Profile cover photo
Profile photo
Mohammed Ahmed Khalifa Al Suwaidi
26 followers -
Mohammed Ahmed Khalifa Al Suwaidi
Mohammed Ahmed Khalifa Al Suwaidi

26 followers
About
Posts

Post has attachment
قبيل النضج - الجنون والجمال والأغذية في روما
الجزء الثالث- الصوم || تأليف: ديفيد ونر | ترجمة: أميمة قاسم
----
"ليستحيل- أبداً- شبعها جوعاً، ولقمتها مسغبة"
القديس جيروم

القديس جيروم هو أحد عمالقة عهد تكوين المسيحية، ومؤرخ وكاتب سيرة، ومترجم، وصديق للبابا. وفي عام385 كان الرجل المعروف بالقديس جيروم قد غادر روما إثر فضيحة لحقت به ثغرتي البطن والفرج.
وقد تلقى جيروم في شبابه العلم في المدينة، ولكنه ابتعد عنها ليطور نفسه في البحث واللاهوت. لقد اشتهر كرائد الزهد، كما عرف عنه أيضاً أنّه كان رجلاً سفيهاً وكثير القدح في الناس، وكثيراً ما كنت لصداقاته نهايات مريرة. (عندما توفي صديقه الحميم فجأة أثناء مجادلة كتابية في اللاهوت، دعاه جيروم " الأفعى متعددة الرؤوس التي توقفت عن الفحيح".) وبعد أيام دراسته في روما، سافر جيروم إلى مناطق كثيرة، وكتب سيرة بولس طِيبة، الناسك الذي عاش في الصحراء لا قوت له سوى التمر ونصف رغيف من الخبز يحضره له غراب أسود. كما ترجم جيروم أعمال أوريجانوس (عالم اللاهوت الذي يحكى أنّه قد أخصى نفسه مكرساً إياها لخدمة الرب على الرغم من أنّه لم يفعل على الأرجح). وقد جرّب جيروم الرهبنة لثلاث سنوات أيضاً، حارقاً بشرته في شمس سورية، صائماً حتى أصبح بدنه جلداً على عظم، ولم ينج تماماً من عذابات الشهوة. ولدى عودته إلى أنطاكية تم ترسيمه أسقفاً. ودرس على يد جريجوري الناصرة في القطسنطينية. وعندما عاد جيروم أخيراً إلى روما في عام 381 عينه البابا داماسوس سكرتيراً له، وأقنعه ببدء عمله العظيم في ترجمة النصوص العبرية والإغريقية إلى اللاتينية. فكانت الفولجاتا ، أكثر كتب أوربا في العصور الوسطى أهميةً. فقد قدّم البابا جيروم إلى مجتمع السيدات الارستقراطيات اللواتي أصبح لهن كنسخة عكسية من راسبوتين . حيث هيمن راهب القرن العشرين على إمبراطورية جميع الجمهوريات الروسية حتى ينغمس في شهواته الهائلة للطعام والجنس، وقد سيطر جيروم نفسياً على دائرته بهدف الدعوة إلى الزهد الشديد. ولقد مرت الآن سبعون سنة منذ أن جعل قسطنطين العبادة المسيحية التي كانت مضطهدة ديناً رسمياً للدولة. ونقل العاصمة الامبراطورية إلى بيزنطة، تاركاً روما في حال لا تحسد عليه؛ ففقدت المدينة الكثير من بهائها، وأخذت بقايا ارستقراطيتيها تكتسب صبغة مسيحية. وقد تحدث جيروم عن التغيير الذي تسلل إلى المدينة في شيء من الرضى: "تعاني العاصمة المذّهبة من الخراب، ويعتلي الغبار وشباك العناكب جميع كنائس روما[...] تهتز المدينة فوق أساساتها، ويهرع البشر أفواجاً، مروراً بالمعابد المتهالكة، إلى أضرحة الشهداء". بيد أنّه حتى أعيان المسيحيين قابلوا تعصبّ جيروم بالارتياب. وقد أطلق عليهم بالمقابل لقب المسيحيين "الكذبة"، منددا برجال دين المدينة وعلق أكثر في دائرة معجبيه، التي ضمت بولا، وهي أرملة مسيحية غنية وأم لخمسة أطفال. وقد ازدادت التزاماتها الدينية صرامة فوق ما بها؛ فتركت أطيب الطعام إلى أبسطه، وصلَّت أبداً، وافترشت الأرض في قصرها. وبدأ جيروم يوجه اهتمامه الشديد بالسلامة الروحية لبناتها أيضاً. كانت روما تستعد لاختبار إحدى لحظات التحول الفاصلة عن حضارتها القديمة التي أوشكت القوى الجديدة على طمسها. كان جيروم ذا دور أساسي في هذه العملية، وساعد في بلورة السلوكيات الجديدة تجاه الطعام والجسد التي كانت على نقيض ما تعارفت عليه المدينة وألفته. وبينما وضع التفكير الرومانوغريقي الإنسان في مركز العالم، وقدسوا الجسد، صدَّر رواد المفكرين المسيحين مفهوماً جديداَ: كان الجسد البشري دنساً بالوراثة، وغرضاً لمن تعيّن كبت حاجاتهم والخوف منها. أما الوظيفة الطبيعية للجسد فقد أُعيد تصنيفها كجريمة أخلاقية. وكانت آراء جيروم واضحة في معظم خطاباته الشهيرة، إلى البنت الكبرى لبولا، المراهقة يوستاشيوم. وقال لها إنّه ينبغي تجنب الدسم من الطعام، لأنّه يزيد من الشهوة. لقد تسبب الطعام في سقوط القمر، لأن " آدم أطاع بطنه وليس الرب". ويجب الابتعاد عن الخمر أيضاً لأنّه كان "مثل السم" أول سلاح استخدمته الشياطين ضد الشباب". وقد ساعد الكثير من رجال الدين الآخرين على تشكيل الزهد المسيحي الجديد المرهق في ذلك العصر بممارسة الصوم والدعوة إليه كجزء من التلمذة الروحية الكبرى. بيد أنّ جيروم اعتبره – حصراً- ترياقاً لما كان يخافه أكثر من أي شيء آخر: الجنس. لقد اعتبر البتولية هي الحالة الإنسانية النموذجية، واعتبر الزواج مقبولاً فقط لأنّ من خلاله يأتي المزيد من العذارى والأبكار. (لقد كان كذلك واحداً من مؤسسي فكرة أنّ مريم، والدة المسيح، كانت عذراء على الدوام، إذ صمم على أنّها ويوسف لم يكونا زوجين، وأنَّ ليوسف أبناء عمومة وخؤولة وليس أشقاء. ولتعزيز هذه الآراء، كما اتضح، لابد أن نثبتها في الثقافة المسيحية، فقد قام بالعبث بترجمة النبوءة في أشعياء (أشعياء 7:14) "انظر لعذراء[الما في العبرية] ستحمل وتنجب ابناً". كما تشرح ميري روبن في كتاب والدة الرب، لا تعني كلمة "الما" "عذراء" بل "امرأة شابة".)
كان جيروم يؤمن بضرورة تقليل الكميات المتناولة من الطعام قدر الإمكان، لأنّ هذه هي الطريقة المثلى لكبح الدافع الجنسي. وفي خطابه، ليثير الفزع في قلب يوستاشيوم وإلهامها، وصف جيروم تجربته كراهب بالتفصيل عندما " كانت الدموع والأنّات هي حصتي اليومية". لقد قال: "لا أقول شيئاً عن الطعام والشراب: لأنني حتى في وقت المرض، لم يكن في الصومعة سوى الماء البارد، والأكل من طبخ يدي كان رفاهية ودلالاً[..] لم يكن لي رفاق سوى العقارب والوحوش البرية، وكثيراً ما وجدت نفسي وسط جماعات من الفتيات. كان وجهي شاحباً ويرتعد جسدي من وهن الصيام؛ بيد أنّ عقلي كان يشتعل رغبةً، ونيران الشهوة ما فتئت تلتهب أمام عينيّ بينما لم يكن لحمي بأفضل من لحم الموتى." إن كانت أخطار الشهوة مؤذية له، فإلى أي مدىً من السوء قد تضرّ بصبية فتية مثل يوستاشيوم؟ وإنْ كانت غوايات الرجال أقوياء البنية قد كبحت بالصوم، حتى لا يضطرون إلا لاحتمال الأفكار الشريرة، فكيف يكون وقع ذلك على فتاة تتشبث بمتعة العيش الرغد؟ فحثّ جيروم يوستاشيوم على المحافظة على عفتها، والمداومة على الصلاة، وأن لا تصادق سوى غيرها من العذارى طاويات البطون جوعاً.
وفي خطاب آخر، لزوجة ابن بولا، لايتا، التي طلبت النصيحة حول كيفية تربية ابنتها، يحضّها جيروم: " ليكن غذاؤها من الأعشاب وخبز القمح وواحدة أو اثنتين من السمك الصغير بين الفينة والأخرى. ودائماً لا تطعميها حتى الشبع، ولتبدأ في تلك اللحظة القراءة أو الغناء [..] دعيها تشعر بالخوف عندما تترك وحدها [...] ولا تدعيها تتحدث مع العالم.". كان جيروم يعارض أفكار الصحة الوثنية القديمة بشدة: " من يغتسل في المسيح لا يحتاج إلى إعادة الغسل." أما بالنسبة للعذراء البالغة، فقد كان " تعمد القذارة " مستحباً، والاستحمام مكروهاً بشدة. يجب أن " تحمرّ خدود العذراء وتشعر بالذل حيال رؤية جسدها العاري. وتقتل جسدها بالسهر والصوم حتى يخضع تماماً. وبالعفة الباردة تسعى لإطفاء الشهوة المشتعلة، وقمع رغبات الملتهبة. وبالقذارة المتعمدة تفسد جمال مظهرها الطبيعي. فلم عليها إذن أن توقد النار النائمة باستحمامها؟ أو كما تقول تلميذته بولا لاحقاً: " الجسد النظيف والملابس الطاهرة دليلان على دنس الفكر".
وقد أدت وفاة أخت يوستاشيوم الكبرى بليسيلا إلى إنهاء إقامته في روما. بليسيلا التي كانت امرأة شابة متزوجة نابضة بالحياة في العشرين من عمرها، سعيدة وعادية؛ أقنعها جيروم بعد الوفاة المفاجأة لزوجها بأنّ تصبح مسيحية مكرّسة. كفى حداداً على زوجك، قال لها، واحزني على ضياع عذريتك بدلاً عن ذلك. لقد ألهمها الصلاة والصيام، واتخاذ الخطوة الأهم نحو نبذ فكرة الزواج مرة أخرى.
سقطت عندها بليسيلا مريضة بنوع خطير من الحمى "الشديدة"، والتي اعتبرها جيروم أمرًا صالحًا، لأنّه سوف يساعدها على الابتعاد عن " الاهتمام الزائد بذلك الجسد الذي سرعان ما ستلتهمه الديدان". لقد كانت الحمى من الشدة بحيث منعت بليسيلا الأكل لفترة مؤقتة. وعندما تعافت نصحها جيروم بمواصلة الصوم حتى " لا تحفز الرغبة من خلال عنايتها بالجسد". لم يتم تحفيز الرغبة في الحقيقة؛ فبليسيلا الآن "تترنح وهناً، وكان وجهها شاحباً، ومرتجفاً، فعنقها النحيل يتماسك بالكاد أمام ثقل رأسها". كانت في اقترابها من الموت "تلهث وترتعد" وأخيراً " "رفعها" المسيح. في أقل من أربعة أشهر قضتها تحت رعاية جيروم؛ تحولت بليسيلا من سيدة شابة معافاة إلى راهبة ميتة. وعندما أغمى على والدتها من الحزن أثناء مراسم الدفن، وبخها جيروم، قائلاً إنَّ ابنتها الآن " حية في المسيح" وعلى أي مسيحي أن " يبتهج لذلك".
لقد كانت بليسيلا في حياتها " تستمتع بشيء من اللامبالاة"؛ أما في الموت فقد جلست " بشحمها ولحمها مع الرب". وبدا أن بولا قد تقبلت منطق هذا التعبير.
وفي عام 384 توفي البابا داماسوس حامي وراعي جيروم، فأمر مجلس رجال الدين الرومان بمغادرة جيروم المدينة، وقد فزع المجلس من سلوكه في قضية بليسيلا، ولديه شكوك بأنَّ علاقته ببولا كانت ذات طبيعة جنسية. ولحقت به بولا ويوستاشيوم. وبعد جولة على الأماكن المقدسة في القدس التقوا جميعاً في بيت لحم. وهناك وعلى نفقة بولا، أسسوا لحركة الرهبنة الناشئة، وذلك بإعداد أديرة للنساء، وواحد للرجال. كان جيروم قد أنهى ترجمة الإنجيل، وعاش حتى عام 420. ويعتبر الثلاثة جميعهم من القديسين جنباً إلى جنب: أوغسطين، وامبروزيه، والبابا جريجوري الأول، وظل جيروم موقراً بين الكاثوليك باعتباره واحداً من أطباء الكنيسة الأصليين.
وقد جاء فيلم بشارة المطر وهو يحمل رؤيا خيالية لعلاقة جيروم الغريبة ببولا، وهي ""رواية شعرية"" صدرت عام 2010 للشاعرة والناشطة النسوية " والزميلة لمرة واحدة في (الأكاديمية الأمريكية بروما) ماريا سيمون. لقد كرّمت جيروم باعتباره "أب الترقيم"، ولكنها رأت فيه شخصية تراجيدية " في حرب مع ذاتها" إذ كانت كتاباته وشخصيته العامة ليست في تصالح مع رغباته الخاصة. وفي قصائدها جاء اهتمامه ببولا جنسياً صريحاً وروحياً معاً؛ فقد لاحظ وجودها أول مرة بين " أرامل الأثرياء والدبلوماسيين" وقد جذبته شفتاها "الحمراوان مثل حبات الرمان، والمتغضنتان قليلاً عند النطق بالحروف المتحركة والثابتة في الطقوس الدينية". وقد عانى لاحقاً من الاحتلام بها، وتخيلها عارية في حمامها. لقد كانت هذه الرؤيا مزعجة للغاية حتى إنَّ إحدى أولى أفكاره بعد الاسيتقاظ كانت تقضى بضرورة منع الاستحمام. وتمضي القصيدة، غفواته المشحونة بالرؤى المثيرة لبولا دفعت جيروم إلى حافة الجنون؛ فمزق صدره، وغرس الصليب في جسده. وعشقت بولا في هذه الأثناء جيروم كمرشدها الأخلاقي، بالإضافة إلى أنّه رجل يتمتع بصوت جهوري غني. بينما كانت بولا تشعر بأنها "متدثرة بحلل الإيمان" كانت صديقاتها "يعربدن في نهم". قدمت سيمون بكل عناية رأياً متوازناً حول قناعات جيروم عن الطعام. ونراه- عندما كان طالباً في روما- في مائدة حافلة بأطيب الأطعمة:
لحم السمان الطري والكركي
وقلب دولفين منقوع في العسل
مطبوخ بالأفيون حتى يُتخِم الحواس
وأطباق من سمك الحفش الساخن والأرز البري
مرصعة بالزيتون ومتدفقة من القرع
بذخ وافر ينعكس على الكؤوس الذهبية
ولكن لا يقدم أيٌّ منها تغذية روحية: " لقد أكلت، وما زلت خاوي الجوف جوعاً." لقد كانت جنسانيته المكبوتة المعقدة مرتبطة بشكل عميق بعذاباته الروحية لفترة طويلة قبل أن يتجه إلى الصحراء (كل يوم/ يختبر العالم جسدي-/ وأُخضعه كل ليلة) ويفكر في الجنس باستمرار، في ما يتعلق بالطعام. لقد كانت هنالك جميلات نوبيات " تنتفخ فروجهن مثل ثمار الجوافة" ومومسات عبريات " نهودهن نضرة مثل الشمام الفارسي". إنّه في سجن ولكنه لا يريد الخروج منه. لقد كبحت الرغبة بالرغبة. والشاعرة تتعاطف كثيرا مع بولا ويوستوشيوم. ولكن الأبيات التي تضعها على لسان ابنة بولا الأصغر روفينا، تتحدث بحسية مختلفة. فالصغيرة تستهجن جيروم باعتباره شخصاً "فاسداً"، ومسؤولاً عن وفاة بليسيلا، وزواج يوستوشيوم بالمسيح" و التضحية الفارغة لبولا بنفسها ومالها في سبيل "الصراخ المتعصب. تؤثر روفينا الشك على الإيمان، وقد تفضل التضحية بنفسها من أجل المتعة. تقول لجيروم: " سوف لن أنضم أبداً إلى عذراواتك."لقد كانت فلسفة جيروم ترتبط على نحو حميم بمصير روما والثورات الدينية والسياسية الخطيرة التي شهدها في حياته. مالت الصورة الشائعة للمسيحية في عهد سقوط روما إلى صورة الكنيسة التي تضطلع بدور خيّر وإنقاذيّ. لقد كانت المدينة والإمبراطورية الغربية تخضع لجيوش البرابرة نتيجة للضعف الموروث. بينما كانت القوى السياسية والاقتصادية والعسكرية للإمبراطورية تتقلص، كانت الثقافة الوثنية القديمة تفقد قوتها وصفاءها وتجانسها. وفي وقت العنف المرعب والانحطاط الأخلاقي هذا، أصبحت المسيحية هي ما يجمع شتات الإمبراطورية ويملأ خواءها بالمحبة والتلاحم. وأخيراً تنقذ الكنيسة برؤيتها الواثقة والمفعمة بالحياة مدنية روما. وقد فعلت الشيء نفسه لأوربا بكاملها. وفي العقد الأخير أو نحوه، اقترح المؤرخون المسيحيون القدماء تفسيراً مغايراً. ويقول أكثرهم تحدياً، تشارلز فريمان، أنّ الثقافة الإغريقورمانية لم تسقط في القرنين الرابع والخامس، بل حوربت.
نهاية العقل الغربي: صعود الإيمان وانهيار المنطق (2002)، يتتبع فريمان الثورة الفلسفية والسياسية التي شهدت انتقال المسيحية من الاضطهاد إلى القبول ومن ثم إلى الهيمنة. وقد كاد الإمبراطور قسطنين المبدئي أن يعقد حلفاً مع الكنيسة ليقويّ إمبراطوريته؛ فكان مرسوم التسامح الذي أصدره في 313 يعد "بعدم حرمان أي شخص كائناً من كان من الحرية لتكريس نفسه إما لمذهب المسيحيين أو أي دين يراه أفضل لنفسه". وعليه فقد انتهى به الأمر بفرض سياسات جديدة- سياسات اللاهوت المسيحي الامبريالي. بدأت الكنائس تزداد ثراءً وصورة المسيح أصبحت صورة ملك إمبريالي مقاتل. كان قسطنين يأمل أن يصل إلى الوحدة بإعلانه المسيحية ديناً للإمبراطورية. ولكن المشكلة كانت تكمن في أنّه لم تكن هنالك مسيحية واحدة ذات نظام إيماني محدد، ولكن عدد من الطوائف المتنافسة، والتي تناصب بعضها البعض العداء مثل الآريين، والغنوصيين، والمانوية، والابيونيين وغيرهم من ذوي المذاهب المختلفة، إذ أنّ هنالك ما لا يحصى عدده من الاختلافات المحلية والإقليمية. ولتخفيف التوتر وتوضيح الرؤية نظّم قنسطنطين مجمعاً في نيقية عام425، في محاولة لتقديم إجابة محددة لسؤال طبيعة الرب الذي لم تكن له إجابة معلومة في الأساس. هل كان يسوع مخلوقاً من مادة تكوين الرب، أم جاء خلقه متأخراً وبالتالي أصبح أقل درجة؟ هذا ما اعتقده آريوس ومعظم المسيحيين القدماء، ولكنهم هُزموا في نيقية شر هزيمة. ووصم آريوس بتهمة الهرطقة، ووصفت النصوص كثيرًا من المسيحيين المعارضين للصيغة الجديدة بأنّهم :" خَرِفون ومهرطقون مجانين". وعلى الرغم من ذلك قوبلت أحكام المجمع بالتجاهل على نطاق واسع، وعلى مدى العقود التالية صمد جزء كبير من الثقافة القديمة بينما تعاقبت سلسلة من المجالس التي كانت تتناول القضية بالشد والجذب. وقد جاءت نقطة التحول مع الإمبراطور تيودوسيوس ومجمع القسطنطينية- وهو مناسبة يحقق فريمان في مدى أهميتها في كتابه 381 ميلادية. إنّه ثيودوسيوس- يقول فريمان- الذي خرق عادات التسامح القديمة بمكر، وطرح مفهوم الشمولية الدينية الجديد. كان ثيودوسيوس جندياً عنيداً يعمل باستماتة على وقف تمزق الإمبراطورية وتقسيمها. وقد كان يؤمن، قدرياً، بأنّ تحقيق ذلك الهدف يتأتى من خلال الالتزام بصيغة دينية واحدة.
