسانية كشاعر درامي، إلا أنه كان يعرف جمهوره الأثيني جيدًا بما يكفي ليدرك أنَّ الوتر الذي ضربه كان الأفضل. الشاعر الذي وصفه سقراط بصديقه، الذي أشاد به أرسطو، والذي أعجب به ميناندر، والذي حزن عليه سوفوكليس ومدينة أثينا عند سماع نبأ بوفاته، لا شك أنه كان شخصًا مميزًا. وإذا كان على رجل معاصر مثل شليغل أن يبحث عن أخطاء سلف عظيم مثله، فعليه أن يفعلها وهو راكع على ركبتيه".

الأحد، 1 أبريل، 1827

في المساء وأنا جالس مع غوته تحدثت معه حول أداء عمله مسرحيًا "إيفيجينيا" بالأمس والذي مثل فيه هير كروغر، من المسرح الملكي في برلين، دور أوريستيس بشكل جيد جدًا.

وقال غوته "تعاني القطعة من بعض الصعوبات. فهي غنية من الداخل ولكنها فقيرة في الحياة الخارجية: النقطة هي جعل الحياة الداخلية تظهر. القطعة مليئة بأكثر الوسائل فعالية، الناتجة عن مختلف الأهوال التي تشكل أساسها. الكلمات المطبوعة هي في الواقع مجرد منعكس خافت للحياة التي تحركت داخلي خلال الاختراع؛ ولكن يجب على الممثل إعادتنا إلى ذلك الوهج الأول الذي حرك الشاعر فيما يتعلق بموضوعه. نرغب في رؤية الإغريق الأقوياء والأبطال، مع نسائم البحر العذبة التي تهب حولهم، الذين يتعرضون للقمع والمعاناة من قبل مختلف المأسي والمخاطر، ولكنهم يتحدثون بقوة كما توجههم قلوبهم.

لكننا لا نريد أيًا من هؤلاء الممثلين العاطفيين الضعفاء الذين تعلّموا فقط دورهم عن ظهر قلب، وما زلنا أقل رغبةً في أن يكون هؤلاء الأشخاص غير مثاليين في أجزائهم.

واصل غوته، "يجب أن أعترف بأنني لم أنجح أبدًا في أن أشهد تمثيلًا مثاليًا لـ" إيفيجينيا ". كان هذا هو السبب في أنني لم أذهب أمس. لأني أعاني بشكل مروع عندما أضطر إلى مشاهدة هذه الأحداث التي لا تعبر عن نفسها كما ينبغي ".

قلت، "من المحتمل أنك كنت لتصبح راضيًا عن أورستيس حين مثله هير كروغر، لأنَّ أداءه كان صافيًا، بحيث لم يكن هناك شيء أكثر قابلية للفهم من الأداء الخاص به: بدا وكأنه يشتمل على كل شيء. ولن أنسى أبدًا كلماته وإيماءاته.

"كل ما ينتمي إلى الحدس الأعلى - إلى الرؤية في هذا الجزء، تم تقديمه من خلال حركاته الجسدية، ونغمات صوته المتباينة، التي يمكن للمرء أن يتخيلها بعينيه.

."الجزء المهم كان استيقاظ أورستيس من إغماءته وانتقاله إلى المناطق السفلى، وقد نجح في إثارة دهشتنا. رأينا صفوف الأجداد المشاركين في المحادثة: رأينا أورستيس ينضم إليهم، ويسألهم، ويصبح واحدًا منهم. شعرنا بأنفسنا نُنقل إلى وسط هؤلاء الأشخاص المباركين، لذا كان شعور هذا الفنان فائقًا وعميقًا، وكانت قوته كبيرة في جلب ما هو مثير أمام أعيننا".

قال غوته وهو يضحك: "أنت من الأشخاص الذين يجب العمل معهم بحق؛ لكن استمر. يبدو أنه كان جيدًا بالفعل، وقدراته الجسدية كانت رائعة".

قلت، "كان واضحًا ورخيمًا، بالإضافة إلى تدربه بشكل جيد، وبالتالي فقد كان قادرًا على الانثناء، ولديه قوة بدنية ونشاط جسدي في تنفيذ كل الصعوبات. يبدو أنه لم يهمل ممارسة التمارين الجسدية المختلفة خلال حياته كلها".

قال غوته، "يجب على الممثل أن يذهب إلى مدرسة النحت والرسم؛ لأنه ولكي يمثل شخصية البطل الإغريقي، من الضروري أن يدرس بعناية التماثيل العتيقة التي أتت إلينا، ولكي يمتع عقله بطريقتهم الطبيعية في الجلوس والوقوف والمشي.

لكن التجسيد المادي لا يكفي. يجب عليه أيضًا، من خلال الدراسة الدؤوبة لأفضل المؤلفين القدامى والحديثين، أن يشحذ عقلًا عظيمًا. وهذا لن يساعده فقط على فهم دوره، بل سيعطي مكانة أعلى لوجوده كله. لكن أخبرني أكثر! ماذا الذي تراه جيدًا فيه أيضًا؟"

قلت،"لقد بدا لي أنه كان يمتلك حبًا كبيرًا لموضوعه. ويبدو أنه قام بعمل دراسة جادة جعلت كل التفاصيل واضحة أمامه، بحيث عاش وتداخل مع بطله بحرية كبيرة؛ ولم يبق شيء من الشخصية لم يتملكه بالكامل.

لقد عبَّر بشكل ممتاز عن كل كلمة. إلى جانب ذلك فقد كان المقدم بالنسبة له شخصًا غير ضروري إلى حد كبير".

قال غوته، "أنا سعيد بهذا، يجب أن يكون الأمر هكذا دائمًا. ليس هناك ما هو أكثر رعبًا من أن لا يكون الممثلون متمكنين من أجزائهم، وفي كل جملة جديدة يجب أن يستمعوا للمذيع. بهذا يصبح تمثيلهم مبتذلًا، دون أي حياة أو قوة. عندما لا يكون الممثلون مثاليين في أجزائهم في قطعة مثل إيفيجينيا، "من الأفضل عدم لعبها؛ لأنَّ القطعة يمكن أن تنجح فقط عندما يتم تنفيذ كل شيء فيها بشكل مثالي وبتعابير قوية.

ومع ذلك، يسعدني أنَّ الأمر سار بشكل جيد مع كروغر. لقد عرفني به زيلتر، وكنت سأنزعج إذا لم يكن قد ظهر بشكل جيد كما فعل. لقد تشاركت معه مزحة صغيرة من قبل، وقدمت له نسخة من مجلّد "إيفيجينيا"، مع بعض الآبيات المنقوشة تكريمًا لأدائه".

ثم تحولت المحادثة إلى "أنتيغون" لسوفوكليس، والنبرة الأخلاقية العالية السائدة فيها؛ وأخيرًا، نحو السؤال - كيف جاء العنصر الأخلاقي إلى العالم؟ أجاب غوته، "من خلال الرب نفسه، مثل كل شيء آخر. إنه ليس نتاج انعكاس بشري، بل طبيعة جميلة متأصلة. إنه، بشكل أو بآخر، متأصل في الجنس البشري بشكل عام، ولكن بدرجة عالية في عدد قليل من العقول الموهوبة. وقد أظهر هذا العنصر الأخلاقي طبيعتهم الإلهية من خلال الأعمال العظيمة أو العقائد؛ التي، بعد ذلك، بجمال مظهرها، كسبت حب الرجال، وجذبتهم بقوة إلى الاحترام والمنافسة".

"يمكن تحقيق الوعي بقيمة الجمال الأخلاقي من خلال الخبرة والحكمة، حيث أنَّ السوء يظهر نفسه في عواقبه المدمرة للسعادة، سواء في الفرد أو في الجميع، في حين يبدو أنَّ النبل والحق ينتجان ويحميان سعادة الجميع. وهكذا يمكن أن يصبح الجمال الأخلاقي عقيدة، وينشر نفسه على شعوب بأكملها كشيء يعبر عنه بوضوح.

قلت، "لقد قرأت مؤخرًا في مكان ما، أنَّ المأساة الإغريقية جعلت الجمال الأخلاقي شيئًا خاصًا". أجاب غوته، "ليس الجمال الأخلاقي فقط بل الإنسانية الخالصة في مجملها؛ لا سيما في المواقف التي يمكن أن يفترض فيها طابع مأساوي، من خلال الاتصال بالسلطة القاسية. في هذه المنطقة، في الواقع، حتى الأخلاق تقف كجزء أساسي من الطبيعة البشرية.

"أخلاقية أنتيغون، إلى جانب، لم يخترعها سوفوكليس، بل تم احتواؤها في الموضوع، الذي اختاره سوفوكليس، لأنها توحد تأثيرًا دراماتيكيًا كبيرًا مع الجمال الأخلاقي".

ثم تحدث غوته عن شخصيات كريون وإسمين، وعن ضرورة وجود هاتين الشخصتيين لتطوير الروح الجميلة للبطلة.

قال، "كل ما هو نبيل، هو في حد ذاته ذو طبيعة هادئة، ويبدو أنه يكون خامدًا حتى يتم إثارته واستدراجه إلى النقيض. كريون على سبيل المثال يتم إحضاره جزئيًا بسبب أنتيغون، ومن أجل أن تعكس طبيعتها النبيلة عن طريقه.

"لكن، بما أنَّ سوفوكليس كان يريد إظهار الروح العالية لبطلته، فقد كان هناك تناقض آخر كان من الممكن أن تطور به شخصيتها؛ وهو أختها إسمين. في هذه الشخصية، أعطانا الشاعر معيارًا جميلًا لما هو شائع، بحيث تكون عظمة أنتيغون، التي هي أعلى بكثير من هذا المعيار، أكثر وضوحًا".

ثم تحولت المحادثة نحو المؤلفين الدراماتيكيين بشكل عام، وإلى التأثير المهم الذي مارسوه، ويمكنهم أن يمارسوه دائمًا على الكتلة الكبيرة للشعب.

قال غوته، "عندما يكون الشاعر الدرامي العظيم منتجًا في ذات الوقت، وتدفعه دوافع نبيلة، وتغلف كل عمله، يمكن أن ينجح في جعل روح عمله تحيط بالجماهير. واعتقد أنَّ هذا أمر يستحق السعي لأجله. واعتقد أنَّ هذا هو ما فعله بيير كورني مع أبطاله.

والأمر مشابه مع نابليون الذي احتاج شخصيات بطولية؛ وقد قال نابليون، لو كان كورني لا زال حيًا كنت سأجعله أميرًا. فالشاعر الدارمي الذي يعرف مهنته يجب أن يعمل على تحسين علمه لكي يؤثر على الناس الذين هم نبلاء ومفيدون".

"على المرء أن لا يدرس المعاصرين والمنافسين، بل الأسلاف الذين حصل عملهم على الثناء والاعتبار على مر العصور. ومن يملك تلك المقومات سوف يتمكن من تحقيق مبتغاه، خصوصًا لو أنه درس عمل أسلافه. دعنا ندرس موليير، دعنا ندرس شكسبير، ولكن قبل كل شيء دعنا ندرس الأغريق، ودائمًا الأغريق". قلت، "بالنسبة للطبيعة الموهوبة للغاية، لاحظت أنَّ دراسة مؤلفي العصور القديمة قد تكون ذات قيمة كبيرة، ولكن بشكل عام، يبدو أنَّ لها تأثيرًا ضئيلًا على الشخصية. لأنه لو كان لها تأثير أكبر لكان جميع علماء اللغة واللاهوتيين أفضل الرجال. ولكن الأمر ليس بهذا الشكل على الإطلاق، فهؤلاء الخبراء في المؤلفات الإغريقية واللاتينية القديمة هم إما أناسٌ قادرون أو مخلوقات بائسة، وفقًا للصفات الطيبة أو السيئة التي أعطاهم إياها الرب، أو التي ورثوها عن أبيهم وأمهم".

أجاب غوته، "لا يوجد ما يقال ضد ذلك، ولكنني لا أظن أنَّ دراسة مؤلفات العصور القديمة لا تأثير لها على تكوين الشخصية. الرجل الضعيف سوف يظل ضعيفًا للأبد، ولكن التفكير الضعيف يمكن تقويته من خلال دارسة عمل الأسلاف. لكن الرجل الذي وضع الرب في روحه القدرة على تحقيق مستقبل عظيم، وعقلًا متحررًا، سوف يستطيع أن يحقق عظمة مشابهة من خلال قراءته لعظمة الأغريق والرومان كل يوم".

الأربعاء 11 أبريل 1827

ذهبت اليوم حوالي الساعة الواحدة إلى غوته، الذي دعاني للتجول معه قبل العشاء.

اتخذنا الطريق نحو إرفورت، وكان الطقس جيدًا جدًا. كانت حقول الذرة على كلا الجانبين من الطريق تفرح العين باللون الأخضر الأكثر حيوية. بدا غوته مبتهجًا وفتيًا في مشاعره مثل الربيع المبكر، ولكن كان هناك الكثير من الحكمة في كلماته.

قال، "أنا أكرر دائمًا، لم يكن العالم ليوجد لو لم يكن بهذه البساطة. هذه التربة الهزيلة حرثت لألف عام، ومع ذلك فإنَّ قوتها هي نفسها دائمًا؛ مطر قليل، شمس قليلة، ويحل كل ربيع أخضر كالذي سبقه تمامًا".

لا أستطيع تقديم إجابة أو إضافة على هذه الكلمات. جالت عينا غوته على الحقول الخضراء، ثم توجهت نحوي مرة أخرى، ومن ثم واصلنا التحدث في مواضيع أخرى:

"لقد قرأت مؤخرًا شيئًا غريبًا - رسائل جاكوبي وأصدقائه. إنه كتاب رائع، يجب أن تقرأه؛ ليس الهدف أن تتعلم أي شيء منه، بل أن تلقي نظرة على حالة التعليم والأدب في في وقت لا يملك عنه الناس حاليًا أي فكرة، فنحن نرى رجالًا مهمين إلى حدٍ ما، ولكن لا يوجد أي أثر لاتجاه مشابه ومصلحة مشتركة؛ فكل واحد بصفته معزولًا يسير بطريقته الخاصة، دون أن يتعاطف على الإطلاق مع حال الآخر. يبدون لي مثل كرات البلياردو، التي يركض بعضها البعض بشكل أعمى على الغطاء الأخضر، دون أن يعرف أي شيء عن الآخر، والذي إذا انقطع الاتصال به، فإنه ينحسر إلى أبعد من الآخر.

"ابتسمت على هذا التشبيه الممتاز. سألت عن الأشخاص المناظرين، وسماهم لي غوته، مع ملاحظة خاصة حول كل منهم.

"لقد كان جاكوبي دبلوماسيًا بحق، رجل وسيم ذو بنية نحيلة، أنيق ونبيل. وقد كان يناسب وظيفة السفير تمامًا، لكن كشاعر وفيلسوف فقد كان لديه قصور.

كانت علاقته بي غريبة. كان يحبني بشكل شخصي بعيدًا عن منجزاتي: كانت الصداقة مهمة لربطنا معًا. لكن علاقتي بشيلر كانت غريبة لأننا وجدنا أقوى رابطة في اتحاد جهودنا، ولم نكن بحاجة لمن يدعى الصداقة".

سألت ما إذا كان ليسينغ ظهر في هذه المراسلات. قال غوته، "لا، لكن هيردر وفيلاند ظهرا، لكن هيردر، على أية حال، لم يستمتع بتلك الصلات؛ لقد بقي بعيدًا إلى حد ما بحيث لن يعيقه هذا الخواء على المدى البعيد. كما تعامل هامان مع هؤلاء الأشخاص بتفوق ذهني ملحوظ".

"يظهر فيلاند مبتهجًا ومنتميًا كالعادة في هذه الرسائل. ولم يطرح أي رأي على وجه الخصوص لكنه كان هادئًا بما فيه الكفاية للدخول في كل شيء. كان مثل القصب يتحرك جيئة وذهابًا مع الرياح، ومع ذلك كان ملتزمًا دائمًا بجذره.

كانت علاقتي الشخصية مع فيلاند ممتعة للغاية، خاصة في تلك الأيام الأولى التي كان ينتمي فيها لي وحدي. كانت حكاياته الصغيرة مكتوبة من خلال اقتراحات قدمتها له. ولكن عندما جاء هيردر إلى فايمار صار فيلاند مزيفًا بالنسبة لي. أخذه هيردر مني، لأنَّ قوة هذا الرجل الشخصية كانت رائعة جدًا".

بدأت العربة الآن في العودة. رأينا باتجاه الشرق العديد من السحب المطيرة التي تقود كل واحدة منها إلى أخرى.

قلت، "هذه الغيوم تهدد بنزول المطر في أي لحظة. هل تعتقد أنه من الممكن أن تتبدد، إذا ارتفع مقياس الضغط؟ "

قال، "نعم سوف تتفرق من الأعلى إلى الأسفل، وتنفصل مثل المغزل في وقت واحد. قوي جدًا هو إيماني بمقياس الضغط الجوي. أنا دائمًا أقول، إنه إذا ارتفع مقياس الضغط الجوي في ليلة الفيضان الكبير في بطرسبورغ لما فاضت الموجات".

"ابني يعتقد أنَّ القمر يؤثر على الطقس، وربما تفكر في الأمر نفسه، وأنا لا ألومك، فالقمر مهم جدًا، يجب أن نعزو له تأثيرًا واضحًا على الأرض؛ لكن تغير الطقس، صعود وسقوط البارومتر، لا يتأثر بالتغيرات التي تحدث في القمر، بل هي تيلوريكية بحتة.

"أقارن الأرض وجوها بالمخلوقات الحية العظيمة التي تشهق وتزفر على الدوام. إذا شهقت فإنها تجذب الغلاف الجوي نحوها، بحيث يتم تكثيفه بالقرب من سطحها إلى السحب والأمطار. هذه الحالة أسميها المياه الإيجابية (Wasser-verneinung). ولكن لو استمرت فترة زمنية غير منتظمة، ستغرق الأرض. ولكن الأرض لا تسمح بذلك وتزفر مرة أخرى، وترسل الأبخرة المائية صعودًا، ويتم تبديدها خلال الفضاء الكامل للغلاف الجوي، وتصبح متجددة إلى حد كبير، بحيث لا تخترقها الشمس، ولكن الظلمة الأبديّة للفضاء اللامتناهي تُرى من خلال الزرقة المنعشة. حالة هذا الغلاف الجوي أسميها المياه السلبية (Wasser-verneinung).

لأنه تحت التأثير المضاد يأتي الماء بغزارة من فوق، ولا يمكن تجفيف الرطوبة في الأرض وتبديدها، - على العكس من ذلك، في هذه الحالة، لا تأتي الرطوبة من فوق، ولكن رطوبة الأرض نفسها تطير صعودًا؛ بحيث، إذا استمر هذا لفترة غير منتظمة من الزمن، فإنَّ الأرض، حتى لو لم تشرق الشمس، ستتعرض لخطر الجفاف".

هكذا تحدث غوته عن هذا الموضوع الهام، واستمعت إليه باهتمام كبير. "الأمر بسيط للغاية، وأنا ألتزم بما هو بسيط وشامل، دون أن يتأثر بالانحرافات العرضية. مقياس ضغط جوي عالٍ، طقس جاف، ريح شرقية. مقياس ضغط جوي منخفض، طقس رطب، رياح غربية. هذه هي القاعدة العامة التي ألتزم بها. لو هبت السحب الرطبة من هذا الجانب من وقت لأخر، عندما يكون مقياس الضغط الجوي مرتفعًا، والرياح شرقًا، أو إذا كانت السماء زرقاء، مع رياح غربية، فهذا لا يزعجني، أو يجعلني أفقد إيماني بالقاعدة العامة. ألاحظ فقط أنَّ هناك العديد من التأثيرات الجانبية للطبيعة التي لم نفهمها بعد".

"سأخبرك بشيء، يمكنك الالتزام به خلال حياتك المستقبلية. هناك في الطبيعة أشياء يمكن الوصول إليها وأخرى يتعذر الوصول إليها. كن حذرًا في التمييز بين الاثنين، كن حذرًا، وامضِ قدمًا بخشوع.

"نحن نحقق شيئًا من خلال معرفتنا لذلك بطريقة عامة حتى، على الرغم من أنه من الصعب دائمًا رؤية المكان الذي يبدأ فيه المرء وينتهي الأخر. الذي لا يعرف ذلك يعذب نفسه، ربما مدى حياته، حول الأمر الذي تعذر الوصول إليه دون أن يقترب من الحقيقة. لكن من يعرف الأمر بحكمة، سيحصر نفسه بما يمكن الوصول إليه؛ وفي حين يخترق هذه المنطقة في كل اتجاه، ويؤكد نفسه فيها، سوف يكون قادرًا على الكشف عما يتعذر الوصول إليه أيضًا، على الرغم من أنه يجب أن يعترف أنَّ أشياء كثيرة يمكن تناولها فقط إلى درجة معينة، وأنَّ الطبيعة لديها دائمًا شيء إشكالي، لا تكفي كليات الإنسان لفهمه".

خلال هذه المحادثة، عدنا إلى المدينة. تحولت المحادثة حول مواضيع غير هامة، بحيث يمكن لهذه الآراء العالية أن تدور لبعض الوقت داخلي .

لقد عدنا مبكرًا جدًا لتناول العشاء، وكان لدى غوته الوقت ليريني لوحة لروبنز تمثل أمسية صيفية. على يسار الحانب العلوي من اللوحة رأيت عمالًا ميدانيين يذهبون إلى بيوتهم. في وسط الصورة رأيت قطيعًا من الأغنام يتبع راعيه إلى القرية. على اليمين، وقفت عربة القش وكان الناس مشغولين بتحميلها؛ في حين أنَّ الخيول كانت ترعى بالقرب منها؛ بعيدًا، في المرج والغابة، كانت الأفراس ترعى وبدا أنها ستبقى هناك طوال الليل. كانت العديد من القرى والبلدات تحد الأفق المشرق للصورة، حيث تم التعبير عن أفكار النشاط والراحة بطريقة أكثر روعة.

بدا لي وكأنَّ كل ما في اللوحة وضع بطريقة واقعية، ورسمت التفاصيل بأمانة، لدرجة أنني قلت إنَّ روبنز نسخ الصورة من الطبيعة.

قال غوته، "لا يمكن رؤية صورة مثالية مثل تلك في الطبيعة بأي حال من الأحوال؛ لكننا مدينون بتشكيلها للعقل الشعري للرسام. ومع ذلك، كان لدى روبنز العظيم ذاكرة استثنائية، وهو يحمل كل الطبيعة في رأسه، وكانت دائمًا في خدمته، في التفاصيل الدقيقة، ومن ثم تأتي هذه الحقيقة في مجملها، والتفاصيل، بحيث نعتقد أنها مجرد نسخة من الطبيعة، لا يتم رسم مثل هذه المناظر الطبيعية الآن. لم تعد هذه الطريقة من الإحساس ورؤية الطبيعة موجودة، فرسامونا يرغبون في الشعر.

"لقد تركت مواهبنا الشابة وحيدة دون سادة أحياء ليطلعوهم على أسرار الفن. في الواقع، يمكن تعلم شيء ما من الموتى، ولكن ذلك سيكون فقط طريقة لالتقاط بعض التفاصيل دون أن يحدث اختراق للأفكار العميقة وأسلوب السادة".

جاءت فراو فون غوته، وجلسنا لتناول العشاء. تمت مناقشة العديد من المواضيع الحيوية اليوم، مثل المسرح والمحكمة. ولكن سرعان ما وصلنا إلى أمور أكثر جدية، ووجدنا أنفسنا منخرطين بشكل عميق في الحديث حول العقائد الدينية في إنجلترا.

قال غوته، "يجب عليك أن تكون قد درست تاريخ الكنيسة لمدة خمسين عامًا مثلي، لكي تفهم كيف ترتبط كل هذه الأشياء معًا. ومن ناحية أخرى، فالنظريات التي يبدأ بها المحمديون في عملية التعليم لافتة للنظر جدًا. كمؤسسة دينية، فهم يقنعون شبابهم بأنه لا يمكن أن يحدث أي شيء للإنسان، إلا ما كان مرسومًا منذ زمن بعيد بواسطة القوة الألهية الحاكمة.

وبهذا فهم مستعدون وراضون لحياة كاملة، ونادرًا ما يكونون في حاجة إلى أي شيء آخر.

"لن أستفسر عما هو صحيح أو زائف أو مفيد أو خبيث، في هذه العقيدة؛ لكن في الحقيقة شيء من هذا الإيمان موجود فينا جميعًا، حتى بدون تعليمه. يقول الجندي في ميدان المعركة "إن الطلقة التي لم يكتب عليها اسمي، لا يمكن أن تصيبني"؛ وبدون مثل هذا الاعتقاد، كيف يمكن أن يحافظ على هذه الشجاعة والبهجة في أكثر الأخطار الوشيكة؟ تقول العقيدة المسيحية ،"لا يسقط عصفور على الأرض دون موافقة أبينا"، تأتي العبارة من المصدر نفسه، وتوحي بأنَّ هناك تدبيرًا إلهيًا، يحيط بأصغر الأشياء، وبدون إرادته وإذنه لا يمكن أن يحدث شيء.

"يبدأ المحمديون بتدريس شبابهم الفلسفة، مع المبدأ القائل بأنه لا يوجد شيء لا يمكن تأكيد عكسه. وهكذا يدربون عقول الشباب، من خلال منحهم مهمة الكشف والتعبير عن عكس كل اقتراح؛ من المؤكد أن يكون هذا عونًا عظيمًا في مهمة التفكير والتحدث.

"بالتأكيد، بعد عكس أي اقتراح، نشك في حقيقة ما هو صحيح. لكن ليس هناك دوام في الشك؛ رغم إنه يحرض العقل على التحقيق والتجارب، والتي من خلالها، إذا تمت إدارتها بشكل صحيح، فإنَّ اليقين سيتحقق، وفي هذا وحده يمكن للإنسان أن يجد رضىً تامًا.

"ترى أن لا شيء ناقص في هذه العقيدة. وأنه مع كل أنظمتنا، لم نتقدم أكثر؛ وبشكل عام، لا يمكن لأحد أن يتقدم أكثر".

قلت، "تذكّرني بالأغريق الذين استخدموا أسلوبًا مشابهًا في التدريس الفلسفي، كما هو واضح من أعمالهم المأساوية التي تقوم بالكامل على فكرة التناقض، بحيث لا يمكن لأحد المتكلمين على الإطلاق أن يقول أي رأي لا يمكن للآخر، ببراعة متساوية مناقضته".

قال غوته، "أنت على حق تمامًا، وهذا الشىء هو الذي يشد المتفرج أو القارئ. وهكذا، في النهاية، نصل إلى اليقين، الذي يربط نفسه بالأخلاق، ويتبنى قضيته".

تركنا الطاولة، وأخذني غوته معه إلى الحديقة، لمواصلة حوارنا.

قلت، "الشيء الرائع في ليسينغ أنه في كتاباته النظرية، على سبيل المثال، في "لاوكون"، لا يقودنا مباشرة إلى النتائج، بل يأخذنا دائمًا بالطريقة الفلسفية للرأي والرأي المعاكس، والشك، قبل أن يسمح لنا بالوصول إلى أي نوع من اليقين. ويدعنا نرى عملية التفكير والبحث، لكي نحصل على وجهات نظر عظيمة وحقائق عظيمة يمكن أن تثير قدراتنا الفكرية، وتجعلنا منتجين".

قال غوته، "أنت محق، فقد قال ليسينغ ذات مرة أنه إذا أعطاه الله الحقيقة، فسيرفض تلك الهدية لأنه يفضل البحث عنها بنفسه".

"النظام الفلسفي للمحمديين هو مقياس جيد، ويمكن أن نطبقه على أنفسنا والآخرين، للتأكد من درجة التقدم العقلي الذي حققناه.

"ليسينغ، بطبيعته الجدلية، أحب منطقة الشك والتناقض. التحليل هو إقليمه وقد ساعده إداركه الجيد بشكل أكثر نبلًا. سوف تجدني على العكس تمامًا. لقد تجنبت دائمًا التناقضات، سعيت لتبديد الشكوك في داخلي، وقلت فقط النتائج التي اكتشفتها ".

سألت غوته عن الفلاسفة الجدد الذين اعتبرهم متفوقين.

قال، "كانط دون شك. هو الذي لا زالت نظرياته فعالة، وتوغلت بعمق في حضارتنا الألمانية. لقد أثر بك أيضًا، على الرغم من أنك لم تقرأه أبدًا؛ لكنك لست بحاجة إليه بعد الآن، لأنَّ ما يمكن أن يعطيك له، تمتلكه بالفعل. وإذا كنت ترغب بقراءة شيء من أعماله، فإنني أوصيك بـ "نقد سلطة الحكم"، والذي كتب فيه بشكل مثير للإعجاب عن الشعر، وبشكل غير مُرضٍ عن الفن التشكيلي".

"هل كان لفخامتك أي اتصال شخصي مع كانط؟"

أجاب، "لا، كانط لم يلاحظني أبدًا، على الرغم من تشابه بعض مواضعينا. لقد كتبت "تحول النباتات" قبل أن أعرف أي شيء عن كانط؛ ومع ذلك فهو كتاب في روح مذهبه. فصل الموضوع عن الغاية، وكذلك الرأي القائل إنَّ كل كائن موجود لنفسه، وإنَّ أشجار الفلين لا تنمو فقط لأننا قد نوقف قواريرنا - شاطرني كانط هذا الرأي، وقد فرحت لاتفاقنا على الأمر. بعد ذلك كتبت "مذهب تجربتي"، الذي يعتبر نقدًا للموضوع والغاية، ووساطة بين كليهما".

"كان شيلر دائمًا ينصحني بعدم دراسة فلسفة كانط. كان عادة ما يقول إنَّ كانط لا يمكن أن يعطيني شيئًا، لكن هو نفسه درس كانط بحماس كبير؛ وقد درسته أيضًا، وقد كان مفيدًا".

بينما نتحدث، كنا نسير جيئة وذهابًا في الحديقة؛ كانت الغيوم تتجمع؛ وبدأ المطر، حتى اضطررنا للعودة إلى المنزل، حيث واصلنا حديثنا لبعض الوقت.

الأربعاء 18 أبريل 1827

قبل العشاء، خرجت لأتنزه مع غوته على الطريق إلى إيرفورت.

التقينا بجميع أنواع السيارات المحملة بالأدوات للمعرض في ليبسيك؛ أيضًا مجموعة من الخيول، التي كان من بينها بعض الخيول الجميلة جدًا.

قال غوته، "لا يسعني إلا أن أضحك على الجماليين، الذين يعذبون أنفسهم في المحاولة بكلمات مجردة، للوصول إلى مفهوم لا يمكن وصفه، والذي نعطيه اسم الجمال. الجمال هو ظاهرة بدائية، لا تظهر أبدًا، لكن انعكاسها مرئي في ألف تعبير مختلف للعقل الإبداعي، وهو مختلف مثل الطبيعة نفسها".

قلت، "لقد سمعت مرارًا وتكرارًا أنَّ الطبيعة دائمًا جميلة، وإنها تجعل الفنانين يائسين، لأنهم نادرًا ما يستطيعون الوصول إلى جوهرها تمامًا".

قالت غوته، "أعلم جيدًا أنَّ الطبيعة غالبًا ما تكشف عن سحر استثنائي؛ لكنني لا أعتقد أنها جميلة في جميع جوانبها.

نواياها جيدة دائمًا. ولكن لا تتحقق الظروف المطلوبة دائمًا لجعلها تظهر بشكل كامل.

"وبالتالي، ربما تكون شجرة البلوط جميلة جدًا؛ ولكن كم من الظروف المواتية يجب أن تحدث قبل أن تنجح الطبيعة في إنتاج شجرة جميلة حقًا! إذا نمت شجرة البلوط وسط غابة، بوجود جذوع مجاورة كبيرة، فإنَّ ميلها سيكون دائمًا إلى الأعلى، نحو الهواء الحر والضوء؛ ستنمو الفروع الصغيرة والضعيفة على جوانبها فقط، وستتأثر هذه الفروع عبر الوقت وتتحلل. ولكن إذا نجحت في النهاية في الوصول إلى الهواء الحر في قمته، فسوف تستقر في الاتجاه الصعودي، وتبدأ في الانتشار على جوانبه، وتشكل تاجًا. لكن ذلك يحدث في وقت تكون قد تجاوزت فيه منتصف عمرها بالفعل: سنواتها العديدة في محاولة الصعود استهلكت طاقاتها، وسعيها الحالي لتقليل قوتها من خلال زيادة اتساعها لن يكون له نتائجه الصحيحة. لكن عندما تنمو بالكامل، ستكون عالية، قوية، ونحيلة. ودون هذا التناسب بين تاجها وجذعها لن يظهر جمالها كاملًا.

"مرة أخرى؛ إذا نمت شجرة البلوط في مكان رطب، مستنقع، أرض مغذية للغاية، فإنها، ومع المساحة المناسبة، ستنشر العديد من الفروع والأغصان في جميع الجهات: لكنها ستحتاج أيضًا إلى التأثيرات المتخلفة؛ لأنه دون ذلك لن تبدو قوية ولن يكون بالإمكان رؤيتها من مسافة بعيدة وستبدو كشجرة ضعيفة من الأنواع الجيرية. ولن تكون جميلة، على الأقل، كشجرة بلوط.

"أخيرًا، إذا نمت على المنحدرات الجبلية، على تربة فقيرة صخرية، فستصبح كثيرة العقد وشائكة، ولكنها ستفتقر إلى التطور الحر: ستصبح واهنة قبل الأوان، ولن تصل إلى مثل هذا الكمال الذي يمكن للمرء أن يقوله عنه، "يوجد شيء يخلق دهشة في شجرة البلوط تلك".

فرحت بهذه الكلمات، وقلت، "لقد رأيت أشجار بلوط جميلة جدًا عندما قمت بجولات قصيرة من غوتنغن إلى وادي فيسر قبل بضع سنوات. ولقد وجدت أشجار بلوط رائعة بشكل خاص في حي هوكستر".

قال غوته، "إن التربة الرملية، أو التربة الممزوجة بالرمال، حيث يتمكن البلوط من نشر جذوره القوية في كل اتجاه، تبدو الأفضل على الإطلاق؛ ومن ثم تحتاج إلى وضع حيث يكون لديها المساحة اللازمة لتشعر بتأثيرات الضوء والشمس والمطر والرياح على جميغ جوانبها. إذا نمت شجرة البلوط دون توفر القدر المناسب من الرياح والمطر، فإنها ستصبح لا شيء. لكن التصارع مع العناصر يجعلها قوية ومهيمنة، بحيث أنه وبنموها الكبير، فإنَّ وجودها يلهمنا بالدهشة والإعجاب".

أجبت، "ألا يمكن للمرء أن يخلص إلى استنتاج من ملاحظاتك تلك، ويقول، "إنَّ المخلوق يصبح جميلًا عندما يصل إلى قمة تطوره الطبيعي؟" أجاب غوته، "بالتأكيد، ولكن لا يزال يجب شرح ما يعنيه المرء بقمة تطوره الطبيعي".

أجبت، "ربما يشير ذلك إلى فترة النمو التي يبدو فيها الطابع المميز لأي مخلوق مبهرًا".

"قال غوته، "بهذا المعنى، لن يكون هناك شيء نعارضه، خاصة إذا أضفنا ذلك إلى التطور المثالي للشخصية، حيث يجب أن يكون بناء الأعضاء المختلفين في مخلوق مطابقًا لوجهته الطبيعية.

"في هذه الحالة، لن تكون الفتاة المتزوجة، والتي مصيرها الطبيعي هو حمل الأطفال وإرضاعهم، جميلة دون الاتساع المناسب للحوض والملاءمة اللازمة للثديين. ومع ذلك، فإنَّ أي فائض في هذه النواحي لن يكون جميلًا، لأنَّ ذلك سيتجاوز المطابقة إلى نهايتها".

"بهذا الشكل يمكننا أن نقول إنَّ بعض الخيول المسرجة التي التقيناها منذ فترة وجيزة جميلة، حتى لو كان ذلك وفقًا للياقتهم فقط. إنَّ الأمر لا يقتصر على الأناقة، والخفة، وروعة تحركاتهم، بل إنه شيء أكثر يمكن أن يتحدث عنه خيّال جيد، والذي لا يتلقى منه الآخرون سوى الانطباع العام".

قلت، "ربما لا يجب علينا القول إنَّ تلك الخيول المسرجة كانت جميلة، مثلها مثل تلك الخيول التي رأيناها في العربات المتوجهة نحو برابانت؟"

قال غوته، "بالتأكيد، ولمَ لا؟ من المحتمل أن يجد الرسام عرضًا أكثر تنوعًا بكثير من جميع أنواع الجمال في ذلك الحصان الذي يجر تلك العربة والذي يحظى بالقوة والتطور القوي للعظم، الأعصاب، والعضلات، من تلك التي يجدها في الحصان الأنيق".

تابع غوته، "النقطة الرئيسية هي أنَّ العرق نقي، وأنَّ الرجل لم يدخل يده المشوهة. حصان قطع ذيله، وكلب قطعت أذنه، وشجرة تم تقطيع فروعها القاسية وقطع باقيها إلى أشكال كروية، وفوق كل شيء، فتاة شابة تشوه شكلها بسبب المشد، هي الأشياء التي تثور ضدها الذائقة الجيدة، والتي تشغل مكانًا فقط في تعليم الجمال الشفهي لدى غير المستنير".

خلال هذه المحادثات والمحادثات المشابهة، عدنا. مشينا قليلًا في حديقة المنزل قبل العشاء. كان الطقس جميلًا جدًا. كانت شمس الربيع قد بدأت تكبر بقوة، وتظهر كل أنواع الأوراق والأزهار على الشجيرات والوشائع. وقد كان غوته مليئًا بالفكر والأمل لصيف مبهج.

خلال العشاء كنا مبتهجين للغاية. كان غوته الصغير قد قرأ عمل والده "هيلينا"، وتحدث معه بكثير من الحكمة والذكاء الطبيعي. وأبدى سعادته من الجزء الذي تم تصويره من العصور القديمة، بينما كان بإمكاننا أن نرى أنه لم يصل بعد إلى النصف الرومانسي الأوبرالي.

قال غوته، "أنت على حق. إنه أمر غريب. لا يمكن للمرء أن يقول إنَّ العقلانية دائمًا جميلة، ولكن الجميل دائمًا عقلاني، أو على الأقل، يجب أن يكون كذلك. الجزء المتعلق بالعصور القديمة يرضيك لأنه مفهوم، لأنه يمكنك إجراء مسح على التفاصيل، ومقاربة وجهة نظري وخاصتك. لكن في الجزء الثاني يتم توظيف وتوسيع جميع أنواع الإدراك والمنطق، - ولكن ذلك صعب، ويتطلب بعض الدراسة، قبل أن يتمكن القارئ من الوصول إلى المعنى، ومن خلال منطقه الخاص يكتشف منطق المؤلف".

ثم تحدث غوته بكثير من المديح والاعتراف عن قصائد مدام تاسو، التي كان قد قرأها مؤخرًا.

عندما غادر الباقون، واستعددت للذهاب، توسل لي أن أبقى فترة أطول قليلًا. وأمر بإحضار ملف به حفر ونقوش بواسطة فنانيين هولنديين.

قال، "سوف أريك شيئًا جيدًا". بهذه الكلمات، وضع أمامي منظرًا طبيعيًا لروبنز.

قال، "لقد رأيت هذه اللوحة بالفعل، لكن لا يمكن للمرء أن ينظر في كثير من الأحيان بما فيه الكفاية إلى أي شيء ممتاز حقًا؛ - إلى جانب ذلك، هناك شيء خاص جدًا مرتبط بهذا. هل ستخبرني بما تراه؟"

قلت، "لقد بدأت من أسفل اللوحة. أرى في الخلفية النائية سماء صافية جدًا، كما لو أنَّ الوقت بعد غروب الشمس. ثم هناك قرية ومدينة تظهران على مسافة قصية في ضوء المساء. في منتصف اللوحة هناك طريق يسير على طوله قطيع من الأغنام نحو القرية، وفي الجهة اليمنى من الصورة توجد أكوام من الأكياس، وعربة تبدو محملة جيدًا، والخيول غير المسرجة ترعى بالقرب منها. على أحد الجوانب، بين الشجيرات، هناك العديد من الأفراس والمهرات، والتي تبدو كما لو أنها ستبقى خارج الأبواب طوال الليل، ثم على مقربة من المقدمة، هناك مجموعة من الأشجار الكبيرة، وأخيرًا، في المقدمة تمامًا إلى اليسار، هناك العديد من العمال الذين يعودون إلى ديارهم".

قال غوته، "هذا جيد. يبدو أنك وصفت كل شيء. لكن النقطة الأساسية لا تزال مفقودة. كل هذه الأشياء التي نراها ممثلة، قطيع الأغنام، عربة التبن، الخيول، العمال العائدين،- على أي جانب يتلقون الضوء؟"

قلت، "إنهم يتلقون الضوء من الجانب الموجه نحونا، والظل ملقى على الصورة. إنَّ العمال العائدين في مقدمة اللوحة هم في مركز الضوء، مما ينتج عنه تأثير ممتاز".

قال غوته، " لكن كيف أنتج روبنز هذا التأثير الجميل؟"

قلت، "من خلال جعل الأشياء المضيئة تظهر في خلفية داكنة".

وقال غوته، "لكن من أين تنشأ هذه الأرض المظلمة!"

قلت، "من الظل القوي الذي ألقته مجموعة الأشجار نحو الأشكال الأخرى".

واصلت بدهشة "لكن كيف؟ تلقي الأشكال بظلالها على الصورة؛ مجموعة الأشجار، على العكس من ذلك، تلقي بظلالها نحو المتفرج. وبالتالي لدينا ضوء من جانبين مختلفين، وهو أمر ليس مألوفًا في الطبيعة ".

أجاب غوته بابتسامة، "هذه هي النقطة، يثبت روبنز نفسه من خلال هذا، ويظهر للعالم أنه، بروح حرة، يقف فوق الطبيعة، ويعاملها بشكل متناسب مع أغراضه العظيمة. الضوء المزدوج هو بالتأكيد وسيلة عنيفة، وقد قلت بالتأكيد إنَّ هذا مخالف للطبيعة. لكن لو كان ذلك مخالفًا للطبيعة فما زلت أقول إنه أعلى من الطبيعة؛ وأقول إنها ضربة جريئة لسيد مثل روبنز، والذي أوصل للعالم، بطريقة عبقرية، أنَّ الفن لا يخضع بالكامل للضروريات الطبيعية، ولكن لديه قوانينه الخاصة".

تابع غوته، "يجب على الفنان أن ينسخ الطبيعة بصدق ووقار في تفاصيله؛ ولكن لا يجب عليه، بشكل تعسفي، أن يغير هيكل العظام، أو مكان عضلات وأوتار الحيوانات، لأنه بذلك يدمر بنية الكائن".

هذا سيكون إبادة الطبيعة. ولكن في المناطق الأعلى من الإنتاج الفني، التي تصبح فيها الصورة حقيقة صورة، لديه لعبة أكثر حرية، وهنا قد يلجأ إلى قصص خيالية كما فعل روبنز بالضوء المزدوج في هذا المشهد.

"للفنان علاقة مزدوجة بالطبيعة، فهو سيدها وعبدها. هو عبدها، لأنه يجب أن يعمل مع الأشياء الأرضية، لكي يفهم؛ لكنه سيدها، لأنه يخضع هذه الوسائل الأرضية لنواياه العليا ويجعلها خاضعة.

"يتحدث الفنان إلى العالم من خلال الكمال؛ ومع ذلك، فإنه لا يجد الكمال في الطبيعة؛ بل ينتجه كثمرة لعقله، أو من خلال إلهام ثمار الأنفاس الإلهية.

"إذا لاحظنا هذا المشهد الذي رسمه روبنز، يبدو كل شيء طبيعيًا بالنسبة لنا كما لو كان قد تم نسخه بالضبط من الطبيعة؛ ولكن هذا ليس هو الحال. صورة جميلة إلى هذا الحد لم يسبق أن رأيناها في الطبيعة، ربما رأيناها في لوحات لبوسان أو كلود لورين، والتي تبدو طبيعية جدًا بالنسبة لنا، ولكننا نسعى لرؤيتها عبثًا في العالم الفعلي".

قلت، "أليس هناك أعمال جريئة من الخيال الفني، مماثلة لهذا الضوء المزدوج لروبنز، التي يمكن العثور عليها في الأدب؟"

قال غوته، "لا يتطلب ذلك الكثير من التفكير، لأنَّ بإمكاني أن أريك اثني عشر منهم في أعمال شكسبير. خذ ماكبث مثلًا. عندما تدفع السيدة زوجها إلى فعل شيء ما، تقول، "إنَّ وظيفتي هي الإرضاع"، سواء كان هذا صحيحًا أم لا، لكن السيدة تقول ذلك، ويجب أن تقوله، لكي تكسب خطابها القوة اللازمة. لكن في سياق المشهد، عندما يسمع اللورد ماكدف عن أمر تدمير عائلته، يصيح في غضب عارم، - إنه ليس لديه أطفال!"

هذه الكلمات من ماكدوف تتناقض مع تلك التي قالتها السيدة ماكبث. لكن هذا لا يزعج شكسبير. النقطة الكبرى معه هي قوة كل خطاب. وكما قالت السيدة، لكي تكسب خطابها القوة اللازمة، يجب أن تقول "إنَّ وظيفتي هي الإرضاع"، لذلك، للغرض نفسه، يجب أن يقول ماكدوف "ليس لديه أطفال".

استمر غوته، "بشكل عام، لا يجب أن نحكم بدقة على لمسات قلم الرسام، أو كلمات الشاعر؛ علينا بدلًا من ذلك أن نفكر ونستمتع بعمل فني تم إنتاجه بشكل جريء وروح حرة، وإذا أمكن مع الروح نفسها.

"لذلك سيكون من الحماقة، إذا استنتجنا من كلمات ماكبث-" اجلب أطفال الرجال فقط!" إنَّ السيدة كانت كنزًا صغيرًا لم ينجب بعد أي أطفال.

وسيكون من الغباء أيضًا إذا تعمقنا أكثر، وقلنا إنَّ السيدة يجب أن تكون ممثلة على المسرح كشخص شاب جدًا.

"شكسبير بأي حال من الأحوال يجعل ماكبث يقول هذه الكلمات لإظهار شباب السيدة، ولكن هذه الكلمات، مثل تلك التي كتبها ماكبث و ماكدوف، والتي أقتبسها الآن، يتم تقديمها فقط لأغراض بلاغية، ولا تثبت أكثر من أنَّ الشاعر دائمًا ما يجعل شخصيته تقول ما هو مناسب وفعال وجيد في موضع معين، دون أن يزعج نفسه ما إذا كانت هذه الكلمات قد تقع في تناقض واضح مع بعض المقاطع الأخرى.

"عندما كتب شكسبير أعماله لم يكن يعتقد أنها ستطبع، أو ستتم دراستها، ومقارنتها بآخرى. كان ينظر إلى مسرحياته كمشهد حيوي ومؤثر، يمر بسرعة أمام العينين والأذنين على المسرح، وليس كعمل يُحفظ بحزم، وتنتقد تفاصيله. ومن ثم، كانت نقطته الوحيدة هي أن تكون أعماله فعالة ومهمة في الوقت الحالي".

الثلاثاء 24 أبريل 1827

أتى أغسطس فيلهلم فون شليغل. قبل العشاء جال معه غوته بالسيارة حول ويبشت، وأقام غوته هذا المساء حفل شاي كبيرًا تكريمًا له، وقد حضر الحفل الدكتور ليسين، زميل أسفار شليغل. تم دعوة الجميع في فايمار، من أي رتبة أو اسم، حتى العاملين بالصحافة. كان شليغل محاطًا بالسيّدات تمامًا، وقد أراهن أصنامًا هندية صغيرة، بالإضافة إلى نصين كاملين لشاعرين هنديين كبيرين، لم يفهم أحد منهما ٌ شيئًا سواه هو والدكتور ليسين. كان شليغل يرتدي ملابس فائقة الأناقة، وكان مظهره شابًا ومزدهرًا للغاية، لذلك كان بعض الضيوف سعداء لأنه حافظ على الشكل المهني حتى في محياه.

قادني غوته نحو النافذة. "الآن، كيف تجد شليغل؟" أجبت، "لم يكن أفضل مما كنت أتوقع ". تابع غوته، "إنه ليس رجلًا حقيقيًا في كثير من النواحي، ولكن لا يزال، يجب على المرء تحمله قليلًا، بسبب معرفته الواسعة وثقافته العظيمة".

الأربعاء 25 أبريل 1827

تناولت الغداء مع غوته والدكتور ليسين. وذهب شليغل مرة أخرى لتناول العشاء في المحكمة. أظهر لنا ليسين معرفة كبيرة بالشعر الهندي، وهو الأمر الذي بدا مقبولًا للغاية بالنسبة لغوته.

في المساء قضيت بضع لحظات مع غوته. وقد أخبرني بأنَّ شليغل كان معه سابقًا، وأنهما أجريا محادثة مهمة جدًا حول مواضيع تاريخية وأدبية، كانت مفيدة جدًا له. قال، "لا يجب على المرء ألا يتوقع العنب من الأشواك، أو التين من الحسك؛ عدا عن ذلك فكل شيء ممتاز جدًا".

الخميس 3 مايو، 1827

الترجمة الناجحة للغاية لأعمال غوته الدرامية التي قام بها فيليب ألبرت ستابفر، لاحظها جان جاك أمبير في "غلوب الباريسية" في العام الماضي، بطريقة ممتازة تمامًا، وهذا أثر على غوته بشدة لدرجة أنه كثيرًا ما يتذكرها، و يعرب عن امتنانه الكبير لذلك.

وقال، "وجهة نظر أمبير هي وجهة نظر عظيمة جدًا. فعندما يبدأ النقاد الألمان في مناسبات مماثلة بتكوين وجهات نظرهم من خلال الفلسفة، وبحث ومناقشة الإنتاج الشعري، تصبح أفكارهم أوضح نحوه. أمبير يظهر نفسه عمليًا وشعبيًا تمامًا مثل شخص يعرف مهنته فهو يوضح العلاقة بين الإنتاج والمنتج، ويحكم على الإنتاجات الشعرية المختلفة على أنها ثمار مختلفة للحقب المختلفة من حياة الشاعر.

================
محادثات مع غوته
تأليف: يوهان بيتر إيكرمان
ترجمة من الألمانية للإنجليزية: جون اوكسنفورد
ترجمة من الإنجليزية: سماح جعفر

تقوم «القرية الإلكترونية» بتكليف من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، بترجمة يوميات من حياة "جوته"، المعنونة بـــ «محادثات مع غوته»، من تأليف: «يوهان بيتر إيكرمان*»، وهي عبارة عن يوميّات كتبها "إيكرمان" عن السنوات الأخيرة من حياة شاعر ألمانيا الكبير «غوته Goethe»، وتمت ترجمتها من الألمانية للإنجليزية بواسطة «جون أوكسنفورد»، وترجمها من الإنجليزية إلى العربية: «طارق زياد شعار»، وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في الصفحة نأمل أن تحوز إعجابكم.
*«يوهان بيتر إيكرمان» Johann Peter Eckermann 1792-1854: عمل كأمين خاص لجوته في الفترة الأخيرة من حياة الأخير. وسرعان ما أصبح كتابه محادثات مع غوته، ذو شعبية تخطت الحدود الألمانية، ولعب دوراً مهما في إحياء الاهتمام والتقدير لأعمال جوته في وقت لاحق.
Photo
Add a comment...

Post has attachment
#محمد_أحمد_السويدي_ترجمة_محادثات_مع_غوته
محادثات غوتة | الجزء الثالث عشر

"كان الدوق الأكبر يريد أن يدفع لشيلر مرتبًا قيمته ألف دولار شهريًا عندما كان يقيم هنا، وعرض عليه أن يعطيه ضعف المبلغ في حال تعرضه للمرض أثناء العمل. رفض شيلر هذا العرض الأخير، ولم يستفد منه أبداً. قال: "لدي موهبة، ويجب أن أساعد نفسي". ولكن مع توسع عائلته في السنوات الأخيرة، كان ملزمًا بكتابة مادتين دراميتين سنويًا لكسب رزقه؛ ولتحقيق ذلك، أجبر نفسه على الكتابة لأيام وأسابيع عندما كان مريضًا. كان يستطيع أن ينهل من موهبته في أي ساعة. لم يكن يشرب كثيرًا؛ وكان مزاجيًا؛ ولكن في ساعات الضعف الجسدي، اضطر إلى تحفيز قواه من خلال استخدام المشروبات الروحية. هذه العادة أضعفت صحته، وكانت ضارة بمنتجاته كذلك. الأخطاء التي يجدها بعض المتحذلقين في أعماله؛ نتجت من هذا المصدر. جميع المقاطع التي يقولون إنها ليست كما يجب أن تكون، أسميها المقاطع المرضية، لأنه كتبها في تلك الأيام عندما لم تكن لديه قوة للعثور على الدوافع الصحيحة والدقيقة. لديَّ كل الاحترام للضرورات الحتمية. وأعلم مقدار الخير الذي قد ينتج عنها؛ لكن يجب على المرء ألا يحملها إلى أبعد الحدود، لأنَّ فكرة الحرية المثالية هذه لا تؤدي بالتأكيد إلى أي فائدة.

وسط هذه الملاحظات المثيرة للاهتمام، وحديث مماثل عن اللورد بايرون والمؤلفين الألمان المشهورين، الذين قال عنهم شيلر، إنه يفضل كوتزيبو أكثر من الباقين لأنه استطاع أن ينتج شيئًا على أي حال، مرت ساعات المساء بسرعة، وأعطاني غوته الرواية حتى أتمكن من دراستها بهدوء في المنزل.

مساء الأحد 21 يناير، 1827

ذهبت في السابعة من مساء اليوم إلى غوته، وبقيت معه حوالي ساعة. أطلعني على عدد من القصائد الفرنسية الجديدة التي أصدرتها مجموعة مودموزيل غاي، وتحدث عنها بإشادة كبيرة.

وقال: "الفرنسيون يمهدون الطريق لأنفسهم، وهو أمر يستحق الاهتمام. لقد سعيت بجد في الآونة الأخيرة لتشكيل فكرة عن الحالة الراهنة للأدب الفرنسي؛ وإذا نجحت، فسوف أشاركك رأيي. من المهم جدًا ملاحظة أنَّ هذه العناصر التي يكتبون بها الآن، مررنا نحن بها منذ فترة طويلة".

"في الواقع الموهبة المتواضعة تفنى دائمًا مع الوقت، ويجب أن تغذيها عناصر الوقت. فبالنسبة للفرنسيين الوضع مشابه لوضعنا، وصولًا إلى الشاعرية الأكثر حداثة، إلا أنهم يجعلون الأمر يبدو أكثر غموضًا وروحانية.

ماذا تقول عن بيرنغر، وبروسبير ميريميه مؤلف كتاب "كلارا جازول"؟

قال غوته، "أنا أقبلهم؛ إنهم عباقرة عظيمون، لديهم أساس داخل أنفسهم، ومتحررون من طريقة التفكير التي تنتمي إلى وقتهم". قلت، "أنا سعيد لسماع ذلك، لقد كان لدي شعور مماثل نحوهم أيضًا".

انتقلت المحادثة من الأدب الفرنسي إلى الأدب الألماني. "قال غوته، "سأريك شيئًا سيثير اهتمامك كثيرًا. اعطني أحد هذين المجلدين الموضوعين أمامك. أتعرف سولغر؟"

قلت، "بالتأكيد، أنا معجب جدًا به، ولديَّ ترجمته لـ سوفوكليس، وقد كونت رأيًا عظيمًا حوله من خلال تلك الترجمة والتمهيد الذي أرفقه بها".

قال غوته، "أنت تعرف أنه مات منذ عدة سنوات، والآن يتم نشر مجموعة من الكتابات والرسائل التي تركها. سولغر لم يكن متفائلًا في تحقيقاته الفلسفية، التي قدمها لنا في شكل حوارات أفلاطونية. لكن رسائله ممتازة. لقد كتب رسالة إلى لودفيغ تيك حول روايتي (الانتماءات الاختيارية)، أود أن أقرأها لك؛ لأنه لن يكون من السهل قول أي شيء أفضل عن تلك الرواية".

قرأ لي غوته الرسالة الممتازة، وتحدثنا عنها نقطة بنقطة، وأبدينا إعجابنا بالسمات الجليلة لآرائه، والتسلسل المنطقي لتفكيره. على الرغم من أنَّ سولغر اعترف بأنَّ وقائع رواية "الانتماءات الاختيارية" كانت لها جراثيمها في طبيعة جميع الشخصيات، إلا أنه ألقى باللوم على شخصية إدوارد.

قال غوته، "أنا لم أناقضه لأنه لم يستطيع تحمل إدوارد. أنا نفسي لا أستطيع تحمله، لكني اضطررت لتعظيم الرجل لإظهار ما وددت قوله. إنه صادق جدًا بفطرته؛ لأنك قد تجد الكثير من الناس الذين في الرتب العليا مثله تمامًا حيث تحل المكابرة محل الشخصية.

"وضع سولغر المهندس المعماري فوق كل شيء؛ لأنه في حين أنَّ جميع الأشخاص الآخرين في الرواية يظهرون أنفسهم محبين و ضعفاء، فهو وحده لا يزال قويًا وحرًا؛ وجمال طبيعته لا يتآلف كثيرًا مع القصة، فهو لا يقع في أخطاء الشخصيات الأخرى - ويرجع ذلك إلى أنَّ الشاعر جعله نبيلًا لدرجة أنه لم يستطع أن يتواصل معهم..

كنا سعداء بهذه الملاحظة. قال غوته، "هذا أمر جيد للغاية. قلت،"لقد شعرت بأهمية وخصوصية شخصية المهندس المعماري؛ لكنني لم ألاحظ أبدًا أنه كان ممتازًا جدًا، فقط لأنه بطبيعته لا يقع في حيرة الحب".

قال غوته، "لا عجب، لأنني لم أفكر في ذلك أبدًا عندما كنت أصنعه؛ لكن سولغر على حق، هذا بالتأكيد في شخصيته.

تابع، "هذه التعليقات كانت مكتوبة في وقت مبكر من عام 1809. وقد كنت فرحًا كثيرًا لأنني سمعت تعليقات جيدة عن" الانتماءات الاختيارية" في ذلك الوقت، وبعد ذلك، لم يكن هناك الكثير من التعليقات اللطيفة حول تلك الرواية.

"أرى من هذه الرسائل أنَّ سولغر كان مرتبطًا بي كثيرًا، في إحدى رسائله يشتكي من أنني لم أعطه رأيي حول ترجمة "سوفوكليس" التي أرسلها لي. يا رب السماوات! كيف أجيبه عن هذا الأمر. لقد عرفت أباطرة عظماء تبعث إليهم العديد من الهدايا. وكان لديهم بعض العبارات والصيغ التي يجيبون من خلالها على كل شيء؛ وهكذا كتبوا رسائلَ إلى المئات، كلها متشابهة، وكل العبارات خاوية. وهذا ما لم أكن لأفعله أبداً. إذا لم أستطع أن أقول لكل رجل شيئًا مميزًا ومناسبًا للمناسبة، فأفضّل أن لا أكتب على الإطلاق. أنا لا أجد العبارات السطحية جديرة بالاحترام، وبالتالي فشلت في الإجابة على العديد من الأشخاص الممتازين الذين كنت سأكتب لهم عن طيب خاطر. أنت تعرف مقدار البرقيات والرسائل اليومية التي تتدفق عليّ من كل مكان، ويجب أن تعترف بأنَّ الأمر يحتاج إلى حياة كاملة لأتمكن من الرد على كل تلك الرسائل. لكنني أشعر بالأسف على سولغر؛ لقد كان شخصًا رائعًا ويستحق رسالة ودية أكثر من أي شخص آخر".