دعا إلى انعقاد مجمع للأساقفة في القسطنطينية (ليسوا من روما، ولا يتحدثون اللاتينية) وأصدر تعليماته لهم بتأييد سياسته الجديدة. وسرعان ما بدأت الدولة في تفعيل قوانين جديدة تمنع الانشقاق، فقضت أولاً بحظر المانوية. وبحلول عام390 تم تجريم جميع أشكال المعتقدات الوثنية، وقُمعت الهرطقة، وهُدمت المعابد الوثنية. وتوسعت قائمة البدع المسيحية المحظورة. كان هذا يحدث في ذات الوقت الذي يتم فيه سحق الفلسفة القديمة. قال القديس بولس،"سوف أدمر حكمة الحكماء"، وهذا ما حدث بالفعل. أُغلقت مدارس الفلسفة، وحُرقت المكتبات الكبيرة. لقد كان الأمر"استئصالاً لثمار للتفكير العلمي والرياضي الجاد في أوروبا لآلاف السنوات". ومع نشوء مبدأ قدرة الدولة على السيطرة على المعتقدات الدينية، طالت يد القانون إلى ما هو أبعد من المسيحية. ففي عام 385 أعدمت الإمبراطورية أول هراطقتها. وبحلول ثلاثينات القرن الخامس أصبح حرق الهراطقة أمراً عادياً. وفي القرن الخامس كان البقاء على قيد الحياة يعتمد على القناعات المسيحية التي تحملها. وكانت آخر الألعاب الأوليمبية في عام393. وقد قُطعت واحدة من أعظم الفلاسفة الوثنيين، عالمة الرياضيات هيباتيا إلى أجزاء، ثم حُرق جسدها على يد جماعة من الرهبان بالإنابة عن واحد من أعتى المدافعين عن العقيدة الجديدة، القديسة سيريل، قديسة الاسكندرية. " تعرضت التقاليد الفكرية الرومانية للقمع، ولم تندثر ببساطة،" يقول فريمان. كانت آخر الملاحظات الفلكية المدونة في العالم الإغريقي القديم كتبت بيد بروكلوس عام 475 بعد الميلاد؛ وقد تطلب الأمر ألف عام لتظهر الأفكار مرة أخرى في كتاب كوبرنيكوس عن الثورات[De revolutionibis]- وتستأنف هذه الدراسات طريقها من جديد. يقول فريمان عندما سقطت الإمبراطورية في الغرب، تمت إعادة كتابة تأريخ الكنيسة، ومواراة الدور الخطير لثيودوسيوس: "ولم يدرك سوى القليل جداً من المسيحيين أنَّ إمبراطوراً رومانياً قد سلبهم حريتهم في مناقشة عقيدتهم. [....] وأنّ التأريخ الأوربي كان سيختلف كثيراً إن كانت [الصيغة] الغربية تسمح بالتعدد في الطرق التي يتعبد بها البشر بعد سقوط الإمبراطورية.".
وقد هاجم النقاد نظرية فريمان- فاتهموه على سبيل المثال بتقليل درجة تدهور الثقافة الرومانية والإغريقية قبل المسيحية، وافتقارها للمنطقية. وفي كتابه الأخير تأريخ جديد للمسيحية الأولى يقرّ فريمان بأنّ للمسيحية الكثير من المناقب. لقد أوفت باحتياجات الكثير من البشر، وأراحتهم، كما وفرت إطاراً يمكّن المجتمع من الصمود عند الأزمات، كما أنّها طورت نظاماً أخلاقياً، وكانت مصدر إلهام للحركات الاجتماعية المهمة، والفنون العظيمة. ولكنه يعيد ما قال: " بينما كانت المسيحية في بعض جوانبها واسعة المنظور، فقد كانت ذات أفق ضيق في نواحٍ أخرى [...] لقد خلقت المسيحية الإمبريالية روحاً تصبح معها حرية النقاش ضرباً من المستحيل. فقد سارت فكرة إخضاع الفلسفة جنباً إلى جنب مع تدنيس العالم الطبيعي".
وقد وصف بترارك ما تلا ذلك بالعصور المظلمة، فقد تدنت معدلات التعليم، ودخلت أوربا ألف عام من الغباء الذي لم يهدأ إلا عندما صمم توماس اكيناس في القرن الثالث عشر على أنّ العقل هدية من الله ودمج أرسطوطاليس في الكاثوليكية. والآن أصبح الإيمان والعقل شيئاً واحداً لدرجة ما. ويقول أكيناس إنّ كليهما يدعم الآخر. وبعد قرن من الزمان أو نحوه، أصيب طالب القانون التوسكاني(بترارك نفسه)، أصيب بالملل إلى درجة تفوق الاحتمال بسبب الافتقار إلى الحوار الذكي مع معاصريه، فبحث عن الكتابات الكلاسيكية الرومانية والإغريقية التي اختفت لفترة طويلة، فطفق يخالل من راق له من الكتّاب القدماء، مبشراً بحقبة الإنسانوية وعصر النهضة.
في هذه الأثناء، وفي القرن الرابع، ثمة ظاهرة مسيحية أخرى بزغت، والتي كانت ستغير وجه روما إلى الأبد: الأسقف السياسي. شبّه الباحث المسيحي الأمريكي فيليب جينكنز تعصب هؤلاء الرجال بذلك الذي يتسم به رجال العصابات الإسلامية الحديثة. " كانت درجة العنف المسيحي في تلك الحقبة المبكرة مثيرة للدهشة. لقد كان هنالك أساقفة وبطاركة يقودون جيوشاً من رجال الدين والرهبان المسلحين، الذين يواجهون بهم المنافسين، مثل الملا المسلم أو آية الله في العراق أولبنان اليوم. كانوا يصدرون أحكاماً ترمي بالمنافسين خارج المجتمع المؤمن، مثل الفتاوى الحديثة. ويغتال المسلحون المنافسين بسبب الاختلاف الديني، يقطعون رؤوسهم ويطوفون بها في الشوارع." كان بعض الأساقفة أقل تطرفاً. وقد ساعد أمبروزيه ميلانو في عملية تدمير المعابد القديمة وأصدر إعلاناً يفيد بأنّ:" جميع الآلهة الوثنية شياطين". وفي عام388 فتح الطريق اللاهوتي أمام العنف المسيحي ضد اليهود، فأضرم مجموعة من الغوغاء النار في كنيس يهودي بتحريض من أسقف في ميزوبوتاميا، وأمر الإمبراطور بمعاقبة الجناة، وإعادة بناء الكنيس. ولكن الامبروزيه كان مصرّا على أنّ" مجد الرب" هو المعنيّ وعلى القانون أن يتنحى جانباً. لا أحد سُيعاقب لأنَّ الكنيس كان "بيت الكفر، ومقر العقوق، ووعاء السفه الذي نهى عنْه الرب بنفسه".
وكان البابا داماسوس، حامي القديس جيروم، يدين بمنصبه كأسقف في روما للعنف. عندما توفي سلفه، طالب مرشح آخر هو أورسينوس نفسه بالبابوية. ونشب الصراع بين مؤيدي أورسينوس الذين احتموا بكاتدرائية ليبيريان(سانتا ماريا ماجوري الآن)، فقام مقاتلو داماسوس بالتسلق إلى السقف عندما لم يتمكنوا من فتح الباب، وأحدثوا ثقباً وصاروا يرشقون من بداخل الكنيسة بقطع الرخام الثقيلة، فقتلوا 137 نفساً. كان لهذه المعركة أكبر الأثر في تأمين منصب داماسوس، بيد أنّه حرص- احتياطاً- على تعيين مصارعين أشداء حرساً له. يشبّه جنكينز الأساقفة الأسكندرانيين بعائلة السوبرانو الإجرامية، فقد تزامن أوج نفوذهم مع الانعقاد الثاني لمجمع إفسوس في 449 عندما ضرب رهبانهم بطريرك القسطنطينية حتى الموت وكسروا أصابع كل من حاول الكتابة إلى العالم الخارجي.
كانت المناسبة متخمة بالفساد والعنف حتى إنّها عرفت باسم " مجمع العصابة". وفي وصف جيبون،"الرهبان، الذين هرعوا بغضبٍ مضطرب من البرية، يميزون أنفسهم بما فيهم من حماسة واجتهاد [...] في كل مقاطعة من العالم الروماني تقريباً، جيش من المتعصبين، بدون سلطة، ولا انضباط، هاجموا السكان المسالمين، وحطام أجمل المباني العتيقة ما يزال ينبيء بالخراب الذي أحدثه هؤلاء البرابرة، وليس هنالك من يرغب غيرهم في اقتراف مثل هذا الدمار الفادح."
تحسّنت مكانة روما باعتبارها مركزاً للمسيحية في عهد داماسوس، الذي دفع بالباوية تجاه الشكل الذي نعرف اليوم. وسابقاً، في التقاليد المسيحية، كانت روما في ظل أورشليم، وأنطاكية، والاسكندرية، والقسطنطينية. ولكن ابتدر داماسوس عملية تجديد كبرى وذلك بتمسكه بمفارقة تأريخية وعلى أساس دليل ضعيف، وهو أنّ القديس بيتر كان أول بابا، وأنَّ روما بالتالي هي "الأبرشية الرسولية" وبما أنّ جميع البابوات مرتبطون ببيتر بمبدأ "الخلافة البابوية". وقد روّج داماسوس أيضاً على عبادة الشهداء، واضطهد الآريين، وأقنع الإمبراطور الجديد بإعفاء جميع البابوات من التزاماتهم تجاه القانون المدني، وبالتالي الإفلات من حبل المشنقة الذي يتأرجح فوق رأسه منذ عملية أورسينوس.
ويبين لنا جينكينز في كتابه حروب المسيح: كيف قرر أربعة بطاركة، وثلاث ملكات، واثنان من الأباطرة ماعلى المسيحيين الإيمان به للسنوات ال1500 القادمة، وكيف أنّ المسائل اللاهوتية المستعصية قد نوقشت على أسس من الطموح السياسي والنفعية. وفي القرن الخامس نشأت مسألة جديدة: إلى أي درجة كان المسيح إنساناً وإلهاً؟ ففي جانب واحد من الحجة آمن الوحدانيون بأنّ المسيح ذو طبيعة واحدة (ناسوته متحد بلاهوته)؛ وقد وضعهم هذا في خلاف ساخن مع النساطرة الذين قالوا بأنّ المسيح ذو طبيعتين(ناسوتية ولا هوتية). وتأرجحت المعركة ما بين هذا وذاك. وفرض الوحدانيون رأيهم في مجمع إفسوس الثاني. بعد ذلك بعامين، قام مجمع خلقيدونية بدعم الرأي المعاكس. والآن أصبحت للمسيح-رسمياً- طبيعتان وأي شخص يرى غير ذلك هو في ورطة كبيرة. وفي كل مرحلة كانت الأمور ستمضي بشكل مختلف. المانوية السياسية أو ضربة الحظ كثيراً ما حددت ما سيصبح أرثوذكسياً. ففي إحدى الحالات، يقول جينكينز، تحول العالم على كبوة فرس، والذي رمى وقتل بطل الوحدانيين، الإمبراطور ثيودوسيوس. وقد مهد موته الطريق لأخته إيليا بولخاريا لفرض آرائها. ونظّم زوجها مارقيان مجمع خلقدونية لتدمير نفوذ الوحدانيين في الغرب، وبالتالي المحافظة على مايسمى الآن الكاثوليكانية. بدون ذلك الجواد، لظلت روما على هوامش المسيحية، ولأصبحت الإسكندرية عاصمة للمسيحية، وربما أدى ذلك لتوحيد المسيحية الشرقية، وعدم ارتباطها العدائي بروما الكاثوليكية، في مقاومة للاجتياح الإسلامي في القرنين السابع والثامن وما بعدهما. وبدون ذلك الجواد لكان العالم الآن مكاناً مختلفاً جداً.
وحتى نعود إلى العالم الفعلي لجيروم وآرائه حول الجنس والطعام؛ هل كانت هنالك صلة بين الكنيسة السلطوية النافذة حديثاً، والمفكرين المسيحيين من الطراز المتقدم الذين أصبحوا عدائيين تجاه الجسد؟ كيف أصبح عذاب التجويع المفروض ذاتياً يُرى "كمالاً" روحياً؟ لماذا، كما تعبّر عنه فيرونيكا غريم الأكاديمية في هارفارد، رفضت البروباجندا المسيحية في ذلك العصر وبشكل عنيف الجسد الإنساني السليم باحتياجاته الحيوية الأساسية؟ وفوق كل ذلك، كيف انتهى البحث عن النقاء بخوفٍ عامٍ من الطعام؟
سوف يكون من الصعب إلقاء اللوم على المسيح، ولا مجتمعه ولا أولئك الذين اتبعوه مباشرة على أي من هذا. لقد كان القديس بولس معذباً وقلقاً، ولم يكن لديه أي شيء ضد الطعام- بيد أنّ الزاهدين الذين يعانون من رهاب الطعام قد أساءوا الاستشهاد به مؤخراً ليدعوا بأنّه كان كذلك. لقد كانت السطور التي كتبها حول أعداء المسيح الذين " كانت بطونهم هي آلهتهم" [...] ورؤوسهم مشغولة بالأمور الدنيوية" ليست تجريماً للطعام في حد ذاته بل للإسراف فيه. فبالنسبة لبولس، كانت مشاركة الخبز والنبيذ أحد الجوانب الضرورية في حياة المسيحي. إنَّ الافخارستيا[ سر المناولة] كان في الأصل جزءًا من المناولة الكاملة التي شملت الجسد والروح. ترك بولس إرثاً للمسيحية: إضطراب عصبي جنسي، مثله مثل فكرة أنّ الجسد "هيكل" مدنس به. ولكنّه قبله في إطار الزواج:" إنّ الزواج أفضل من الحرق".
وفي كتابها من (الولائم إلى الصيام: تطور الخطيئة) تستشعر غريم إشارة في حقيقة أنّ التقدم نحو الزهد المتطرف جاءت بعد انتصار المسيحية كدين رسمي. ولفريمان رأيّ مشابه: أصبحت المسيحية أكثر تشاؤماً عندما دخلت من البارد. وقد كانت هذه هي أيضاً حقبة لبناء أولى الكنائس الفخمة(ابتداع صادم لبعض المسيحيين مشتق من الوثنية وكثيراً ما كان يستخدم مباني الآلهة القديمة). عرض لثروة الكنيسة الجديدة والوضع الذي قد يستصدر استجابة. تقول غريم بأنّ التقشف الصارم ربما اشتق من أحد أشكال المزايدة الروحية. وبما أنّ الخط الفاصل بين السلطة السياسية والسلطة الدينية لم يكن واضحاً، فقد سعى القادة المسيحيون إلى الحفاظ على حدودهم الأخلاقية، ومهد القديس بولس الطريق برؤية الجنس كشيء مثير للريبة. وأصبح نبذ الجنس الآن ممارسة "للقدسية". وقد حوّل الساسة المسيحية إلى دين جماهيري للجميع. وقد كان هذا الشيء خطيراً بالنسبة للمتشددين. الاجتياج المفاجيء من قبل "غير المستحقين"، أو بصريح العبارة العناصر السامة، شكّل خطراً على نقاء المجتمع المسيحي المثالي.
وقد جاءت الآراء الجديدة لكتّاب المسيحية حول الجنس والطعام بعد القرن الأول. كليمنت الاسكندراني، ولد بحوالي ثمانية أعوام بعد وفاة بولس، وقال إنّ الأكل، والشرب والزواج كانت مباحة تماماً- ولكن طالما لم تجلب متعة. كان النبيذ " عقار الجنون" والذي يحفّز " الدوافع الجامحة، والشهوات المتقيحة" في الشاب. لأنّ الأجساد الغضّة كانت تبدو أكثر عرضة للشهوة، فقد كان كليمنت، في حر الأسكندرية، ينصح الكبار بعدم شرب أي شيء أثناء الغداء. حتى الماء قد يكون ضارًا روحياً. والابتكار الآخر الذي قد نشكر عليه كليمنت هو فكرة أنّه حتى المناحي الحميمة من الحياة الخاصة تدخل تحت سيطرة المسيح. كل شيء يتعلق بالجسد كان قابلاً للتحقيق. تقول غريم، من الآن فصاعداً، "أكدّت الكنيسة بشكل متزايد على حقها في السيطرة على جوهر الحياة الخاصة للفرد، وذلك بما يترتب على تلك السيطرة من تبعات اجتماعية واقتصادية وسيكولوجية".
وقد كانت الشخصية الرئيسية الأخرى هي تيرتليان، والمدعو "أب المسيحية اللاتينية"، الذي عاش أواخر القرن الثاني وبداية القرن الثالث. كاره النساء والمهووس، تيرتليان كان مندداً متحمساً بالهراطقة، وهو من اخترع مصطلح"الثالوث"، وكان ذا خط فريد في البراهين. إنّه مشهور بقوله:" ومات ابن الله: إنّه أمر معقول تماماً لأنّه سخيف. ودفن، وقام، مرة أخرى: إنّه مؤكد لأنّه مستحيل." كان ترتيليان يرى في الصوم طريقة للتكفير عن الذنوب، وحض التائبين على "تغذية الصلوات بالصوم، والأنين، والبكاء، والجأر ليل نهار". جاءت أكبر إسهاماته في رهاب الطعام في أطروحة تدعى الاعتذارية يدعي فيها أنّ المسيحيين يلمسون الرب بكونهم "عطشى صائمين، ذائقين لذة كل تقشف، ممتنعين من جميع الأطعمة التي تحفظ الحياة، متمرغين في مسوحهم والرماد". لقد تهكم تيرتليان على طائفة مسيحية منافسة: معكم، يظهر اتقاد "الحب" في المقالي،"ودفء "الإيمان" في المطابخ، ومرافيء الأمل في النُدل"؛ وأطروحته "حول الصيام" هي أول معالجة مسيحية كثيفة للموضوع. الصيام، يقول مؤكداً، يسرُّ الرب كعلامة ممتازة على تواضع الذات. مع وضع معيار مسيحي مثالي جديد في عقاب الذات مع كتاب أثناسيوس حول راهب الصحراء القديس أنطوني بعد ذلك بقرن. مثل الزهد وممارساته مازالت قيد التشكل، بيد أنّها أقل تناولاً بالحديث، وفي عام 2009 كشف عنها على يد واحدة من الراهبات البولنديات التي كانت تعتني به، حتى إنّ البابا جون بول الثاني كان يجلد نفسه باستمرار بينما كان في روما."كنا في الغرفة المجاورة، وكنا لنسمع فرقعة السياط" كما أخبرت الأخت توبيانا سوبودكا لجنةَ تحقيقٍ فاتيكانية في أهلية البابا الراحل بالقدسية.)
وقد ألهم الرجال أمثال أثناسيوس وجيروم حركة الرهبنة، ولكن الأصوات الأخيرة مثل باسيل كيزاريا وأوغستين خففت من حدة المناداة بالتجويع وتعذيب الذات. لقد شعروا بضرورة عدم تناول المسيحيين للطعام والشراب بكميات تزيد عما هو ضروري للحفاظ على الصحة. قال أوغسطين بضرورة معاملة الجسد كالعبد: يجب إشباع حاجاته الأساسية فقط. وحض باسيل على " نبذ الملذات". وبالفعل اتبع الرهبان أنظمة حمية تحافظ على صحتهم وقوتهم. في الشرق كان جون كريسوستوم يدعم تقشف الرهبان، لكنّه يتحدث بواقعية للأشخاص العاديين: استمتعوا بحمامكم، ومائدتكم الطيبة، واللحوم، والنبيذ في اعتدال- استمتعوا بكل شيء، في الحقيقة، ولكن إياكم والخطايا." على الرغم من أنّ الخضوع ونبذ الملذات الحسية واصلت تغلغلها في الفكر المسيحي جنباً إلى جنب شهية الطعام. وقد كان أوغسطين- أهم اللاهوتيين الكاثوليك جميعاً- يعاني من قلق دائم حيال الشهوة، ويستنكر متعة الأكل"المنحوسة". وقد كان أوغسطين مهووساً بالجنس ولكن بشكل أقل تكراراً ومرضيةً مما كان عليه تيرتليان وجيروم. لقد اخترع مفردة الخطيئة الأصلية المشتقة من هبوط آدم، ومفهوم الليمبوس القاسي(حيث يذهب الأطفال غير المعمدين بعد الموت، الذين هم أبرياء ولكنهم موسومون "بالخطيئة الأصلية". كان أوغسطين مهموماً بالخطيئة، خاصة خطيئته، ومفهوم الرب ككيان يعبّر عن الحب بالعقاب. نظرة أوغسطين سوداوية: الإنسان ملعون لأنَّ الخطيئة تنتقل عبر الجنس. والمعمودية أو الأعمال الصالحة لا تكفي لإنقاذ أكثر من جزء ضئيل من الإنسانية. والوجود الأرضي لشيء ينبغي النظر إليه بعين الازدراء: ينبغي تدريب العين المسيحية على الحياة الأبدية دائماً. وكلما زاد حبه لما هو فانٍ، اشتدت كراهيته لما هو عابر." لغة أوغسطين أقل عنفاً من لغة صديقه جيروم، ولكنه – بحسب عبارة عالم اللاهوت الألماني أوتا رانكي- هاينمان:"الرجل الذي دمج المسيحية مع الجنس المكروه، والمتعة في وحدة منهجية".
في الاعترافات يصرّح أوغسطين بأنّه وبينما يكون الأكل ضرورة، ستحول متعة الأكل عقل الإنسان من الأمور العليا. وفي الحقيقة ربما يؤخذ الطعام كعلاج "لحمى" الجوع والعطش:"إني أنظر للأكل على أنّه دواء، أي، العمليات الطبيعية للجسد تختل. وفي فوائد الصيام يتقدم أوغسطين لمرحلة أخرى أبعد: " لحمك أدنى منك منزلة؛ وإلهك فوقك." الشخصية منقسمة، يغدو الجسد غرضاً خارجياً للترويض والعبادة. ومثل هذا التفكيك للشخصية البشرية- تقول غريم- يلقي بظل طويل على الذهنية الغربية." سجلات الطب النفسي حتى يومنا هذا تشهد بالجهود التي بذلت محاولة لوضع هذه القطع معاً مجدداً."