حولت الحديث نحو الرواية فقد كنت أقرأها وأدرسها كثيرًا في المنزل. قلت، "الجزء الأول مقدمة فقط، ولكن لا شيء فيها يتجاوز ما هو ضروري؛ وقد تم تنفيذ هذه المقدمة الضرورية بطريقة استثنائية، والتي لا يمكننا أن نتخيل أنها مجرد مقدمة لشيء ما، بل سنعطيها قيمة خاصة بها".

قال غوته، "إنني مسرور لأنك تشعر بذلك، ولكن يجب أن أفعل شيئًا بعد. ووفقًا لقوانين المقدمة الجيدة، عندما تجتاز الأميرة وعمها المقصورة، يجب على الناس الخروج للترحيب بالأميرة وتكريمها بالزيارة".

قلت، "أنا متأكد من أنك على حق، لأنه، بما أنَّ كل ما تبقى مشار إليه في المقدمة، يجب أن يكون هؤلاء الأشخاص على نفس الشاكلة؛ ومن الطبيعي تمامًا أنه ومع إخلاصهم، لن يسمحوا للأميرة بالمضي دون تحيتها".

قال غوته، "أنت تعرف أنه في عمل من هذا النوع حتى عندما يتم الانتهاء منه ككل، لا يزال هناك شيء يجب القيام به في التفاصيل".

ثم أخبرني غوته عن أجنبي زاره مؤخرًا، وتحدث عن ترجمة العديد من أعماله.

قال غوته، "إنه رجل طيب لكنه يظهر نفسه كهاوٍ في الأدب؛ لأنه لا يعرف اللغة الألمانية على الإطلاق، ويتحدث بالفعل عن الترجمات التي سيقوم بها، وعن الصور الشخصية التي سوف يلحقها بهم.

"هذه هي طبيعة موهبة الهواة، فهم لا يملكون أي فكرة عن الصعوبات التي تكمن في موضوع ما، ويرغبون دائمًا في القيام بشيء لا يملكون قدرات له".

مساء الخميس، 29 يناير، 1827

في الساعة السابعة ذهبت مع مخطوطة الرواية ونسخة من كتاب بيير جان دي برينغر إلى غوته. ووجدت إم. سورت يتحدث معه حول الأدب الفرنسي الحديث. استمعت باهتمام، وقد كان ملاحظًا أنَّ الكتّاب الجدد قد تعلموا الكثير من دي ليل، بقدر ما يتعلق الأمر بالملاحظة الجيدة. وبما أنَّ إم. سورت مولود في جينيف، فلم يكن يتكلم الألمانية بطلاقة، ولأنَّ غوته يتحدث الفرنسية بشكل جيد، فقد جرت المحادثة بتلك اللغة، وتحولت إلى اللغة الألمانية فقط حينما بدأت التحدث. أخرجت كتاب "برينغر" من جيبي وأعطيته لغوته، الذي كان يرغب في قراءة قصائده الجميلة مرة أخرى. اعتقد سورت أنَّ الصورة التي سبقت القصائد لم تكن جيدة. وقد كان غوته في غاية السرور للحصول على هذه النسخة في يديه.

قال، "هذه القصائد يمكن النظر إليها على أنها مثالية، وباعتبارها مختلفة من نوعها، خاصة عندما تلاحظ الخط اللحني فيها والذي بدونه ستكون أكثر جدية، وأكثر حدة، وأكثر ذكاء، بالنسبة لكونها قصائد غنائية. يذكّرني برينغر دائمًا بهوراس و حافظ، اللذيْن كانا متفوقيْن في زمانهما، وقدما فساد الأخلاق بشكل ساخر وهزليّ. ولبرينغر العلاقة نفسها مع معاصريه؛ ولكن لأنه ينتمي إلى الطبقة الدنيا، لذلك لا يجد مانعًا في استخدام الفسوق والبذاءة، ويعاملهم بنوع من التحيز".

أبدينا الملاحظات المماثلة حول بيرنغر وغيره من الكتاب الفرنسيين الحديثين، ومن ثم مضى م. سورت وبقيت وحدي مع غوته.

وضع غوته يده على حزمة مختومة موضوعة على الطاولة. قال، "هذه روايتي الجديدة "هيلينا "، التي ستذهب إلى المطبعة".

شعرت بهذه الكلمات بشكل استثنائي، وشعرت بأهمية اللحظة. لأنه، كما هو الحال مع السفينة المبنية حديثًا التي تنطلق في البحر لأول مرة، والتي لا نعرف ما هي المصائر التي يجب أن تواجهها، وكذلك الحال مع الخلق الفكري لسيد عظيم الذي يخرج أولًا إلى العالم لممارسة نفوذه عبر العصور العديدة، وإنتاج المصائر المتنوعة.

قال غوته، "ما زلت أضيف بعض اللمسات وأدخل بعض التعديلات هنا وهناك؛ ولكن يجب أن أنهي الرواية الآن، ويسعدني أنها سوف تذهب إلى المطبعة، وبذلك سأجد متسعًا من الوقت للعمل على أشياء أخرى. دع تلك الرواية تلاقي مصيرها الأمثل. أشعر بالراحة لأنَّ الثقافة العامة لألمانيا تقف عند نقطة عالية بشكل لا يصدق؛ لذا لست بحاجة إلى الخوف من أنَّ مثل هذا الإنتاج سيكون بلا تأثير أو سيساء فهمه لفترة طويلة.

قلت، "هناك جزء كامل عن العصور القديمة"، قال غوته،"نعم، سيجد علماء اللغة الرواية مفيدة". قلت، "ليس لديَّ شك حول الجزء المتعلق بالعصور القديمة؛ فهناك تكمن معظم التفاصيل الدقيقة، والتطور الشامل الذي يحدث للأفراد، وكل شخص يقول ما يتوجب عليه. لكن الجزء الرومانسي الحديث صعب للغاية، لأنَّ نصف تاريخ العالم يكمن خلفه. فالمادة غنية .

قال غوته، "رغم ذلك، فإنَّ الأمر كله يسعد الحواس، وسيرضي عين المشاهد عند تقديمه في المسرح: وهذا كل ما أبتغيه. دع حشد المتفرجين يستمتع بالمشهد؛ فالمغزى الحقيقي سيكون واضحًا منذ البداية، كما كان الحال مع "الناي السحري" وأشياء أخرى.

قلت، "سوف يحدث هذا العمل تأثيرًا غير عادي على المسرح، أعتقد أنه يجب أن يبدأ كمأساة وينتهي كأوبرا. ولكنْ هناك شيء مطلوب لتمثيل عظمة هؤلاء الأشخاص، والتعبير عن اللغة السامية".

قال غوته، "يتطلب الجزء الأول ممثلين مأساويين، ويجب أن يضم الجزء الأوبرالي أفضل المطربين، ذكورًا وإناثاً. يجب أن يتم تمثيل دور هيلينا بواسطة امرأتين عظيمتين. ؛ لأننا نادرًا ما نجد أنَّ مطربة جيدة تصلح لتكون ممثلة مأساوية".

قلت، "سوف تكون هناك وفرة من المشاهد والأزياء الرائعة، ولا أستطيع أن أنكر أنني أتطلع بسرور لتمثيلها على المسرح. إذا استطعنا فقط إيجاد موسيقار جيد".

قال غوته، "يجب أن يكون موسيقارًا جيدًا عاش طويلًا في إيطاليا مثل ميربير، حتى يجمع طبيعته الألمانية مع الأسلوب الإيطالي. على كل حال فسوف نعثر عليه بطريقة أو بأخرى؛ أنا سعيد فقط بإنهائها. كما أنني فخور جدًا بفكرة أنَّ الجوقة لا تنحدر إلى العالم السفلي، بل تنثر نفسها بين العناصر في المصدر البهيج للأرض".

قلت، "إنه نوع جديد من الخلود"، تابع غوته، "ما رأيك في الرواية؟"

قلت، "لقد أحضرتها معي، بعد أن قرأتها مرة أخرى، وأجد أنَّ فخامتك لا يجب أن تقوم بالتغيير الذي تنتويه. أنْ يظهر الناس لأول مرة بجانب النمر المقتول ككائنات جديدة تمامًا، فذلك سينتج تأثيرًا جيدًا، بأزيائهم وتصرفاتهم الغريبة، ليعلنوا أنفسهم كَمُلاكِ الوحش. وإذا جعلتهم يظهرون أولًا في المقدمة، فإنَّ هذا التأثير سوف يضعف تمامًا، إن لم يتدمر".

قال غوته، "أنت على حق، يجب أن أترك الأمر كما هو؛ بدون شك، أنت على حق. عندما خططت لأول مرة لكتابة الرواية، لم أكن أنوي فعل ذلك. كان التغيير المقصود هو تحقيق فهم أوسع، وهو ما كان سيقودني بالتأكيد إلى خطأ. وهذه حالة جديرة بالملاحظة في علم الجمال.

تحدثنا عن العنوان الذي ينبغي أن يُعطى للرواية. تم اقتراح العديد من العناوين. البعض يناسب البداية، والبعض الآخر النهاية، ولكن لا شيء يبدو مناسبًا تمامًا للكل.

قال غوته، "دعنا نسميها "الرواية"؛ أليست الرواية حدثًا غريبًا لم يسمع به بعد؟ هذا هو المعنى الصحيح لهذا الاسم.؛ والكثير من الكتب التي يتم تمريرها كروايات في ألمانيا ليست روايات على الإطلاق، بل مجرد سرد، أو أي شيء آخر تود تسميته".

في المعنى الأصلي لحدث لم يسمع به من قبل، قد يطلق على "الانتماءات الاختيارية" أيضًا "الرواية".

قلت، "إذا فكرنا بحق، دائمًا ما تتكون القصيدة في البدء بدون عنوان، وهي ما هي بدون عنوان. لذا بإمكاننا تخيُّل أنَّ العنوان ليس ضروريًا في الواقع".

قال غوته، "ليس الأمر كذلك، فالقصائد القديمة لم تكن لها عناوين؛ ولكن هذه عادة حديثة، وبسبب تلك العادة فقد حصلت قصائد الأقدمين على عناوين في وقت لاحق أيضًا. ولكن هذا العرف أتى نتيجة ضرورة تسمية الأشياء وتمييزها عن بعضها البعض، عندما أصبح الأدب واسعًا.

قال غوته، "هذا شيء جديد. - اقرأه".

بهذه الكلمات، سلّمني ترجمة هير جيرارد لقصيدة صربية. قرأتها بسرور كبير، لأنَّ القصيدة كانت جميلة جدًا، والترجمة بسيطة وواضحة لدرجة أنني لم أكن مضطربًا أبدًا خلال تأمل الموضوع. كان عنوانها "مفتاح السجن". كان مجرى الأحداث رائعًا، لكن الخاتمة بدت لي فجائية وغير مرضية إلى حد ما.

قال غوته، "هذا هو جمال ذلك؛ لأنه يترك لدغة في القلب، وسيتمكن خيال القارئ من ابتكار كل حالة ممكنة يمكنه أن يتبعها. وتترك الخاتمة مادة مناسبة لعمل تراجيدي كامل. على العكس من ذلك، فما هو مذكور في القصيدة هو حقًا جديد وجميل، ويتصرف الشاعر بحكمة شديدة في ترسيم هذا وحده، وترك الباقي للقارئ. أود أن أُدرج القصيدة عن طيب خاطر في "الفن والعصور القديمة"، ولكنها طويلة جدًا، من ناحية أخرى، طلبت من هير جيرارد أن يترجم لي تلك القصائد الثلاث بطريقة مقفاة، وسأطبعها في العدد التالي. ما رأيك ؟ استمع فقط".

قرأ غوته أولًا قصيدة الرجل العجوز الذي يحب فتاة صغيرة، ثم قصيدة شرب المرأة، وأخيرًا تلك التي تبدأ بـ "أرقص لنا يا ثيودور". قرأها بشكل مثير للإعجاب، كل منها بنبرة مختلفة وبطريقة مختلفة، لن يكون من السهل سماع أي شيء أكثر كمالًا.

لقد امتدحنا هير جيرارد لأنه قد اختار أنسب وأكمل عبء في كل مرة، ولأنه نفذ كل شيء بطريقة سهلة ومثالية، لدرجة أننا لم نتمكن بسهولة من تصور أي شيء أفضل للقيام به. قال غوته، "أترى كيف يفيد التدريب العملي شخصًا يتمتع بمواهب كالتي يتمتع بها هير جيرارد؛ ومن حسن حظه أنه لا يمتلك مهنة أدبية فعلية، سوى تلك التي تأخذه يوميًا إلى الحياة العملية. لقد سافر كثيرا في إنجلترا وبلدان أخرى؛ وبالتالي، ومع إحساسه بالواقع، فلديه العديد من المزايا التي لا يمتكلها شعراؤنا الشباب.

"إذا حصر نفسه في تقديم ترجمات جيدة، فمن غير المحتمل أن ينتج أي شيء سيء؛ لكن الكتابات الأصلية تتطلب الكثير، ويصعب تنفيذها".

كانت هناك بعض التعليقات على إنتاجات أحدث شعرائنا الشباب، وقد لوحظ أن أيًا منهم لم يقدم نثرًا جيدًا. قال غوته، "يمكن تفسير ذلك بسهولة شديدة؛ لكتابة النثر، يجب أن يكون لدى المرء ما يقوله. لكن من لا يملك شيئًا لقوله فبإمكانه أيضًا أن يشكِّل الآبيات والقوافي، حيث يكتب كلمة ويطابقها مع الأخرى، وفي النهاية يخرج شيئًا، والذي هو في الحقيقة لا شيء، ولكن يبدو كما لو أنه شيء ما.

الأربعاء 31 يناير 1827

تناولت الغداء مع غوته. قال لي، "في الأيام القليلة الماضية، منذ أن رأيتك قرأت العديد من الأشياء المختلفة، وخاصة رواية صينية لا زالت تشغلني، وتبدو لي رائعة للغاية".

قلت،"رواية صينية! لا بد أنها غريبة للغاية".

قال غوته، "ليس بقدر ما قد تظن، فالرجل الصيني يفكر ويتصرف ويشعر مثلنا تمامًا، وسرعان ما نكتشف أننا مثلهم، باستثناء أنَّ كل ما يكتبونه أكثر وضوحًا، وأكثر نقاءً، واحتشامًا من كتاباتنا.

"كل ما يكتبونه منظم ووطني دون عاطفة كبيرة أو رحلة شعرية؛ وهناك تشابه كبير بين ذاك الكتاب وعملي "هيرمان و دوريثا"، وكذلك روايات رتشاردسون الإنجليزية. هم أيضًا يختلفون عنا في ارتباطهم مع الطبيعة الخارجية وتعاملهم مع الشخصيات البشرية. أنت دائمًا تسمع السمكة الذهبية في البركة ، الطيور دائمًا تغني على الغصن، اليوم هادئ ومشمس دائمًا، والليل واضح دائمًا. هناك الكثير من الحديث عن القمر، لكنه لا يغير المشهد، فضوءه مصمم ليكون ساطعًا مثل النهار. المنازل أنيقة ومنظمة مثل صورهم. على سبيل المثال ، "سمعت الفتيات الجميلات يضحكن، وعندما تمكنت من رؤيتهن، كن يجلسن على كراسي قصب". هنا، ترى أجمل وضع. فكرسي القصب يرتبط بالضرورة بالخفة والأناقة. ثم هناك عدد لا حصر له من الأساطير التي يتم إدخالها باستمرار في السرد، ويتم إدراجها تقريبًا كالأمثال. على سبيل المثال، كانت هناك فتاة قدماها خفيفتان ورشيقتان جدًا، وبإمكانها أن توازن نفسها على زهرة دون أن تكسرها؛ ثم هناك شاب ثلاثيني فاضل وشجاع نال شرف التحدث مع الإمبراطور؛ ثم هناك عاشقان أظهرا نقاوة عظيمة خلال فترة طويلة من التعارف، حتى إنه ورغم اضطرارهما في مناسبة ما أن يقضيا الليلة في الغرفة نفسها، فقد انفقا الوقت في التحادث، ولم يقتربا من بعضهما البعض. "و بالطريقة ذاتها، هناك العديد من الأساطير الأخرى التي لا تعد ولا تحصى، وكلها تتحول إلى ما هو أخلاقي ومناسب. ومن خلال هذا الاعتدال الشديد في كل شيء، استمرت الإمبراطورية الصينية في الحفاظ على نفسها لآلاف السنين، وستستمر فيما بعد.

"أجد تباينًا رائعًا جدًا لهذه الرواية الصينية في"قصائد برينغر"، التي في كل واحدة منها تقريبًا، موضوع غير أخلاقي في بنيتها، والتي ستكون بغيضة جدًا بالنسبة لي إذا تم إدارتها بواسطة عبقرية أدنى من برينغر. ومع ذلك، فقد جعلهم محبوبين، بل ومرضيين. أخبرني بنفسك، أليس من اللافت للنظر أن يكون موضوع الشاعر الصيني أخلاقيًا للغاية، وأنَّ الشاعر الفرنسي في يومنا هذا هو بالضبط عكس ذلك؟

قلت، "أنا موهبة مثل برينغر لن تجد أي مجال في المواضيع الأخلاقية".

قل غوته، "أنت على حق، إنَّ الفساد في عصره كشف وطور طبيعته نحو الأفضل".

قلت، "لكن هل تلك الكتابات الرومانسية الصينية هي من أفضل أعمالهم؟" قال غوته، "لا أظن ذلك، فالصينيون لديهم الآلاف من الكتابات الرومانسية، وقد كانوا يكتبون منذ أن كان آباؤنا ما زالوا يعيشون في الغابة.

وتابع، "أنا مقتنع أكثر فأكثر أنَّ الشعر هو الحيازة العالمية للبشرية. فهو يكشف نفسه في كل مكان، وفي كل الأوقات، في مئات ومئات من الرجال. هناك من يجعله أفضل قليلًا من الآخر، ويكتسب شهرة لفترة أطول قليلا من شخص آخر، وهذا كل شيء. يجب ألا يظن هير فون ماثيسون أنه الأفضل، ولا يجب أن أظن أنا أنني الأفضل. لكن يجب على كل واحد منا أن يقول لنفسه، إنَّ موهبة الشعر ليست نادرة على الإطلاق، و إنَّ المرء لا يحتاج إلى التفكير كثيرًا في نفسه لأنه كتب قصيدة جيدة.

"في الواقع، نحن الألمان من المرجح جدًا أن نسقط بسهولة في هذا الغرور البدائي، عندما لا ننظر إلى ما وراء الدائرة الضيقة التي تحيط بنا. لذلك أفضل البحث في الدول الأجنبية، وأنصح الجميع أن يفعلوا الشيء نفسه. الأدب الوطني هو الآن مصطلح لا معنى له؛ فالأدب العالمي في متناول اليد، ويجب على الجميع السعي إليه. ولكن، بينما نقدر قيمة ما هو أجنبي، يجب ألا نلزم أنفسنا بأي شيء على وجه الخصوص، ونعتبره نموذجًا. يجب ألا نعطي هذه القيمة للصينيين، أو الصرب، أو كالديرون، أو نيبيلونغن. ولكن إذا أردنا حقًا نمطًا جيدًا، يجب أن نعود دائمًا إلى الإغريق القدماء لأنهم مثلوا في أعمالهم جمال البشرية باستمرار. والبقية يجب أن ننظر إليهم تاريخيًا فقط، ونستوعب داخل أنفسنا ما هو جيد، بقدر ما نستطيع".

كنت سعيدًا لسماع غوته يتحدث مطولًا حول موضوع بهذه الأهمية. أجبرتنا أجراس الزلاجات المارة على التوجه إلى النافذة، حيث توقعنا أن يعود الموكب الطويل الذي ذهب إلى بيلفيدير هذا الصباح حول هذا الوقت.

في هذه الأثناء، تابع غوته محادثته المفيدة. تحدثنا عن الكسندر مانزوني. وأخبرني أنَّ الكونت رينهارد رأى مانزوني في باريس من فترة قصيرة، وأخبرني أنه استُقبل استقبالًا جيدًا في المجتمع كمؤلف شاب من المشاهير، وأنه يعيش الآن بسعادة في منزله في حي ميلان، مع عائلته ووالدته.

وواصل "لا يحتاج مانزوني شيئًا سوى أن يعرف كم هو شاعر جيد، وما هي الحقوق التي تخصه. إنه يتمتع بقدر كبير من الاحترام للتاريخ، ولهذا السبب فهو دائمًا يضيف ملاحظات إلى أعماله، ويبين مدى إخلاصه للتفاصيل، ورغم أنَّ حقائقه قد تكون تاريخية، إلا أنَّ شخصياته ليست كذلك. لم يسبق لأي شاعر أن عرف الشخصيات التاريخية التي رسمها - وإذا فعل، فبالكاد سيستطيع أن يستفيد منها، ويجب أن يعرف الشاعر الآثار التي يرغب في إنتاجها، وينظم طبيعة شخصياته تبعًا لذلك، إذا حاولت تقديم إغمونت كما قدمه التاريخ، أب لعشرات الأطفال، فإنَّ عقليته المتفتحة كانت ستبدو سخيفة للغاية. كنت بحاجة إلى أن يكون إيغمونت متناسقًا مع أفعاله الخاصة ورؤاي الشعرية؛ وهذا هو، كما تقول كلارا، إغمونت الخاص بي.

"ما هي فائدة الشعراء إذا ما قاموا بتكرار سجل المؤرخ فقط. يجب أن يحاول الشاعر أكثر من ذلك، ويقدم لنا، إن أمكن، شيئًا أعلى وأفضل. جميع شخصيات سوفوكليس تحمل شيئًا من تلك الروح النبيلة للشاعر العظيم. وهو الشيء ذاته مع شخصيات شكسبير. هذا هو ما يجب أن يكون عليه الأمر. كلَّا، شكسبير يقدم ما هو أكثر، فهو يحول رجاله الرومان إلى إنجليز. وهو محق بفعل ذلك لأنه لو لم يفعلها بتلك الطريقة لما كان شعبه ليفهمه.

تابع غوته، "هنا، مرة أخرى، كان الإغريق عظماء للغاية، لدرجة أنهم كانوا يهتمون بالإخلاص للحقائق التاريخية أقل من تناول الشاعر لهم. ولدينا، لحسن الحظ، مثال جيد في فيلوكتيتيس، وهو الموضوع الذي تمت معالجته بشكل بارع من قبل أعظم ثلاثة شعراء تراجيديا، وتمت معالجته بإتقان بواسطة سوفوكليس. لحسن الحظ أنَّ مسرحية هذا الشاعر الممتازة قد وصلتنا كاملة، بينما تم العثور على مقتطفات فقط من فيلوكتيتيس لأخيل ويوربيدس، رغم أنها كافية لإظهار كيف أنجز العمل. إذا سمح الوقت، فسأستعيد هذه المقتطفات، كما فعلت في فيتون ليوريبيديس؛ وستكون مهمة سارة أو مجدية بالنسبة لي.

"في هذا الموضوع كانت المشكلة بسيطة للغاية، وهي إحضار فيلوكتيتيس، مع قوسه، من جزيرة ليمونس. ولكن طريقة القيام بذلك كانت عمل الشاعر، وهنا يمكن لكل واحد أن يظهر قوة اختراعه، ويمكن للمرء أن يتفوق على آخر. يجب أن يجلبه يوليسيس. ولكن هل سيعرفه فيلوكتيتيس أم لا؟ وإن لم يعرفه، فكيف يتخفى؟ هل يذهب يوليسيس بمفرده أم عليه أن يصطحب أحدًا، ومن سيكون؟ في أخيل، لا يوجد رفيق. في يوربيدس، الرفيق دايوميدس. في سوفوكليس، ابن أخيل. ثم، في أي حال سيجد فيلوكتيتيس؟ هل الجزيرة مأهولة أم لا؟ وإذا كانت مأهولة، فهل سيتعاطف أي من سكانها معه أم لا؟ وأفكار كثيرة أخرى، والتي تعود كلها إلى تقدير الشاعر، ومن خلال اختيار وإغفال واحد منها قد يظهر تفوقه وحكمته. هنا هي النقطة الكبرى، ويجب على شعرائنا الحاليين أن يفعلوا مثل القدماء. لا ينبغي لهم أن يسألوا دائمًا ما إذا كان قد تم استخدام موضوع ما من قبل، وأن يتوجهوا إلى الجنوب والشمال لإيجاد مغامرات لم يسمع بها من قبل، والتي غالبًا ما تكون بربرية بما فيه الكفاية، وتترك الانطباع بأنها حوادث فقط. لكن صنع شيء من موضوع بسيط ومن خلال معالجة بارعة يتطلب ذكاء وموهبة عظيمة، وهذه ما لا نجده عند هؤلاء الشعراء".

بعض الأصوات في الخارج جذبتنا مرة أخرى إلى النافذة؛ لكنه لم يكن الموكب المتوقع من بلفيدير. ضحكنا وتحدثنا عن أمور تافهة، ثم سألت غوته عن مدى تقدم الرواية.

قال، "لم أعمل عليها مؤخرًا، لكن هناك حادثة أخرى يجب أن تحدث في المقدمة. يجب أن يزأر الأسد عندما تمر الأميرة؛ التي قد تصدر عنها بعض الملاحظات الجيدة حول الطبيعة الهائلة لهذا الوحش العظيم".

قلت، "إنها فكرة جيدة جدًا، وبذلك ستحصل على المقدمة التي تبتغيها، والتي لن تكون جيدة وضرورية في مكانها فقط، ولكنها ستعطي تأثيرًا أكبر وفكرة حول ما سيحدث لاحقًا. حتى الآن، بدا الأسد لطيفًا إلى حد ما، حيث لم يُظهر أي أثر للوحشية؛ ولكن من خلال الزئير على الأقل سيجعلنا نشك في مدى وحشيته، وسيزداد التأثير عندما يتبع برفق ناي الصبي.

قال غوته، "هذا نمط جيد من التغيير والتحسين، حيث من خلال استمرار الاختراع سيتحول التزعزع إلى كمال، وذلك ما يتوجب فعله. لكن إعادة صنع وتغيير ما اكتمل بالفعل - على سبيل المثال، كما فعل والتر سكوت بعملي '' ميجنون '' وجعله سيئًا وغبيًا - هذا النمط من التغيير لا أستطيع أن أتحمله".

مساء الخميس، 1 فبراير، 1827.

أخبرني غوته عن زيارة ولي عهد بروسيا والدوق الأكبر له. قال، "كان في ضيفاتي الأمراء تشارلز وويليام من بروسيا أيضًا هذا الصباح. بقي الأميران والدوق الأكبر ما يقرب من ثلاث ساعات، وتحدثنا عن أشياء كثيرة، ومن خلالها كونت رأيًا كبيرًا حول ذكاء وذائقة ومعرفة وطريقة تفكير هؤلاء الأمراء الشباب".

كان أمام غوته مجلد "نظرية الألوان"، وقال، "لا زلت أدين لك بإجابة لظاهرة الظلال الملونة؛ لكن بما أنَّ هذا يستلزم الكثير، ومرتبط بأشياء أخرى، فلذلك لن استطيع إعطاءك تفسيرًا منفصلًا، بل أعتقد أنه سيكون من الأفضل أن نقرأ كل "نظرية الألوان" معًا عندما نلتقي في المساء. هذا موضوع جيد للتحاور؛ وستستطيع فهم النظرية وتكوين رأيك الخاص، وستندهش من توصلك إليه. ما تعلمته سيبدأ في التبلور والإنتاجية داخلك؛ ومن ثم أتوقع أنك ستتملكها بشكل كامل في وقت قريب، والآن اقرأ القسم الأول".

بهذه الكلمات وضع غوته الكتاب المفتوح أمامي. شعرت بسعادة غامرة بسبب نواياه الطيبة تجاهي. قرأت الفقرة الأولى حول الألوان الفسيولوجية".

قال غوته، "ليس هناك شيء يحيط بنا ليس داخلنا بالفعل، والعين مثل العالم الخارجي، لها ألوانها. بما أنَّ النقطة العظيمة في هذا العلم هي الفصل المتفق عليه بين الموضوع والذات، فقد بدأت بشكل صحيح مع الألوان التي تنتمي للعين، بحيث يمكننا أن نميز بدقة في كل تصوراتنا ما إذا كان اللون موجودًا في محيطنا أو داخلنا، أو ما إذا كان فقط لونًا يبدو أنَّ العين أنتجته. أعتقد أنني قد بدأت في النهاية الصحيحة، من خلال التخلص من العضو أولًا عن طريق فحص كل تصوراتنا وملاحظاتنا.

قرأت تلك الفقرات المثيرة للاهتمام التي تذكر أنَّ العين تحتاج إلى التغيير، حيث أنها لا تمعن النظر تلقائيًا أبدًا على لون واحد، ولكنها تحتاج دائمًا إلى لون أخر، وهذا هو ما ينتج الألوان نفسها.

هذه الملاحظة قادت حديثنا لقانون عظيم يسود في كل الطبيعة، والذي تعتمد عليه كل الحياة وكل مباهجها. قال غوته، "هذا هو الحال مع كل حواسنا الأخرى، وأيضًا مع طبيعتنا الروحية العليا. ولأن العين هي حاسة بارزة، فإن قانون التغيير المطلوب هذا ملفت للنظر بشكل خاص فيما يتعلق بالألوان.

قلت،"يبدو أن القانون نفسه يكمن في تأسيس أسلوب جيد، حيث نتجنب الصوت الذي سمعناه للتو. حتى على المسرح يمكن عمل الكثير بهذا القانون، إذا تم تطبيقه بشكل جيد. المسرحيات، وخاصة المأساوية، التي تسودها نبرة موحدة دون تغيير، دائمًا ما تكون مضجرة. وإذا عزفت الأوركسترا موسيقى حزينة كئيبة أثناء المقدمة، فإننا نتعرض للتعذيب بطريقة غير محتملة، وسنحاول الهرب من مشاهدتها بكل الوسائل الممكنة".

قال غوته، "ربما، المشاهد الحية التي أدخلت إلى مسرحيات شكسبير ترتكز على "قانون التغيير المطلوب "، لكن لا يبدو أنه ينطبق على المسرحيات المأساوية التي كتبها الأغريق، حيث، على العكس، هناك نبرة رئيسية خلال العمل بأكمله".

قلت، "المأسي الإغريقية ليست طويلة جدًا ولذلك فتلك النبرة ليست مضجرة فيها. ثم هناك تبادل للجوقة والحوار؛ والحس السامي فيها لا يمكن أن يصبح مرهِقًا، بما أن هناك حقيقة أصيلة فيه، وهي دائمًا ذات طبيعة مبهجة، تكمن دائمًا في جوهر العمل".

قال غوته، "قد تكون على حق، وربما علينا أن نتفحص بعض الأعمال المأساوية الإغريقية التي يمكن أن تخضع لـ "قانون التغيير المطلوب". أترى كيف ترتبط كل الأشياء ببعضها البعض، وكيف يمكن لقانون يحترم نظرية الألوان أن يستخدم في تحليل مأساة الإغريق. يجب علينا فقط أن نحرص على عدم دفع مثل هذا القانون إلى أبعد من اللازم. وسيكون من الأفضل لو قمنا بتطبيقه فقط عن طريق المماثلة".

تحدثنا عن الطريقة التي عمل بها غوته في نظريته عن الألوان، مستنتجًا الكل من القوانين الأساسية العظيمة، والإشارة إليها دائمًا بوصفها الظاهرة الفردية؛ ومن خلال هذه الطريقة، جعلها مفهومة للغاية ومُجهزة للعقل.

قال غوته، "قد يكون هذا هو الحال، ويمكنك أن تمدحني بهذا الشأن، ولكن، ومع ذلك، فإن هذه الطريقة تتطلب طلابًا لا يعيشون في حالة تشتت ذهني، وقادرون على تناول هذه المسألة. تقاطع بعض الأشخاص الأذكياء للغاية مع نظريتي عن الألوان، لكن للأسف، لم يلتزموا بالطريق المستقيم، وقبل أن أدرك الأمر كانوا قد انحرفوا جانبًا، واتبعوا فكرة بدلًا من إبقاء أعينهم ثابتة بشكل صحيح على الموضوع. يمكن للعقل الجيد أن يقوم بمنجزات عظيمة عندما يبحث عن الحقيقة".

تحدثنا عن الأساتذة الذين، بعد أن وجدوا نظرية أفضل، ما زالوا يتحدثون عن نيوتن. وقال غوته "هذا ليس أمرًا مستغربًا، هؤلاء الناس يستمرون في الخطأ لأنهم مدينون له بوجودهم. عليهم أن يتعلموا كل شيء مجددًا، وهذا غير مريح للغاية." قلت، "لكن كيف يمكن لتجاربهم أن تثبت الحقيقة عندما يكون أساس مذهبهم باطلاً؟" قال غوته، "إنهم لا يثبتون الحقيقة، وليس هذا غرضهم؛ النقطة الوحيدة مع هؤلاء الأساتذة، هي محاولة إثبات وجهة نظرهم. وبهذا الصدد، فهم يخفون كل هذه التجارب التي تكشف الحقيقة، ويظهرون آراءهم. ومن ثم، فيما يتعلق بالأكاديميين- لمَ يهتمون بالحقيقة؟ إنهم مثل البقية راضون تمامًا إذا تمكنوا من التقصي عن الموضوع تجريبيًا؛ - هذا هو الأمر برمته. الرجال جميعهم ذوو طبيعة غريبة، بمجرد أن تتجمد البحيرة، يتدفقون عليها بالمئات، ويستمتعون على سطحها الأملس؛ ولكن لا يفكر أي منهم في التساؤل عن مدى عمق تلك البحيرة، وما نوع الأسماك الذي تسبح تحت ذلك السطح الأملس؟ اكتشف نيبور للتو معاهدة تجارية قديمة جدًا بين روما وقرطاج، والتي يبدو من خلالها أن كل تاريخ ليفي الذي يحترم الحالة المتأخرة للشعب الروماني هو مجرد حكاية، وأن روما في فترة مبكرة جدًا كانت مدينة متقدمة جدًا وأكثر تقدمًا من ليفي؛ ولكن إذا كنت تتخيل أن هذه المعاهدة ستحدث إصلاحًا كبيرًا في طريقة تدريس التاريخ الروماني، فأنت مخطئ. فكر في البحيرة المتجمدة. تعلمت أن أعرف الجنس البشري، هكذا هو، وليس خلاف ذلك ".

قلت، "ومع ذلك لا يمكنك أن تندم على كتابة نظريتك للألوان، حيث أنك لم تضع فقط أساسًا صلبًا لهذا العلم الممتاز، ولكنك أنتجت نموذجًا للمعالجة العلمية، والذي يمكن اتباعه دائمًا في علاج المواضيع المماثلة ".

قال غوته، "أنا لست نادمًا على الإطلاق، على الرغم من أني أنفقت نصف حياتي في معالجة الموضوع. كان بإمكاني أن أكتب ستة أعمال مأساوية بدلًا عن ذلك، لكن هذا كل ما يهم، وسيأتي أناس بعدي لتطوير الموضوع. على كل حال، اعتقد أنك على حق، معالجة الموضوع جيدة، وتتبع نهجًا علميًا. بنفس الطريقة كتبت أيضًا نظرية موسيقية، واستند تحليلي للنباتات إلى نفس طريقة الملاحظة والاستنتاج".

"تحليلي للنباتات كان فردانيًا جدًا. توصلت إليه كما توصل هيرشل لاكتشافاته. كان هيرشل فقيرًا لدرجة أنه لم يستطع شراء تلسكوب، لكنه اضطر إلى صنع تلسكوب لنفسه. ومن حظه أن التلسكوب محلي الصنع كان أفضل من أي تلسكوب آخر، ومن خلاله توصل إلى اكتشافاته العظيمة. جئت إلى علم النبات من خلال الطريق التجريبي. أنا الآن أعرف جيدًا بما فيه الكفاية، أنه فيما يتعلق بتكوين الجنسين، تطورت النظرية في تفاصيلها حتى الآن لدرجة أنني لم أمتلك الشجاعة لفهمها. هذا دفعني لمواصلة الموضوع بطريقتي الخاصة، وإيجاد ما هو شائع في جميع النباتات دون تمييز، وبالتالي اكتشفت قانون التحول.

"إن مواصلة البحث عن مزيد من التفاصيل ليس غرضي؛ فأنا أترك هذا الأمر لأساتذتي في هذه المسألة. كان قلقي الوحيد هو تقليل الظاهرة إلى قانون أساسي عام.

"اهتممت بعلم المعادن لسببين فقط. الأول، كنت أقدر فائدته العملية العظيمة، ثم فكرت في كتابة وثيقة توضح التكوين الأولي للعالم، والتي استندت في كتابتها على أعمال فيرنر. وبما أن هذا العلم قد انقلب رأسًا على عقب بوفاة هذا الرجل الممتاز، فإنني لن أمضي قدمًا فيه، ولكنني سأبقي على قناعاتي الخاصة بهدوء".

"في نظرية الألوان، أعمل على تطوير تشكيل قوس قزح. هذه مشكلة صعبة للغاية، ومع ذلك، آمل أن أحلها. وبهذا الصدد يسعدني أن أناقش نظرية الألوان مرة أخرى معك، حيث أنها تصبح جديدة تمامًا مرة أخرى خاصةً مع اهتمامك بالموضوع.

تابع غوته، "لقد تبحرت في كل قسم من العلوم الطبيعية تقريبًا؛ لكن، مع ذلك، كانت نزعاتي تنحصر دائمًا في أشياء من حولي، ويمكن فهمها على الفور من خلال الحواس. ولهذا السبب لم أشغل نفسي أبدا بعلم الفلك، لأن الحواس هنا ليست كافية، ويجب على المرء أن يلجأ إلى الأدوات والحسابات والميكانيكا، التي تتطلب حياة كاملة، ولم تكن في حقل اهتمامي.

"إن كل شيء فعلته فيما يتعلق بالموضوعات التي ظهرت في طريقي، فقد كان يرجع لميزة أن حياتي كانت في وقت أكثر ثراءً بالاكتشافات الطبيعية الرائعة من أي وقت آخر. عندما كنت طفلًا، أصبحت على دراية باكتشاف فرانكلين الحديث للكهرباء. وخلال حياتي كلها، وصولًا إلى الساعة الحالية، هناك اكتشاف كبير يتبعه اكتشاف آخر، بحيث كنت مهتمًا بالطبيعة في سنوات حياتي الأولى، وظل اهتمامي بها يتنامى منذ ذلك الحين.

"إن التقدم الذي لم أكن أتوقعه يتم الآن على مسارات قمت بفتحها، وأشعر وكأنني شخص يمشي نحو الفجر الصباحي، وعندما تشرق الشمس، يندهش من روعته".

من بين الألمان، ذكر غوته بعض الأسماء بإعجاب ككاروس، ودولتون، وماير من كونيجسبرغ.

تابع غوته، "سأكون راضيًا إذا لم يقم الناس مرة أخرى بإفساد الحقيقة أو حجبها عند اكتشافها؛ تحتاج البشرية لشيء إيجابيٍ يتم تسليمه من جيل إلى جيل، وسيكون جيدًا إذا كان الشيء الإيجابي واقعيًا أيضًا. وبهذا الصدد، سأكون سعيدًا إذا توصل الناس إلى فهم واضح للعلوم الطبيعية، ومن ثم تقيدوا بالحقيقة، ولم يتراجعوا مرة أخرى بعد أن تم كل شيء في المنطقة المفهومة. لكن البشر لا يمكن أن يعيشوا في سلام، ويحدث الارتباك دائمًا قبل أن يدرك المرء ذلك.

"ها هم الآن يمزقون الكتب الخمسة لموسى، وإذا كان النقد مدمرًا لأي عمل فهو أشد ضررًا عندما يتعلق الأمر بالمسائل الدينية. هنا كل شيء يعتمد على الإيمان، الذي لا يمكننا العودة إليه عندما نفقده.

"في الشعر، لا يكون النقد المهين مضرًا. نقد وولف هوميروس، لكنه لم يستطع أن يؤذي القصيدة. لأن هذه القصيدة لها قوة خارقة مثل أبطال الوهالا، الذين يمزقون بعضهم البعض في الصباح، ويجلسون لتناول العشاء معًا عند الظهيرة".

كان غوته فكاهيًا للغاية، وسررت أن أسمعه يتحدث مرة أخرى حول مواضيع مهمة كهذه. قال، "سنحافظ على الطريق الصحيح بهدوء، ودع الآخرين يسيرون كما يشاؤون، فهذه هي أفضل خطة في النهاية".


================
محادثات مع غوته
تأليف: يوهان بيتر إيكرمان
ترجمة من الألمانية للإنجليزية: جون اوكسنفورد
ترجمة من الإنجليزية: سماح جعفر

تقوم «القرية الإلكترونية» بتكليف من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، بترجمة يوميات من حياة "جوته"، المعنونة بـــ «محادثات مع غوته»، من تأليف: «يوهان بيتر إيكرمان*»، وهي عبارة عن يوميّات كتبها "إيكرمان" عن السنوات الأخيرة من حياة شاعر ألمانيا الكبير «غوته Goethe»، وتمت ترجمتها من الألمانية للإنجليزية بواسطة «جون أوكسنفورد»، وترجمها من الإنجليزية إلى العربية: «طارق زياد شعار»، وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في الصفحة نأمل أن تحوز إعجابكم.
*«يوهان بيتر إيكرمان» Johann Peter Eckermann 1792-1854: عمل كأمين خاص لجوته في الفترة الأخيرة من حياة الأخير. وسرعان ما أصبح كتابه محادثات مع غوته، ذو شعبية تخطت الحدود الألمانية، ولعب دوراً مهما في إحياء الاهتمام والتقدير لأعمال جوته في وقت لاحق.

Photo
Add a comment...

Post has attachment
#محمد_أحمد_السويدي_ترجمة_محادثات_مع_غوته
محادثات غوته | الجزء الثاني عشر

الأربعاء، 3 يناير 1827

على العشاء، تحدثنا عن خطاب كاننغ الممتاز حول البرتغال. قال غوته: "بعض الناس لا يفضلون هذا الخطاب؛ لكن هؤلاء لا يعرفون ما يريدون - لديهم رغبة مخيبة في أن يكونوا ثائرين ضد كل ما هو عظيم. لا يعد ذلك معارضة، بل مجرد" ثورة" بسيطة؛ لا بد أنَّ لديهم شيئًا عظيمًا يريدون أن يكرهوه. عندما كان نابليون على قيد الحياة كانوا يكرهونه، وقد كان يناسبهم ذلك، وعندما انتهى كل شيء، كانوا يتذمرون من "الثورة" في التحالف المقدس(1)، ومع ذلك لا يعد أي شيء أكبر أو أكثر نفعًا للبشرية مبتدعًا، والآن حان دور كاننغ، فخطابه حول البرتغال جاء نتاج وعي كبير. إنه يفهم جيدًا مدى قوته وجلالة منصبه؛ ولديه الحق في التحدث بالطريقة التي يريدها. هذا أمر لا يستطيع بعض الناس فهمه؛ فما يبدو لنا عظيمًا، يبدو لهم فظًا. العظمة تزعجهم؛ فهم ليسوا مُعدَّين بعد لاحترامها، ولا يستطيعون تحملها".

مساء الخميس، 4 يناير 1827

أشاد غوته كثيرًا بقصيدة فيكتور هوغو، قال غوته، "إنه رجلٌ ذو موهبة، وقد أثر عليه الأدب الألماني. ولكن ومع الأسف تأثرت فتوته الشعرية بحذلقة المدرسة الكلاسيكية؛ ولكنه الآن يملك دعم مجلة "غلوب" إلى جانبه، وقد أصبح متمكنًا من لعبته أكثر. أنا أميل إلى مقارنته مع ألساندرو مانزوني. إنه يهتم بالمواضيع أكثر، ويبدو لي بأهمية ألفونس دي لامارتين وآن دي لا فين. من خلال مراقبته بشكل حثيث، لاحظت هذا الأمر ولاحظت موهبته اليانعة التي تأتي من نفس المصدر. كلهم متأثرون بالفيكونت دوشاتوبريان الذي يملك حقًا موهبة في البلاغة الشعرية. ولتتحقق من صدق موهبته اقرأ القصيدة التي كتبها حول نابليون- Les Deux Isles".

أعطاني غوته الكتاب وتوجه نحو الموقد. قرأت القصيدة. قال غوته: "ألم يتقن الصور؟ ألم ينجح في تناول موضوعه بحرية كبيرة؟"، عاد غوته نحوي. "انظر فقط إلى هذا المقطع - أليس جيدًا!" قرأ المقطع حول سحابة العاصفة، التي يندفع منها البرق إلى الأعلى ويضرب البطل. "هذا جيد لأنَّ الصورة صائبة: كما ستجد في الجبال، حيث عادة تكون العاصفة تحتنا، وحيث يضيء البرق نحو الأعلى".

قلت، "أنا أثني على الفرنسيين لأنَّ شعرهم لا يستحضر أبدًا الأرض الصلدة للواقع. يمكننا ترجمة قصائدهم إلى نثر، دون فقدان أي شيء أساسي".

يقول غوته، "هذا لأنَّ الشعراء الفرنسيين لديهم معرفة، في حين أنَّ شعرائنا الألمان البسطاء يظنون أنهم سيفقدون موهبتهم إذا عملوا من أجل المعرفة، على الرغم من أنه، في الواقع، يجب أن تستمد جميع المواهب غذاءها من المعرفة، وبالتالي يتم تمكينها لاستخدام قوتها. لكن دعهم يمرون؛ لا يمكننا مساعدتهم، وستجد الموهبة الحقيقية طريقها. لا يملك الكثير من الشعراء الشباب الذين ينقلون الآن تجارتهم موهبة حقيقية. يظهرون فقط عجزًا متحمسًا في إنتاجية الدولة العالية للأدب الألماني.

تابع غوته،"تحول الفرنسيون من الأسلوب المتحذلق إلى أسلوب أكثر حرية ليس أمرًا مفاجئًا. حتى قبل الثورة، سعى ديدرو وعقول مثله إلى فتح هذا الطريق. كما إنَّ تهافت الأساليب القديمة وحكم نابليون كانا مؤاتيين لتحقيق الأمر؛ لأنه إذا لم تسمح سنوات الحرب بأي اهتمام شعري حقيقي تصبح اللحظة غير مؤاتية للحصول على إلهام. تشكلت العديد من العقول الحرة في تلك الفترة، والذين صاروا في أوقات السلام التي نعيشها الآن مفكرون متميزون ومواهب ذات أهمية".

سألت غوته ما إذا كان الكلاسيكيون قد عارضوا بيرنغر العظيم. قال غوته: "إنَّ شعر بيرنغر قديمٌ وتقليدي، وقد اعتاد الناس على ذلك، إلا أنه كان في كثير من النواحي أكثر حرية من أسلافه، وبالتالي فقد تعرض لهجوم من قبل الكلاسيكيين المتحذلقين".

تحولت المحادثة إلى الرسم، وإلى إخفاق مدرسة تقديس العصور القديمة. قال غوته، "أنت لا تتظاهر بأنك متذوق، لكنني سأريك صورة، على الرغم من أنَّ من رسمها هو أحد أفضل الفنانين الألمان الأحياء، فسوف تلاحظ للوهلة الأولى المخالفات الصارخة للقوانين الأساسية للفن، سترى أنَّ التفاصيل منفذة بشكل جيد، ولكنك لن تكون راضيًا عن الشكل الكلي، ولن تعرف ماذا تفعل بها؛ وهذا ليس لأنَّ الرسام ليس لديه موهبة كافية، بل لأنَّ عقله، الذي كان يجب أن يوجه موهبته، أصبح مظلمًا، مثله مثل كل المتعصبين الآخرين في العصور القديمة؛ ولذلك يتجاهل السادة المثاليين، ويعود إلى أسلافهم غير المثاليين، ويستخدم أعمالهم لتحقيق أنماطه.

"اخترق رافاييل ومعاصروه الطبيعة والحرية بطريقة مميزة. والآن، بدلًا من أن يكون فنانونا شاكرين ويستخدموا هذه المزايا ويواصلوا السير على الطريق الصحيح، يعودون إلى حالة التقييد".

هذا أمر سيء للغاية، ومن الصعب فهم مثل هذا التعتيم في التفكير. وبما أنهم لا يجدون في هذا المضمار أي دعم في الفن نفسه، فإنهم يسعون إلى الحصول على مثل هذا الدعم من ميولهم الدينية والمعاونيين، فبدون هذين المسارين لن يتمكنوا من إعالة أنفسهم في ضعفهم.

تابع غوته، "هناك بنوة وأبوة خلال تاريخ الفن كله، فإذا رأيت سيدًا عظيمًا، ستجد دائمًا أنه استخدم ما كان جيدًا في أسلافه، وهذا ما جعله رائعًا. رجال مثل رافاييل لا ينطلقون من الأرض، فقد اتخذوا إلهامهم من التحف، ومن أفضل ما تم إنجازه قبلهم، لو لم يستخدموا مزايا وقتهم، فلن يكون هناك الكثير لقوله عنهم ".

تحولت المحادثة الآن إلى الشعر الألماني القديم: وذكرتُ فليمنغ. قال غوته: "فليمنغ موهبة متواضعة جدًا، نثرية ووطنية إلى حد ما، ولا يمكن استخدام أعماله في الوقت الحاضر. إنه أمر غريب، رغم كل ما قمت به، لا تناسب أي واحدة من قصائدي كتاب الترتيلة اللوثرية". ضحكت ووافقت، بينما قلت لنفسي إنه في هذا التعبير الغريب، كان هناك أكثر مما يمكن رؤيته من النظرة الأولى.

مساء الأحد 12 يناير 1827

وجدت حفلة موسيقية في منزل غوته. كان الفنانون من عائلة إبروين، وبعض أعضاء الأوركسترا. وكان من بين القلة من المستمعين كلٌ من المراقب العام روهر، و هوفراث فوغل، وبعض السيدات. كان غوته يرغب في سماع رباعية كتبها مؤلف شاب موسيقي شهير، وقد تم عزفها أولاً. عزف كارل إبروين، وهو صبي يبلغ من العمر اثني عشر عامًا، على البيانوبطريقة أرضت غوته بشكل كبير، وبشكل مثير للإعجاب، بحيث كان أداء الرباعية مثاليًا من جميع النواحي.

يقول غوته، "إنه لأمر غريب أنَّ أحدث التحسينات التقنية والمكانيكية التي أدخلت على الفن كانت السبب في ظهور أحدث مؤلفينا الموسيقيين. لم تعد منتجاتهم موسيقية، بل تجاوزت مستوى المشاعر الإنسانية، لا يمكن للمرء أن يقدم لهم أي ردٍ من العقل والقلب. كيف تشعر؟ أسمع بأذني فقط".

أجبته أنني أوافقه الرأي. قال، "ومع ذلك، فقد كانت لإليغرو شخصيته الخاصة؛ ذلك الدوران والدوامة المستمران استحضرا في ذهني رقص السحرة على قمة الجبل، وهكذا كان لدي صورة لاستيضاح هذه الموسيقى الغريبة".

طلب غوته من مدام إبروين أن تغني بعض الأغاني، بعد توقف قصير ليتناول الضيوف المرطبات المرطبات. غنت الأغنية الجميلة، "في منتصف الليل"، بموسيقى زيلتر، والتي تركت انطباعًا عميقًا لدي الجميع.

قال غوته، "هذه الأغنية، لا تزال جميلة، ولو سمعتها ألف مرة! هناك شيء أبدي، غير قابل للتدمير، في اللحن!"

عندما غنت "ملك العفاريت"، وهي قصيدة كتبها غوته في عام 1782، عم التصفيق الأرجاء، والنغم "Ich hab gesagt der guten Mutter"، جعل الكل يلاحظون أنَّ الموسيقى تناسب الكلمات بخفة، بحيث لا يمكن لأحد حتى أن يتصورها بطريقة أخرى. كان غوته نفسه سعيدًا للغاية.

وفي ختام هذه الليلة المبهجة، غنت مدام إبروين، بناءً على طلب غوته، بعض الأغاني من كتابه "ديوان"، بينما زوجها يعزف، المقطع الذي يقول "أريد استعارة سحر يوسف" سّر غوته بشكل خاص. وقال، "في بعض الأحيان يتفوق إبروين على نفسه". ثم طلب أغنية "أوه، حول الأجنحة الرطبة"، والتي كانت أيضا من نوع الذي يثير المشاعر العميقة.

بعد أن غادر الباقون، بقيت لحظات مع غوته. قال، ''جعلتني هذه الأمسية أفكر أنَّ هذه الأغاني من كتابي 'ديوان' لم تعد لها أي صلة بي. لم تعد كل تلك العناصر الشرقية والمتحمسة تعيش في داخلي. لقد تركتهم ورائي مثل جلد ثعبان، لكن أغنية "في منتصف الليل"، على العكس من ذلك لم تفقد صلاتها بي، وظلت جزءًا حيًا مني، وما زالت تعيش معي.

في كثير من الأحيان، يبدو إنتاجي الخاص غريبًا بالنسبة لي، واليوم مثلًا، قرأت مقطعًا بالفرنسية، وفكرت بينما أقرأ - "هذا الرجل يتحدث بمهارة كافية - وما كان المرء ليقوله بطريقة أخرى"، عندما نظرت إلى المقطع عن كثب، وجدت أنه مقطع مترجم من كتاباتي الخاصة! "

مساء الاثنين 15 يناير 1827

بعد الانتهاء من "هيلينا"، شرع غوته خلال الصيف الماضي في تكملة "سنوات الهجرة". وكثيرًا ما تحدث معي عن تقدم هذا العمل.

قال لي في أحد الأيام: "لكي أستخدم المواد التي أمتلكها بشكل أفضل، فقد قسمت الجزء الأول بالكامل إلى قطع، وعزمت على مزج الأشياء القديمة بالأشياء الجديدة، لكي أصنع جزأين جديدين. لقد أمرت بأن تتم طباعة كل شيء ليتم نسخه لاحقًا بالكامل. أقوم عادة بوضع علامة على الأماكن التي أريد إضافة موضوع جديد إليها، وعندما تراجع سكرتيرتي تلك العلامات، أملي عليها ما أود فعله، وبالتالي أجبر نفسي على عدم السماح لعملي بالتوقف".

في يوم آخر قال لي: "لقد تم الآن نسخ جميع الأجزاء المطبوعة من" سنوات الهجرة" بالكامل، حيث هناك ورق أزرق وضعته كعلامة في الأماكن التي أقوم فيها بتقديم مواد جديدة، بحيث يكون دائمًا أمام عيني ما لم ينجز بشكل كامل بعد، ولكن مع تقدم العمل تبدأ الأوراق الزرقاء تدريجيًا وذلك يجلب إليّ فرحة كبيرة".

قبل بضعة أسابيع، سمعت من سكرتيرته أنه يعمل على رواية جديدة، لذا امتنعت عن القيام بزياراتي المسائية، وشعرت بالرضا لرؤيته مرة واحدة في الأسبوع على العشاء. انتهى غوته من الرواية منذ بعض الوقت، وأطلعني هذا المساء على الأوراق الأولى. شعرت بالسعادة، وقرأت حتى وصلت للفقرة الهامة حيث يقف الجميع حول النمر الميت، ويحضر الرسول الأخبار التي تفيد بأنَّ الأسد قد استلقى تحت الشمس بجانب الأنقاض.

أثناء القراءة، لم أستطع سوى الإعجاب بالوضوح الاستثنائي الذي جُلبت به كل الأشياء، بما في ذلك النقاط الدقيقة، أمام العينين.

كان الخروج للصيد، والأطلال القديمة للقلعة، والمعرض، والطريق عبر الحقول إلى الأنقاض، مرسومة بشكل واضح، بحيث لا يمكن للمرء أن يتصورها بخلاف الشاعر المقصود. في الوقت نفسه، تمت كتابة كل شيء بالحماس وتمكن من الموضوع، بحيث لا يمكن لأحد أن يتوقع ما هو قادم، أو رؤية ما هو أبعد من السطر الذي أمامه.

قلت، "لا بد أنك عملت بخطة محددة للغاية". أجاب غوته، "نعم، في الواقع كنت أريد العمل على هذا الموضوع منذ ثلاثين عامًا، وظللت أفكر فيه باستمرار منذ ذلك الحين. استمر العمل بشكل غريب بما فيه الكفاية. في ذلك الوقت، مباشرة بعد كتابي "هيرمان ودوروثيا"، أردت معالجة الموضع بشكل ملحمي، ووضعت مخططًا كاملًا بالمشاهد. لكن عندما بدأت في التفكير في كتابة الموضوع في الوقت الحالي لم أستطع أن أجد مخططي القديم، واضطررت إلى كتابة مخطط جديد، وقد كان مناسبًا للنموذج الذي تم تعديله، والذي كنت أعتزم تقديمه. والآن بعد أن انتهى عملي، عثرت على المخطط القديم مرة أخرى، لكنني سعيد أنني لم أعثر عليه في وقت سابق؛ لأنَّ ذلك كان سيربكني فقط. الأحداث وتطور العمل لم تكن مختلفة في الواقع، لكن التفاصيل كانت مختلفة تمامًا؛ فقد تم تصميمها بهدف المعالجة الملحمية، وبالتالي لن تكون قابلة للتطبيق على هذا النموذج النثرى".

تحولت المحادثة لتتناول المحتويات. قلت، "كان المشهد جميلًا، حيث يقف أونوريو قبالة الأميرة وينحني على النمر الميت، ومن ثم تأتي المرأة الباكية مع صبيها، والأمير يأتي مع حاشيته من الصيادين، ويسرع لينضم إلى هذه المجموعة؛ هذا يشكل صورة ممتازة، وأود أن أراها مرسومة".

قال غوته، "نعم، ستكون صورة جيدة. ومع ذلك، ربما، هذا الموضوع يكاد يكون غنيًا جدًا، والشخصيات كثيرة جدًا، بحيث يكون من الصعب جدًا على الفنان تجميعها، وتوزيع الضوء والظل.

تلك اللحظة السابقة، حيث ينحني أونوريو على النمر، وتقف الأميرة قبالته على ظهر حصان، لقد تصورتها كصورة، ويمكن القيام بذلك".

شعرت أنَّ غوته كان على حق، وأضاف أنَّ هذه اللحظة كانت تتضمن في الواقع جوهر الموقف برمته.

لاحظت أيضًا أنَّ هذه الرواية لها طابع مميز تمامًا عن تلك الخاصة بـ "سنوات الهجرة"، نظرًا لأنَّ كل شيء يمثل العالم الخارجي - فكل شيء كان حقيقيًا.

قال غوته: "صحيح، سوف تجد فيه بالكاد أي شيء من العالم الداخلي، وفي كتاباتي الأخرى هناك الكثير من الأشياء الداخلية تقريباً".

قلت، "أنا الآن أشعر بالفضول لأعرف كيف سيهزم الأسد؛ أظن أنَّ هذا سيحدث بطريقة مختلفة تمامًا، لا أستطيع أن أتصور كيف سيحدث ذلك". قال غوته، "لن يكون من المناسب لك أن تخمن، ولن أكشف السر اليوم. مساء يوم الخميس سأعطيك النتيجة، حتى ذلك الحين، فليرقد الأسد في الشمس ".