Photo
Add a comment...

Post has attachment
قبيل النضج - الجنون والجمال والأغذية في روما
الفصل السادس- الخوخ
تأليف: ديفيد ونر
ترجمة: أميمة قاسم
--

لم يكن الخوخ في أغلب الأوقات سوى فاكهة. وهو أحياناً شيء غير ذلك. ويبرز مثال رائع على ذلك من تحت شظايا إفريز الجدارية البديعة في مبنى فيلا فارنيزينا في تراستيفيري، والتي بناها المصرفيّ اوغسطينو تشيجي، الذي ربما كان أغنى أغنياء أوربا في مطلع القرن السادس عشر.
وقد تمكن تشيجي من إقناع رافائيل أعظم فنان في ذلك العصر، بتزيين جزء من قصره بلوحات تصور قصة كيوبيد والأميرة الحسناء. فما كان من رافائيل إلا أن أوكل إلى تلميذه جيوفاني أودينيه العمل على الخلفية الخصبة لهذه اللوحة الفنية المستعجلة، فقدم لنا قرناً مملوءاً بالفواكه والخضر الناضجة المتماسكة الغضة، المبهجة، الطرية الطازجة، النضرة (إنك تعرف إلى أين سيقودنا هذا، أليس كذلك؟). فنحن نرى وسط زينة من الزهور والأوراق وفرة من البطيخ واليقطين، والجزر، والتفاح والأعناب والرمان والتين، والخوخ، والخيار والملفوف، وسنابل الذرة، والخوخ، واليقطين، والخوخ والتفاع والخوخ والخوخ. في أحد أركان الغرفة يقف عطارد عارياً إلا من بوق في يده وخوذة ذهبية على رأسه. وقد ولد مرفوعاً على كعبيه المجنحين، رسول الآلهة هذا الذي يضع على رأسه خوذة وعلى وجهه تعبيراً عن الدهشة. وبإحدى يديه يلمّح إلى دخول صادم في المشهد النباتي: حزمة اللحم وقطعتي الخضر لا تخطئها العين. اليقطينة العملاقة التي تبدو محشورة حشرا، وقطعتا الباذنجان المجاورتان تحاكي بوضوع هيئة القضيب والخصيتين. وبالقرب منها عنقود متعرج من الأعناب السوداء التي تجاوزت مرحلة النضج بقليل أو كثير في صورة لا تقل حيوية عن سابقتها وقد اخترقتها يقطينة أخرى.
وهنالك بطيخة غضة مقسومة إلى نصفين وقد انغرست فيها ثمرة خيار، أم هل هي بطيخة؟ أم يقطينة أخرى؟ يصعب الجزم حقاً مع كل هذه الفواكه التي تحيط بها.
يقول الباحثون إنّ تأريخ رسم هذه اللوحة يعود إلى عام 1517، في ابتدار لجنون التصوير البشع لمنتجات البساتين والحدائق في عصر النهضة. وسرعان ما شاع استخدام هذه الاستعارة. " أصبح بالإمكان رؤية اللوحات المؤطرة بأكاليل من الفواكه والخضر المنتفخة"، بحسب تعبير المؤرخ جون فاريانو، "في أكثر الأماكن احتراماً، بل في الكنائس والمعابد أحياناً." وقد تزيت البهجة المستمدة من هذه الفكرة بتقاليد الفكاهة والشعوذة الطبية. وقد كان "مذهب الإرشادات" شائعاً في ذلك الوقت، ويقوم على مؤلف الساحر باراسيلسوس، الذي كان يؤمن بأنَّ الأشياء التي تشبه بعضها البعض قد تؤثر على بعضها البعض. ومن هنا جاءت فكرة ضرورة معالجة أعضاء الجسم باستخدام أشياء تشابهها. وفي هذه الأثناء كانت إيطاليا القرن السادس عشر غارقة في ثقافة الاستعارة. وقد انعكس هذا الأمر- من بين عدة جوانب- على السوق المزدهر "للثقافة الجنسانية" المغلفة بصور الطعام. وفي روما، التي كانت نسبة الذكور من سكانها تفوق مدن أوربا جميعها، ازداد انتشار التوريات الجنسية عن أي مكان آخر، وأصبحت فكرة الفاكهة هي "الاستعارة المثالية لثقافة روما في حقبة ما بعد الإصلاحية، وهي ثقافة أدى تحديها للتقاليد الدينية والسياسية بشكل متكرر إلى تعقيدات إضافية" حيث كانت الفكاهة وحدها متنفساً للرغبات المحرّمة.
وقد صمد ذلك النوع من الجنون على مدى قرن من الزمان. فقد تميزت البورتريهات التي رسمها الفنان الميلانيّ جيسبي اركيمبولدو بوجوه تكونت ملامحها من الفواكه والخضروات. وكان من المتخصصين في ذلك الاتجاه الأكثر إباحية فينسينزو كامبي، الذي رسم صفوفاً من النباتات والحيوانات، يحمل جلّها إشارات مماثلة، ونيكولو فرانجيباني، الذي تصور أكثر لوحاته شهرة- أمثولة الخريف، شاب ثمل نائم بجانب كومة من الثمار الصلبة. يربض بجانبه شيطان ماجن، في تجسيد لحلم الرجل، والذي يمسك بإحدى يديه قطعة نقانق كبيرة ويضع أصبع يده الأخرى في شق بثمرة بطيخ أصفر يحملها بذات اليد.
وقد كان هذا النوع من الاستعارات شائعاً أيضاً وإلى درجة كبيرة في أوساط الفنانين والمفكرين، خاصة في ما يسمى بالأكاديميات "الخاصة" بالمعنى الحرفي للكلمة، والتي كانت مثل أخويات المفكرين المخمورين، أو الجمعيات السرية. وهنا، تقول باحثة أخرى، هي أدريان فون لاتس، " لقد كان الشعراء الكبار والمحترفون يمتعون بعضهم البعض بتلاوة الأشعار الماجنة التي ابتذلت الرمزية الجنسية التي انطوت عليها طقوس الاستهلال وقرابين الحصاد الباخوسية". وقد كتب الفنان الكبير برونزينو شعراً أيروسياً ساخراً تداوله الناس على نطاق واسع. وكتب مايكل آنجلو ما يشبه ذلك، بيد أنّه كان يجزم بأنّ "قصائده لا تصلح إلا للدفوف والتغليف، لأصحاب الفنادق الصغيرة، والمراحيض، والمواخير". وأسس انطونيو فينالي في سيانا، أكاديمية المذهولين Accademia degli Intronati وكتب سيرة قدسية للأحاليل مناهضة للكنيسة، مثيرة لذوي الميول المثلية، وساخرة سياسياً في كتابه اسماه " كتاب الإحليل" La Cazzaria. أما أكثر هذه الأكاديميات تأثيراً فقد كان في روما. أكاديمية عديمي الحس Accademia degli Insensati، والتي أصبحت كنادٍ لمعجبي فنان المدينة الأعظم الجديد كارافاجو. ومن بين الأعضاء واحد من أوائل مخدمي الفنان، والذي ألف الأغاني والأشعار حول لوحاته. وكان لكارافاجو أصدقاء في أكاديمية أخرى أيضاً- الكوميديون.