تحولت المحادثة إلى الجزء الثاني من "فاوست"، وخاصة ليلة الفالورجية الكلاسيكية، التي كانت موجودة حتى الآن فقط كرسومات تخطيطية، والتي أخبرني غوته أنه كان يعتزم طباعتها بهذا الشكل. كنت أنوي نصحه بأن لا يفعل ذلك؛ لأنني فكرت أنه لو تم طبعها، فسيتم تركها دائمًا في هذه الحالة غير المنتهية، لا بد أن غوته فكر في الأمر مرة أخرى، لأنه أخبرني الآن أنه قد قرر عدم طباعة الرسم التخطيطي.

قلت، "أنا مسرور جدا بذلك؛ وأتمنى أن أراك تكملها في وقت قريب".

وقال: "يمكن أن يتم ذلك في غضون ثلاثة أشهر، ولكن متى سأحصل على الوقت لذلك؟" لدي الكثير لأفعله خلال اليوم ومن الصعب عزل نفسي بشكل كافٍ. هذا الصباح، كان في ضيافتي وريث الدوق الأكبر؛ وغدًا، خلال ظهيرة ستزورني الدوقة الكبرى. يجب أن أتعامل مع مثل هذه الزيارات كنعم رفيعة؛ فهي تزين حياتي، لكنها تشغل عقلي. أجد نفسي مضطًرا للتفكير في ما لديّ من جديد لتقديمه لشخصيات كريمة كهذه، وكيف يمكنني أن أستضيفهم بطريقة ممتعة".

قلت، "ومع ذلك، فقد انتهيت من ‘هيلينا‘ في الشتاء الماضي ولم تكن أقل اضطرابًا من الآن". أجاب، "لماذا يستمر المرء، ولماذا يجب أن يستمر؛ لكن الأمر صعب".

قلت، "على كل حال فمخطّطك معدٌ بالكامل". قال غوته "المخطط اكتمل بالفعل، لكن الجزء الأصعب ما زال يتعين القيام به. وفي تنفيذ الأجزاء، كل شيء يعتمد كثيرًا على الحظ. يجب أن تكون ليلة البورجيس الكلاسيكية مكتوبة بقافية، ومع ذلك يجب أن يكون البناء ذا طابع عتيق بالكامل. ليس من السهل العثور على نوع مناسب من الآبيات؛ - ومن ثم الحوار!"

قلت، "أليس هذا مدرجًا أيضًا في الخطة؟" أجاب غوته: "ما أريده موجود، ولكن كيف أريد تنفيذه هو ما أريد معرفته. بعد ذلك، فكر بما يمكن أن يقال في تلك الليلة المجنونة! خطاب فاوست إلى بروسربينا، عندما يستعطفها لتمنحه هيلاينا - إنه خطاب عظيم ذلك الذي دفع بروسربينا نفسها إلى البكاء! كل هذا ليس سهلًا، ولكنه لا يعتمد كثيرًا على الحظ الجيد، بل يعتمد تمامًا على المزاج والقوة في اللحظة الراهنة".

الأربعاء 17 يناير 1827

في الآونة الأخيرة، وخلال فترات التوجس العرضي التي تمر بغوته، كنا نتناول الطعام في غرفة العمل، التي تطل على الحديقة. اليوم، تم وضع الطعام مجددًا في ما يسمى غرفة أوربينو، والتي نظرت إليها باعتبارها فأل خير. عندما دخلت، وجدت غوته وابنه: كلاهما رحب بي بطريقة ساذجة. كان غوته في مزاج سعيد للغاية، كما رأيت من خلال تعابير وجهه.

من خلال الباب المفتوح للغرفة المجاورة، رأيت الأستاذ فون مولر ينحني على لوحة كبيرة. وسرعان ما دخل إلى حيث كنا نجلس، كان من دواعي سروري أن أرحب به كرفيق لطيف على الطاولة. كانت فراو فون غوته لا تزال غائبة، لكننا جلسنا إلى الطاولة بدونها. تحدثنا عن اللوحة بإعجاب، وقال غوته إنه عملٌ من الباريسي الشهير غيرارد، أرسله في الآونة الأخيرة كهدية. "اذهب والقِ نظرة سريعة قبل أن يحضروا الحساء".

تابعت أمنيتيه ورغبتي، وسرّني رؤية العمل الجدير بالإعجاب وإهداء الفنان، الذي كرسه لغوته كدليل على تقديره. لم أستطع النظر مطولًا إلى اللوحة فقد وصلت فراو فون غوته، وسارعت إلى مكاني.

قال غوته: "أليس هذا عملًا عظيمًا. قد تدرسه أيامًا وأسابيعَ قبل أن تتمكن من اكتشاف كل أفكاره وتطلعاته الغنية".

كنا نتحدث بحيوية على الطاولة. أحضر المستشار رسالة من رجل مهم في باريس، كان يشغل منصب سفير هنا في وقت الاحتلال الفرنسي، وقد ظل على تواصل ودي مع الناس في فايمار منذ ذلك الحين. ذكر الدوق الكبير وغوته، وهنأ مدينة فايمار لقدرتها على الحفاظ على تحالف حميم جدًا بين العبقرية والسلطة العليا.

جلبت فراو فون غوته نغمة رشيقة للغاية للمحادثة. كان الحديث يدور حول مشتريات معينة؛ وكانت تقوم بإغاظة غوته الصغير، والذي لم يستسلم للأمر.

قال غوته، "يجب ألا نفسد السيدات الجيدات، إنهن على استعداد لكسر كل الحدود. تلقى نابليون في إلبا فواتير لقبعات نسائية اشترتها زوجته، وكان عليه أن يدفعها؛ ولكن في مثل هذه الأمور، فبإمكانه أن يفعل القليل جدًا باعتباره أمرًا كبيرًا. في يوم من الأيام، في التويلريين، عرض تاجر الأزياء بعض الأشياء القيمة على زوجة نابليون في حضوره، ولم يبد نابليون أي استعداد لشراء أي شيء، لكن الرجل حاول أن يقنعه أنه بهذه الطريقة يقدم القليل لزوجته. لم يرد نابليون، بل نظر إلى الرجل بطريقة حانقة، فقام الرجل بتجميع أشياءه دفعة واحدة، ولم يظهر وجهه مرة أخرى". سألت فراو فون غوته، "هل فعل هذا عندما كان قنصلًا؟"

أجاب غوته، "ربما عندما صار إمبراطورًا لم تعد نظرته حانقة إلى ذلك الحد. لا يسعني إلا أن أضحك على الرجل، الذي اخترقته تلك النظرة، والذي رأى نفسه كما لو قُطع رأسه أو أُطلق عليه الرصاص".

كنا في مزاج أكثر حيوية، وواصلنا الحديث عن نابليون. قال غوته، "أتمنى لو أنَّ لدي صورًا أو نقوشًا جيدة لكل أعمال نابليون، لتزيين غرفة كبيرة".

قال غوته، "يجب أن تكون الغرفة كبيرة جدًا، ورغم ذلك فلن تكون كافية، فهناك أعمال رائعة كثيرة".

بدأ المستشار محادثة حول كتاب لودين، "تاريخ الألمان"؛ وكان لدي سبب للإعجاب بالبراعة والذكاء اللذين أظهرهما غوته الصغير في استنتاج كل ما وجده المراجعون في الكتاب من الوقت الذي كُتب فيه، والآراء والمشاعر الوطنية التي حركت المؤلف. وصلنا إلى استنتاج أنَّ حروب نابليون شرحت لنا أولًا الحروب التي خاضها سيزر. قال غوته، "في السابق، لم يكن كتاب سيزر سوى تمرين للمدارس الكلاسيكية".

تحولت المحادثة من التاريخ الألماني القديم إلى القوطية. تحدثنا عن خزانة كتب ذات طابع قوطي، ومن هذا المنطلق تم طرح الحديث عن الموضة الراحلة في ترتيب الشقق بالكامل على الطراز الألماني والقوطي القديم، وبالتالي العيش تحت تأثير الزمن القديم.

قال غوته، "في منزل به العديد من الغرف التي يُدَخَلُ بعضها فقط ثلاث أو أربع مرات في السنة؛ ربما تمر بالمرء بعض الخيالات الجميلة؛ وأعتقد أنه لأمر جميل أن تمتلك مدام بانكوكي في باريس شقة صينية. لكنني لا أستطيع أن أثني على الرجل الذي يملأ الغرف التي يعيش فيها بهذه الأشياء الغريبة والعتيقة الطراز. لأنه نوع من التنكر، والذي لا يمكن أن يكون جيّدًا بأي شكل من الأشكال على المدى البعيد، ولكن على العكس من ذلك، سيكون له تأثير سلبي على الرجل الذي يقوم به. مثل هذه الموضة تناقض العصر الذي نعيش فيه، وتؤكد فقط على طريقة التفكير والشعور الفارغة والمفرغة التي تنشأ منها. من الجيد أن تذهب إلى حفلة تنكرية وأنت متنكر كتركي في إحدى الليالي الشتوية السعيدة، ولكن بماذا يجب أن نفكر في رجل يرتدي مثل هذا القناع طوال العام؟ يجب أن نفكر أنه مجنون، أو في طريقه ليصبح مجنونًا خلال وقت قريب".

ووجدنا ملاحظات غوته في هذا الموضوع العملي للغاية مقنعة جدًا، وبما أَنَّ التوبيخ لم يلمس أيًا منّا على نحو طفيف حتى، فقد استمعنا إلى حديثه بسعادة.

تحولت المحادثة الآن إلى المسرح، وبدأ غوته بإغاظتي لأنني ضحيت بأمسية يوم الاثنين الماضي لأجله. وقال موجهًا كلامه للباقين، "لأنه هنا لثلاث سنوات الآن، وتلك هي الليلة الأولى التي يتخلى فيها عن المسرح من أجلي. إنه لأمر جلل. كنت قد دعوته لزيارتي، ووعدني بالقدوم، لكنني شككت في أنه سيبقي على كلمته، خاصة بعد أن تجاوزالوقت الساعة السادسة والنصف ولم يكن قد حضر بعدْ. في الواقع، كان ينبغي عليّ أن أبتهج إذا لم يأت؛ لأني أستطيع أن أقول: هذا صديق مجنون، يحب المسرح أكثر من أصدقائه الأعزاء، ولا شيء يمكن أن يبعده عن تحيزه العنيد. لكن ألم أعوضك عن تفويت المسرح يومها؟ ألم أريك كل تلك الأشياء الجميلة؟"بهذه الكلمات ألمح غوته إلى الرواية الجديدة.

تحدثنا عن عمل شيللر "مؤامرة" الذي تم عرضه يوم السبت الماضي، قلت، "لقد شاهدته للمرة الأولى، وقد كنت مشغولًا كثيرًا بالتفكير فيما إذا كان من الصعب التخفيف من هذه المشاهد الحادة للغاية. لكنني عرفت أنه لا يمكن عمل الكثير حول ذلك الأمر دون إفساد العمل بكليته".

أجاب غوته، "أنت على حق - لا يمكن القيام بذلك، تحدث شيلر معي كثيرًا حول هذا الموضوع؛ لأنه لم يستطع أن يتحمل أول مسرحياته أيضًا، ولم يكن يسمح بعرضها أبدًا خلال ذلك الوقت الذي كنا ندير فيه المسرح معًا. كنا في حاجة إلى قطع، وكان بإمكاننا استخدام الجزء الأول من تلك المنجزات الثلاثة القوية لأجل ذخيرتنا المسرحية. لكننا وجدنا الأمر مستحيلًا؛ فكل الأجزاء كانت متشابكة بشكل وثيق مع بعضها؛ بحيث أنَّ شيللر نفسه يئس من تحقيق الخطة، ووجد نفسه مقيَّدًا للتخلي عنها، وترك القطع كما كانت".

قلت، "إنه لأمر محبط، لأنه ورغم كل حدتها، فأنا أحبها أكثر ألف مرة من القطع الضعيفة، القسرية، وغير الطبيعية لبعض أفضل شعرائنا المأساويين المتأخرين. فالشخصية والفكر العظيمان موجودان في شيللر بحق".

قال غوته، "نعم، شيللر قد يفعل ما يريده، لأنَّ كل ما ينتجه سوف يكون أعظم بكثير من أفضل الأشياء التي قد ينتجها هؤلاء الشعراء. حتى عندما قص أظافره، أظهر أنه كان أكبر من هؤلاء السادة الأفاضل". ضحكنا على هذا التشبيه اللافت.

تابع غوته، "ولكنني أعرف أشخاصًا لا يمكن أن يكونوا راضين أبدًا عن تلك الأعمال الدرامية الأولى لشيللر. خلال صيف ما، في مكان للاستحمام، كنت أسير عبر طريق ضيق منعزل يؤدي إلى طاحونة، هناك قابلني الأمير، وفي نفس اللحظة، جاءت على ذلك الطريق بعض البغال المحملة بأكياس الوجبات، فاضطررنا إلى الخروج من الطريق ودخول منزل صغير. هناك، في تلك الغرفة الضيقة، بدأنا أنا والأمير في نقاش عميق حول الأشياء الإلهية والبشرية. تحدثنا أيضًا عن عمل شيللر "اللصوص"، وعبّر الأمير عن نفسه بهذا الشكل: "لو كنت إلهًا على وشك إنشاء العالم، ورأيت حينها أنَّ شيللر سيكتب في المستقبل عمله " اللصوص" لكنت تركت العالم غير منشأ. قال غوته: "لم أتمكن من كتم ضحكاتي، ما الذي يمكن أن تقوله ردًا على أمر كهذا؟ هذه كراهية شديدة، ولا يمكن لأحد أن يفهمها".

علقت، "لا توجد مثل هذه الكراهية تجاه هذا العمل لدى شبابنا، لا سيما طلابنا. يمكن تنفيذ أكثر القطع الممتازة والناضجة لشيللر أو غيره، ولن ترَ سوى عدد قليل من الشباب والطلاب في المسرح. ولكن إذا تم تقديم أحد العملين "اللصوص" أو "مؤامرة"، فإنَّ المسرح سيكون ممتلئًا بالطلاب فقط".

قال غوته، "هكذا كان الأمر قبل خمسين سنة، ومن المحتمل أن يكون كذلك بعد خمسين سنة. لا تدعونا نتخيل أنَّ العالم سوف يتقدم كثيرًا في الثقافة والذوق الرفيع وسيتجاوز الشباب عصر الفظاظة. إنَّ ما يكتبه شباب دائمًا ما يتمتع به الشباب أكثر، وحتى لو تقدم العالم بشكل عام، سيبدأ الشباب دائمًا من البداية، وسوف تتكرر عهود زراعة العالم في الفرد. ظل هذا الأمر يزعجني، وقد كتبت هذه الآبيات بسببه منذ وقت طويل:



توقف ودع المشعل يشتعل،

ولا تدع السعادة تضمحل؛

تهترئ المكانس القديمة دائمًا.

ويولد الصغار كل يوم.

"لا أحتاج إلا أن أنظر من النافذة لأرى المكانس التي تكتسح الشوارع والأطفال الذين يركضون، كرمز مريء لحال العالم، والذي يهتريء ويتجدد دائمًا مرة أخرى. يتم الحفاظ على ألعاب الأطفال وتحولات الشباب من قرن إلى قرن. فالأطفال هم دائمًا أطفال، وهم في كل الأوقات متشابهون. ومن ثم لا ينبغي لنا أن نطفئ نيران منتصف الصيف، أو نفسد اللذة التي يأخذها الصغار منها".

مرت الساعات خلال هذه المحادثة المبهجة بسرعة. وذهبنا نحن الشباب إلى الغرفة العليا، بينما بقي المستشار مع غوته.

مساء الخميس 18 يناير 1827

لقد وعدني غوته بأن يريني بقية الرواية هذا المساء. ذهبت إليه في السادسة والنصف، ووجدته وحيدًا في غرفته المريحة. جلست معه على المائدة، وبعد أن تحدثنا عن الأحداث التي حدثت في ذلك اليوم، نهض غوته وأحضر لي الأوراق الجديدة من الرواية. وقال "هنا قد تقرأ النتيجة". بدأت القراءة، بينما كان غوته يسير جيئة وذهابًا خلال الغرفة، ويقف أحيانًا في الموقد. وقد قرأت بهدوء لنفسي كالعادة.

انتهت أوراق الليلة الماضية حيث كان الأسد مستلقيًا تحت الشمس خارج جدار الخراب القديم عند شجرة زان عتيقة، وبدأت الاستعدادات لإخضاعه. سوف يرسل الأمير الصيادين خلفه، لكن الغريب يرجوه أن لا يقتل أسده، فهو واثق من قدرته على إعادته إلى قفصه بوسائل أخف. قال، هذا الطفل سوف ينجز عمله بكلمات لطيفة ونغمات حلوة من مزماره. وافق الأمير، وبعد أن رتب الإجراءات الوقائية اللازمة، عاد إلى المدينة مع رجاله.

وقف أونوريو مع عدد من الصيادين في ممر ضيق لكي يخيف الأسد من خلال إشعال النار إذا حاول المجيء نحوهم. الأم والطفل، بقيادة حراس القلعة، يصعدان إلى الأنقاض، على الجانب الآخر من الجدار الخارجي الذي يرقد قبالته الأسد.

الهدف هو إغراء الحيوان القوي للقدوم إلى ساحة القلعة الفسيحة. تختبئ الأم والحارس في القاعة الخربة في الأعلى، بينما يذهب الطفل بمفرده خلف الأسد من خلال الفتحة المظلمة في جدار ساحة الفناء. ينتشر القلق. إنهم لا يعرفون ما حدث للطفل - ولا يخرج أي صوت من نايه. يوبخ الحارس نفسه بأنه لم يذهب أيضًا، ولكن الأم تبقى هادئة.

في نهاية المطاف يسمعون مرة أخرى صوت الناي. يقتربون أكثر وأكثر. يعود الطفل إلى ساحة القلعة من خلال الفتحة الموجودة في الجدار، ويتبعه الأسد، الذي أصبح الآن مطيعًا، بخطوة ثقيلة. ينتشرون مرة واحدة حول الفناء. ثم يجلس الطفل في بقعة مشمسة، في حين يستقر الأسد بسلام بجانبه، ويضع أحد أقدامه الثقيلة في حضنه.

دخلت الشوكة في مخلب الأسد. يخرجها الطفل بلطف، ومن ثم يخلع الرباط الحريري من عنقه ويربط للأسد مخلبه.

غمرت السعادة الأم والحارس اللذين شهدا المشهد بأكمله من القاعة في الأعلى. يرقد الأسد بهدوء وسلام بينما يغني الطفل من خلال نايه أغنياته الساحرة لتهدئة الوحش، وتختتم الرواية بأكملها بغناء الأبيات التالية :

الملائكة المقدسون احترزوا

من الطفل الصالح والطيع.

ودعموا كل عمل خيّر.

وفحصوا كل الاندفعات البرية.

الأفكار الورعة واللحن.

ومعًا عملوا لأجل ما هو جيد.

وجلبوا تحت قدمي الرضيع

الأخشاب الصلبة ذاتها.

قرأت وأنا مغمور بالعاطفة بسبب الحادثة الختامية. وما زلت لا أعرف ماذا أقول. لقد كنت مندهشًا ولكن لم أكن راضٍيًا. بدا الأمر كذلك.

* أولئك الذين يعرفون مدى صعوبة الأصل لن يكونوا شديدي القسوة على الترجمة أعلاه. الكلمات الأصلية في طبعات كوتا لغوته هي كالتالي:

Und so geht mit guten Kindern

Sel'ger Engel gern zu Rath,

Böses Willen zu verhindemi

Zu befördern schöne That.

So beschwören fest zu bannen

Lieben Sohn ans zarte Knie

Ihn des Waldes Hochtyrannen

Frommer Sinn und Melodie.

ما لم يتم إدراج بناء قسري أكثر من خلال الترجمة، فهذه الآبيات قد تبدو غير قابلة للتفسير إلى حد كبير. ولكن في المقطع الذي نقلته عن إيكرمان، وضعت الكلمة "liebem" في مكان "lieben"، وهذه القراءة، التي أظن أنها الصحيحة، تعطي إحساسًا مشابهًا في محاولتي لترجمتها. – المترجم

إنَّ الخاتمة كانت بسيطة جدًا، مثالية جدًا وغنائية جدًا، كان من المفترض أن تظهر بعض الشخصيات الأخرى مجددًا، لإضفاء المزيد من الاتساع على النهاية. لاحظ غوته أن لديَّ شكًا وقال: "لو أنني جلبت مرة أخرى بعض الشخصيات الأخرى في النهاية، كانت الخاتمة لتصبح مبتذلة. ماذا يمكن أن يفعلوا أو يقولوا، بينما أنجز كل شيء. لقد قام الأمير ورجاله بالعودة إلى المدينة، حيث هناك حاجة لوجوده. وبمجرد أن علم أونوريو أنَّ الأسد بأمان، تابع طريقه مع الصيادين، كما أن الرجل سيأتي قريبًا من المدينة مع قفصه الحديدي وسيضع الأسد داخله. كل هذه الأشياء متوقعة، وبالتالي لا ينبغي أن تكون مفصلة. وإذا صارت كذلك فسنصبح مبتذلين. ما كان مطلوبًا هو نتيجة مثالية وليس نتيجة شعرية؛ لأنه وبعد الخطاب البائس الذي ألقاه الرجل، الذي هو في حد ذاته نثر شاعري، هناك حاجة إلى مزيد من الارتفاع، وكنت مضطرًا إلى اللجوء إلى الشعر الغنائي، وللأغنية كذلك.

تابع "لإيجاد تشبيه لهذه الرواية، تخيل نباتًا أخضرَ يتصاعد من جذوره، يدفع بأوراق خضراء قوية من جوانب جذعه القوي، وفي النهاية ينتهي في زهرة.

الزهرة استثنائية ومذهلة، وأوراق الشجر بأكملها وجدت فقط لأجل تلك الزهرة، وسوف تكون بلا قيمة بدونها.

تنفست بهدوء خلال هذه الكلمات. يبدو أنَّ المقاييس سقطت من عيني، وبدأ الإحساس بتميز هذا التكوين الرائع يتحرك في داخلي.

تابع غوته قائلاً: "كان الهدف من هذه الرواية هو إظهار كيف أنَّ الأشخاص الذين لا يمكن السيطرة عليهم والذين لا يقهرون غالبًا ما يتم تقييدهم بشكل أفضل من خلال الشعور بالحب والتعاطف من القوة. وهذا الهدف الجميل الذي وضعه الطفل والأسد سحرني لكي أتمكن من الانتهاء من العمل. هذا هو المثل الأعلى - هذه هي الزهرة. أوراق الشجر الخضراء للمقدمة الحقيقية للغاية موجودة فقط من أجل هذا المثل الأعلى، وتستحق فقط أي شيء بسببه. ما هو الحقيقي في حد ذاته؟ نحن نسعد به عندما يتم تمثيله بالحقيقة، بل قد يمنحنا معرفة أكثر وضوحًا بأشياء معينة، لكن المكسب المناسب لطبيعتنا العليا يكمن فقط في المثل الأعلى، الذي ينتقل من قلب الشاعر".

شعرت بشكل ملموس أنَّ غوته كان محقًا، لأنَّ ختام روايته كان لا يزال يتحرك داخلي، وقد أنتج داخلي نبرة تقوى لم أحس بها منذ فترة طويلة. فكرت كم هي نقية ومكثفة مشاعر الشاعر، إنه يستطيع أن يكتب أي شيء جميل في عصره المتقدم. لم أكن أمتنع عن التعبير عن نفسي في هذه النقطة إلى غوته، ومن تهنئة نفسي بأنَّ هذا الإنتاج، الذي كان فريدًا في حد ذاته، أصبح الآن وجودًا مرئيًا.

قال غوته، "أنا سعيد إنك راضٍ عن روايتي، وسعيد أيضًا لأنني تخلصت من موضوع حملته داخلي على مدى ثلاثين عامًا. حاول كلٌ من شيللر وهامبولد إثنائي عن الاستمرار في الأمر عندما أبلغتهما بخطتي سابقًا لأنهما لم يريا شيئًا فيها، ولأنَّ الشاعر وحده يعرف مقدار السحر الذي يستطيع أن يعطيه لموضوعه. لذلك لا ينبغي لأحد أن يسأل شخصًا آخر عندما ينوي كتابة أي شيء. إذا سألني شيللر عن كتابه "فالنشتاين" قبل أن يكتبه، فمن المؤكد أنني كنت لأثنيه عن كتابته؛ لأنني لم أكن لأفكر في مثل هذا الموضوع الذي قد يشكل عملًا دراميًا رائعًا. كان شيللر يعارض معالجتي لأحد موضوعاتي، والذي كنت ميالًا لكتابته بعد "هيرمان ودوروثيا" مباشرة، ونصحني بكتابة شيء آخر، وعلى العموم فقد نجحت في كتابته اعتمادًا على الشكل النثري؛ كثير من الأشياء تعتمد على الوصف الدقيق للمكان، وفي هذا يجب أن أكون مقيدًا بالموضوع المحدد".

تحدثنا عن الحكايات الفردية وروايات "سنوات الهجرة"؛ وقد لاحظنا أنَّ كلًا منها كان متميزًا عن الأخرى بطابع خاص ونغمة. وقال غوته، "سأشرح السبب؛ لقد بدأت في العمل مثل الرسام الذي يتجنب بعض الألوان في بعض اللوحات، ويحبذ ألوانًا أخرى. وهكذا، بالنسبة إلى المشهد الصباحي فإنه يضع الكثير من اللون الأزرق على لوحته، والقليل من اللون الأصفر. ولكن، إذا كان ينوي رسم مشهد مسائي، فإنه يأخذ قدرًا كبيرًا من اللون الأصفر، ويبدأ في القضاء على اللون الأزرق تقريبًا. وقد تقدمت بالطريقة نفسها خلال إنتاجاتي الأدبية المختلفة، وهذا هو السبب في تنوع شخصايتها".

فكرت أنَّ هذا كان مبدأ حكيمًا للغاية، وكنت سعيدًا بأنَّ غوته قاله.

بعد ذلك، خاصة في ما يتعلق بهذه الرواية الأخيرة، أعجبت بالتفاصيل التي تم وصف المشهد بها.

قال غوته: "لم أراقب الطبيعة أبدًا من أجل فوائد الإنتاج الشعري. ولكن رسوماتي المبكرة للمناظر الطبيعية ودراساتي الأخيرة في العلوم الطبيعية، قاداني إلى مراقبة متواصلة وثابتة للأشياء الطبيعية، فقد تعلمت بشكل تدريجي الطبيعة عن ظهر قلب حتى في أدق التفاصيل، حتى عندما كنت أحتاج إلى أي شيء كشاعر، كان ذلك الشيء في متناولي بسبب ما ذكرته سابقًا؛ لا أستطيع أن أقترف خطايا بسهولة ضد الحقيقة. لا يملك شيللر هذه الملاحظة للطبيعة. كانت مناطق سويسرا التي استخدمها في "حكاية ويليام" حاضرة في ذهنه بواسطتي. لكن كان لديه عقل رائع ، حتي أنَّ بإمكانه أن يصنع من الإشاعات شيئًا يتجاوز الحقيقة".

تحولت المحادثة نحو شيللر بشكل كامل الآن:

"تكمن موهبة شيللر الإنتاجية المثالية في الخيال؛ ويمكن القول بأن ليس هناك ند له في الآدب المكتوب باللغة الألمانية أو أي آدب آخر. لديه كل شيء يملكه اللورد بايرون تقريبًا. لكن اللورد بايرون هو سيده في معرفة العالم. أتمنى لو أنَّ شيللر عاش ليعرف أعمال اللورد بايرون، وأتساءل عما كان سيقوله لهذا العقل الفذ. هل نشر بايرون أي شيء خلال حياة شيلر؟ لا أعرف على وجه التحديد".

أخذ غوته كتاب " معجم المحادثات" وقرأ المقال المتعلق باللورد بايرون، وقدم العديد من الملاحظات بينما يقرأ. بدا أنَّ بايرون لم ينشر أي شيء قبل عام 1807، ولذلك لم يكن بمقدور شيللر أن يقرأ أيًا من كتاباته".

تابع غوته، "تطرح فكرة الحرية خلال جميع أعمال شيللر؛ على الرغم من أنَّ هذه الفكرة افترضت شكلاً جديدًا مع تقدم شيلر ثقافيًا واختلاف طبيعته. في شبابه كانت الحرية الجسدية هي التي شغلته، وأثرت عليه في وقت لاحق من حياته ، كانت الحرية مثالية: "الحرية هي شيء غريب ، وكل رجل لديه ما يكفي منها، إذا كان بإمكانه فقط إرضاء نفسه. ما الذي ينفعنا من الحرية التي لا نستطيع استخدامها؟ انظر إلى هذه الحجرة والحجرة التالية، من خلال الباب المفتوح، ترى سريري. الحجرتان ليستا كبيرتين كما أنهما تضيقان أكثر بالأثاث ، والكتب ، والمخطوطات ، والأعمال الفنية الضرورية ؛ ولكنهما كافيتان بالنسبة لي. لقد عشت فيهما خلال كل فصل الشتاء ، ونادراً ما كنت أدخل غرفتي الأمامية. ما الذي توجب عليّ فعله ببيتي الفسيح وحرية الانتقال من غرفة إلى أخرى ، بينما لم أجد أنه من الضروري استخدام هذه الغرف".

"إذا كان لدى الرجل حرية كافية ليعيش بصحة جيدة ، ويعمل في حرفته ، فلديه ما يكفي؛ ويمكنه الحصول على الكثير من الأشياء بسهولة. ومن ثم، فكلنا أحرار في ظل ظروف معينة، والتي يجب علينا تحقيقها. المواطن حر مثل النبيل ، عندما يقيد نفسه في الحدود التي حددها الرب بوضعه في تلك المرتبة. النبيل حر مثل الأمير، لأنه لو حضر بعض الاحتفالات في المحكمة قد يشعر أنه على قدم المساواة مع الأمير. لا تتشكل الحرية من خلال رفض الاعتراف بأي شيء فوقنا ، بل باحترام شيء فوقنا. لأنه، من خلال احترامه ، نرفع أنفسنا إليه، ومن خلال اعترافنا، نوضح أننا نعرف داخل أنفسنا ما هو أعلى، ونستحق أن نصبح على نفس المستوى منه".