وقد ضمت قائمة الأعضاء أبناء عائلة كولونا النافذة، والشاب مافيو باربيريني (صديق لراعي كارافاجو)، والذي رسم له كارفاجو صورة شخصية (واصل باربيريني، بصفته البابا أوربان الثامن لاحقاً دعمه للفنون ودمّر جاليلو.) وفي ميلان، أدار راعي عائلة كارفاجو أكاديمية تعني حرفياً : القلقين. وقد كان أحد هؤلاء "القلقين" لوماتسو، وهو رسام وصديق لمعلم كارفاجو، وحامل شعلة الضوء لأكاديمية أخرى، هي مجموعة المخمورين الريفيين عبدة باخوس والتي تحتفل بالمتع الجنسية لوقت الحصاد. ونعود إلى روما، حيث أقام عدد من رجال البلاط البابوي مسابقات في الشعر الماجن تحت رعاية أكاديمية الخمّارين، مستخدمين أسماء مستعارة للعضو الذكري مثل " السيد فجل"، و" السيد جزرة" والسيد غصن". وقد كانوا يحتفلون أيضاً بوقت الحصاد ولكن في ليلة معينة بالهواء الطلق تتضمن عشاءً حافلاً في روما، وتلاوة القصائد في مدح التين (الذي يرمز لأعضاء الأنثى التناسلية) والشمام (كفلها). وهنالك توازٍ بين التصوير في واحدة من أقدم لوحات كارفاجو الشهيرة، صورة ذاتية في ملامح باخوس (عربة باخوس)، والقصيدة المثلية الشهوانية التي كتبها العضو المؤسس الخمّار فرانسسكو بيرني في مدح الخوخ المخملي الملمس(مؤخرات الغلمان): " أيتها الفاكهة المفضلة على جميع الفواكه/ طيبة مع الوجبة وقبلها وبعدها/ ولكنها طيبة من الأمام وجميلة من الخلف."
وقد رسم كارفاجو في لوحته لباخوس نفسه فحلاً، ولكن ببشرة تميل إلى الخضرة. وهو يرتدي شملة رومانية بيضاء اللون عارية الكتفين، وهو يدير رأسه ليحدق في الناظر للوحة، في خفر بيد أنّه يبدو مريضاً. وعلى الدكة الحجرية حيث يجلس يستقر عنقودٌ من العنب الأسود، وثمرتا خوخ، وبحسب الباحثة فون لاتيس، " على حافة الطاولة كما لو أنّها مقدمة للناظر". والخوخ موضوع أيضاً بطريقة موحية جداً، يحاكي المؤخرة البشرية عند النظر إليها من الأعلى وبزاوية مائلة"، مستدعياً عبارة dare le pesche والتي تترجم في القاموس الإيطالي الإنجليزي لعام 1611:" تسليم أحدهم إليته، أو القبول بالخطيئة الشاذة".
وتبدو لوحة أخرى من أوائل أعمال كارفاجو، طبيعة صامتة فاكهة على رفٍ حجري، أكثر صراحة بعد: مجموعة كبيرة من مختلف الفواكه والخضروات والتي تعني كما يقول بيتر روب في كتابه M: "الرجل الذي أصبح كارفاجو، "لم يكن ليخطئها حتى أكثر مناهضي الإصلاح تحفظاً وحياءً". تظهر في الصورة سلة من الفاكهة معبأة بالبرقوق، والأعناب والخوخ وثمرة أجاص، وثمرة تفاح. كان بالتفاحة ثقب أسود لدودة؛ وتحمل ثمار الخوخ والتفاح " شبهاً صادماً بمؤخرة إنسان شاحبة اللون". كان هنالك زوج من ثمار الرمان الناضجة ("شقت إحداها نصفين فبدت بذورها الحمراء اللامعة الغضة") وبعض " التين الذي تجاوز مرحلة النضج بكثير وقد تآكلت قشرته الطرية، وقد انفطرت إحداها أيضاً في أوج نضجها لتسفر عن لحم أحمر قرمزي وبذور دقيقة". تزاحمت " هذه الفواكه الصغيرة بجانب ضخامة كتلة من البطيخ، والهندباء والقرع". وقد "شقت" إحدى اليقطينات "مثل الرمانة لتكشف عن جرح بليغ على شكلِ هلالٍ يطل منه باطنها الرطب الشهي. وكذلك كانت البطيخة تبدي لحمها الوردي وبذورها السوداء الدبقة." وفي الخلف ما يدعوه روب "هندباء" لكنه في الحقيقة قرع، " طويل وبارز وغير مقطوع". هذه هي المفاتيح الرئيسية في "حب الخضروات العاصف الحسي المجانيّ للجميع، بينما تبرز إحدى ثمار الهندباء الطويلة المنحنية وترياً عبر الطاولة باتجاه شق القرعة الرطب. وراءها، ثمرة هندباء أخرى ممتدة بسلاسة وتنتصب بطريقة أكثر إيحاءً أمام وجه المتفرج، وقد رُسم طرفها في تلاعب ذكي بأسلوب تباين الظل والضوء، فترتسم في اللوحة في مركز الشعاع الساقط، فيبدو ما يليك مباشرة ودون لبس كرأس لقضيب محتقن."
ويرى أحد كُتَّاب سيرة الفنان اللاحقين، جون ت. سبايك، في هذه اللوحة معنىً دينياً بالإضافة إلى المعنى الأيروسي:
الحصاد الوفير لثمار آخر الصيف، والقرع، والبطيخ تملأ سطحها، وهي مضاءة من الأعلى بشكل رئيسي. الإشارة هنا [ ] لشبه عمواس بالحكم الوشيك لنهاية فصل الصيف. فالثمار والقرعيات مقسمة في الغالب إلى أزواج، واحدة كاملة والأخرى مشطورة. نثر البذور- الرمان تحديداً- هو رمز مسيحي للقيامة. وسلة الخوص إلى اليسار تحتوي على الأعناب وأوارق العنب التي ترمز إلى طقس المناولة، بجانب ثمار الخطيئة الأصلية التفاح والخوخ. ثقوب الديدان والشوائب الأخرى التي لحقت بهذه الثمار الشهية هي رمز كارافاجيو لسرعة زوال حياة البشر.
وهو أيضاً يعترف بالتوريات البصرية الجنسية:
الأشكال الأفعوانية لثمار القرع الأنبوبي الذي يبدو قضيبياً بشكل صريح [...] كأنّه يتلوى وينزلق مثل الثعابين العمياء. ثمار التين المنتصبة تأخذ هذه الرمزية الذكورية، بينما جوف القرع الخصب، والبطيخ المشرّح الوردي يشير دون تردد إلى تجسيد رقيق التنكر للجنس الأنثوي. بالنسبة لأي شخص يفكر على هذا الخط، فإنَّ زوج ثمار الخوخ المرصوص أعلى السلة يحمل شبهاً غريباً بالكفل البارز.

إذن ومجدداً، يمكن أن تكون الفاكهة والخضروات أحياناً....حسناً، فاكهة وخضروات. لم يقتنع البستانيّ الأمريكي جول جانيك بهذا الحديث المجازي الفائق الإثارة. " يبدو لي أنَّ كارفاجو كان يستعرض بكل بساطة اعتزازه بمهارة التلوين، وحبه المحض لأشكال وخضرة الثمار موضوع الرسم." ويحتج في مقال بارع بأنّ لوحات الثمار والخضروات هذه سواءً أكانت توحي بشيء عن الجنس أو الإيمان فإنّها بكل تأكيد تقول شيئاً ما عن البستنة في روما أواخر عصر النهضة. " " لقد كانت الفواكه عام 1600 تبدو بكل تأكيد طرية وطيبة كما هي بعد أربعة قرون، مكذّبة الإشارة الشائعة إلى أنّ الفلاحين المعاصرين قد عملوا على تحسين مظهر الثمار إلى حد الإضرار بجودتها، على الرغم من أنّه من الصعب تحديد مدى الجودة من الصورة. لقد أكدوا على ثراء تنوع الثمار المتاحة [و] بينّوا أنَّ الآفات والأمراض كانت من المشكلات تلك الفترة كما هي الآن.
وقد كان اكتشاف صور كارفاجو الممعنة في الواقعية كشفاً لجانيك، بمثابة العثور على حافظة صور ضوئية ملونة يبلغ عمرها أربعمائة عام. استكشف الآخرون حياة كارفاجو الجامحة وفنه. وقد لاحظ الكثيرون كيف أنَّ واقعيته، وطريقته في الرسم المباشر قد مهدتا الطريق لرامبرانت، وفيرميير، وأصبح بالإمكان النظر إلى الأشياء بالطريقة الحديثة. وقد لاحظ البروفسور جانيك ما كان حتى تلك اللحظة جانباً مهملاً من عبقريته: كارافاجو، مؤرخ للأصناف الزراعية الإيطالية بين عامي 1592 و 1603. على سبيل المثال، يظهر أجاص كارفاجو متعدد الأحجام والألوان في ست لوحات، تتضمن الكمثرى طرية اللب {pyrus communis} المذكورة في الأوديسا. وقد كانت ثمرة الأجاص هذه "هدية الآلهة" في حدائق السينوس وقد وجدت منها شرائح مجففة في أحد الكهوف السكنية من العصر الجليدي. وتوحي لوحات كارفاجو "بتعدد جيني ملموس في أنواع البطيخ" في عهده. كما يصور لنا ثمار الشمام، والتي اشتقت اسمها " الكانتلوب" من Cantalupo، القصر الريفي البابوي في هضبة سابينا حيث جلبت أول مرة على يد البعثات التبشيرية. كان القرع مثيراً للاهتمام أيضاً: وقد كان هذا النوع قد وصل قريباً نسبياً إلى أوروبا من أمريكا. وبعض تفاحات كارفاجو، الشهيرة في روما القديمة، تبدو معاصرة إلى درجة ملحوظة. ويبدو سفرجله أيضاً مثل ثمار اليوم، بيد أنّ السفرجل غير شائع الآن، لحمضيته، ويشيع استخدامه في المعلبات. تظهر ثمرة خيار واحدة في لوحة عازف القيثارة، وهي ثمرة أحبّها تيبيريوس كثيراً، وأمر بزراعتها في ما يشبه البيوت الزجاجية اليوم [specularium].
بالإضافة إلى ذلك يبين لنا كارفاجو الأمراض والآفات الأخرى. ففي لوحة باخوس هنالك ثمرة سفرجل نصف متعفنة، وتفاحة حمراء بداخلها دودة وفتحتها بادية، وأخرى بها عفن (" ربما كان نوعاً من العقد الفطرية[Botryosphaeria]"). فقدان إحدى أوراق العنب للونها يشير إلى نقص البوتاسيوم. وفي ورقة أخرى، على الإكليل الذي يرتديه باخوس، يبدو أنّها مصابة بالتدرن التاجي والذي تسببه البكتريا الأجرعية(المورِّمة). عشاء في عمواس لوحة تصور المسيح الرفيع في وجبة مكونة من الخبز والدجاج والنبيذ الأبيض والماء، والفواكه التي تبدو كما لو أنها قد أبتيعت للتو من السوق. إنّها ثروة من المعلومات. وكبداية، على الرغم من أنّ العشاء في الإنجيل حدث في عيد القيامة، فإنَّ الفاكهة كانت خريفية. كما أنّها أيضاً كشفت عن مشاكل نظام الإنتاج العضوي، الذي ربما أفاد من بعض المبيدات الحشرية ومضادات الفطريات. فبقع الفطر تذهب بلون أوراق العنب. وثمة مشكلة بكل تفاحة: آفة الجرب التي تسببها الفطريات. والثقوب الدودية، والعفن الأسود. الرمان به بقع. عدم تماسك عنقود العنب دليل على ضعف التلقيح. ووراء طبق الفاكهة دجاجة نافقة جداً، ملقاة على ظهرها وترتفع ساقيها المتخشبتين إلى الأعلى، مما يشير إلى تيبس الموت.
كان كارافاجو سكيراً، عنيفاً ومجرماً. فقد قتل، واتخذ رفقة أسوأ صبيان وفتيات المدينة، ولصوصها، ومومساتها، وقُطَّاع الطرق والقتلة المأجورين [البرافي: Bravi]. وينبغي أيضاً الإقرار بأنَّ كارفاجو كان يتعامل مع الطعام بجدية أكبر مما هو يلزم في بعض الأحيان. وهنالك حوار محفوظ في محكمة روما الجنائية يجعله يبدو مثل جو بيسكي في فيلم الأصدقاء الطيبين Goodfellas . عندما يحضر له النادل طبق الخرشوف المطبوخ بالزبدة بدلاً عن الزيت، يدمدم كارافاجو: " يبدو لي، أيها الأحمق، أنّك تخال نفسك تقدم لي بعض الهراء الرخيص؟" ثم هاجم النادل وسدد له طعنة في الوجه. وفي حادثة أخرى، هدّد الفنان ورفاقه أحد الفنانين المنافسين: " سنقلي خصيتيك في الزيت." وكان يشير بازدراء إلى أحد مخدميه، السيد باندولفو بوتشي، بالسيد "إنسالاتا" وذلك لأنّه لم يقدم له سوى طبق السلطة. لقد كانت " طبقاً مقبلاً، وفاتح شهية، وتحلية [...] ورفيقاً وخلة أسنان".
شكراً لعبقريته، بيد أنّه، وربما أيضاً للتركيبة الرائجة الآن في حياته وعمله وجنسانيته وعنفه، لم يسبق له أن اشتهر لهذه الدرجة. لقد صدرت عنه كتب كثيرة. وقد استمر في بيع أعماله في المعرض الكبير الذي أقيم إحياءً للذكرى 400 لوفاته عام 2010 في قصر كويرينال لشهور عدة. لقد بدأت أنا نفسي أشعر بالقرب الشديد منه لأني صادفت لوحاته عن القديس ماثيو في معبد كونتاريلي بكنيسة سان لويجي ديل فرانسيزي، بالقرب من ميدان نافونا، وبي شيء من إدمان الكنائس، وبإمكاني زيارة عشرٍ منها في اليوم، ولكني لم أدرك أبداً أنّه كان هناك. فالفرق كبير للغاية بين لوحاته و فوضى الملائكة الباروكية والذهب والرخام المكدس حول بقية الكنيسة مثل كعك الزفاف بعضه فوق بعض. رؤية لوحات كارفاجو الثلاث من حياة القديس ماثيو كانت مثل ضربة في الروح بواسطة مضرب بيسبول. وهاهو الرجل العظيم الآن، بغتة، يظهر شخصياً. أعلن علماء في رافينا عن العثور على بعض العظام في إقليم التوسكان التي يرجح أنّها لكارافاجو "بنسبة 85%"، والذي ربما توفي نتيجة لتسمم بالرصاص، وليس القتل، أو وفاته في المنفى- كما كان يُعتقد مسبقاً. على التلفاز شاهدنا كيف أنَّ العظام عوملت باحترام كرفات قديس من العصور الوسطى.
وفجأة سيطرت عليَّ فكرة إعادة رسم لوحاته. سيكون بوسعي إعادة تشكيل الأمر بمساعدة الكاميرا الرقمية الصغيرة خاصتي، إن استطعت شراء الثمار الصحيحة، ولكن أيّ لوحة؟ إحدى الصور المرشحة هي سلة الفاكهة (1599) والتي عليها مسحة من الغموض، ويقال إنّها كانت بداية رسم الطبيعة الصامتة المحضة. ولكن تلك اللوحة لا تظهر سوى خمسة أنواع من الفاكهة (العنب والتفاح والتين وثمرة كمثرى وثمرة سفرجل) ولا يبدو فيها ما يكفي من الطموح. ولا الكثير من اللمحة الرومانية. لقد رُسمت هنا، ولكنها معلقة في ميلانو. ويظهر في لوحة باخوس العليل العنب والخوخ فقط، بشكل مثير للملل، وأنا بالطبع لست مولعًا بدجاجة لوحة عمواس. وعلى النقيض من ذلك تحتوي لوحة الطبيعة الصامتة على طاولة حجرية ثماراً جميلة من التين والخوخ وما إلى ذلك، وأحب الطريقة التي صنع بها كارفاجو هذه التأثيرات الرائعة من الظل والضوء: لقد قام بفتح في سقف صاحبة المنزل. ولكني لا أحب الشمام (ولا الشمام الإباحي حتى) وأنَّى لي بقرع عملاق قضيبي الشكل أفعوانيٍ في روما يوم الاثنين؟
قررت بعد طويل تفكير أن أتحرى الوفير والحديث من الثمار. سوف أحاول إعادة إنتاج لوحة الصبي وسلة الفواكه، التي رُسمت بين عامي 1593 و1594 في روما. وهي معلقة في المعرض البورغيزي. وصديقتي فاليريا مستعدة لأداء دور الصبي الحامل السلة، الفتى ماريو مينيتي، الذي شق طريقه ليصبح رساماً هو الآخر. كانت اللوحة جيدة بما يكفي في نظر كارفاجو. وقد كانت مثيرة للاهتمام بالنسبة لديريك جارمان وسيمون سكاما بما يكفي لإعادة رسمها لتستخدم في الأفلام التي تناولت حياته. وبالإضافة إلى ذلك ستزوّد عائلة فاليريا بما يكفيها من الفاكهة لعدة أيام. إذن هيا إلى سوق الفاكهة والخضر المهيب في كامبو دي فيورا. لقد كان للمكان حظه من التأريخ. جرت حادثة اغتيال يوليوس قيصر على مقربة من هنا، أمام مسرح بومبي. وفي أيام كارفاجو كان الكامبو عبارة عن سوق أحصنة وماشية. كما شهد عمليات حرق الكتب والهراطقة. وفي عام 1553، أقيمت محرقة عظيمة للكتب اليهودية المصادرة من منازل اليهود. والتهمت النيران في عام 1600 الفيلسوف العظيم والراهب السابق جيوردانو برونو، الذي حرقته الكنيسة حياً بتهمة الهرطقة. لقد شكك برونو بمباديء الكاثوليكية. كما أنّه طور نظرية عن الذرات، تقول بأنَّ الأرض تدور حول الشمس، وتؤكد على أنّ العالم يحتوي على عدد غير متناهٍ من النجوم أمثال الشمس.
لقد كان عليه أن يمضي ومن المحتمل جداً أنَّ كارفاجو قد شهد الحرق. ليس من شيء لإحياء ذكرى كارفاجو في الميدان، ولكن يشرف على المكان تمثال برونو المتأمل معتمراً قلنسوته. وقد نصب هناك عام 1889 بواسطة مجموعة من مناهضي الكنيسة الذين اعتبروه واحداً من أعظم شهداء حرية التعبير. يحتشد الناس لتكريمه هنا في شهر فبراير من كل عام. وقد جعلت مقاهي وحانات الكامبو الحديثة منه، منطقةً لتجمع الشباب في الأمسيات. وعندما يجتمع هنا الزوار من عشاق كرة القدم قبل المباريات الأوربية، يلعب معجبو نادي روما لكرة القدم لعبة تقوم على محاولة طعنهم في مؤخراتهم، وهي تقليد مرِح آخر يعود في تأريخ إلى عهد كارفاجو. ولكنه اليوم، مثلما كان منذ عام 1869، ما زال سوقاً للفاكهة.
سوف يكون الطقس حاراً، لذا ينبغي علينا العودة مبكراً. صديقة آنا، حامل في شهرها الرابع، وهي ترتدي قبعة بيضاء، ولدينا قائمة مشتريات مشتقة من البروفيسور جانيك. يلزمنا شراء المنتجات التالية من أواخر القرن السادس عشر:
ثمرة خوخ واحدة
أربعة عناقيد من العنب (اثنان من العنب الأسود، واحد من الأحمر وواحد من الأبيض)
ثمرة رمان ناضجة واحدة (يتم تقسيمها)
أربع من ثمار التين (اثنتان سوداوان واثنتان فاتحتا اللون)
ثمرتا مشملة
ثلاث تفاحات
غصنان عليهما ثمرات كمثرى صغيرة
ورقتا عنب خضراوان (واحدة عليها بقع فطرية؛ والأخرى عليها كتلة بيضاء من بيض حشرة)
أوراق شجرة خوخ عليها بقع.
غصنان عليهما زخرفة حمراء (ربما غصنا نعناع).
وربما يجوز لنا إغفال الأوراق المتضررة بالهيئة الحقيقية، فهو من الأمور التي يجتهد بائعو الفواكه المعاصرون في إخفائه. وربما لن نجد الأنواع التي تعطينا اللون الصحيح. عليه فسوف نهتم بأنواع الثمار. وإن لم يكن أيّ منها موجوداً هنا، فسوف نذهب إلى السوبر ماركت، وسيكون أفضل إن كان علينا شراء الفاكهة في مغلفات بلاستيكية. سوف أقوم بترتيبها في السلة بتلك الطريقة لإثبات مرور 400 عام بالفعل.
أولاً: الخوخ! لقد قابلنا مارسيلا، مرِحة وذات شعر داكن، والتي ظلت تعمل في كشكها هذا لثلاثين عاماً، مذ كانت في السادسة عشر من عمرها. وبينما كنت أشرح لم كنا نحتاج خوخة واحدة، تطعم مارسيلا صديقها بعض القطع الصغيرة من الخبز، وهو عصفور دوريّ يدعى سيريليو، والذي ما فتأ يتنقل طائراً ما بين مظلة الكشك ويدها. يراقبنا سيريليو بحركات رأس سريعة، وعينين تلمعان بالثقة. ترتدي مارسيلا قميصاً قطنياً أسودَ تزينه عبارة I ♥ Roma” “ وصورة للكولزيوم. " لقد كان المكان مختلفاً جداً هنا، وكان الناس مختلفين تماماً. كان الميدان يعجّ بالقصابين، والخبازين، وليس الحانات والمقاهي. وكانت لدينا طاولات خشبية، وأصبحت الآن جميعها معدنية.
هنالك الكثير من السيّاح الآن، ولكن ما زلنا نحتفظ ببعض العملاء القدامى من السكان المحليين.
كما أنّ المنتج تغير هو الآخر، ولكن الشيء العام أن الناس أصبحت تشتري الأشياء بكميات أقل هذه الأيام." كلفّت ثمرة الخوخ (بالإضافة للأوراق الخالية من البقع) أربعة يوروهات. " بروح روما في تسعينات القرن السادس عشر، هل ستحمل بضع قطع نقدية من فئة الاسكودي؟"
أما بخصوص الكمثرى، فقد اخترنا كشكاً يقع إلى الجانب الأيمن من الميدان، ويديره راف، وهو رجل بنغلاديشي في السابعة والعشرين من عمره، يرتدي قميصاً قطنياً يمزج في لونه بين اللونين الورديّ والبرتقاليّ. شرحت له مشروعنا، ولكن ليس بشكل جيد كما يبدو.
" ليس لدي أيّ منها. تحتاج إلى زيارة متجر للمنتجات الفنية،" يقول راف.
" لا، نحن نريد فاكهة في اللوحة."
"أوه حسناً، يمكنني ذلك. لدي أناناس، وموز وكيوي..."
" ولكن لم تكن هذه الثمار في اللوحة. أنا لست متأكداً من أنّ كارفاجو قد شاهد ثمرة أناناس من قبل، أو حتى موز أو كيوي. هل لديك أيّ كمثرى؟"
ليس لدى راف كمثرى. لقد فرّ من قريته شمال بنغلادش قبل عشرة سنوات، باحثاً عن حياة أفضل في أوربا، ويعيش بالقرب من تيرميني. " لدي الكثير من الإخوة والأخوات، ولكني هنا لوحدي، وعائلتي في بنغلادش. بالنسبة لي روما رائعة، والحياة أفضل هنا."
التالي: الرمان. وهذا يثير الدهشة في الفتاة صاحبة الكشك القريب من دار سينما فارنيزي. كان لها أسنان هشة المظهر، وسيجارة تتدلى من شفتها، فقهقت ضاحكة بسخاء ولكن دونما إفراط " رمان؟" عودوا في شهر نوفمبر! ليس هذا موسم الرمان." الشملات إذن؟ " ها، تلك ربيعية." أعناب؟ " حسناً يمكنك أن تحضرها من صقلية الآن، ولكننا لا نملك منها شيئاً. نحن نبع فقط ما نزرعه بأنفسنا. فالأمر يعني بالنسبة لنا ماهو متوفر في الموسم." وبالتالي، فما لدينا هو إنتاج الموسم." انضمت إلينا اختها بينما أدارت وجهها ناحية عميلة سيدة مسنّة رفقة خادمتها الفلبينية.
كان اسمها ساندرا بوتوني، ومما اخبرتنا به، أنّ الكشك ملك للعائلة. فتحه والدها جياكومو، الشهير بجياكومينو قبل ثلاثين سنة، ويعمل فيه الآن ساندرا، وزوجها، واختها، وجياكومينو. وهم يعيشون في فيليتري، جنوب روما، ويزرعون الفاكهة والخضر ولا يبيعون سوى الطازج من المحصول. والشيء المثير للاهتمام والفضول معاً أنّهم يتبعون في ذلك المباديء القديمة المتعلقة بأطوار القمر. فقد توارث السكان المحليين قناعات بضرورة أن توافق عمليتي الزراعة ووضع البذور القمر في أطوار التزايد (ما بعد الهلال وقبل البدر). " هنالك أفكار غاية في القدم، ونسعى للمحافظة على تلك الثقافة،" تقول ساندرا. هذا وتضمن التربة البركانية في المنطقة تميز خضرواتهم بطعم لا مثيل له. تزورهم الآن عميلة قديمة- عائدة لتوها من اليابان- لشراء نصف ثمرة شمام. وبينما تشرع ساندرا في قطع الثمرة تشرح لنا هي السبب وراء مجيئها لهذا الكشك لسنوات. " لا يراعي السوبرماركت الجودة، ولكنها عالية هنا. وأنا أحبّ والد ساندرا. جياكومينو بالفعل أفضل رجل في الساحة!" كما تقول ساندرا، لقد تغيرت عادات التسوق. كانت العائلات تشتري اثنين أو ثلاثة كيلوات من الخوخ في المرة الواحدة. والآن يشتري الأفراد ثلاثة أو أربعة حبات من الفاكهة فقط. " اعتاد الناس على شراء كميات كبيرة مرة أو مرتين في الأسبوع. ثم تغير كل شيء بسبب اليورو والمتاجر الكبيرة ومراكز التسوق. لم يعد الشباب يفهمون ثقافة وتقاليد السوق. إنهم في عجلة من أمرهم. وهذا يؤثر علينا بالطبع. لكن جودة الطعام في السوق اعلى ومن يفهمون ذلك يظلون يقصدوننا." بالنسبة لكارفاجو فأنا أشتري التفاح (والذي وجدناه رائعاً في الحقيقة). تقوم آنا بشراء احتياجات الاسبوع كله.
ونتحدث بود مع زايرا من رومانيا ورجل يبيع صلصة المعكرونة الجافة، ولكن اقتربت الظهيرة وبدأت آنا تشعر بالتعب. عليه فلا بد أن نسرع فتبقت لنا آخر أربعة أشياء، ولنرى ما سنجده منها في كشك "ماريا" على الجانب الآخر من الساحة، بجانب تمثال برونو. يتزود هذا الجزء من سوق الخضر بجميع محصولاته من السوق الكبير في لونغيزا بالقرب ن تريفولي. هل لديكم أي فاكهة غير فاكهة الموسم؟ " لدينا كل شيء!" يقول اليساندرو، والذي تدعى والدته ماريا، كما كانت أمها تسمى، وبالتالي فإن اسم العمل الذي افتتح في عشرينيات القرن العشرين يبيع الأعشاب البرية للمطاعم في المنطقة.
ولدى اليساندرو تين من صقلية، ورمان من إسرائيل، وعنب أحمر من تشيلي، وأبيض من صقلية ونعناع زكي الرائحة لدرجة غير معقولة من الريف الروماني. يقول" لقد عشت هنا منذ أن كنت طفلاً،". وهو يعيش الآن في اوستيا، ولكنه يتذكر جيداً عندما كانت منطقة وسط روما تزدحم بالفقراء. " كانت الشقة التي تتكون من خمس غرف في هذه المنطقة تؤوي في كل غرفة عائلة مختلفة. ثم ازدهر الاقتصاد في الستينات. والآن يسكن في ذات الشقة بحجراتها الخمس شخص واحد، أو على أكثر تقدير، أسرة واحدة."
لكننا لا نزال بحاجة إلى ثمار المشملة. وسوف نحصل عليها من سونيا، وهي خريجة درست الأدب الإنجليزي، وتدير كشكاً مع أمها في الجزء الأقصى من الساحة. المشملة- من أسبانيا- كانت قديمة إلى درجة ما، لكنّا محظوظين بالحصول عليها. درست سونيا اللغة الإنجليزية في لا سابينزا، ثم في بوسطن، في لندن وفي الجامعة في مانشستر. لقد حصلت على دورة في تدريب المعلمين في غرينوبل أيضاً ولكنها عادت لتعمل مع امها. لم؟ " إنّها تجارة العائلة، وإن لم تعرف شخصاً ما فلا يمكنك الحصول على شيء. لقد كان الأمر كذلك عندما كنت أصغر سناً، وما زال كذلك الآن." ترتدي والدتها قميصاً عليه شعار نادي روما لكرة القدم، وعقد غريب من الفلفل الحار المجفف. إنّها تنظر إلينا وتبتسم، ترفع قبضتها وتهتف: " روما! روما!"
عدنا إلى الشقة وبدأ العمل الصعب لإعادة إنتاج اللوحة فعلياً. انضمت إلينا العائلة كلها. واقترحت استخدام طبق أزرق من البلاستيك من النوع المستخدم للغسيل بدلاً من سلة الخوص للإشارة إلى المفارقة الحداثية. غمغمت فاليريا ساخرة، ومضت تبحث عن سلة خوص من طراز يعود للقرن السادس عشر. هنالك واحدة في غرفة المعيشة. شعر ليبراتو (والد فاليريا) بالملل، ومضى ليشاهد التلفاز. ناديا(والدتها) تدرس اللوحة في هذه الأثناء، وتعمل على التحقق من مواقع الفاكهة حسب اللوحة. شرعت هي وابنتها في ترتيب الثمار كما لو أنّها لعبة صور مبعثرة. شقت الرمانة. وكان علينا الاحتيال فيما يخص الزخرفة باستخدام أوراق الجهنمية من الشرفة. دلف ليبراتو فجأة ليرى كيف تسير الأمور. وأخيراً انتهينا من السلة! وإن كنت انتقائياً لانتبهت للتفاصيل: حيث كانت كمثرى كارفاجو حمراء والتي حصلنا عليها كانت خضراء فاتحة. ليس لدينا تين أسود والرمانة يجب أن تكون أصغر بكثير. ولكن ليس الأمر بذاك السوء، وسلتنا بلا شك كانت أفضل من سلة ديريك جارمان. الذي ملأها بالشمام والليمون واليوسفي! هاوٍ! ولم يتبق سوى أخذ الصورة. لقد كنت أدور حولها وأدركت أنني لا استطيع إعادة رسم الظل والضوء في الخلفية. وعليه فسوف نقوم بعد كل هذا باستخدام المفارقة الحداثية. فاليريا في زيّها الروماني، تبدو أجمل كصبي أجير من القرن السادس عشر، وتتذمر من ثقل وزن السلة. تقف ببسالة على الشرفة. يتلاشى الضوء بسرعة، ولكن بإلامكان التعرف على الكنيسة في الخلفية، ومبنى الشقة المجاورة، والطائرة المتجهة إلى كيامبينو، والحقل حيث يجري بناء مركز رياضي جديد. أوه كل شيء على ما يرام. هذا عمل رائع. يجدر بهم تعليق هذه الصورة في أحد المتاحف.
---------
عمْواس
الإنجليزية: Emmaus.