"في رحلاتي ، التقيت في كثير من الأحيان بتجار من شمال ألمانيا ، كانوا يتصورون أنهم كانوا أندادي، إذْ كانوا يجلسون بوقاحة بجواري على الطاولة. لم يكونوا مميزين أبدًا بسبب تلك الطريقة التي اتبعوها في التعامل معي؛ رغم أنهم كانوا ليكونوا مميزين لو عرفوا كيف يقيمونني ويتعاملون معي".

"هذه الحرية الجسدية خلقت لشيللر الكثير من المتاعب في سنواته الشابة ، وقد نجمت جزئيًا عن طبيعة عقله ، وبشكل أكبر من ضبط النفس الذي تحمله في المدرسة العسكرية. في الفترة الأخيرة، عندما صار لديه الحرية المادية الكافية، انتقل إلى الشكل المثالي، وأقول تقريباً إنَّ هذه الفكرة قتلته ، لأنها دفعته إلى فرض أشياء على طبيعته المادية وقد كان ذلك يضغط على قواه".

--------------------

(1) كان الهم الوحيد للدول الكبرى هو ضمان الاستمرار والتمسك والالتزام بمقررات مؤتمر فينا وأن لا تكون نهاية عقد المؤتمر نهاية لمقرراتة لذلك خرج القيصر الروسي بفكرة التحالف المقدس ويقصد به قيام رابطة بين الدول الأوروبية تقوم على المحبة والعدل الذي نادى به المسيح لتحل محل المواثيق العسكرية والتحالفات السياسية التقليدية وبهذا تكون المسيحية القاعدة الأساسية للقانون الدولي في حل المشاكل والصعاب ويعتبر الملوك الموقعون على التحالف وكأنهم مكلفون من الإله بالدفاع عن السلام والنظام. وكان الهدف منه القضاء على أي محاولة للتحرر والديمقراطية قد تظهر في المستقبل وفي يوم 26 سبتمبر 1815 وقعت كل من روسيا وبروسيا والنمسا على التحالف أما بريطانيا فلم تتمكن من التوقيع لأن الوصي على العرش لم يحق له التوقيع لأن الملوك هم الذين يوقعون إلا أن بريطانيا أبدت تعاطفها مع هذا التحالف لكن وزير خارجيتها كاسلريه لم يكن مقتنعا بصواب فكرة التحالف لأنه :- كان يفهم جيدا معنى التحولات الجذرية التي أوجدتها الثورة الفرنسية في أوروبا مما يجعل هذا التحالف طارئا غير واقعي إضافة إلى ذلك أنَّ صاحب الفكرة هو الاسكندر الأول والذي كان معروفا بأطماعه التوسعية والرغبة في السيطرة على السياسة الأوروبية ولهذا سيكون أقل الموقعين قدرة على الالتزام به ووقف مترنيخ ضد هذا التحالف مع كاسلريه واستمر التحالف حتى 1826


================
محادثات مع غوته
تأليف: يوهان بيتر إيكرمان
ترجمة من الألمانية للإنجليزية: جون اوكسنفورد
ترجمة من الإنجليزية: سماح جعفر

تقوم «القرية الإلكترونية» بتكليف من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، بترجمة يوميات من حياة "جوته"، المعنونة بـــ «محادثات مع غوته»، من تأليف: «يوهان بيتر إيكرمان*»، وهي عبارة عن يوميّات كتبها "إيكرمان" عن السنوات الأخيرة من حياة شاعر ألمانيا الكبير «غوته Goethe»، وتمت ترجمتها من الألمانية للإنجليزية بواسطة «جون أوكسنفورد»، وترجمها من الإنجليزية إلى العربية: «طارق زياد شعار»، وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في الصفحة نأمل أن تحوز إعجابكم.
*«يوهان بيتر إيكرمان» Johann Peter Eckermann 1792-1854: عمل كأمين خاص لجوته في الفترة الأخيرة من حياة الأخير. وسرعان ما أصبح كتابه محادثات مع غوته، ذو شعبية تخطت الحدود الألمانية، ولعب دوراً مهما في إحياء الاهتمام والتقدير لأعمال جوته في وقت لاحق.

Photo
Add a comment...

Post has attachment
#محمد_أحمد_السويدي_ترجمة_محادثات_مع_غوته
محادثات غوته | الجزء الحادي عشر
الأحد، 25 ديسمبر 1825

ذهبت إلى غوته عند الساعة السادسة هذا المساء. وجدته بمفرده، وقضيت معه بضع ساعات مبهجة.
قال لي: "لقد كان عقلي مثقلًا مؤخرًا بأشياء كثيرة. الكثير من الأشياء الجيدة كانت تتدفق عليّ من كل الجهات؛ حتى إنَّ فعل الشكر البسيط منعني من الحصول على أي حياة عملية. التهاني التي وجهت إليَّ بسبب أعمالي جاءت من مختلف الجهات؛ وبما أنَّ الموقف كان مختلفًا في كل حالة، كان كل منها بحاجة إلى ردٍ مختلف، ثم جاءت اتفاقات بائعي الكتب التي لا حصر لها، والتي كان من الواجب أيضًا النظر فيها والتصرف بناءً عليها، بعد ذلك، جلب الاحتفال بتمثالي انتباهًا كبيرًا إلى حدٍّ ما، لدرجة أنني لم أرسل بعد كل رسائل شكري، ولا يمكنني الاكتفاء بالردود الجوفاء، لأنني أود أن أقول شيئًا مناسبًا للجميع.

"لقد قدمت سابقًا ملاحظة، وسأنقلها إليك.

"كل شيء نقوم به له نتيجة. لكن ما هو صحيح وحكيم لا يؤدي دائمًا إلى الخير، ولا العكس لما هو سيئ. كثيرًا ما يحدث العكس. منذ بعض الوقت، ارتكبت خطأ في إحدى هذه المعاملات مع بائعي الكتب، وكنت آسفًا لأنني فعلت ذلك. ولكن الآن تغيرت الظروف، حتى لو لم أكن قد ارتكبت ذلك الخطأ كنت سأرتكب خطئًا أكبر. مثل هذه الحالات تحدث بشكل متكرر في الحياة، ومن ثم نرى أنَّ رجال العالم الذين يفهمون هذا يذهبون للعمل بحرية كبيرة وجرأة".

أدهشني هذا التصريح، الذي كان جديدًا بالنسبة لي، وبعد ذلك تحول الحديث إلى بعض من أعماله، وصلنا إلى مرثاة "الكسيس ودورا".

قال غوته، "في هذه القصيدة ألقى الناس باللوم على الخاتمة القوية والعاطفية، وكانوا يودون أن تنتهي القصيدة برفق وبسلام، دون أن تشوبها الغيرة؛ لكنني لم أقتنع حينها أنهم كانوا على حق. الغيرة هي عنصر واضح في هذه العلاقة، والقصيدة ستكون غير مكتملة إذا لم يتم تقديمها على الإطلاق. أنا شخصيًا عرفت شابًا، في خضم علاقته العاطفية مع فتاة عزباء سهلة المنال، صرخ قائلاً: "لكن ألن تتصرف مع شخص آخر كما تصرفت معي؟"

لقد اتفقت كليًا مع غوته، ثم ذكرت مواقف غريبة في هذه المرثاة، حيث هناك أحداث قوية جدًا في مساحة ضيقة جدًا، وكل ذلك تم تحديده بدقة، بحيث نعتقد أننا نرى الحياة الكاملة والبيئة المحلية للأشخاص المتورطين في الأحداث. قلت، "ما وصفته، يظهر كما لو كنت قد قدمت العمل من خلال تجربة فعلية".

قال غوته، "أنا مسرور لأنَّ الأمر يبدو كذلك بالنسبة لك، لكن هناك قلة من الرجال لديهم خيال لوصف حقيقة الواقع، ومعظمهم يفضلون دولًا وظروفًا غريبة لا يعرفون شيئًا عنها، والتي قد يشكلها خيالهم بطريقة غريبة.

"ثم هناك آخرون ممن يتشبثون بالواقع. فبينما يريدون الروح الشعرية بكليتها، فإنهم شديدو التعصب في طلباتهم. على سبيل المثال، في هذه المرثاة، كان البعض قد يجعلني أحضر لإلكسيس خادمًا لحمل أشيائه، دون أن يفكروا أنَّ كل ما هو شاعري ومثالي في الموقف سيتدمر".

من "ألكسيس ودورا"، تحولت المحادثة إلى "ويلهلم مايستر"، قال غوته، "هناك نقاد غريبون في هذا العالم، لقد ألقوا اللوم عليّ لترك البطل في هذه الرواية يعيش أوقاتًا سيئة. لكن في هذا الظرف ذاته، اعتبرتُ هذه الأوقات التي اعتبروها سيئة كإناء، ومن خلال وضعي فيه كل ما وددت قوله عن المجتمع الصالح، اكتسبت هيئة شعرية، وكانت صفقة ناجحة. على العكس من ذلك، لو صورت المجتمع الصالح بما يدعونه المجتمع الصالح، لم يكن أحد ليقرأ الكتاب.

"في التوافه الظاهرة في ‘ويلهلم مايستر‘، هناك دائمًا شيء أعلى في القاع، ولا شيء مطلوب سوى عيون ومعرفة للعالم، وقوة الفهم لإدراك العظمة في التفاصيل الصغيرة. بالنسبة لأولئك الذين لا يملكون هذه الصفات، دعهم يكتفون بتلقي صورة الحياة كحياة حقيقية".

ومن ثم أراني غوته عملًا إنجليزيًا مثيرًا للاهتمام، يصور جميع أعمال شكسبير في لوحات نحاسية. احتضنت كل صفحة قطعة واحدة مع بعض الآبيات المكتوبة تحتها في ستة تصميمات صغيرة، وبذلك تم عرض الفكرة الأساسية والمواقف الأكثر أهمية في كل عمل أمام الأعين. كل هذه التراجيديات والكوميديات الخالدة مرت أمام عقلي مثل مواكب الأقنعة.

قال غوته "من المرعب أن ننظر إلى هذه الصور الصغيرة. هكذا نشعر أولًا بالثراء والعظمة اللامحدودين لشكسبير. لا يوجد دافع في حياة الإنسان لم يظهره أو يبديه!" بسهولة وحرية!

لكننا لا نستطيع الحديث عن شكسبير. كل شيء غير مناسب. لقد تطرقت إلى موضوع "ويلهلم مايستر"، لكن هذا لا يعني الكثير. شكسبير ليس شاعرًا مسرحيًا. لم يفكر في المسرح؛ فقد كان المسرح ضيقًا جدًا لعقله العظيم. لا، كان العالم المرئي كله ضيقًا للغاية بالنسبة له".

إنه غني جدًا وقوي جدًا. لا ينبغي لطبيعة منتجة أن تقرأ أكثر من واحدًا من أعماله الدرامية خلال عام، وإلا فلسوف تدمره بالكامل. لقد قمت بعمل جيد بالتخلص منه عن طريق كتابة "غويتز" و "إغمونت"، وكان من الجيد لبايرون أنه لم يكن له الكثير من الاحترام والإعجاب، بل اختار طريقه الخاص. كم من الألمان الممتازين تم تدميرهم بواسطته هو وكالديرون!

يعطينا شكسبير التفاح الذهبي في أطباق فضية. نحصل على الأطباق الفضية من خلال دراسة أعماله؛ لكن لسوء الحظ، ليس لدينا سوى بطاطا لنضعها في ذلك الطبق".

ضحكت، وسررت بهذا التشبيه الرائع.

قرأ غوته بعد ذلك رسالة من زيلتر، يصف فيها تمثيل ماكبث في برلين، حيث لم تتمكن الموسيقى من مواكبة الروح والسمات الكبرى للقطعة المسرحية، كما حددها زيلتر من خلال العديد من التعليقات. من خلال قراءة غوته، اكتسبت الرسالة تأثيرها الكامل، وكثيرًا ما كان يتوقف عن القراءة لإبداء إعجابه مثلي، خلال بعض المقاطع.

قال غوته "ماكبث هي أفضل مسرحية لشيكسبير، وهي التي يُظهر فيها أقصى قدر من التفهم لخشبة المسرح. لكنك سترى عقله دون قيود لو قرأت "ترويليوس وكريسيدا"، حيث يعالج مواد الإلياذة "Iliad" بأسلوبه الخاص".

تحولت المحادثة إلى بايرون، والعيب الذي يظهره، عندما توضع أعماله بجانب البراءة المبهجة لأعمال شكسبير، واللوم المتكرر وغير العادل عمومًا الذي يجلبه على نفسه من خلال أعماله المنبوذة المتعددة.

قال غوته، "إذا كان اللورد بايرون لديه الفرصة للعمل على جميع التناقضات في شخصيته، من خلال عدد من الخطابات القوية، كان سيكون أكثر نقاءًا كشاعر. ولكن ولأنه لم يتكلم علانية مطلقًا فقد احتفظ في نفسه بكل مشاعره ضد أمته، ولكي يحرر نفسه منها لم يكن لديه وسيلة أخرى للتعبير عنهم سوى في شكل شعري، لذلك يمكنني أن أدعو جزءًا كبيرًا من أعمال بايرون المنبوذة. "قمع الخطابات البرلمانية"، واعتقد أنَّ هذا لن يكون اسمًا سيئًا لها".

ثم ذكرنا أحد شعراءنا الألمان الأكثر حداثة، الذي اكتسب اسمًا عظيمًا في الآونة الأخيرة، والذي تم رفض اتجاهه السلبي بالمثل. قال غوته، "لا يمكننا أن ننكر، أنه يتمتع بالعديد من الصفات الرائعة، لكنه يريد المحبة. إنه لا يحب قراءه وزملاءه الشعراء الآخرين بقدر ما لا يحب نفسه، وبالتالي قد نطبق عليه مقولة مكسيم الحواري على الرغم من أنني أتكلم بألسنة الرجال والملائكة، ولم أحب (الصدقة)، فقد أصبحت نحاسًا صافًا وصنّاعًا رنجيًا". لقد قرأت مؤخرًا قصائده - ولا أستطيع أن أنكر موهبته العظيمة، ولكن، كما قلت، هو قاصر في الحب، وبالتالي لن ينتج عنه أبدًا التأثير الذي يجب أن يختبره. سوف يكون مهابًا وسوف يكون محبوبًا لدى أولئك الذين يرغبون في أن يكونوا سلبيين مثله، ولكن ليس لديهم موهبته".

مساء الأحد، 29 يناير 1826.

كان الدكتور وولف من هامبورغ، المرتجل الألماني الأكثر شهرة هنا منذ عدة أيام، وقد قدم بالفعل دليلًا عامًا على موهبته النادرة. في مساء يوم الجمعة، قدم عرضًا رائعًا لعدد كبير من الحضور، وبحضور محكمة فايمار. في نفس المساء، تلقى من غوته دعوة ليأتي إليه في اليوم التالي ظهرًا.

تحدثت معه مساء أمس، بعد أن ارتجل أمام غوته. كان مسرورًا للغاية، وأعلن أنَّ هذه الساعة ستغير حياته. لأنَّ غوته، ومن خلال بضع كلمات، قد فتح أمامه طريقًا جديدًا تمامًا، وضرب على الوتر الحساس.

عندما كنت عند غوته هذا المساء، تحولت المحادثة على الفور إلى "وولف". قلت له، ''الدكتور وولف سعيد للغاية، لأنك أسديته نصيحة جيدة".

قال غوته "كنت صريحًا معه تمامًا، وإذا كانت كلماتي قد تركت انطباعًا لديه وشجعته، فهذه علامة جيدة جدًا. إنه موهبة حتمية دون شك، لكنه يعاني من المرض العام في يومنا هذا - الذاتية - والتي من شأنها أن تعطل شفاءه، أعطيته مهمة: - قلت له، "صف لي عودتك إلى هامبورغ". كان جاهزًا على الفور، وبدأ على الفور في التحدث بأبيات شعرية رتيبة. لم أستطع سوى أن أبدي إعجابي به، ومع ذلك لم أتمكن من الثناء عليه. لم تكن العودة إلى هامبورغ هي التي وصفها، وإنما مشاعر ابن يعود لوالديه، علاقاته، وأصدقائه؛ كانت قصيدته ستقول الشيء ذاته عن العودة إلى مرسيبورغ أو يينا، كما في العودة إلى هامبورغ، لكن أليست هامبورغ مدينة غريبة ومميزة! وألم تكن لتوفر له حقلًا عظيمًا لتقديم وصف دقيق لو غامر لمعالجة هذا الموضوع بشكل صحيح!"

لاحظت أنَّ هذا الاتجاه الشخصي كان خطأ الجمهور، الذي يصفق بكل عزيمة.

قال غوته: "ربما يكون الأمر كذلك، لكن الجمهور سيشعر بالسعادة أكثر إذا أعطيته شيئًا أفضل. أنا متأكد من أنه من خلال موهبة وولف في الارتجال، يمكن للمرء أن يصف بأمانة حياة المدن العظيمة، مثل روما، نابولي، فيينا، هامبورغ، أو لندن، وبأسلوب حيوي، سيعتقد المستمع أنه رآها بأم عينه، الجميع سيكون مسحورًا. إذا انطلق إلى الهدف سينجح، لأنه يملك ما يلزم للنجاح؛ ولأنه لا يخلو من الخيال. فقط يجب عليه أن يحسم أمره في الحال، ويكافح لكي يفهم ذلك".

قلت، "أنا أخاف أنَّ هذا سيكون أصعب مما نتخيل، لأنه يتطلب تجديدًا كاملًا لنمط تفكيره. وحتى لو نجح، فإنه سيصل، في جميع الأحوال، إلى لحظة أن يقف ساكنًا أمام إنتاجه، وسيتطلب الأمر تدريبًا طويلًا لكي يصبح الهدف ممكنًا".

قال غوته: "إنَّ الخطوة كبيرة للغاية بالطبع، لكن يجب عليه أن يتحلى بالشجاعة وأن يتخذ قراره على الفور. لأنَّ هذه الأمور تشبه رعب الغطس في المياه - يجب علينا القفز في الحال، وسيصبح العنصر في صالحنا.

تابع غوته، "إذا كان هناك شخص يتعلم الغناء، جميع الطبقات الصوتية التي تندرج ضمن بوصلته الطبيعية تكون سهلة بالنسبة له، في حين أنَّ تلك التي تقع خارج البوصلة هي في البداية صعبة للغاية. ولكن لكي يكون مطربًا، يجب عليه إتقانها، ويجب أن يتمكن من التحكم في طبقات صوته كلها. بالنسبة للشاعر - فهو لا يستحق الاسم بينما يتحدث فقط عن مشاعره الشخصية البسيطة؛ ولكن بمجرد أن يتفاهم مع نفسه، ويعبر عن العالم، يصبح شاعرًا. ومن ثم تصبح روحه ثرة، ويصبح بإمكانه أن يتجدد دائمًا، وتنمحي الطبيعة الذاتية عن مادته الداخلية الصغيرة، وتدمر بالطريقة المميزة. الناس يتحدثون دائمًا عن دراسة القدماء، ولكن ماذا يعني ذلك، عدا أنه يقول، حوّل انتباهك إلى العالم الحقيقي، وحاول التعبير عنه، لأنَّ هذا ما فعله القدماء عندما كانوا أحياء".

نهض غوته ومشى جيئة وذهابًا، بينما بقيت جالسًا على الطاولة، كما يحب أن يراني. وقف لحظة أمام الموقد، ثم، مثل من تذكر شيئًا، عاد وإصبعه على شفتيه وقال، "سوف أخبرك بشيء الآن سوف تجده في كثير من الأحيان مؤكدًا من خلال تجربتك. كل العصور التي تكون في حالة من الانحطاط والانحلال ذاتية؛ من ناحية أخرى، كل العصور التقدمية لها ميل موضوعي، زماننا الحالي رجعي، لأنه ذاتي: لا نرى ذلك في الشعر فقط، ولكن في الرسم أيضًا، وفي أمور أخرى. إنَّ كل جهد صحي يكون موجهًا من الداخل إلى العالم الخارجي، كما سترى في كل العصور العظيمة، التي كانت بالفعل في حالة تطور، أنَّ كلها طبيعة موضوعية".

أدت هذه التصريحات إلى محادثة مثيرة للاهتمام، حيث تذكرنا بشكل خاص الفترة العظيمة للقرنين الخامس عشر والسادس عشر. تحولت المحادثة الآن إلى المسرح، والطبيعة الضعيفة والعاطفية للإنتاج الحديث.

قلت، "موليير هو قوتي وعزائي في الوقت الحاضر". "لقد ترجمت كتابه "Avare"، وأصبحت الآن مشغولًا بـ" Medicin malgre lui". موليير رجلٌ عظيم وأصيل".

قال غوته، "نعم، رجل حقيقي. هذا هو المصطلح المناسب. لا يوجد شيء مشوه فيه. لقد فهم الكتابة وتحكم فيها منذ يومه، بينما سمح بعض كتابنا كإيفلند وكوتزبيو للكتابة بأن تتحكم فيهم، وكانوا محدودين ومحصورين في نفوسهم. قام موليير بتأديب الرجال من خلال رسمهم كما كانوا".

قلت، "سأفعل أي شيء لأتمكن من رؤية مسرحياته تُمَثَلُ بكل نقاوتها! لكن مثل هذه الأشياء فد تكون قوية جدًا وطبيعية على الجمهور، بقدر ما أنا على دراية بها. أليس هذا الإفراط في الصقل ينسب إلى ما يسمى بالأدب المثالي لبعض المؤلفين؟"

قال غوته، "لا، فلديه مصدره في المجتمع نفسه. ما سبب انخراط فتياتنا الصغيرات في المسرح؟ إنهن لا ينتمين إليه - إنهن ينتمين إلى الدير؛ المسرح للرجال والنساء الذين يعرفون شيئًا عن العلاقات الإنسانية. عندما بدأ موليير بالكتابة، كانت الفتيات في الدير، ولم يجبر على التفكير بهن، ولكن الآن لا يمكننا التخلص هؤلاء الفتيات الصغيرات، وبالتالي سيستمر عرض المسرحيات الضعيفة باعتبارها لائقة. كن حكيمًا وابتعد، كما فعلت أنا. لقد كنت مهتمًا جدًا بالمسرح فقط بينما كان لدي تأثير عملي عليه، وكان من دواعي سروري أن أحقق للمؤسسة درجة عالية من الكمال؛ وعندما كان هناك أداء، لم يكن اهتمامي الأكبر بالقطعة المسرحية بل ملاحظة ما إذا كان الممثلون يؤدونها كما ينبغي. وعندما كنت ألاحظ خطأ كنت أشير إليه كتابيًا، وكنت متأكدًا من أنهم سيتجنبونه في المرة القادمة. الآن لم يعد باستطاعتي ممارسة أي تأثير عملي في المسرح؛ ولا أشعر بالرغبة لدخوله؛ لأنني سأجبر على تحمل العيوب دون أن أتمكن من تعديلها؛ وهذا لن يناسبني. والأمر ليس أفضل مع قراءة المسرحيات.

دائمًا ما يرسل إلى الشعراء الألمان الشباب أعمالًا تراجيدية. ولكن ماذا أفعل بها؟ لم أقرأ أبدًا المسرحيات الألمانية إلا لمحاولة معرفة ما إذا كان بوسعي أن أعالجها أو لا؛ وبكل احترام لم أبالِ بها أبدًا. ماذا أفعل الآن، في وضعي الحالي، مع أعمال هؤلاء الشباب؟ لا أستطيع كسب شيء لنفسي من خلال قراءة كيف يجب ألا يتم القيام بالأشياء؛ ولا يمكنني مساعدة الشعراء الشباب في مسألة انتهت بالفعل. لو أنهم أرسلوا لي خطة المسرحية بدلًا من إرسال مسرحياتهم المطبوعة، يمكنني على الأقل قول "افعلها" أو "اتركها" أو "افعلها بهذه الطريقة" أو "افعل ذلك" وربما يكون ذلك مفيدًا أكثر.

"كل هذه الفوضى تنبع من أنَّ تلك الثقافة الشعرية منتشرة على نطاق واسع في ألمانيا لدرجة أن لا أحد الآن يصنع أبياتًا شعرية سيئة. إنَّ الشعراء الشباب الذين يرسلون لي أعمالهم ليسوا أدنى من أسلافهم، وبما أنهم يرون هذه الثناءات العالية، فإنهم لا يستطيعون فهم سبب عدم امتداحهم أيضًا. ومع ذلك لا يمكننا تشجيعهم، عندما توجد مئات المواهب من نوعهم؛ وعلينا ألا نفضل وجود ثغرات في حين أنَّ هناك الكثير من البقايا المفيدة التي يتعين القيام بها. إذا كان هناك شخص واحد يعلو فوق كل البقية، فإنه سيكون جيدًا، لأنَّ العالم لا يخدمه سوى الاستثنائيين".



الخميس، ١٦ فبراير ١٨٢٦.

ذهبت في السابعة مساء إلى غوته، ووجدته وحده في غرفته. جلست أمامه على المائدة، وأخبرته بأنني رأيت دوق ولنغتون في النزل، فقد كان يمر بالمكان في طريقه إلى سان بطرسبرغ. قال غوته، "فعلًا! كيف كان يبدو؟ أخبرني كل شيء عنه. هل يبدو كلوحته المرسومة؟"

قلت، "نعم، ولكن بشكل أفضل، مع شخصية مميزة أكثر. إذا نظرت إلى وجهه، تصبح كل اللوحات تافهة. لا يحتاج المرء إلا لرؤيته مرة واحدة لكي لا ينساه أبدًا، إنه ذلك الانطباع الذي يصنعه! عيناه بنيتان، وأكثر تأثرًا بالذكاء؛ يشعر المرء بتأثير نظرته، وفمه يتكلم حتى عندما يكون مغلقًا؛ يبدو كرجل لديه الكثير من الأفكار، وكأنه عاش خلال أعظم الأعمال، فأصبح باستطاعته الآن التعامل مع العالم بهدوء ورصانة، ولم يعد هناك ما يزعجه في العالم. بدا لي قويًا ومتقنًا مثل شفرة دمشقية. من خلال مظهره يبدو في مرحلة متقدمة من الخمسينيات؛ مستقيم، نحيف، وليس طويل القامة أو قوي البنية. رأيته يدخل في عربة القطار ليغادر. كان هناك شيء غير عادي في تحيته أثناء مروره عبر الحشد، وبحركة طفيفة جدًا، لمس قبعته بإصبعه. استمع غوته لوصفي باهتمام. وقال: "لقد رأيت بطلاً، وهذا يقول شيئًا ما".

تحدثنا بعد ذلك عن نابليون، وشعرت بالأسف لأنني لم أره قط.

قال غوته: " كان ذلك يستحق العناء بحق. ياله من ملخص وافٍ للعالم!" قلت، "هل كان يبدو بشكل معين؟" أجاب غوته، "لقد كان يبدو بشكل معين، فقد بدا كما كان عليه، هذا كل شيء".

أحضرت قصيدة رائعة جدًا لغوته، كنت قد تحدثت معه بشأنها في بعض الأمسيات من قبل، - قصيدة خاصة به، كتبت منذ زمن طويل لدرجة أنه نسيها تمامًا. تم طبعها في بداية عام 1776، في "داي سيشتاربن" (المرئي)، وهي دورية كانت تصدر في ذلك الوقت في فرانكفورت، وقد تم إحضارها إلى فايمار من قبل خادم قديم لدى غوته، وتحصلت عليها منه. لا شك فيه أنها أقدم قصيدة معروفة لغوته. كان موضوعها "نزول المسيح إلى جهنم". كان من الرائع ملاحظة مراقبة المؤلف الشاب لصورته الدينية، ربما كان غرض القصيدة مناسبًا لـكلوبستوك؛ لكن التنفيذ كان مختلفًا تمامًا؛ فقد كان أقوى، وأكثر حرية، وأكثر سهولة، وكان به طاقة أكبر وترتيب أفضل. وقد ذكّرني الحماس الاستثنائي بفترة من الشباب، مليئة بالسلطة والقوة. من خلال العوز للموضوع، كانت القصيدة تعود باستمرار الى نفس النقطة، وكانت طويلة بإفراط.

لقد وضعت أمام غوته الورقة الصفراء البالية، وبمجرد أن رآها تذكر قصيدته. قال، '' ربما اقنعتني فراولين فون كلتنبيرغ بكتابتها: يظهر العنوان أنه تمت كتابتها برغبة، وأنا لا أعرف أي صديق آخر يمكن أن يطلب مثل هذا الموضوع. كنت حينها في حاجة إلى مواد، وكنت أسعد عندما أحصل على أي شيء يمكن أن أغنيه. في الآونة الأخيرة، وقعت قصيدة من تلك الفترة في يدي، كتبتها باللغة الإنجليزية، واشتكيت فيها من ندرة المواضيع الشعرية. نحن الألمان ضعفاء حقًا في هذا الصدد؛ إنَّ تاريخنا الأقدم يكمن في الغموض، والأخير لا يخلو من المصلحة العامة، من خلال الرغبة في سلالة حاكمة واحدة. حاول كلوبستوك كتابة أرمينيوس، لكن الموضوع بقي بعيدًا جدًا. لم يشعر أحد بأي اتصال به؛ لا أحد يعرف ماذا يصنع منه، وبالتالي لم يكن شعبيًا، أو يخلف أي نتيجة. لقد حالفني الحظ في عملي ''Goetz von Berlichlngen"؛ الذي كان، على أية حال، عظمة من عظامي، وقطعة من لحمي، ويمكنني أن أفعل به شيئًا.