اسم عبري معناه "الينابيع الحارة" وهي بلدة على بعد ستين غلوة من القدس، وهي قرية في أرض فلسطين، لم تذكر إلا في إنجيل لوقا. وقد ظهر المسيح المقام لتلميذين كانا ذاهبين من القدس إلى عمواس في يوم القيامة (تلميذيّ عمواس)، وعرفاه عند العشاء في عمواس (لو 24: 13 و29 و33). ويقول بعضهم أنها مزرعة عمواس، على بعد 22 ميلًا من القدس (قرب اللد) ولكن هذه المسافة أطول من أن تقطع في منتصف الليل. ويرجح أنها قبيبة إلى الشمال الغربي من القدس بسبعة أميال.



























----------------
قبيل النضج: الجنون والجمال والأغذية في روما
تأليف: ديفيد ونر- ترجمة: أميمة قاسم
بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة منAl Dente قبيل النضج: الجنون والجمال والأغذية في روماتأليف: ديفيد ونر- وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في جوجل بلس نأمل أن تحوز إعجابكم وأن تكون مساهمة في #نشر_المعرفة
صفحتنا الرسمية في فيس بوك :
https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/
منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا
https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar
(جميع الحقوق محفوظة)
Photo
Add a comment...

Post has attachment
قبيل النضج - الجنون والجمال والأغذية في روما
الفصل الخامس- عصارة السمك
تأليف: ديفيد ونر
ترجمة: أميمة قاسم
----

ما يزال النقاش حول صلصة السمك دائراً، وتظل مثيرة للجدل"
غروكوك وغرينجر (محرران) ابيسيوس، 2006
-
تميزت عصارة السمك المخمّرة- garum أو liquamen- بالرائحة الأقوى في الإمبراطورية، والنوع الأكثر تقديراً من قبل الذوّاقة، والآن ليس هناك من يعرف كيف كان طعمها آنذاك.وقد كانت تتمتع بشعبية بين الرومان القدماء تعادل الصويا في المطبخ الياباني أو الشحوم في البيرغر، أو الملح في البطاطا الفلمنكية أو الأنشوجة المملحة في البيتزا بنكهة الانشوجة المملحة. وقرطاج هي المنشأ لإحدى أغلى علامات عصارة السمك ثمناً وأكثرها طلباً، وتنتج عن طريق إغراق سمك الماكريل في سوائل مجموعة أخرى من أسماك الماكريل، ثم تركها تتحلل، ثم قشد المادة الطيبة من على سطح السائل الناتج. وكان يطلق على هذا المنتج الشهياسم garum sociorum، وهو يكلف ألف قطعة نقدية من فئة السسترس(sestereses). "وفي ما عدا العطور لم يكد أي سائل آخر يصل إلى سعر كهذا، يقول بليني الكبير.
ونعرف أنّ طعمها كان كطعم السمك مع قوة في النكهة، ومالحاً لدرجة كبيرة. يقول الخبراء إنّه أقرب مايكافئها في الطعم في العصر الحديث هي صلصة سمك النوك نام الفيتنامية المالحة. وبكثير من الجهد والمال استطعت الحصول على زجاجة من النوك نام، واستطيع الجزم بأنّها قوية النكهة وشديدة الملوحة على الرغم من أنّها قد لا تكون في قوة صلصة السمك الرومانية الغاروم. وقد قال الذوّاقة عن الغاروم أنّها صافية، قاتمة، وبلون الخل. وهذه كذلك. ولكن المنتجات الرومانية تمتعت دائمة بتعدد مستويات الدرجة، والقوام، والنكهة. وتميزت بطعم مختلف. عليه فإنني فخور جداً كوني أمتلك قارورة من عصارة السمك الفيتنامية- ولكنها ليست الأجود.
لا أحد يعلم على وجه التحديد إن كانت صلصة السمك الغاروم تُصنع من السمك الكامل، أم من أحشاء السمك أم دمه، أو مزيجاً من كل ذلك بجانب أشياء أخرى مثل الجلد والمخ، والتوابل والأعشاب. هل كان يستخدم لصنعها نوعاً واحداً من السمك؟ أم مزيج من أنواعه؟ هل كان الغموض يكتنف عملية التصنيع بنفس القدر؟ هل كان مزيج لحم السمك والدم والأمعاء وما إلى ذلك يُترك ليتعفن ويتخمر تحت أشعة الشمس لأشهر؟ (يحدث ذلك في بعض الأماكن، وله رائحة رهيبة للغاية ولذلك تم إبعاد أوعيتها عن مساكن البشر بقدر الإمكان، وقد كان محظوراً داخل روما). هل كان استخلاص السائل (أو العجينة) من السمك (أو قطع السمك) يتم عن طريق عملية التمليح بدلاً عن ذلك؟ سؤال وجيه للغاية. استخدمت البقايا أيضاً، ولكن بأسماء مختلفة، وكانت أرخص ثمناً، ولم تكن بذات الطعم.
ومهما كانت الإجابات، يجوز أن نقول بأن المطبخ الروماني لم يخل في كل الأوقات- على الأرجح، وفي جميع الظروف من نكهة الأسماك. وفي كتاب الطبخ الوحيد الذي نجا من حقبة الإمبراطورية، دي ري كوكيناريا، لم نجد طبقاً يخلو منها. وقد صدر الكتاب في القرن الرابع تحت عنوان أحد عشاق الطعام في القرن الأول: ماركوس غافيوس ابيسيوس، والذي تناول فيه خلاصة سمك مع كل المكونات: مع اللحم الأحمر، مع اللحم الأبيض، مع الخضروات، ومع الفاكهة...ومع الأسماك. سم أي نوع من الأكل يمكن تناوله في أي مكان داخل الإمبراطورية وستجد أنّ الرومان القدماء كانوا يرونه أطيب طعماً مع صلصة السمك المالحة القوية النكهة.

------------------
قبيل النضج: الجنون والجمال والأغذية في روما
تأليف: ديفيد ونر- ترجمة: أميمة قاسم
بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة منAl Dente قبيل النضج: الجنون والجمال والأغذية في روماتأليف: ديفيد ونر- وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في جوجل بلس نأمل أن تحوز إعجابكم وأن تكون مساهمة في #نشر_المعرفة
صفحتنا الرسمية في فيس بوك :
https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/
منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا
https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar
(جميع الحقوق محفوظة)


Photo
Add a comment...