"بالنسبة لــ"فيرت" و "فاوست" كنت على العكس من ذلك مضطرًا للاستفادة من ذاتي، لأنَّ ما تم تقديمه لي لم يكن مقنعًا. لقد صنعت الشياطين والسحرة ذات مرة؛ كنت سعيدًا عندما استهلكت إرثي الشمالي، وتحولت إلى الإغريق. لو أنني عرفت في وقت سابق كم من الأشياء الممتازة كانت موجودة منذ مئات وآلاف السنين، ما كنت لأكتب سطرًا واحدًا، وكنت لأفعل شيئًا آخر".

عيد الفصح، ٢٦ مارس ١٨٢٦.

كان غوته في مزاج لطيف على العشاء اليوم، فقد تلقى شيئًا قيّمًا للغاية. مخطوطة لورد بايرون لعمله "ساردانابالوس". أراها لنا بعد العشاء، وفي الوقت نفسه طلب من ابنته أن تعطيه الرسالة التي أرسلها بايرون من جنوا. قال، "أترين يا عزيزتي، لديّ الآن كل ما جمعته والذي يتعلق بعلاقتي مع بايرون؛ حتى هذه الورقة القيّمة أتتني اليوم بطريقة مميزة، والآن لا أريد شيئًا سوى هذه الرسالة".

ومع ذلك، فإنَّ المعجبة الودودة ببايرون لم تعد الرسالة. وقالت، "لقد أعطيتها لي يا أبي العزيز، وأنا لن أعيدها؛ وإذا كنت ترغب أن تكون كلها مجمعة مع بعضها فمن الأفضل أن تعطيني الورقة الثمينة التي وصلت اليوم، وسأحتفظ بهم جميعًا". استمرت المسابقة اللعوبة لبعض الوقت، ومن ثم تحولت إلى محادثة عامة نابضة بالحياة.

بعد أن تركنا الطاولة، وصعدت السيدات، بقيت مع غوته بمفردنا. أحضر من غرفة عمله حقيبة حمراء، أخذها إلى النافذة، وأطلعني على محتوياتها. قال: '' انظر، لديَّ هنا كل شيء يتعلق بعلاقتنا أنا واللورد بايرون، هنا رسالته من ليغورن؛ هذه نسخة من إهدائه؛ هذه قصيدتي؛ وهنا ما كتبته لـ "محادثات ميدوين"، الآن، أنا لا أريد سوى رسالة جنوا، وهي لن تعيدها لي".

بعد ذلك أخبرني غوته عن رسالة ودّية قد قُدمت إليه هذا اليوم من إنكلترا، مع الإشارة إلى اللورد بايرون، والتي أثارت حماسته بطريقة لطيفة للغاية. كان عقله الآن مليئًا تمامًا ببايرون، وقال ألف شيئًا مثيرًا للاهتمام عنه وعن أعماله ومواهبه.

قال، "يمكن أن يفكر الإنجليز في بايرون كما يشاؤون؛ لكن من المؤكد أنهم لن يجلبوا أي شاعر في مكانته. إنه مختلف عن كل الآخرين، و أعظم بكثير منهم".

الاثنين 15 مايو 1826.

لقد تحدثت مع غوته اليوم عن القديس شوتزه، والذي تحدث عنه بلطف شديد. وقال: "عندما كنت مريضًا منذ بضعة أسابيع، قرأت كتابه" Heitere Stunden "(ساعات البهجة) بسرور كبير. لو كان شوتزه يعيش في إنجلترا، لكان قد صنع حقبة؛ لأنه مع هبته في من الملاحظة والتصوير، لم يكن ينقصه شيء سوى رؤية الحياة على نطاق أوسع".

الخميس ١ يونيو ١٨٢٦.

تحدث غوته عن "Globe"، وقال "المساهمون فيها هم رجال العالم، إنهم مرحون وواضحون في آرائهم وجريئون لدرجة كبيرة. إنهم مصقولون ولامعون في انتقادهم. في حين أنَّ أدباءنا الألمان يعتقدون دائمًا أنهم يجب أن يكرهوا أولئك الذين لا يفكرون مثلهم. اعتبر "Globe" واحدة من أكثر الدوريات إثارة للاهتمام، ولا يمكن الاستغناء عنها".

الأربعاء 26 يوليو 1826.

كان من دواعي سروري في هذا المساء أن أسمع غوته يقول الكثير عن المسرح.

أخبرته أنَّ أحد أصدقائي كان ينوي معالجة عمل لورد بايرون "Two Foscari" لعرضه في المسرح. شكك غوته في نجاحه.

قال: "إنه بالفعل أمر مغرٍ عندما يترك فينا عملًا قرأناه انطباعًا عميقًا بعد القراءة، ونعتقد أنه سيفعل الشيء نفسه على المسرح، وأنه يمكننا الحصول على مثل هذه النتيجة بأقل قدر من المتاعب. هذه ليست القضية على الإطلاق. فالقطعة التي لا تكون مكتوبة للمسرح في الأصل من خلال نية الشاعر ومهارته لن تنجح؛ ومهما فعلت معها، ستبقى دائمًا أمرًا لا يمكن التحكم فيه. لقد بذلت الكثير من الجهد في عملي "Goetz von Berlichingen!" لكنها لن تصلح كمسرحية، فهي طويلة جدًا، وقد أرغمت على تقسيمها إلى قسمين، بينما القسم الأخير مسرحي فعليًا، فالقسم الأول لا يبدو سوى أنه مقدمة. إذا قُدِم الجزء الأول مرة واحدة فقط كمقدمة، ثم كرر الجزء الثاني مرارًا وتكرارًا، فقد تنجح كمسرحية، الأمر نفسه مع "فالنشتاين"، لا تحتمل بيكولوميني "التكرار"، ولكن "موت فالنشتاين" يُرى دائمًا ببهجة".

سألت كيف يجب أن يتم بناء قطعة مسرحية بحيث تكون مناسبة للمسرح.

أجاب غوته، "يجب أن تكون رمزية؛ بمعنى أنَّ كل حادثة يجب أن تكون مهمة في حد ذاتها، وأن تؤدي إلى حادثة أخرى أكثر أهمية. عمل موليير "TartufFe"، يعد مثالًا رائعًا في هذا الصدد. لا تفكر إلا في مقدمة المشهد الأول! منذ البداية كل شيء ذو أهمية كبيرة، ويقودنا إلى أن نتوقع شيئًا أكثر أهمية وهو ما سيأتي. كما أنَّ بداية "Minna von Barnhelm" لسينسينغ مثيرة للإعجاب أيضًا؛ لكنَّ عملًا مثل "TartufFe" يأتي مرة واحدة فقط في العالم: إنه أعظم وأفضل شيء موجود من هذا النوع".

ثم وصلنا إلى أعمال كالديرون. قال غوته، "في أعمال كالديرون، تجد نفس التكييف المثالي للمسرح. قطعه تناسب جميع المجالس؛ ليس هناك لمسة فيها غير موجهة نحو التأثير المطلوب. كالديرون عبقري ويملك إدراكًا عظيمًا بحق".

قلت، "إنه لأمر فريد أنَّ دراما شيكسبير ليست قطعًا مسرحية، بما أنه كتبها كلها لمسرحه". أجاب غوته، "كتب شيكسبير تلك القطع من داخل ذاته مباشرة، لكن سنه والترتيبات القائمة للمسرح حينها لم تجعل أعماله مطلوبة؛ أجبر الناس على تحمل كل ما قدم لهم. ولكن إذا كتب شكسبير لمسرح مدريد، أو مسرح لويس الرابع عشر، كان من المحتمل أن يعدّ نفسه "لشكل مسرحي أكثر شدة، لكن، على أية حال، لا يتوجب أن نندم على الأمر، لأنَّ ما فقده شيكسبير كشاعر مسرحي اكتسبه كشاعر بشكل عام، فشيكسبير عالم نفسي عظيم، ونحن نتعلم من أعماله أسرار الطبيعة البشرية".

ثم تحدثنا عن الصعوبات في إدارة المسرح.

يقول غوته، "إنَّ النقطة المعقدة هي أن نتعامل مع الاحتمالات التي لا نميل إلى تحييدها عن قيمنا العليا. ومن بين القيم العليا: الحفاظ على مخزون جيد من التراجيديا والأوبرا والكوميديات الممتازة، والتي يمكن اعتبارها دائمة. لا يجب أن نكون ضالين بأشياء من هذا النوع، ويجب أن نعود دائمًا إلى مخزوننا. عصرنا غني جدًا بقطع مسرحية جيدة، بحيث ليس هناك ما هو أسهل للخبير من أن يكون مجموعة مسرحيات جيدة؛ لكن لا شيء أكثر صعوبة من الحفاظ عليها.

"عندما أشرفت أنا وشيللر على المسرح، كان لدينا ميزة كبيرة في العرض خلال الصيف في لاوشستيدت. كان لدينا جمهور مختار، ولم نكن نعرض عليهم إلا الأعمال الممتازة؛ لذلك كنا دائمًا نعود إلى فايمار ونتدرب فيها على أفضل المسرحيات، كان من الممكن أن نكرر جميع عروضنا الصيفية في فصل الشتاء. لأنه وإلى جانب ثقة جمهور فايمار في إدارتنا، فحتى الأشياء التي لم يكونوا راضين عنها، كانوا مقتنعين بأننا تصرفنا خلالها وفقًا لوجهة نظر أعلى.

استمر غوته، "عندما بدأت التسعينات، كانت فترة اهتمامي بالمسرح قد مضت، ولم أكتب أي شيء للمسرح، فقد أردت أن أكرس نفسي للشعر الملحمي. أعاد شيللر إحياء اهتمامي المنقرض، ومن أجل أعماله، شاركت مرة أخرى في المسرح. في الوقت الذي قضيته في عملي "كلافيجو"، كان بإمكاني بسهولة كتابة اثنتي عشرة قطعة مسرحية. لم تكن لدي رغبة في مواضيع، وكان الإنتاج سهلًا بالنسبة لي. ربما كان بإمكاني كتابة قطعة كل أسبوع، وأنا آسف لأنني لم أفعل ذلك".

الأربعاء 8 نوفمبر 1826.

تحدث غوته مرة أخرى عن اللورد بايرون بإعجاب. قال لي: "لقد قرأت 'Deformed Transformed' مرة أخرى، ويجب أن أقول، إنَّ موهبته تبدو أكبر من أي وقت مضى. كانت شياطينه تشبه عملي "Mephistophiles"، لكنه ليس تقليدًا - إنه عمل جديد، أصيل، قريب، حقيقي وروحاني وليس فيه أي بنية ضعيفة - لا يوجد مكان لا ترى فيه اختراعًا وفكرًا. ولولا هواجسه السلبية لأصبح مثل شيكسبير والقدماء". عبرت عن دهشتي.

قال غوته، "نعم، صدقني. لقد درسته من جديد وأنا متأكد من هذا الرأي".

في محادثة منذ فترة، كان غوته قد لاحظ أنَّ بايرون كان يملك الكثير من البراعة "empeiria"، لم أفهم جيدًا ما الذي يعنيه؛ لكنني لم أجرؤ على أن أسأله، وفكرت في الأمر في صمت. ومع ذلك، لم أتوصل إلى أي شيء من خلال التفكير، ووجدت أنه يجب عليّ الانتظار حتى تتحسن ثقافتي، أو تحدث بعض الظروف السعيدة، ليكشف لي عن السر . حدث أمر مماثل عندما ترك التمثيل الممتاز لـ "ماكبث" في المسرح تأثيرًا قويًا عليّ، وفي اليوم التالي تناولت أعمال بايرون لقراءة "بيبو". الآن، شعرت أنني لا أستطيع أن أستمتع بهذه القصيدة بعد "ماكبث"؛ وكلما قرأت أكثر، أصبحت مدركًا أكثر لما عناه غوته.

في "ماكبث"، أبهرتني الروح، التي لا يمكن أن تأتي عظمتها وقوتها وسعادتها إلا من شكسبير. كانت هناك نوعية فطرية ذات طبيعة عالية وعميقة، ترفع الفرد الذي يمتلكها فوق كل البشرية، مما يجعله شاعرًا عظيمًا. وكل ما أُعطي لهذه القطعة من معرفة العالم أو التجربة، كان خاضعًا للروح الشعرية، وخدم فقط لجعل هذا الكلام خارجًا وغالبًا. لقد حكمنا الشاعر العظيم ورفعنا إلى وجهة نظره الخاصة.

أثناء قراءة "بيبو"، على العكس من ذلك، شعرت بغلبة العالم التجريبي الشرير، الذي ربط العقل الذي قدمه لنا نفسه به. لم أجد الأفكار العظيمة الصافية لشاعر موهوب للغاية، ولكن من خلال الجماع المتكرر مع العالم، يبدو أنَّ طريقة تفكير الشاعر قد اكتسبت الطابع نفسه. بدا أنه على المستوى نفسه مع جميع رجال الفكر في عالم الطبقة العليا، حيث لم يميزه عنهم سوى موهبته الشعرية العظيمة، حتى يمكن اعتباره الناطق بلسانهم. لذا شعرت عند قراءة '' بيبو ''، أنَّ اللورد بايرون يملك الكثير من الخبرة، ليس لأنه جلب الكثير من الحياة الواقعية أمامنا، ولكن لأنَّ طبيعته الشعرية العالية بدت صامتة، أو حتى طردت من خلال طريقة تفكير تجريبية .

الأربعاء 29 نوفمبر 1826

كنت قد قرأت الآن أيضًا عمل اللورد بايرون "Deformed Transformed"، وتحدثت مع غوته حول هذا الموضوع بعد العشاء.

قال، "ألست محقًا؟ المشاهد الأولى عظيمة - شعرية عظيمة. الباقي، عندما يتحول الموضوع إلى حصار روما، لن أدعوه شعريًا، ولكن يجب أن نجزم أنه بارع إلى حد كبير للغاية (geistreich)".

قلت، "لأعلى درجة، ولكن لا يوجد فن يتم توجيهه عندما لا يحترم المرء أي شيء".

ضحك غوته وقال، "أنت لست مخطئًا تمامًا. يجب علينا، في الواقع، أن نعترف بأنَّ الشاعر يقول أكثر مما يجب قوله. إنه يخبرنا بالحقيقة، ولكنه أمر مزعج، وكنا لنحبه أكثر لو صمت. هناك أشياء في العالم يقوم بها الشاعر يجب أن تخفي بدلًا من أن تكشف؛ لكن هذا الانفتاح يكمن في شخصية بايرون، وسوف تقضي عليه إذا جعلته يغير طبيعته.

قلت، "نعم، إنه بارع للغاية. على سبيل المثال، هذا المقطع جيد جدًا،

"الشيطان يتحدث الحقيقة في كثير من الأحيان، أكثر مما يعتقد.

لديه جمهور جاهل؟

"هذا جيد ومطلق مثل إحدى عباراتي في عملي "ميفيستيفيلز".

قال غوته، "بما أننا نتحدث عن ميفيستيفيلز، سأريك شيئًا أحضره لي كودراي من باريس. ما رأيك في ذلك؟"

وضع أمامي طباعة حجرية، تمثل المشهد الذي يهرب فيه فاوست وميفيستيفيلز من حبل المشنقة ليلًا على حصانين وهما في طريقهما لتحرير مارغريت من السجن. فاوست يركب حصانًا أسود اللون، يجمح بكل قوته ويبدو خائفًا من شبح تحت حبل المشنقة كما هو حال راكبه. كانا ينطلقان بسرعة كبيرة لدرجة أنَّ فاوست بالكاد استطاع البقاء على ظهر حصانه؛ أطاح تيار الهواء قبعته التي كان يربطها بأشرطة حول رقبته. حول وجهه المستفسر إلى ميفيستيفيلز، واستمع إلى كلماته. على النقيض من ذلك، فإنَّ ميفيستيفيلز كان يجلس هادئًا دون عائق، كمخلوق من مقام أعلى. لا يركب حصانًا حيًا، لأنه لا يحب ما هو حي؛ لم يكن يحتاج ذلك بالتأكيد، لأنَّ إرادته تحركه بالسرعة التي يطلبها. كان يركب حصانًا يبدو ككيس من العظام. بدا الحقل الأول الذي جاء إليه ذو لون مشرق، وبدا وكأنه فوسفوري وسط ظلام الليل. جلس المتسابق الخارق بسهولة وبإهمال ووجهه موجَّه نحو فاوست وهما يتحدثان. العنصر المقابل للهواء ليس موجودًا لأجله. لا يشعر هو ولا حصانه بأي شيء. لا تتحرك أي شعرة منهما.

لقد عبرنا عن سرور بالغ لهذه التركيبة البارعة. وقال غوته "يجب أن أعترف أنني شخصيًا لم أفكر في ذلك تمامًا. هناك مشهد آخر. ما رأيك فيه؟

رأيت تمثيلًا لمشهد السُكر الجامح في قبو أورباخ، في اللحظة المهمة عندما يحترق النبيذ، وتظهر وحشية الشاربين بالطرق الأكثر تنوعًا. كل شيء بعاطفة وحركة؛ لا أحد سوى ميفيستيفيلز يحافظ على رباطة جأشه المعتادة. السباب الجامح والصراخ، والسكين المغروس في الرجل الذي يقف بجانبه لم تعن له شيئًا. لقد كان يجلس على زاوية الطاولة ويحرك ساقيه. إصبعه المرفوع كافٍ لإخضاع اللهب والعاطفة.

كلما نظر المرء إلى هذا التصميم الممتاز، بدا ذكاء الفنان أكبر، والذي لم يصنع أي مشهد يشبه الآخر، فقد عبر في كل مشهد عن جزء مختلف من العمل.

قال غوته، ''م. ديلاكروا رجل موهوب وعظيم، وقد وجد في "فاوست" عناصره السليمة. ينتقد الفرنسيون وحشيته، لكنها تناسبه جيدًا هنا. آمل أن يقرأ "فاوست" كاملة، وأتوقع متعة خاصة من مطبخ الساحرات ومشاهد بروكين. يمكننا أن نرى أنَّ لديه معرفة جيدة بالحياة، وقد منحته مدينة مثل باريس أفضل فرصة".

لقد لاحظت أنَّ هذه التصاميم تؤدي بشكل كبير إلى فهم القصيدة.

يقول غوته، "لا شك في أنَّ خيال مثل هذا الفنان يوجهنا للتفكير في المواقف الجميلة كما تصورها بنفسه. وإذا كان يجب أن أعترف بأنَّ م. ديلاكروا قد تفوق في بعض المشاهد على مفاهيمي الخاصة، فبالأحري سيجد القارئ كل شيء في الحياة الكاملة، ويتفوق على خياله".

الاثنين 11 ديسمبر 1826.

لقد وجدت غوته في مزاج سعيد للغاية. قال، "لقد قضى ألكسندر فون هومبولدت بضع ساعات معي هذا الصباح، جاء ليقابلني بحيوية كبيرة؛ ياله من رجل! أعرفه من وقت طويل لكنه لا زال يفاجئني من جديد. من الممكن أن يقول شخصًا ما أنه لا يملك القدر نفسه من المعرفة والحكمة الحية. لكنه يملك الكثير من الجوانب الخفية لم أجدها في أي مكان آخر. حالما تقترب منه يكون في البيت ليجود علينا بكنوزه الفكرية. إنه مثل ينبوع به العديد من الأنابيب التي تحتاج تحتها فقط إلى وعاء والتي تتدفق منها مياه منعشة لا تنضب، سيبقى هنا لبعض الأيام؛ وأشعر بالفعل أنه سيكون معي كما لو كنت أعيش لسنوات".

الأربعاء 13 ديسمبر 1826.

على الطاولة، أثنت السيدات على صورة لرسام شاب. وأضفن "أكثر ما يثير الدهشة هو أنه تعلم كل شيء بمفرده. يمكن أن يرى هذا بشكل خاص في الأيدي، التي لم تكن مرسومة بشكل صحيح وفني"، قال غوته، "نحن نرى أنَّ الشاب لديه موهبة؛ ومع ذلك، يجب أن لا تمدحنها، بل أن تلمنه، لتعلمه كل شيء بمفرده. لا يولد رجل موهوب ليتعلم كل شيء بمفرده، بل ليكرس نفسه للفن والإتقان الجيد، ذلك ما سيصنع منه شيئًا. لقد قرأت مؤخرًا رسالة من موزارت ردًا على بارون أرسل له أعماله، وقد كتبها على هذا النحو تقريبًا ــ

"يجب أن تلام بسبب خطأين، لأنهما بوجه عام اثنان فقط؛ إما أنك لا تملك أفكارًا خاصة بك وتأخذ أفكار الآخرين، أو إذا كنت تملك أفكارًا خاصة بك، فأنت لا تعرف كيف تستخدمها".

"أليست هذه الملاحظة؟ والملاحظة الرائعة التي قدمها موزارت حول الموسيقى، تنطبقان على جميع الفنون الأخرى؟"

تابع غوته: "يقول ليوناردو دافنشي، ‘إذا لم يكن لدى ابنك الشجاعة الكافية ليعرض ما يرسمه بشجاعة جريئة، حتى نتمكن من استيعابه بأيدينا، فهو لا يملك موهبة‘.

علاوة على ذلك، يقول ليوناردو دافنشي، ‘إذا كان ابنك سيد الكمال في المنظور والتشريح، أرسله إلى معلم جيد‘.

قال غوته، "والآن، فنانونا الصغار لا يتعلمون الكثير حتى بعد أن يتركوا معلميهم. لقد تغيرت الأوقات كثيرًا".

قال غوته، "إنَّ رسالتنا الشبابية تفتقر إلى القلب والفكر. اختراعاتهم لا تعبر عن شيء ولا تؤثر على شيء: فهم يرسمون السيوف التي لا تقطع، والأسهم التي لا تنطلق؛ وغالبًا ما أفكر أنَّ كل الثقافة قد اختفت من العالم".

أجبته، "حتى الآن، يجب أن نفكر بطبيعة الحال أنَّ الأحداث العسكرية الكبرى في السنوات الأخيرة قد كان لها تأثيرها".

قال غوته، "لقد حركت الإرادة أكثر من الذكاء، والعقل الشعري أكثر من الناحية الفنية، في حين فقدنا كل البساطة والحسية. دون هذين الشرطين الكبيرين، كيف يمكن للرسام أن ينتج أي شيء لكي نجد فيه أي متعة".

قلت إنني بينما كنت أقرأ مؤخَّرًا في" سفرياته الإيطالية "، وجدت صورة من Correggio، تمثل"الفطام"، يقف فيها الطفل المسيح في حضن مريم وهو محتار بين ثدي والدته والكمثرى الموضوعة أمامه، ولا يعرف أيًا من الاثنين يجب أن يختار.

قال غوته، "أوه، هذه صورة صغيرة لأجلك! فيها عقل،بساطة وحسية كلهم في آن. يملك الموضوع المقدس اهتمامًا إنسانيًا عالميًا، ويقف كرمز لفترة من الحياة علينا كلنا المرور بها. مثل هذه الصورة الخالدة تعيدنا إلى الوراء في الأزمنة الأولى للإنسانية، وإلى الأمام نحو الأزمنة الأحدث، وعلى العكس من ذلك، إذا تم رسم معاناة المسيح فستكون صورة لا تقول أي شيء على أي حال، لن تقول شيئًا ذا أهمية.

تابع غوته، "لأكثر من خمسين عامًا شاهدت الرسم الألماني - لا، لم أشاهده فحسب، بل سعيت إلى ممارسة بعض التأثير عليه، والآن أستطيع أن أقول الكثير؛ بما أنَّ الأمر مطروح، لا يمكن توقع الكثير. يجب أن تأتي بعض المواهب العظيمة، التي ستلائم نفسها مع كل ما هو جيد في هذه الفترة، وبالتالي ستتفوق على الجميع. فالوسائل متوفرة، والطريق ممهد. لدينا الآن أعمال فيدياس أمام أعيننا، بينما في شبابنا لم يكن هناك شيء من هذا القبيل يمكن التفكير فيه. كما قلت للتو، لا نحتاج إلى شيء سوى موهبة عظيمة، وهذا ما آمل أن يأتي؛ ربما يكون بالفعل في مهده، وستعيش لترى عبقريته".

الأربعاء، 20 ديسمبر 1826.

أخبرت غوته بعد العشاء بأنني اكتشفت شيئًا مدني بالكثير من المتعة. كنت قد لاحظت في شمعة محترقة أنَّ الجزء السفلي الشفاف من اللهب يظهر ظاهرة مشابهة لظاهرة السماء الزرقاء، حيث أننا نرى الظلمة عبر وسط مضاء لكنه كثيف.

سألت غوته عما إذا كان يعرف ظاهرة الشمعة هذه، وذكرها في كتابه "نظرية الألوان".

قال، "بالتأكيد"، ثم قام بأخذ مجلد من "نظرية الألوان"، وقرأ لي فقرات وجدت فيها وصفًا لكل ما رأيته. قال، "أنا مسرور، أنك مهتم بهذه الظاهرة، دون أن تعرفها من خلال نظريتي، لأنك قد فهمتها الآن، ويمكن أن تقول إنك تمتلكها. وعلاوة على ذلك، فقد اكتسبت وجهة النظر التي يمكنك من خلالها المتابعة إلى الظواهر الأخرى، سأعرض عليك الآن واحدة جديدة".

كان ذلك حوالي الساعة الرابعة: كانت السماء مليئة بالغيوم، وبدأ الشفق. قام غوته بإضاءة شمعة، وأخذها إلى طاولة بالقرب من النافذة. ثم وضعها على ورقة بيضاء، ووضع عصا صغيرة بحيث ألقى ضوء الشمعة ظلًا من العصا نحو ضوء النهار. قال غوته، "الآن، ماذا تقول عن هذا الظل؟" أجبت، "الظل أزرق". أجاب، "ها أنت تحصل على اللون الأزرق مرة أخرى. ولكن ماذا ترى على الجانب الآخر من العصا على جهة الشمعة؟" "ظل آخر". "من أي لون". أجبته، "الظل أصفر محمر"؛ '' ولكن من أين تستمد هذه الظاهرة؟" قال غوته، "هناك نقطة ما، انظر ما إذا كان بإمكانك العمل على حلها. هناك حل يمكن العثور عليه، لكنه صعب. لا تقرأ نظرية الألوان خاصتي حتى تفقد كل آمال في العثور على الحل بنفسك". قدمت هذا الوعد بسعادة كبيرة.

قال غوته، "الظاهرة من الجزء السفلي من الشمعة، حيث توضع شعلة شفافة قبل حلول الظلام وتنتج لونًا أزرقَ، سأعرضها لك الآن على نطاق أوسع". أخذ ملعقة وصب فيها بعض الكحول وأشعل فيها النار. ظهرت تلك الشعلة مرة أخرى، ومن خلالها ظهرت الظلمة باللون الأزرق. إذا حملت الشعلة المحترقة قبالة الظلام، ازدادت كثافة اللون الأزرق؛ ولكن إذا حملتها قبالة الضوء، أصبح الأزرق أكثر خفوتًا أو اختفى تمامًا.

لقد سررت بهذه الظاهرة. قالت غوته، "نعم، هذه هي عظمة الطبيعة، وهي بسيطة جدًا، وهي دائمًا تكرر أكبر ظواهرها على نطاق ضيق. نفس القانون الذي تكون به السماء زرقاء يمكن أن يلاحظ بالمثل في الشمعة أو عندما تشعل النار في ملعقة موضوع بها كحول، وأيضًا من الدخان المشرق الذي يرتفع من قرية بها جبال مظلمة في الخلفية".

قلت، "لكن كيف يفسر تلاميذ نيوتن هذه الظاهرة البديهية؟" أجاب غوته، "لا يجب أن تعرف. فتفسيرهم غبي جدًا، بعض العقول الجيدة تتضرر بشكل لا يصدق عندما تفكر بغباء. لا تزعج نفسك بالنيوتونيين، كن راضيًا عن التعاليم النقية، وسوف تجدها كافية بالنسبة لك".

قلت، "مثل هذا التفسير الخاطيء ربما يكون غير سار ومضر مثل تناول تراجيديا سيئة ورسم جميع أجزائها، وفضحها في عريها".

قال غوته، "القضية هي نفسها بالضبط، ويجب ألا نتدخل في أي شيء من هذا القبيل دون ضرورة فعلية. أتلقى الرياضيات كعلم راسخ ومفيد، طالما يتم تطبيقها في مكانها الصحيح لكنني لا أستطيع أن أشيد بسوء استعمالها في أمور لا تنتمي إلى مجالها، حيث يصبح هذا العلم النبيل مجرد هراء. كما لو أنَّ الأشياء تصبح موجودة فقط عندما يتم إثباتها رياضيًا، يا إلهي! سيكون من الغباء أن لا يؤمن الرجل بمحبة عشيقته لأنها لا تستطيع أن تثبت ذلك رياضيًا، فهي تستطيع أن تثبت رياضيًا مهرها، ولكن ليس حبها. لم يكتشف علماء الرياضيات تحولات النباتات. حقق هذا الاكتشاف بدون رياضيات، واضطر علماء الرياضيات إلى تحمله. ولتفهم ظاهرة اللون، لا شيء مطلوب سوى مراقبة عادلة وذهن حاضر، ولكن هذه أشياء نادرة أكثر مما يتخيل الناس".

سألت، "إلى أين وصل الفرنسيون والإنجليز في الوقت الحاضر فيما يتعلق بنظرية اللون؟" أجاب غوته، "كل من البلدين، له مزاياه وعيوبه. بالنسبة للإنجليز من الجيد أنهم يجعلون كل شيء عمليًا، لكنهم متحذلقون. لدى الفرنسيين أدمغة جيدة، ولكن معهم كل شيء يجب أن يكون إيجابيًا، وإذا لم يكن كذلك فإنهم يحاولون جعله كذلك. ولكن فيما يتعلق بنظرية الألوان، فإنهم في حالة جيدة، وواحد من أفضل رجالهم يقترب من الحقيقة. يقول إنَّ الألوان متأصلة في الأشياء نفسها؛ لأنه يوجد في الطبيعة مبدأ حمضي، كذلك يوجد أيضًا مبدأ اللون؛ اعترف أنَّ هذا الرأي لا يفسر الظاهرة، لكنه يضع الجسم داخل مجال الطبيعة، ويحرره من عبء الرياضيات".

جلب غوته أوراق برلين وجلس لقراءتها. مد إحداها لي، ووجدت في الإخبار المسرحية، أنه تم عرض قطع مسرحية سيئة في دار الأوبرا والمسرح الملكي كالتي قُدِّمت هنا. قال غوته: "كيف سيكون الأمر خلاف ذلك؟ لا شك في أنه بمساعدة القطع المسرحية الإنجليزية والفرنسية والإسبانية الجيدة، يمكن تكوين مخزون كبير بما يكفي لتقديم قطعة جيدة كل مساء. ولكن ما نحتاجه هو شعور الأمة بحاجتها الدائمة لرؤية قطع مسرحية جيدة. الوقت الذي عاش فيه أخيل، وسوفوكليس، ويوربيدس كان مختلفًا. وكانت هناك عقول راجحة لاختيار ما هو أعظم وأفضل حقًا، لكن في أوقاتنا البائسة، أين تشعر بحاجة إلى الأفضل؟ أين القادرون على تقديرها؟

واصل غوته، "بعد ذلك، سيكون لدى الناس شيء جديد. في برلين أو باريس، يكون الجمهور هو نفسه دائمًا. يتم كتابة كمية من القطع الجديدة وإخراجها في باريس، ويجب أن تتحمل قراءة خمسة أو ستة أعمال قبل أن تجد بينها عملًا جيدًا. الوسيلة الوحيدة للحفاظ على المسرح الألماني في الوقت الحاضر، هي إحضار نجوم مشاهير لتقديم العروض، إذا كنت أدير المسرح الآن، كنت سأقدم كل النجوم البارعين في الشتاء. وبالتالي، لن يتم تمثيل جميع القطع الجيدة مرة أخرى فحسب، بل سيتم توجيه اهتمام الجمهور أكثر نحو التمثيل؛ وسيتم الحصول على قوة للمقارنة والحكم؛ وسيحافظ الأداء المتفوق للنجم المميز على بقية الممثلين في حالة من الإثارة ومحاولة التحسن. وكما قلت من قبل، استمر في عرض نجومك في أدوار بطولية، وسوف تندهش من الفائدة التي ستعود على المسرح والجمهور على حد سواء. أتوقع أن يحل وقت حيث سيقوم رجل ذكي يفهم هذه المسألة، بإنشاء أربعة مسارح في آن، ويملأها بالنجوم المعروفين. وأنا متأكد من أنه سيحافظ على مكانته بشكل أفضل مما لو كان لديه مسرح واحد فقط".

الأربعاء، 27 ديسمبر 1826.

لقد كنت أفكر ملياً عندما كنت في المنزل حول ظاهرة الظلال الزرقاء والصفراء، وعلى الرغم من أنَّ هذا الأمر ظل كلغز بالنسبة لي لوقت طويل، إلا أنَّ ضوءًا لمع أمامي بعد تأمل مستمر، وكنت مقتنعًا تدريجيًا بأنني فهمت الظاهرة.

اليوم على العشاء، أخبرت غوته بأنني حللت اللغز. قال غوته، "هذا يقول الكثير، ستريني بعد العشاء". أجبت، "أفضل أن أكتب استنتاجي، لأنني أريد الكلمات الصحيحة للتفسير الشفوي". قال غوته، "يمكنك كتابتها لاحقًا، ولكن في اليوم يجب عليك حل المشكلة أمام عيني، وإثبات ذلك بفمك، حتى أتمكن من رؤية ما إذا كنت على الطريق الصحيح".

بعد العشاء، عندما كان الضوء لا يزال ساطعًا، سألني غوته، "هل يمكنك إجراء تجربتك الآن" قلت، "لا"، قال غوته، "لمَ لا؟" أجبت، "الضوء ساطع جدًا". يجب أن ننتظر المغيب قليلًا حتى تلقي الشمعة الضوء الصحيح. قال غوته، "أه، هذا صحيح".

حل المساء أخيرًا، وأخبرت غوته أنَّ هذا هو الوقت المناسب. أضاء شمعة، وأعطاني ورقة بيضاء وعصا. قال، "الآن ، ابدأ تجربتك وبرهانك"، وضعت الشمعة على الطاولة بالقرب من النافذة، ووضعت الورقة بالقرب منها، وعندما وضعت العصا في منتصف الورقة، بين ضوء النهار وضوء الشمعة، بدت الظاهرة هناك بكل جمالها.

كان الظل نحو الشمعة أصفر اللون، والظل نحو النافذة أزرقَ مثاليًا. قال غوته، "الآن ، كيف يتم إنتاج الظل الأزرق؟" قلت، "قبل أن أشرح هذا، سأضع القانون الأساسي، الذي استنتجت منه الظاهرة. الضوء والظلام ليسا لونين، لكنهما النقيضان اللذان بينهما، وبتعديلهما، يتم إنتاج جميع الألوان.

بجانب النقيضين "النور والظلام" ينشأ اللونان الأصفر والأزرق. الحدود الصفراء على الضوء يتم إنتاجها بقدر ما يرى الضوء من خلال شفافية باهتة؛ الحدود الزرقاء على الظلام، يتم إنتاجها بقدر ما يرى الظلام من خلال شفافية مضيئة. إذا وصلنا الآن إلى ظواهرنا، فإننا نرى أنَّ العصا، من خلال قوة ضوء الشمعة، تلقي ظلالا حاسمة. سيظهر هذا الظل كظلام أسود كبير إذا أغلقت الستائر وحجبت ضوء النهار؛ ولكن هنا يدخل ضوء النهار بحرية عبر النافذة، ويشكل وسيطًا مضاءً، أرى من خلاله ظل الظلام؛ وبالتالي، طبقًا لقانوننا، يتم إنتاج اللون الأزرق".

ضحك غوته. قال، "حسنًا، هذا سيكون الأزرق، أليس كذلك؟ لكن كيف تفسر الظل الأصفر؟" أجبته، "من قانون الضوء الخافت. إنَّ الشمعة المحترقة تلقي على الورقة البيضاء الضوء الذي يحتوي على مسحة صفراء قليلاً. ولكنه مع ذلك، قوي بما يكفي لرمي ظل ضعيف، والذي، بقدر ما يمتد، يضعف الضوء؛ وبالتالي، طبقًا لقانوننا، يتم إنتاج اللون الأصفر. وإذا كنت أخفض من الخفة عن طريق جلب الظل قدر الإمكان إلى الشمعة، يتم إنتاج اللون الأصفر النقي الصافي؛ ولكن إذا قمت بزيادة الخفة بإزالة الظل قدر الإمكان من الشمعة، فإنَّ اللون الأصفر يزداد إلى أصفر محمر، أو حتى أحمر".

ضحك غوته مرة أخرى، وبدا غامضًا جدًا. وقال، "الآن، هل أنا على حق؟ لقد لاحظت الظاهرة بشكل جيد، وقد وصفتها بشكل جميل جدًا، لكنك لم تشرحها. تفسيرك عبقري، لكنه ليس صحيحًا".

قلت، "ساعدني، إذن وحل اللغز لأنني لست صبورًا للغاية". أجاب غوته، "يجب عليك أن تعرف الحل، ولكن ليس اليوم وليس على هذا النحو. سوف أعرض عليك لاحقًا ظاهرة أخرى ستجعل القانون واضحًا أمام عينيك. أنت تقترب من العلامة، ولا تستطيع المضي قدمًا في هذا الاتجاه، عندما تفهم القانون الجديد، ستتوجه إلى منطقة أخرى. تعال إليّ في أحد الأيام وتناول الطعام معي قبل ساعة، عندما تكون السماء صافية، وسوف أعرض عليك ظاهرة أكثر بساطة، سوف تفهم من خلالها القانون الذي يكمن في هذه الظاهرة". وتابع، "أنا سعيد للغاية لأنك تبدي هذا الاهتمام بالألوان، لأنه موضوع يمكن أن يمدك بفرحة كبيرة".

عندما غادرت منزل غوته في المساء، لم أتمكن من إبعاد تفكيري عن هذه الظاهرة، وسيطرت على أحلامي للغاية؛ ورغم ذلك لم أتوصل إلى إدراك أوضح، ولم أتقدم خطوة واحدة نحو حل اللغز. قال لي غوته مؤخرًا، "أنا اتقدم ببطء في أوراقي حول العلوم الطبيعية، ليس لأنني أعتقد أنني أستطيع تطوير العلوم ماديًا، ولكن بسبب العديد من الزمالات الممتازة التي أحتفظ بها بسبب الأمر. من بين جميع المهن، فإنَّ تلك المتصلة بالطبيعة هي الأكثر براءة. كما هو الحال بالنسبة لأي اتصال أو مراسلات في مسائل جمالية دون شك.

إنهم يريدون الآن معرفة أي مدينة تقع على نهر الراين تلك التي قصدتها عند كتابة "هيرمان ودوروثيا"، كما لو أنه لم يكن من الأفضل الاختيار حسب ما يتخيله المرء. إنهم يريدون الحقيقة - إنهم يريدون الواقعية. وبالتالي يتم تدمير الشعر".

================
محادثات مع غوته
تأليف: يوهان بيتر إيكرمان
ترجمة من الألمانية للإنجليزية: جون اوكسنفورد
ترجمة من الإنجليزية: سماح جعفر

تقوم «القرية الإلكترونية» بتكليف من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، بترجمة يوميات من حياة "جوته"، المعنونة بـــ «محادثات مع غوته»، من تأليف: «يوهان بيتر إيكرمان*»، وهي عبارة عن يوميّات كتبها "إيكرمان" عن السنوات الأخيرة من حياة شاعر ألمانيا الكبير «غوته Goethe»، وتمت ترجمتها من الألمانية للإنجليزية بواسطة «جون أوكسنفورد»، وترجمها من الإنجليزية إلى العربية: «طارق زياد شعار»، وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في الصفحة نأمل أن تحوز إعجابكم.
*«يوهان بيتر إيكرمان» Johann Peter Eckermann 1792-1854: عمل كأمين خاص لجوته في الفترة الأخيرة من حياة الأخير. وسرعان ما أصبح كتابه محادثات مع غوته، ذو شعبية تخطت الحدود الألمانية، ولعب دوراً مهما في إحياء الاهتمام والتقدير لأعمال جوته في وقت لاحق.
Photo
Add a comment...

Post has attachment
نرسيس (3) التحولات لأوفيد

وفيما كان يشرب،
أخذ بصورته التي رآها في الماء،
بانعكاسٍ رجراجٍ،
فما لم يكن إلاّ ظِلاًّ،
حسبَ أنّه جسم.
انتشى أمام نفسه،
وتأمّلَ نجمتين لم تكونا إلا عينيه،
وشعره الجدير بباخوس، وليس أقلّ جدارةً بأبولّون، 12
وخدّيه النّاعمين، وعنقه العاجيّ،
وفمه البديع،
ولونه الذي يشعُّ بألقٍ عقيقيٍّ
يوشّحه بياضٌ كالثّلج.
أعجبَ بكلّ ما يوحي بالإعجاب.
تشهّى نفسه، دون أن يدري أنه العاشق والمعشوق.
إطراءاته يوجّهها إلى نفسه،
والنّيران التي يحسّها
هي تلك التي يُشعلها هو.
كم مرَّةٍ أعطى قبلاً لا طائلَ وراءها
إلى هذا النّبع الماكر.
كم مرَّةٍ، أغرقَ ذراعيه لكي يُمسك بعنقه
الذي كان يراه وسطَ المياه،
دون أن يقدر على الوصول إليه!
ماذا كان يرى ?
يجهل تماماً.
لكنّ ما يراه يُضْنيه،
والخداع نفسه الذي يُوهمُ عينيه، يوقظهما.
أيُّها الطفل السّاذج،
لماذا تصرُّ عبثاً
على أن تُمسكَ بصورةٍ هاربةٍ ?
ما تبحث عنه لا وجود له،
والشيء الذي تحبّه يتلاشى منذ أن تلتفت إليه.

12 أبولّون وباخوس، في الأسطورة، شابّان أبديّان، لا يتخطّيان حدود المراهقة، وليس لهما كغيرهما لحية وشعر، فقد أعفيا من هاتين الخاصّتين الذكوريّتين الثانويّتين.

ليس الشّبح الذي تراه،
إلاّ انعكاساً لصورتك؛
لا قوام له بنفسه،
يأتي ويظلّ معك،
ومعك سيبتعد، إن قدرتَ أن تبتعد.
غير أنّ دموعَه كدَّرت الماءَ،
ولم تعد صورته واضحة في الماء المُضطرب.
عندما رآها تمَّحي، صرخ:
"أين تهربين ?
إبقَي،
لا تهجري، أيَّتها القاسية، من يعبُدُكِ.
ليُسمحَ لي أن أنظرَ بعينيَّ
إلى ما لا أقدرُ أن ألمسه بيديّ،
وأن أغذّي بهِ جنوني البائس."
كان هذا الشابّ التّاعس، كلّما صرخ: "وا أسفاه!"،
يُجيبه صوت إلهة الغابة مرجِّعاً: "وا أسفاه!".
وعندما كان يضرب ذراعيه بيديه،
كانت ترجِّع صوت الضّربات.
"وا أسفاه،
أيّها الطّفلُ الذي أحببته عبثاً!":
هذه كانت آخر الكلمات التي تفوّه بها،
ناظراً كعادته، إلى الماء.
وكانت الأمكنة حوله ترجِّعُ الألفاظ ذاتها،
واحداً واحداً.
قال: "وداعاً!".
فردّت إيكو: "وداعاً!".
ترك رأسه المُرهقَ يسقط على العشبِ الأخضر،
أغلق الموت عينيه اللتين كانتا
تعجبان دائماً بجمال سيّدهما.
غابَ الجسمُ،
وفي مكانه نبتت زهرة بلون الزّعفرانِ
تحيط بقلبها أوراقٌ بيضاء. 14

14 تحمل هذه الزّهرة اسم نرسيس.
Photo
Add a comment...

Post has attachment
إيكّو (2)
من كتاب التحوّلات
لأوفيد

كان ابنُ كيفيزوس قد أضافَ سنةً،
إلى سنواته الخمس عشرة،
يجمع بين الطفولة والرجولة
يثير الشهوة في عدد كبير من الفتيان والفتيات.
غير أن جماله الشّهيّ كان يخبىء صلفاً جامحاً،
بحيث لم يقدر أن يُلامسه
لا الفتيان ولا الفتيات.

إيكو (Echo)

فيما كان نرسيس يقود إلى شباكه أيائل رَخْصَةَ العود،
جذب انتباه إلهة الغاب إيكو (Echo) التي ترجّع الصوت،
والتي لا تعرف أن تسكتَ عندما يُوجّه إليها الكلام،
ولا أن تبادر هي بالكلام.
في ذلك الوقت،
كان لإيكو جسمٌ،
ولم تكن تحوّلت الى مجرَّد صوت.
مع ذلك فإنّ فمها الثرثار
لم يكن يفيدها إلاّ في أن يُرجّعَ
الكلمات الأخيرة لكلّ ما تسمعه.
هكذا شاءت لها جونون.
عندما كانت الإلهة تفاجئ إلآهات الغاب
الّلائي كنَّ يستسلمنَ غالباً في الجبال
لمداعبات زوجها جوبيتر،
كانت إيكو تجهد لاستبقائها، بأحاديث طويلة،
لكي توفّر لإلهات الغاب فرصة الهرب.
تنبّهت إلى ذلك ابنة ساتورن، فقالت:
"هذا اللّسان الذي خدعني،
لن تكون لك عليه، بعد الآن،
إلاّ سلطةٌ ضعيفة.
ولن تستخدمي الكلامَ بعد الآن
إلاّ استخداماً قصيراً جداً."
ووضعت تهديدها هذا موضعَ التّنفيذ.
غير أن إيكو بقيت تكرّر الرّنات الأخيرة،
التي يبثّها الصّوت،
وتعيد الكلمات التي سمعتها.
هكذا عندما كانت تلمح نرسيس شارداً
في الحقول المنعزلة،
كانت تقتفي، خفيةً، آثاره
والشّهوة تتأكّلها.
وبقدر ما كانت تتبعه،
كانت تقترب من النار التي تحرقها.
وتلك سُرعةٌ ـ لا تفوقها سرعة الكبريت الحيّ
الذي تُدهنُ به أطراف المشاعل،
حين يشتعل في احتكاكه باللّهب.
أوه! كم مرَّةً أرادتْ أن تدنو منه
لتخاطبه بكلماتٍ مُلاطفة،
ولتوجّه إليه التماساتٍ وديعةٍ.
وكانت طبيعتها تأبى ذلك، ولا تسمح لها بالمبادرة.
غير أنها، وهذا مُتاحٌ لها،
كانت جاهزةً لترصُّدِ الأصوات
وترجيع كلماتها الخاصّة.
مصادفةً،
حدثَ أنّ الشّابّ انفصلَ عن جمعِ رفقائه الأوفياء،
فصرخ:
"أقُربي أحدٌ ?"
ـ "نعم، أحدٌ."
أجابت إيكو.
أخذ، مذهولاً، يطوف بنظره
في الاتجاهات كلّها، صارخاً بصوته كلّه:
ـ"تعالي."
فردّت على هذا النّداء بنداءٍ مماثلٍ.
التفتَ، وإذ لم يرَ أحداً يجيء، قال:
"لماذا تهربين منّي ?"
هكذا كان يستقبل الكلامَ الذي يُرسله.
ألحَّ، وإذ رأى نفسه مخدوعاً
بالصّوت الذي يتناوب مع صوته، قال:
"لنجتمع هنا!"
لم تكن هناك غبطةٌ أعظم تردّ بها إيكو على عبارةٍ كمثل هذه، فكرّرتْ:
"لنتَّحدْ!"
وإذ فُتنتْ هي نفسها بما قالته،
خرجتْ من الغابة،
وأرادتْ أن تطوّق بذراعيها
العنقَ الذي طالما تشهَّتهُ.
هربَ نرسيس، وقال هارباً:
"اسحبي هاتين الذراعين
لا عناق!
أفضّل أن أموتَ
على أن أستسلم لكِ."
ولم تُرجِّع إيكو إلاّ عبارة:
"أستسلم لك."
أحسّت إيكو أنّها احتُقرَتْ،
فذهبت تختبئ في الغابات،
مُغطِّيةً بالأوراقِ وجهها المُثقل خجلاً وعاراً.
ومن ذلك الوقت،
تعيش في مغاورَ منعزلة.
(وللحكاية بقيّة)
Photo
Add a comment...

Post has attachment
نبوؤة العلاّمة تيريزياس (1)
من كتاب التحوّلات
لأوفيد

تيريزياس (Tirésias)

يُروى أنّه خطرَ لجوبيتر الذي انتشى بكوثر الآلهة
أن يطرح عنه همومه الثقيلة،
لكي يلهو بحرِّيةٍ، مع جونون،
الخالية هي نفسها من الهموم كلّها.
قالَ لها:
"أكيدٌ أنّ الشّهوة التي تحسّ بها الأنثى
أعمق من تلك التي يحسّ بها الذكر."
أنكرت جونون ذلك،
واتّفقا أن يستشيرا تيريزياس العلاّمة،
ذلك أنه كان يعرف شهوات الجنسين.
فذات يومٍ، ضربَ بعصاه حيَّتين كبيرتين
تمارسان الجنسَ في غابةٍ خضراء،
وحينذاك، يا للمعجزة! انقلب
من رجلٍ إلى امرأة،
وبقي كذلك طوال سبعةِ فصولٍ خريفيّةٍ،
وفي الفصل الثامن رآهما ثانية، فقالَ لهما:
"إن كان للضّربات التي تلقّيتماها
مثلُ هذه القوّة لتغيير جنس من يضربكما،
فإنني أودّ اليومَ كذلك أن أضربكما."
ضربَ الحيَّتين،
وسُرعان ما استردَّ شكلَه الأوّل، ومظهره الطّبيعيّ.
إذن، أخذ تيريزياس حَكماً في هذا النقاش المُمتع،
فأكّدَ رأي جوبيتر.
وإذ اغتاظتْ ابنة ساتورن غيظاً مُفرطاً،
لا يستحقّه هذا الموضوع، كما يؤكّدون،
فقد حكمت على عينيه بالبقاء في ليلٍ أبدي.
لكنّ الأب الكلّيّ القدرة، (إذ لا يحقّ لأيّ إلهٍ أن يُهدّمَ صنيعَ إلهٍ آخر)،
أعطاه، بدلاً من الضّوء الذي فقده،
أن يعرفَ المستقبلَ،
مُخفِّفاً العقابَ بفضلِهِ هذا.

نرسيس (Narcisse)

عاش تيريزياس في مدن أونيا (Aonie),
حيث ذاعَ صيته في كلّ مكان،
يُعطي أجوبةً لا تُخطئ للناسِ الذين يأتون لاستشارته.
ليريوبي (Liriope) ربّةُ الماء ذات الشّعر الّلازورديَ،
هي أوّل من اختبر نبوءاته في قول الحقيقة.

قديماً، احتضنها الإلهُ النَّهرُ كيفيزوس (Céphise) في مَجراه المُتعرِّج
وأبقاها سجينةً وسطَ أمواجه، واغتصبها.
حبلت، وكانت تملك جمالاً نادراً،
وولدتْ طفلاً،
بدا منذ ولادته أهلاً لأن تحبّه ربّاتُ الماء،
سمَّتهُ نرسيس.
جاءت تسأل تيريزياس إن كانت حياته ستمتدّ
في شيخوخةٍ طويلة.
فأجابها العرّاف، شارحُ القدر، قائلاً:
"نعم، إن لم يعرف نفسه."
(وللحكاية بقيّة)
Photo
Add a comment...

Post has attachment
ميديا وبيلياس (Medea, Pelias) من كتاب التحولات لأوفيد

أرادت ميديا أن تواصل حيلها
فاصطنعت كراهية كاذبة لزوجها
والتجأت ، متوسلة ، إلى بيت بيلياس 8 .
استقبلتها ابنتاه
لأن الشيخوخة ترهقه هو كذلك .
لم تحتج الماكرة الكولشيدية إلى وقت طويل
لكي تفتنهما بمظهر صداقة خادعة .
عدت بين مآثرها ، في المقام الأول ،
المأثرة التي أخرجت إيزون من شيخوخته ،
واسترسلت ملحة على ذلك .
آنذاك أملتا ابنتا بيلياس
في أن أباهما سيتمكن من أن
يستعيد صباه ، بطريقة مماثلة .
وطلبتا هذا الفضل من ميديا
تاركتين لها هي أن تحدد الثمن بنفسها ،
ولو كان يتخطى المألوف .
ظلت صامتة بضع لحظات ، وبدت كأنها تردد ،
تاركة ، بوقار زائف ، البنتين تتوسلان إليها
في حيرة من أمرهما .
أخيراً ، وعدت قائلة :
"لكي تكون لكما ثقة أكبر في فني ،
فإن الكبش الأكبر سنا
الذي يسير على رأس نعاجكما ،
سيعود حملا ، بفضل الشراب الذي أعده" .
وفي الحال أحضر إليهما حيوان كثير الصوف
أرهقته سنوات لا عد لها ،

8 بيلياس هو أخو إيزون ، وعم جازون . وهو الذي أرسل جازون للحصول على الجزة الذهبية ، والذي قتل أخاه إيزون ، على وفق رواية ، لا يتبناها أوفيد . وميديا إذن جاءت لكي تعاقبه . هكذا دون توضيح ، ينتقل أوفيد بالقارىء من ميديا الخيرة إلى ميديا المخادعة . وهي مشهورة ، على الأخص ، بصفتها هذه الأخيرة .

ينحني قرناه حول صدغيه المجوفين .
نبشت ميديا بسكين من هيمونيا عنقه المتجعد ،
فلم تتبقع إلا بنقاط قليلة من الدم .
ألقت معا في إناء برونزي
جسم الحيوان ونسوغا قوية الخصائص ،
فقلص السائل أعضاءه ، وقرنيه ، وعمره الكبير .
وها هو ثغاء ضعيف يخرج من وسط الإناء .
ولحظة التعجب من هذا الثغاء
قفز حمل إلى الخارج ، هاربا بمرح
باحثا عن ضرعين جاهزين لإرضاعه .
أصيبت ابنتا بيلياس بالذهول ،
فيما كانتا تنظران إلى المعجزة التي
وعدت بها ميديا ، مؤكدة صدقها ،
وآنذاك كررتا عليها بإلحاح ما طلبتاه منها .
ثلاث مرات ، نزع فيبوس النير
عن خيوله الغارقة في نهر هيبيريا (Hiberie)، 9
وكانت الكواكب تضيء الليل الرابع
بنورها الساطع ، عندما وضعت
ابنة آييتسس (Aeetes) ، الماكرة ،
على اللهب السريع ماء نقيا
وأعشابا لا خصائص لها .
كان نوم يشبه الموت قد خدر أعضاء الملك ،
وأعضاء حرسه ، بفعل تعازيم ميديا ،
وبقدرتها التي يدين بها لسانها للسحر .

9 يشير نهر هيبيرا إلى الغرب ، حيث تغيب الشمس .

كانت ابنتا الشيخ بأمر من الكولشيدية ،
قد اجتازتا معها العتبة ،
ووقفن حول السرير .
قالت لهما :
"لماذا تترددان الآن ?
لماذا أنتما جامدتان ?
استلا سيفيكما ، وأريقا
دم الشيخ ، لكي أستطيع
أن أدخل دما فتيا
إلى عروقه التي أفرغت .
بين أيديكما حياة أبيكما وعمره ،
فإذا كان في قلبيكما بعض البر الأبوي ،
وإن كنتما لا تكتفيان بأن تحركا
في نفسيكما آمالا باطلة ،
فساعدا أباكما .
اطردا شيخوخته بقوة السلاح ،
اغرزا السيف في صدره ،
لكي يخرج منه دمه الفاسد" .
انقادت الأولى إلى نصائحها ،
فصارت الأكثر حبا لأبيها ،
والأكثر بعدا عن الجريمة ،
هي الأكثر إجراما .
لكن أيا منهما لم تقدر أن تتحمل
منظر الطعنات التي توجهها ،
فحولتا أنظارهما إلى الجهة الأخرى ،
وأخذتا ، بعماوة ، تضاعفان الجراح
بأيديهما المجرمة .
استند الشيخ إلى مرفقه ،
وهو يسيل دماء محاولاً ، وهو نصف مشوه ،
أن ينهض من سريره ، وقال
وهو يمد وسط السيوف ، ذراعيه الكامدتين :
"ماذا ، يا ابنتاي ، تفعلان ?
ما القضية التي تحرضكما
ضد حياة أبيكما ?"
خار قلباهما ، وخارت يداهما في آن .
كان يهم بقول المزيد ،
عندما أوقفت الكولشيدية كلامه ،
قاطعة عنقه ،
رامية أعضاءه الممزقة في الماء الذي يغلي .
Photo
Add a comment...

Post has attachment
مصرع ساربيدون
من كتاب الإلياذه لهيميروس

وتنحت الجياد الأخرى جانباً ، وانكسر النير ، 470
وتشابكت أعنة التوجيه فيما كان الجواد المعني يسقط إلى جانبها .
ولكن حين رأى أوتوميدون ، الشهير برمحه ، ما يجب عليه أن يفعل
أشهر السيف المعلق على جانب فخذه القوي
وبضربة عاجلة ودون تردد قطع سيور الجواد ،
فاستقام وضع الجياد الأخرى ، وقام هو بسحب أعنة التوجيه . 475
والتقى البطلان في المعركة التي تأخذ بالقلوب .
ومرة أخرى قام ساربيدون بالطعن برمحه اللامع ،
فمر رأس الرمح من فوق كتف باتروكلوس اليسرى ،
وقام باتروكلوس بتوجيه الضربة التالية بالرمح النحاسي .
ولم تكن الضربة خائبة حين غادرت قصبة الرمح يده . 480
بل أصابت حيث يتغلف القلب الخافق وسط قوس من العضلات .
وسقط ، كما تسقط سنديانة أو شجرة حور بيضاء ،
أو كصنوبرة شاهقة العلو قطعها الحطابون
في الجبال بفؤوسهم لصنع خشب السفن .
هكذا سقط أمام جياده وعربته وهو يجأر ، 485
ويشد على التراب الدامي بيديه . أو كما
يسقط ثور هائج وعنيف وسط قطيع متجمع بتكاسل ،
يقتحم القطيعَ أسدٌ ويصرعه .
فيموت وهو يخور تحت ضربة براثن الأسد .
هكذا أمام باتروكلوس سقط قائد اللوكيين المدرعين 490
وهو يصرخ منادياً مرافقه الحبيب :
" يا عزيزي غلاوكوس . إنك لمحارب بين الرجال . وها قد دعت الحاجة
الماسة إليك لكي تكون ضارب رمح ومحارباً مقداماً .
فإن كنت شجاعاً دع الحرب المريرة محببة إلى قلبك .
اذهب أولاً بين الرجال الذين هم قادة اللوكيين 495
في كل مكان ، وحرضهم على القتال من أجل ساربيدون .
وأنت نفسك أيضاً يجب أن تقاتل من أجل ساربيدون بالرمح البرونزي .
لأنني سأكون مصدر عار وخزي عليك
فيما بعد ، وطوال أيام عمرك ، إن قام الآخيون
بتجريدي من درعي هنا حيث أسقط قرب السفن المحتشدة . 500
فتماسك واصمد بقوة وشجع بقية قومنا " .
وفيما كان يقول ذلك أطبق الموت على منخريه
وعينيه . وداس باتروكلوس بقدمه على صدره
وسحب الرمح من جسده فخرج معه الحجاب الحاجز ،
وكان بذلك يسحب حياة ساربيدون مع رأس الرمح . 505
Add a comment...
Wait while more posts are being loaded