Post has attachment
قبيل النضج - الجنون والجمال والأغذية في روما
الفصل الرابع- القواقع
تأليف: ديفيد ونر
ترجمة: أميمة قاسم
----

كتب رائد فن الطبخ في روما القرن الحادي والعشرين قائلاً: " ليس ثمة سعادة حقيقية حيث لا ينال جانب مهم من جوانب حياتنا مثل الطعام ما يستحق من الاهتمام." وقد كانت آدا بوني سيدة لطيفة وقورة من إحدى أرفع عائلات الطبقة الوسطى ؛ يقال إنّها ابتدعت طبقها الأول قبل أن تتجاوز عامها العاشر من العمر. كانت عائلتها تعمل في صياغة الذهب، وكان عمها أدولفو جاكوينتو طباخاً مشهوراً. وقد قامت آدا بتحرير مجلتها الناجحة في فن الطبخ بين عامي 1915 و 1959، وكانت تحمل عنوان بريزيوسا (Preziosa- النفيسة). ويعتبر كتابها الأفضل مبيعاً: طلسم السعادة، الذي صدر للمرة الأولى عام 1929، محتوياً على 882 وصفة (زيدت لاحقاً بمساهمة من آخرين لتصبح أكثر من 2000 وصفة)، في أهمية كتاب أرتوزي علم الطهيScience in the Kitchen. وقد ظل كتاب بوني هو ما يرجح أن تتلقاه العروس الإيطالية كهدية زفاف في أغلب الأحوال. وهي تتميز بالأناقة، والموهبة والشعبية، وكانت تقدّم برنامجاً في الإذاعة، ونادرا ما كانت تظهر في الأماكن العامة في الصيف بدون مظلتها البيضاء. كانت تعطي دروس الطهي للسيدات الآخريات من الطبقة الراقية في منزل عائلتها بقصر اوديسكالتشي، وصرّحت بأنّ الطبخ : " أكثر الفنون إثارة للبهجة، وفي ذات الوقت، أكثر العلوم إمتاعاً". وكما تبين من الطلسم فهي لم تناصر النساء: " الكثيرات منكن، عزيزاتي السيدات والفتيات، يعرفن كيف يعزفن البيانو جيداً، أو يؤدين الأغاني بطلاوة أنيقة، وغيركن كثيرات يحملن ألقاباً رفيعة في الدراسات العليا، ويعرفن اللغات الحديثة، وكاتبات رائعات أو رسامات بارعات، كما نجد منكن من يجدن لعب التنس أو الجولف، أو يدرن دفة قيادة سيارة فارهة بكل ثقة. ولكن، واحسرتاه، ليس باستطاعة جميعكن ادعاء- إن حكمتن ضمائركنَّ قليلاً- معرفة كيفية سلق بيضتين إلى درجة دون الاستواء بالضبط." . كما كانت باحثة موهوبة أيضاً، ورومانية فخورة من الجيل السادس. كتابها La cucina romana: piatti tipici e ricette dimenticate di una cucina genuine e ricca di fantasia(المطبخ الروماني: أطباق نموذجية ووصفات منسية من مطبخ أصيل وثرّ الخيال)، كان مخاضاً للحب، وتسجيلاً لأسلوب الطبخ الذي بدأ يختفي تحت وطأة العصرية، والذي ربما أصبح طي النسيان لولاه. وفي ما يلي نقتبس من ذلك الكتاب، والذي لم يترجم قط إلى الإنجليزية، وصفها الساحر لقواقع الكروم التقليدية:
هنالك عيد روماني تقليدي في شهر يونيو، إنّه ليلة القديس يوحنا. وقد فقد على مدى السنوات جزءاً كبيراً من حيويته غير المسبوقة، بيد أنّه ما زال يمثل الوجهة التي تلتقي عندها جماعات مختلفة من كل أنحاء روما. وسط شذى الأكاليل والسنابل، تحفهم الآلاف من الأنوار بألوان عديدة، وعازفو الغيثار والماندولين الجوالة، تهفو نفوس هذه الحشود لإحياء هذا الطقس الشعبي. وكما تعلم، تنتهي الأمور دائماً بالطريقة نفسها، يقتحم الرومان الحانات، والمطاعم الصغيرة، والكثير من المتاجر المؤقتة لتناول الطبق التقليدي الذي نقدم هنا وصفته الأصلية التي تداولتها الأسر الرومانية جيلاً بعد جيل.
النداء المعروف لبائع القواقع والذي يحمل كمية بعينها من القواقع النيئة التي يؤثر ورودها من مزرعة للكروم، هو : قواقع الكرم!" “de vigna le lumache!”. إنهم يحتفظون بالقواقع في وعاء كبير (سلة من الخوص في العادة) يغطيها، بعد الاطمئنان إلى سهولة حركة الهواء داخلها. ويضعون بداخل السلة بعض فتات الخبز الطري، بعد غمسه في الماء وعصره، بالإضافة إلى بعض أوراق العنب.
تترك القواقع لبضعة أيام، ثم توضع في حوض كبير مليء بالماء مع ذرة من الملح، وكوب من الخل. ابدأ تقليب المحار بيديك: ينتج عن الغسلة الأولى هذه قدرٌ من الرغوة. استمر في عملية التنظيف، مع مراعاة تغيير المياه بضع مرات وإضافة الخل حتى لا يبقى في الماء زبد. ثم يتم شطف القواقع بعناية في الماء النقي، وتغيير المياه بضعة مرات. ثم توضع القواقع في مرجل على نار هادئة. وبينما ترتفع حرارة الماء، ستبدأ القواقع في سحب رؤوسها من أصدافها. وهذه هي اللحظة المناسبة لرفع درجة النار حتى تعبر هذه الكائنات الصغيرة إلى الحياة الأفضل قبل أن تتمكن من إعادة رؤوسها إلى صديفاتها. وعندما تصل المياه إلى نقطة الغليان، تترك القواقع لتغلي لعشر دقائق. ثم تؤخذ بواسطة ملعقة كبيرة مثّقبة، وغسلها للمرة الأخيرة ومن ثم وضعها في حوض كبير مملوء بالماء البارد. والآن نضعها في مقلاة من الفخار. وعلى ذكر الآنية الفخارية فإنّه يجدر الإشارة إلى أنها استخدمت في المطبخ الروماني بما في ذلك المقالي والقدور، والتي كانت تسمى في روما بالخزف. ضع بعض الزيت، وقليلًا من فصوص الثوم في المقلاة. وعندما يذبل التوم قليلاً ارفعه، واضف ثلاث أو أربع قطع من الأنشوجة، التي سبق غسلها، وإزالة العظم منها وتقطيعها إلى أجزاء صغيرة. قم بهرس السمكات بملعقة خشبية، وعندما تذوب، اضف إليها كمية من البندورة مناسبة لكمية القواقع. تذكر ضرورة أن تكون كمية صلصة الطماطم كبيرة في هذا الطبق. يجب إزالة قشرة الطماطم، والبذور، وتقطيعها إلى أجزاء صغيرة. وعندما يغدو قوام الصلصة سميكاً تبّلها بالملح، والكثير من الفلفل، وذرَّة من أوراق النعناع (ذلك النوع من نعناع المروج البري المعروف في روما باسم mentuccia). ويجب – بشكل عام- أن تكون الصلصة حريفة، بإضافة بضعة قطع من الفلفل الأحمر، وإن كانت ثخينة القوام يمكن إضافة القليل من الماء. ضع القواقع في مقلاة، واتركها نصف ساعة تقريباً لتتشرب النكهة على نار متوسطة.

------------------
قبيل النضج: الجنون والجمال والأغذية في روما
تأليف: ديفيد ونر- ترجمة: أميمة قاسم
بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة منAl Dente قبيل النضج: الجنون والجمال والأغذية في روماتأليف: ديفيد ونر- وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في جوجل بلس نأمل أن تحوز إعجابكم وأن تكون مساهمة في #نشر_المعرفة
صفحتنا الرسمية في فيس بوك :
https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/
منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا
https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar
(جميع الحقوق محفوظة)




Photo
Add a comment...

Post has attachment

قمم غير موطوءة وأودية غير مطروقة
الباب الثاني : من البندقية إلى لونغاروني
تأليف:إيمليا إدواردز || ترجمة: أميمة قاسم
-
نهضنا من النوم مع بزوغ الفجر، وتناولنا إفطارنا بعد الساعة الخامسة صباحاً بقليل، وانطلقنا إلى المحطة قبل أن يستيقظ نصف عالم البندقية من نومه. لم تكن هذه سوى محاولة – دون شك- لنكتشف فقط أننا فوتنا قطارنا بحوالي خمس دقائق، ويتعين علينا الانتظار لأربع ساعات موعد القطار التالي. ولم يكن عتاب السائق الذي لم ينم قبل وقت متأخر- وبالتالي كان سبباً في تعاستنا- سيجدي نفعاً بأي حال، بيد أنّه كان سيجلب بعض الراحة للنفوس. قام بتكديس حقائبنا – صامتاً وعبوساً- في إحدى الزوايا، وظل منعزلاً في كآبة، بينما كان البرد والضجر والاستياء باديًا علينا، فجلسنا ونحن نرتعش في ممر مفتوح أمام الرياح قريبًا من مكتب التذاكر، نحسب الساعات المملة، خارج غرف الانتظار التي كانت مغلقة " من قبل المشرف الأعلى" لتفتح قبل نصف ساعة فقط من الوقت الذي نتمكن فيه من استئناف رحلتنا. وبطريقة أو أخرى انقضى الوقت، وعندما حانت الساعة العاشرة وجدنا أنفسنا أخيراً نتحرك ببطء خارج المحطة، وبدا لنا الوقت كما لو أنّ منتصف النهار قد حلّ بالفعل. والآن عبرنا الجسر الهائل والطويل مرة أخرى، ما زال منظر البحيرات الكريستالية الهادئة أمامنا، ولكن تركنا قباب البندقية التي تغدو أصغر فأصغر خلفنا بمسافة بعيدة، والآن نعبر محطة مستري، ونصل مرة أخرى إلى التربة الصلبة، دخلنا في سهل واسع تغطيه الخضرة بالكامل، وتتقاطع فيه حقول الذرة الهندية اليانعة بشبكة من السدود الواسعة المزدحمة بالضفادع. يا لروعة نقيقها! واثناء توجهنا من رافينا إلى غابة صنوبر دانتي المشهورة في اليوم التالي، كادت أصواتها أن تصمّ آذاننا؛ بيد أنّ نقيق ضفادع رافينا تلك على حدته كان كالموسيقى العذبة مقارنة بالصخب الجامح الذي تثيره إخواتها من ضفادع البندقية؛ فهذه قد غطت على صوت القطار المزعج، واضطرتنا لنبدو كمشاركين في عرض صامت حتى فارقنا حيّها.
ثم أسرعنا، وقد أصبحت الجبال الزرقاء الرمادية التي ظلت أمامنا طوال الطريق من البندقية أقرب فأقرب وأوضح تضاريسَ. وسرعان ما انجلت لأعيننا واجهة القمم الأقل ارتفاعاً، بعضها قاتم اللون بغاباته، والآخر مزروع من السفح إلى القمة، وتنتشر عليه القرى البيضاء. ثم بين الفينة والآخرى تظهر محطة، منتصف الطريق، مثل التي بين البندقية وتيرول، ومن هناك، ترى في الخلف كونيغليانو، حيث نرى آخر شبح لأبراج الأجراس في مدينة البندقية يتضاءل على المدى من جهة، وأول الأبراج البصلية التيرولية، بشكله الذي يشبه خوذة رجل من العصور الوسطى في كامل أبهته الحربية، تشرف من أعلى قرية صغيرة على جانب الهضبة من جهة أخرى.
وقد تركنا الآن السدود والضفادع وراءنا، يتسع الطريق على الجانبين تحيط به أطواق من أشجار السنط الريشي، قمم مسننة بطريقة غريبة جداً، والتي على أية حال ليست دولميتية، تبدأ تنفصل من الخلفية الغائمة للسماء الشمالية. لا لا يمكن أن تكون دولميتية، بيد أنّها تبدو كذلك، فقد قيل لنا إننا لن نرى دولميت حقيقي قبل الغد. ومن الممكن على أية حال كما نعلم رؤية انتيلاو من البندقية في يوم صافٍ قد كما قد يحدث حوالي عشر مرات على مدار فصل الصيف: ولكن هنا، حتى إن كانت السماء صافية، فنحن في موقع قريب من سفح أكثر المرتفعات البعيدة انخفاضاً حيث تستحيل رؤية منظر المرتفعات الأعلى. تريفيزو هي المحطة التالية، وهي مكان رائع على ما يبدو. فهنا، وبحسب إفادة موراي، فهنالك لوحة جميلة للبشارة بريشة تيتيان تستحق المشاهدة في الكاتدرائية، ولكن يا حسرتاه ليس لدينا زمن للزيارة. وهنا أيضاً كما يقول رفيق سفرنا، القس الذي في الزاوية- متملقاً- بفتح فمه للمرة الأولى والأخيرة أثناء الرحلة: " إنّهم يصنعون نبيذاً طيباً" (“Qui si fanno buon vino.”)
ترجل بعض مسافري الدرجة الثالثة في تريفيزو، و(بما إننا على بعد ثمانية عشر ميلاً فقط من البندقية، وهو ما يعادل بالضبط منتصف المسافة إلى كونيغليانو) فقد استأنفنا المسير وسط ريف خصب منبسط؛ عابرين حقولاً لا متناهية من الذرة والكتان؛ و مرور بالكروم المشرئبة ترتفع كما في تيرول على تعريشات مائلة منخفضة نصبت قريباً من الأرض؛ وبمروج صيفية غنية حيث يغوص الفلاحون تحت الشمس المحرقة حتى ركبهم بين الزهور البرية، وديوكهم الرومية أقرب إلى الحدس من النظر، القرى والمحطات الصغيرة، وبيوت المزارع المبعثرة، نحث الخطى نحو الهضاب، التي هي وجهة رحلتنا.
وبعد كل فترة، أربعة أو خمسة أميال قبل كونغلي، نجد على السهل الخصب دربا واسعاً من الرمل والحصى، ويجري في وسطه نهر البياف، رمادياً، ضحلاً، وعكراً، باتجاه البحر. وقدر لنا أن نرى ونعرف الكثير عن هذا النهر من خلال ما به من الدولميت.
وها نحن في كونغليانو، آخر محطة يبلغها القطار، والتي – نسبة لتأخرنا أربع ساعات هذا الصباح- لا نملك الزمن الكافي للتجول فيها. وفي هذا مدعاة للشعور بخيبة الأمل، فلا بد أنّ كونغليانو جديرة بالزيارة دون شك. سمعنا عن القصور القديمة المزدانة بجداريات مدينة بوردينوني ذات الألوان سريعة الشحوب، وعن المسرح الذي بناه سيغوسيني، وعن لوحة مذبحٍ في الكاتدرائية بريشة سيما من كونغليانو، وهي لوحة رائعة لفنان قديم من هذه المدينة، والذي ظهرت أعماله البديعة في بريرا ميلانو، وكان الأسلوب اللامع والواضح، والصريح الذي تميزت به يضعها مكاناً وسطاً بين أعمال جيوفاني بيليني ولوكا سينيوريللي. ولكن إن كنا سنصل إلى لونغاروني- أول محطة لنا هذه الليلة، فيجب أن نواصل المسير؛ وعليه لا يبقى معنا سوى ذكرى محطة صغيرة جميلة، وبلدة مشرقة عصرية الملامح، تبعد حوالي نصف ميل، وحفنة من القصور البيضاء تتناثر على جانبي الهضبة المجاورة، وقلعة عتيقة تشرف من علٍ كما لو أنّها قطعة من خطة حربية.
تنطلق الآن صافرات حراس المحطة للمرة الأخيرة في عدة أسابيع، ويتحرك القطار صوب تريستي فيغادر المحطة مطلقاً نفثاته الحرى، ويختفي مع المنعطف، ويتركنا في الرصيف، وأمامنا أمتعتنا المكدسة ومغامراتنا كلها. ننظر في وجوه بعضنا البعض. نشعر للحظة كما مارتن شازلويت من قبل عندما أنزلته الباخرة في عدن ومضت. لا شيء، في الحقيقة، قد يفوق توقعاتنا في عدم التحديد، ولا خططنا في عدم الوضوح. لدينا خرائط ماير، ودليل بول لجبال الألب الشرقية، وكتاب جيلبرت وتشرشل، وكل ضروب الوسائل والأجهزة، ولكن لم تكن لدينا أدنى فكرة حول المكان الذي سنذهب إليه، أو ما سنفعله عندما نصل إلى هناك. بيد أنّه ليس هنالك ما يكفي من الوقت لإهداره في التردد، وفي دقائق معدودة عدنا إلى الطريق مرة أخرى. وهنالك ثلاث أو أربع سيارات صفراء متسخة تنتظر بالخارج، وهي تقصد بيلونو ولانغاروني حتماً، كما أنّ هنالك عربة يجرها حصانان رماديان قويان، والتي وافقت عقب بعض المفاوضات على العمل مقابل 100 ليرة*. وعلى السائق أن يقلنا نظير هذا المبلغ في رحلة تشمل مدينة لانغاروني اليوم، وكورتينا غداً، والتي تقع في وادي أمبيزو، وهي مسافة تقارب 70 ميلاً إنجليزياً. عليه تم شحن الحقائب، بعضها بالداخل والجزء الآخر بالخارج، ودون أن ندخل المدينة على الإطلاق، قدنا الآن عبر ضاحية متربة، وخرجنا مرة أخرى إلى السهل المنبسط. ولم يكن من السهل إيجاد طريق أكثر انبساطاً واستقامة عبر الريف. وقد حفه من كلا الجانبين صف من أشجار الحور الرفيعة، وحقول الذرة الهندية اللامتناهية، فمضت السيارة في ذلك الطريق أميالًا وأميالًا، حتى تلاشت في نقطة على الأفق، مثل الشكل التخطيطي الشهير الذي صور جادة طريق بأسلوب المنظور. وقد كان من السمات الغريبة لهذه النقطة أنّها تتراجع باستمرار أمام أعيننا، وبالتالي يتعين علينا دائماً التقدم إلى الأمام، كما لو أننا في كابوس مرعب، ولم نقترب أبداً. ولحسن الحظ لم نتعرض لأية حادثة في الطريق بالمناسبة. لقد مررنا بإحدى تلك المركبات الفرنسية الصفراء الثقيلة التي كانت تقف من قبل في محطة كونيغليانو. نشاهد الآن بعض النسوة السمراوات وسط حقل الذرة الهندية، ثم لم نر بعد ذلك، وعلى مدى أميال طويلة، أيًّا من البيوت أو البشر.
ويبدو لي أنّ تلك الساعات ربما انقضت إذ أنني نهضت فجأة، على الشمس المحرقة التي ألهبت جسدي والغبار الذي غص به حلقي، لأجد الجميع نائمين، حتى السائق، وقد أصبحت الهضاب الشاهقة البعيدة الآن أمامنا على مسافة قريبة. وأرى بلدة صغيرة لا تبعد أكثر من ربع ميل أمامنا، بلدة صغيرة تلمع في ضوء الشمس مقابل الغابات الداكنة في الخلفية، وأطلال قلعة على ارتفاع قريب. عرفت في الحال أنّها سينيدا دون شك- سينيدا التي أحبها تيتيان- وتلك الغابات والهضاب وأطلال القلعة هي ذاتها التي استخدمها في منظر الخلفية للوحة الشهيد القديس بطرس. ويقال إنّه يملك أرضاً هنا، وفي مانزا، التي تبعد أربعة أميال بنى له قصراً صيفياً.
والآن، تحركنا غريزة غامضة ما، استيقظ السائق في الوقت المناسب ليضرب بسوطه فتشرع أحصنته في العدو، فتصدر عنها جلبة عظيمة، إذ أنّ الحوذيين الأجانب يحبون الصخب، خلال طريقهم الأوحد الذي يشق البلدة. ولكن سدىً، لأنَّ سينيدا- الساكنة، المنعزلة، المشمسة، بمصاريعها الموصدة كلها، وليس سوى كلب هزيل أو اثنين يتسكعان بلا هدف في الفضاء الواسع أمام الكنيسة، التي يبدو أنّها مستغرقة في النوم كما بلدة مسحورة في إحدى القصص الخيالية. ليس ثمة ستارة تتكشف، ولا وجه يرمقنا بالنظرات بينما نمرّ صاخبين. غراب العقعق في قفصه الخوصيّ أمام متجر الحلاق ناعس في غصنه، وبالكاد يستطيع رفع جفنه، لكنْ الجلبة التي نثيرها بحركتنا، كافية لإيقاظ فتية الكهف السبعة من سباتهم.
وحالما اجتزنا المنازل، عدنا، بطبيعة الحال، إلى سرعتنا الأولى، فأصبحت الهضاب الحميمة تقترب أكثر فأكثر، كاشفة عن تفاصيل بكر في كل خطوة. والآن ومع آخر المنحدرات الخضر، والقمم القرمزية القريبة من مسارنا، يبدأ الطريق في الارتفاع: وادٍ زلق وضيق، وهو على ما يبدو مجرد شق في الجبال مثل مضيق فيفرز، ينفتح فجأة أمامنا، وتشرئب من وسط الكروم المتشابكة، وأشجار التوت الأحمر، والكستناء، والأسقف البنية، أبراج أجراس سيرافالي فنراها، على الرغم من أنّها تبدو على الخارطة بخط أصغر من سينيدا، والتي هي مقر الأسقف، أو كانت، مقراً له، وهي مكان أكثر أهمية بعد، يمتد على عدة هكتارات، وينتهي إلى ممر ضيق يجري خلاله نهر ميسكيو باتجاه السهل. وإن تحرينا الدقة فربما لم تعد هناك سينيدا، ولا سيرافالي، فقد تم توحيد البلدتين مؤخراً من قبل الحكومة الإيطالية تحت اسم فيتوريا [Vittoria]، ولكن تفصل بينهما مسافة ميل كامل، ولا يبدو أنّ هنالك من يتقبل الوضع الجديد بطيب خاطر.
ويضرب سائسنا بسوطه مرة أخرى، ليحث خيوله على الإسراع، وعليه، وبما يليق من البهاء، ندلف الآن في عربتنا الصاخبة إلى البلدة فنراها غريبة، وخلابة، ومتداعية، ومنسية، بمنازلها الحجرية المتاخمة للغدير، والكاتدرائية التي تبدو كما لو أنّها هُجرت قبل أن يكتمل بناؤها لثلاثمائة عام. والأروقة الكئيبة مظللة الدروب على جانبي الشارع الرئيسي، كما في ستراسبورغ وبيرن. وسرعان ما عبرنا الجسر ووصلنا إلى الميدان، لنقف أمام واحدٍ من النزلين اللذيْن كانا يتنافسان على استضافة السياح القليلين، ولا تزهو سيرافالي بالميدان والكاتدرائية فقط، بل باثنين من الفنادق، واثنين من المقاهي الصغيرة القديمة، ومكتب للبريد، وحتى مكتب صغير لليانصيب، على نافذته عبارة بالطلاء الأحمر "Qui si giuocono per Venezia"، أي " هنا يتم السحب على بطاقات مدينة البندقية".
والسكان هنا يقظون ونشطون أيضاً. فهم يلعبون الطاولة أمام المقاهي بملابسهم العادية. ويلعبون ال ويلعبون على طاولات أمام المقاهي. ويلعبون “المرُّة" [ المترجمة: هي لعبة تخمين إغريقية قديمة باستخدام الاصابع]-في ظل البوابات والأروقة. ويملأون جرار الماء، يغسلون نبتات الخس، ويتداولون الأخبار حول النافورة؛ بل يشجعون الدراما أيضاً، فربما تراهم بالقرب من مسرح العرائس المتنقل (" تحت رعاية فخامة ملك إيطاليا ورؤوساء أوروبا جميعهم") على جانب ربوة مقفرة تكاد تكون في مواجهة الكنيسة. فلا يريد أحد أن تنتهي المسألة بشكل عادي، ولا حتى الرجلين العاطلين، والصبية الذين بدأوا يتوافدون من أماكن غير معروفة، فاغري الأفواه، باتجاه العربة، يحدقون في ركابها كما لو أنهم أعضاء في حديقة حيوان متنقلة.
ولكن كان لسيرافالي شيء أفضل من العرائس والسكان العاطلين لتعرضه علينا. فهناك الكاتدرائية التي تحتضن لوحة كبيرة الحجم بديعة للسيدة العذراء والطفل، بريشة تيتيان، والتي نفذها بناءً على تكليف بين عامي 1542 1547- وهي لوحة كبيرة تنتمي إلى ما يمكن تسميته بالتكليف الثاني في أكثر فترات المعلم ازدهاراً، وقد قصدها ووصفها رحالة وناقد مشهور بقوله :" إنّها وحدها جديرة بالعودة من أجلها إلى سيرافالي، حتى ولو من البندقية." ومع احترامي للمعاملة التي يحظى بها هذا العمل الجميل، يقول السيد جيلبرت، الذي لم يترك كتابه المثير للإعجاب عن تيتيان وكادوري شيئاً لأي كاتب آخر لإضافته في هذا الموضوع: " إنّها واحد من أعظم عينات المعلم، وفي حالة جيدة جداً. وهي تجسّد العذراء والمسيح في مجدهما تحفهما الملائكة، التي تتماهى في الضباب الذي يكسو الجزء العلوي من اللوحة. عماد السحب الثقيلة الضخمة، وفصل هذه الرؤية المقدسة عن الأرض: وفي الأسفل، يقف على الجانبين شخصا القديس آندرو والقديس بطرس في فخامة وعظمة، يسند الأول الصليب العملاق، ويحمل الأخير مفاتيحه الضخمة عالياً، كما لو أنّه يعارض الشك في إيمانه. وبين هذين الشخصين الجليلين، وتحت خط الأفق المنخفض، تظهر بحيرة قاتمة، وسط هضاب أكثر حلكة، وحيث يرمز الشراع البعيد إلى الصياد وزورقه. وجميع عناصر العمل من موضوع وخطوط وألوان على مستوىً رفيع ويليق بالفنان". كادوري. ص 43.
والآن، والوقت ينسرب من بين أيدينا، ينقضي النهار، وما زال أمامنا من الرحلة ثلاثة أرباعها، فيلزمنا الإسراع، وإلا فلن نصل إلى لونغاروني قبل حلول الظلام. وعليه، وبما أننا شبعنا من النظرات التي يحدجنا بها السكان فقط- بل صاحب المنزل وزوجته أيضاً، وجميع من لهم صلة بالنزل، وأيضاً لاعبو الطاولة الذين تخلوا عن اللعب للمشاركة في العرض المسلي- فقد احتشدنا جميعاً مرة أخرى و اتجهنا صوب المدخل الصخري للمضيق، والآن ينغلق على- ويبتلع على ما يبدو- الصف الطويل من المنازل الحجرية القديمة التي تزحف باتجاه الوادي. بعضها، تداعى وتهالك حيث هو، يجسد الطراز القوطي الفينيسي في النوافذ القوسية المدببة، والأعمدة الرقيقة الملفوفة. فبلا شك قد كانت ملكاً لأشخاص أغنياء في وقت اعتاد فيه تيتيان على شد الرحال من مانزا لزيارة ابنته المتزوجة التي كانت تعيش في سيرافالي.
وحيث تنتهي البيوت، تقترب المنحدرات الشخصية من بعضها حتى لا يبقى مجال سوى للطريق والغدير. ثم يتسع المضيف مرة أخرى، عبر المنحدرات التي تكسوها الغابات، وحقول الكستناء المعلقة، وبيوت المزارع، والشاليهات التي تطفو عالياً فوق الهضبة المعشوشبة، فتبدأ ملامحها في الاقتراب من سويسرا وليس إيطاليا: الجبال والغابات التي تسد الأفق، وعلى بعد ميلين تقريبا من سيرافالي يتوسع النهر في بحيرة صغيرة خضراء شفافة، هادئة كسماء مسائية صافية، ومزدانة بطوق واسع من نباتات الكتان الصغيرة. وينعكس طيف مرأى زورق شراعي صغير واحد فيبدو كما لو أنّه مقلوب على صفحة مرآة، يطفو في دعة وسط البحيرة. والصياد الذي فيه بدا نائماً. لا موجة واحدة ولا نسمة تعكر صفو اللوحة المرسومة على الماء. كل هضبة وكل شجرة هناك، معكوسة، وكل قشة مزدوجة.
البركة الساحرة، المهملة في الخرائط بشكل عام، هي لاغو دي سيرافالي. تنحدر الغابات إلى الحافة على جانب واحد، والطريق، يحد بقايا انهيار ارضي، وتحف الرياح بالآخر. لدى رأس البحيرة منزلان صغيران باللون الأبيض، وبهما مصراعان من الحصير الأخضر، وشرفتان مفتوحتان على الطراز الإيطالي، وكنيسة مصغرة على تلة مخضّرة، وبرج مراقبة من العصور الوسطى، ملتصق بنتوء صخرة فوقه، لتكتمل تفاصيل صورة من الصفاء والكمال الذي لم يكن حتى لخراط في قمة براعته أن يقترب من تجسيده.
يتزايد اتساع المضيق حتى يصبح وادياً، وقد كان منظر شلال بيرغ كبيراً جداً، حتى يُعتقد أنّه هو السبب في تحويل مجرى نهر بياف (الذي كان يتدفق حتى ذلك الوقت قرب سيرافالي)، وجعله يغير مجراه ليمر بوادي ميل بدلاً عن سيرافالي.
حلت هذه الكارثة قبل سنوات طويلة، وربما في عهود ما قبل التأريخ، ولكن ما زال الفاصل العظيم، ستمائة قدم في الارتفاع من هذا الجانب، يبدو كما لو أنّه قام قبل أقل من مائة سنة. وقد نمت بضع شجيرات فقط في ركام البقايا الحجرية الواسعة هذا، والتي يرتفع الطريق وسطها وفوقها ممتداً، وحيث تجمعت بعض الطحالب في شقوق هذه الكتل العملاقة التي تتكدس مثل أبراج منهارة على جانب الطريق. الطريق فوقها وعبرها ممتدٌ، فكلها خاوية، مخيفة ومهجورة.
وبينما نرقى إلى الأعلى، أشار السائق إلى أشجار غابة الزان البعيدة على حافة التلة الشاهقة إلى اليمين بأنّها غابة المجلس، وهو اسم يعود في تاريخه إلى الحكم الفينيسي القديم، حينما كانت هذه الغابات تزود الدولة بالأخشاب. ومن هنا جاء الخشب الذي شيدت به سفينة "البوسينتور" ومن يدري، ربما سفن انطونيو التجارية، وبوارج الحرب التي قادها داندلو الشيخ الضرير لمواجهة الأتراك. والآن، ونحن على بعد أربعة أميال من سيرافالي، ولم نصل بعد إلى قمة الشلال العظيم، مررنا ببحيرة أخرى، صغيرة خضراء وصافية، في حجم السابقة تقريباً- هي لاغو مورتو، وهي تقع في الأسفل في تجويف تحت الطريق، وقريباً من واجهة صخرية بيضاء مصقولة ولامعة تحت أشعة الشمس، حيث نصف جانب الجبل يبدو متصدعاً كما لو أنّ زلزالاً ضربه، فإن لم يكن الأمر كذلك لما بقي الركام مكدساً حيث هو وعلى هيئته، تاركاً تلك الفجوة التي نامت فيها البحيرة، وإنَّ المرء ليفترض أنّ هذه هي النقطة التي حدث فيها الانهيار الصخري وسدَّ على نهر بياف الطريق إلى وادي سيرافالي. وبحسب إحدى الأساطير المحلية، لا يستطيع أي قارب أن يعيش على هذه المياه الساكنة، ولا يعود منها سابح ولا غاطس إلى الشاطيء مرة أخرى. حيث يتم سحب كلٍ منهما بطريقة رهيبة جداً وتبتلعه المياه " أعمق مما يعنيه الانهيار." لقد قيل، على أية حال، كان الحاكم النمسوي للبندقية اللومباردية، قلقاً من وضع حد لهذه الخراقة، فاشترى قاربًا من جهة الصليب المقدس، و في حضور جمع حبيس الأنفاس من جميع القرى المجاورة، وحمل زوجة مدير مصلحة بريد فدالتو على القارب وجدف بنفسه حتى أوصلها منتصراً إلى الساحل المقابل. إنّ مزارعك التيروليّ، على أي حال لا يتخلى عن أخطائه العتيقة بسهولة، ولاغو مورتو، كما قيل لي، ما زالت تتمتع بسمعتها الشريرة إلى اليوم على الرغم من رد الاعتبار العلني ذاك.
وقد كانت بوسكو ديل كونسيليو إلى الجهة اليمنى دائماً على طول الطريق، وكول فيسينتينو بثلجها المتراكم المبعثر كالأبراج إلى اليسار، وقد فزنا بقمة الهضبة، ورأينا بحيرة الصليب المقدس، والتي تشبه إلى حد مثير للدهشة بحيرة البانو، تقع قرب أقدامنا. الجبال الهائلة، والقمم القرمزية والرمادية التي في الأعلى جميعها، جميع حقول الذرة الخضراء، والمنحدرات التي تغطت بالغابات المنحدرة إلى أسفل. وتحفها بعش من النضار. وتشرف قرية وكنيسة الصليب المقدس على سهل معشوشب صغير يكاد يكون معلقاً على الماء. القرى وأبراج الأجراس تبرق بعيداً على الشاطيء وعلى حافة الهضبة، بينما هناك، من خلال فجوة في الجبال في الطرف الأقصى من البحيرة، فوجئنا بروح غريبة لقمم رائعة شاحبة اللون، ارتفعت في السماء فوق الأفق الشمالي.

بحيرة الصليب المقدس
"إيكّو" يقول السائس، مشيرا إليها بسوطه، وبنصف التفاتة لرؤية أثر كلماته يقول " Ecco I nostril dolomiti!"
كان هذا التصريح مباغتاً بشدة للوهلة الأولى بدا كما لو أنّه يخطف الأنفاس. فقد قيل لنا بشكل مؤكد عن عدم إمكانية رؤية أي نوع من الدولميت قبل اليوم الثاني من الرحلة، وبالتالي لم نكن نبحث عنه ولا نتوقع رؤيته- بيد أنه يوجد هنا، وعلى خلاف العادة، وبصورة جليّة جداً!
يشعر المرء على التو بأنها ليست كمثل غيرها من الجبال، ولكنها تماماً كما يتوقع المرء أن تكون. "Che Dolomiti sono? Com si chiamano?" )ماهو الدولميت؟ ماهي أسماؤه؟) كانت هذه هي الأسئلة المحيرة التي طُرحت عقب ذلك.
ولكن لم يكن على سائسنا أن يقول شيئاً سوى الحقيقة الجيولوجية المحضة. إنّه دولميت. والدولميت على الجانب الإيطالي من الحدود. ولا يعرف شيئاً أكثر من ذلك. عليه فبوسعنا فقط الرجوع إلى خرائطنا، وخمنوا ماذا؟ بمقارنة المسافات والمواقع، تنتمي هذه الكتل الصخرية المثيرة للحيرة على الأرجح إلى سلسلة جبل سفورنيوي. ولبثنا حوالي نصف ساعة في بحيرة الصليب المقدس أمام باب فندق صغير، كتبت في مقابله عبارة بحروف واضحة: " "Qui si vende buon vino a chi vuole" [هنا يباع النبيذ الفاخر لمن يريد].
فتركنا السائق والعربة لتقصي حقيقة هذه الأسطورة، فطلبنا القهوة وشربناها في الهواء الطلق. أُخذت الأحصنة لإطعامها خارجاً. عانى الكاتب من محنة عظيمة بسبب الذباب، يخطط رسماً تحت ظروف صعبة إلى حد يصعب معه التعبير، حيث يحيط به جميع سكان المكان الآن، ومن بينهم ثلاث أو أربع شابات يرتدين مناديل مخنثة باللونين الأحمر والأصفر على رؤوسهنَّ مثل العمامة. لم يكن الحياء من شيم هؤلاء الفتيات أبداً؛ فهن يتزاحمن، ويدفعن، ويثرثرن، ويقهقهن. لقد دعتني إحداهن لرسم صورة شخصية لها، بينما تود الأخرى أن تعرف ما إذا كنت متزوجة، وتكتشف الثالثة أنني أشبه واحدة تدعى ماريا روزا، والتي يبدو أنّ جميعهن يعرفنها، ومن ثم تعرضت كل ملامح وجهي للمناقشة بشكل منفصل، ولم يخل الأمر في أغلب الأحوال من استخفاف.
في هذه اللحظة الحاسمة، قام ل. في لحظة إلهام سعيدة، بعرض المطبوعات الملونة في كتاب جلبرت وتشرشل، وبالتالي حول مجرى اهتمامهم الشيء لصالحي. في هذه الأثناء استقرت الحشرات الطائرة علي في أسراب كالسحاب، تحلق في سمائي، وتغرق نفسها في زجاجات المياه، وتترك أرجلها في نباتات الفوّة البنية، على الرغم من كل المعوقات، إلا أنني أكملت رسمي، وعندما أعيدت الخيول للعربة كنت جاهزة لاستئناف الرحلة.
الطريق الآن يسير بمحازاة بحيرة الصليب المقدس، وعلى رأسها يمتد سهل أخضر مرصع بأشجار الحور الفاتحة الريشية المصفرة- ومن الواضح أنّها كانت في وقت ما جزءاً من حوض البحيرة، الذي انحسرت عنه المياه قبل فترة طويلة. ومن هذه النقطة نبدأ السير مع خط الوادي، مروراً بقرية كادولا الجديدة الأنيقة، وفي كابو دي بونتي حيث مفترق وادي سيرافالي ووادي ميل في زوايا قائمة، ونصل مرة أخرى إلى نهر بياف، والآن ينتقل جيئة وذهاباً بين التلال الصخرية، مثل روني في لوك، وابيض حليبي من منبعه الجليدي في الدولميت العلوي. الجسر القديم في كابو دي بونتي- الجسر الذي يعود إلى العهد الفينيسي- اختفى الآن، وذهبت معه الأعمدة المزينة بأسد القديس مرقس الذي ذكره بول، وأشار إليه السيد جلبرت في كتابه "كادوري". وربما لا يزال بالإمكان اقتفاء آثار أجزاء الأرصفة العتيقة، ولكن هنالك جسر حديدي جديد وخفيف جداً يمتد الآن فوق النهر بارتفاع يتجاوز الخمسين ياردة. وفي كابو دي بونتي، لا يخطيء الملاحظ العادي غير الخبير، أنّ نهر بياف كان في وقت ما على الأقل (عندما قاد الانهيار الصخري العظيم المياه بعيداً عن سيرافالي) قد شكّل بحيرة أخرى، وهي الحوض الطبيعي الكبير الذي ما زال هناك، يشقه النهر في مجرىً فرعي ضحل.
ويدخل النهر الطريق الآن وادياً آخراً مستقيماً وضيقاً- وادي نهر بياف- يسده الدولميت الخشن في نقطة متقدمة منه، على هيئة أسنان وإبر حادة. اقترب النهار من ختامه عندما وصلنا إلى هذه المنطقة. وتُقاد الأبقار بعد الحلب إلى المرعى مرة أخرى، يسير العمال بخطىً متثاقلة صوب الديار، وزمرة من بنات الريف بمناديلهن الحمر على رؤوسهن، يخضن حتى الركاب في مرج من الزهور البرية على جانب الطريق، فيبدين مثل مجموعة من الدمى المتحركة. ثم يتدلى قرص الشمس، وإذا بالسماء والجبال يصطبغن باللون الرمادي؛ وقبيل الغسق تماماً حللنا بلونغاروني.
وهي قرية واسعة مترامية الأطراف بها كنيسة مبهرجة من عصر النهضة، وقليل من المتاجر القديمة، ونُزل كبير مهجور ذي درج وأرضية من الحجر- مالك بائس- وخادمة غرف حافية مذعورة تبدو كما لو أنّها صيدت تواً من الجبال- غرفه أشبه بالحظائر، وأرضياته بلا بُسط، ونوافذه بلا ستائر، وهكذا لم تكن انطباعاتنا الأولى عن لانغاروني مريحة أبداً. ولم يكن لمعرفتنا الأكثر حميمية القدرة على تغيير هذه الانطباعات بأي صورة كانت. لقد تناولنا طعامنا في الصحراء في غرفة معيشة في مفرش للطاولة، كانت الغرفة مضاءة بشمعة واحدة من الشحم. وقد كان الطعام عادياً، ومطهواً بطريقة عادية. أما النبيذ فكان أسوأ ما تذوقنا في إيطاليا.
في هذه الأثناء استقرت نظرة من الرضا الكالح والمشؤوم على قسمات الرجل العظيم الذي اقتلعناه بلا حرمة من المكان الذي يزدهي بالإقامة فيه. " لقد أخبرتك بذلك" مكتوبة على كل خط في وجهه، وفي كل شعرة من شاربه. على الأقل لقد سُمح له بالمغادرة هذه الليلة، وأُخطِر بموعد إحضاره للعربة، ليس بوسعه البقاء صامتاً أكثر. " لن نجد فنادق أفضل من هذا في المكان الذي سنسافر إليه، إلى اللقاء سيداتي". يقول هذا في نبرة انتصار لا تخلو من تجهم، ثم يغادر بعد هذه العبارة المرة.
كانت غرفتي تلك الليلة تبلغ حوالي 35 قدماً طولاً و 25 قدماً عرضاً، وتنعشها خمس نوافذ وأربعة أبواب. كانت النوافذ تطل على عدة جهات، الشارع، والفناء الخالفي، والاسطبلات. بينما تقود الأبواب إلى أجنحة لا نهائية من الغرف الموصدة الخالية، وجميع أنواع الطرقات المتداخلة. لم أر في حياتي مكان نوم أشد منه إثارة للذعر والخواطر الانتحارية وأكثر منه ترديداً للصدى!
________________________________________
* حوالي أربعة جنيهات إنجليزية
________________________________________

بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من الكتاب
وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في جوجل بلس نأمل أن تحوز إعجابكم وأن تكون مساهمة في #نشر_المعرفة
صفحتنا الرسمية في فيس بوك :
https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/
منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا
https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar
(جميع الحقوق محفوظة)
Photo
Add a comment...

Post has attachment
قمم غير موطوءة وأودية غير مطروقة
الباب الأول : من جبل جينيروسو إلى مدينة البندقية
تأليف:إيمليا إدواردز | ترجمة: أميمة قاسم
---
خريف في شمال إيطاليا، شتاء في روما، ذروة المدّ في سورينتو أعادت الصيف من جديد، مرة أخرى، صيفٌ إيطالي سخيٌ، بثروته من الفواكه، والأزهار، حره القائظ، وسطوعه الذي يغشي العيون. منذ زمن سحيق انطلق المد البربري باتجاه الشمال، وتوغل في سويسرا. حتى من بقوا لفترة أطول ابتهجوا عندما أداروا وجوههم ناحية الهضاب؛ وهكذا تصادف أن وجدت الكاتبة وصديقها الذي انضم إليها مؤخراً في نابولي، نفسيهما حوالي منتصف شهر يونيو من عام 1872، يتنفسان نسائم مونتي جينيروسو الأقل حرارة.
وثمة نُزُل هنا، مزدحم حد الفيضان، وتكثر بين ضيوفه أعداد الأصدقاء الرومان منذ الموسم السابق. هنا أيضاً الكثير من المدرجات الخضراء، والغابات الظليلة، والمروج المزدانة بأنواع الزهور البرية التي لم يسبق لأيٍّ منا رؤية مثلها في أي مكان آخر. البحيرات التي يتصاعد منها البخار والتي قد فررنا منها للتو- كومو، لوغانو، وماجوري- ما تزال في مكانها، مثل ملاءات تلمع على بعد ثلاثة آلاف قدم تحتنا.
يمتد سهل اللومباردي على أحد الجانبين يتلظى طوال اليوم في السحب المشتعلة إلى حد الأفق. مناطق الثلج الواسعة تربط سويسرا وتيرول من الجهة الأخرى، تتوهج مع طلوع فجر كل يوم، وتمسي قرمزية عندما تغيب الشمس خلفها في بهاء كل ليلة.
وبدوام حضور هذا المشهد البديع أمام أعيننا، بتعاقب أضوائه وظلاله، وتأثيره السحري على إكليل السحاب والزخات- نختطف الآن لمحة مباغتة لفيستراهورن ومنطقة بيرن- الآن رؤيا شبحية لجبل روزا، أو ماترهورن، أو حتى ( في صباحٍ صافٍ من القمة التي تقع خلف الفندق) لأورتلر سبيتز على حدود تيرول القصيّة- بدأنا نفكر ونتحدث أقل عن جولتنا المقترحة في إنجادين؛ للنظر أكثر بشيء غير قليل من الحنين تجاه الأفق الشمالي الشرقي؛ وأن نحلم بشسوع هذه الجبال التقية إلى ما وراء فيرونا التي نعرف عنها- إلى حد ما- كما يفعل الدولمن.
الدولمن! لقد انقضت خمس عشرة سنة منذ أن رأيت رسوماتهم بيد الفنان العظيم الذي لم يمض طويل وقت على وفاته، وما اتسمت به من خطوط غريبة، والألوان الغريبة ما زالت تسكنني مذاك. لقد كنت أخالها مثل أي صيف أتى؛ ندمت عليها كل خريف؛ احتفيت بالأمل الواهِي فيها كل ربيع. رسم مدينة البندقية في جندول قبل سنة من وقت كتابتي، اعتدت دائماً النظر إلى القمم الزرقاء الخافتة وراء مورانو.
باختصار، لقد كان شوقاً قديماً: والآن عالياً على جانب الجبل، مع زيرمات وإنجادين قريبة في متناول الخطى، وقمم الألب الكثيرة تمتد حتى منتصف الأفق، تعود فيّ بتلك القوة التي تجعل كل ما ينبغي أن نراه في هذه الجبال والطرق يبدو مقهوراً ومرفوضاً.
لحسن الحظ، قرأ صديقي (الذي سوف أدعوه ل. لدواعي الخصوصية) وحلم بالدولمن، وقد كان تواقاً لمعرفة الكثير عنهم مثلي؛ ولذلك سرعان ما بلغنا تلك المرحلة من تأريخ كل بعثة عندما تذوب الاحتمالات الواسعة في المؤكد المخطط له، ودراسة الخرائط والمسارات تضحي هي الشغل الشاغل الممتع يوماً بعد يوم.
كان يتعين علينا بالطبع اجتياز بعض العقبات؛ ليس فقط تلك الصعوبات المتعلقة بالسكن والمرور التي تجعل ضاحية الدولمن أصعب في الوصول إليها عن كثير من المناطق النائية، ولكن الصعوبات الخاصة التي تنشأ من محيطنا الراهن. كانت صوفيا على سبيل المثال (خادمة ل.)، وهي- كونها رقيقة- كانت أقل منا قدرة على تحمل العمل في الجبل. وكانت هنالك عقبة المرافق الكبرى- وهو سيد ذو ذوق عالٍ وغالٍ، والذي كان يبغض ما يفهم بشكل عام على أنّه "تصعيب للأمور"، مزدرياً البساطة البدائية، وقال بالضبط إنَّ على مخدميه أن يقصروا إلى حدٍ صارم حبهم للمناظر الطبيعية الرائعة على المناطق التي تتوفر على طرق القطارات والفنادق من الدرجة الأولى.
حتى إنَّ الحصول على دعم هذا الرجل الشهير لمشروعنا الجديد أصبح- بجلاء- أمراً ميؤوساً منه، عليه ناقشنا الأمر سراً "بأنفاس متسارعة"، وافترضت الإجراءات في الحال تلك الروح المبهجة للمؤامرة.
لقد كان القس جون آر متواطئاً من البداية، وهو الذي كان يمثل لبضعة أسابيع دور قسيس إنجليزي في ستريزا. لقد قام بالسير عبر مسار الدولمن خاصتنا قبل سنوات قليلة، وعليه قدم لنا ذلك النوع من النصائح العملية الأكثر قيمة في حال السفر وأجلّ قائدة.
ولهذا ولأجل عدم اكتراثه الشجاع للغيظ الشديد من المرافق؛ والطريقة المفعمة بالطاقة التي قبل فيها بمواعيدنا في المنازل الصيفية، وشهد اجتماعاتنا المختلسة خلف الأبواب الموصدة عندما كان الخدم يتناولون وجباتهم، (وبتجاهل نبيل للمظاهر لا نستطيع أبداً أن نوفيه حقه من العرفان)؛ أقدم له هنا امتناننا القلبي المخلص.
أخيراً وبعد أن تم التخطيط لكل شيء، أصبح من الضروري إعلان تغيير مسارنا. وتم استدعاء الرجل العظيم بمقتضى ذلك؛ الكاتب، لم يكن مشهوراً بالشجاعة الأخلاقية، فتراجع على نحو مخزٍ؛ وانبرى ل. المقدام للمهمة الخطرة. ولم تتسرب أية تفاصيل من تلك المقابلة الهائلة. ويكفي أنّ ل خرج منها رابط الجأش لكنه منتصر؛ وهكذا هو الرجل العظيم، أعظم شيءٍ عند الهزيمة، ومنذ ذلك الحين فصاعداً ضبط نفسه على هدوء لطيف كما الشهداء، بينا يفوق اعتزازه بنفسه الوصف.
والآن، هنالك ثلاثة طرق يمكن عبرها الدخول إلى منطقة الدولمن. بالاسم: بوتزن، برونيكن، أو البندقية؛ وكان البدء بالبندقية يتاسب مع خطتنا البعدية. عليه وفي يوم الخميس السابع عشر من يونيو، ودعنا أصدقاءنا على جبل جينيروسو وانطلقنا في جمال الصبح الباكر ونسائمه المنعشة. كان يوماً موعوداً بالنسبة لبداية رحلة كهذه.
أرعدت السماء بشدة في الليلة السابقة، وما زالت آخر الأكوام تتدحرج في حاجز طويل الأمواج عند التقاء الأرض بالسماء. فالتمعت سهول اللومباردي شاسعة ونائية؛ تألقت ميلانو، قطعة من الرخام في وسط المدى، وعلى نقطة هي أبعد ما يكون، كمسلة من الثلج الناصع، باهتة اللون، وعند النظر إليها والجو صحو نجد جبل فيزو وقد انتصب على بعد مائة وعشرين ميلاً.
الطريق يأخذ في الانحدار بسرعة شديدة، وتسد الغابات الكثيفة مد البصر، وفي أقل من ساعتين من الزمان كنا مرة أخرى نهبط إلى ميندريزو، وهي بلدة صغيرة نظيفة بها فندق ممتاز، حيث ينطلق المسافرون إلى الجبل، أما القادمون إلى السهول فقد خلدوا للراحة. نترك هنا أمتعتنا الثقيلة، محتفظين بحقائب صغيرة فقط لاستخدامها أثناء الجولة. وننضم هنا أيضاً إلى إحدى العربات لتأخذنا إلى كومو حيث وصلنا قبل أن ينتصف النهار، وبعد رحلة مثيرة للملل والغبار لأكثر من ساعتين أو نحو ذلك.
ولقد كنا ننوي أن نبلغ في تلك الظهيرة بيلاجيو، وفي الصباح نأخذ الباخرة إلىليكو، حيث نأمل أن نلحق بقطار الساعة 9:25 الذي يصل إلى مدينة البندقية في الرابعة والنصف. وبما أننا كنا على تلك الدرجة من التعب فقد تلقينا خبر تأخر وقت مغادرة الباخرة إلى الثالثة بمزيد من السرور. بالإضافة إلى أنه بمقدرونا الخلود إلى الراحة لساعتين في فندق فولتا- ليس فقط الأفضل في كومو بل واحد من أفضل الفنادق في إيطاليا. وهنا استرحنا وتناولنا غداءنا، وعلى الرغم من حرارة الظهيرة الشديدة في الخارج اتفقنا على أن نبتعد وصولاً لتلك المنمنمة الرخامية الصغيرة الرائعة، الكاتدرائية. ونظل هناك حتى آخر لحظة، متفحصين النحت الغائر الشبيه بالحجر الكريم للجهة، الوحوش الغريبة من عصور مجهولة، والتي ترتكز عليها أحواض الماء المقدس بالقرب من المدخل، والتصميم القوطي الرقيق لصحن الكنيسة والممرات، وركضنا عائدين في الوقت تماماً لنرى أمتعنا وهي تنقل على العجلات الى الرصيف البحري، ووجدنا أنَّ الباخرة لا تكتظ فقط بالركاب، ولكن سطحها مكدس إلى علو كبير ببالات الحرير الخام، والسلال الفارغة، والبضائع من كل صنف.
كنا الانجليزيين الوحيدين على متن السفينة، كما كنا الانجليزيين الوحيدين في الشوارع، وفي الفندق، وفي بلدة كومو بكاملها على ما يبدو. وقد كانت إحدى رفيقاتنا الركاب من الطبقة البرجوازية- رئيسة شجاعة في إحدى المستشفيات، ذات كفين بنيتين مملوءتين، ويلفهما قفاز شبكي ويعجّان بالخواتم؛ وعمداء الأسر يعتمرون قبعات القش؛ والسيدات الشابات ذوات العينين السوداوين، والأوشحة المخنثة، وأحذية أطفالية ملونة من جلد الغزال، ومجموعة صغيرة من القسس. وربما كان هذا هو يوم السوق في كومو؛ لأنّ مقدمة سطح السفينة اكتظت بالريفيين الثرثارين، وبشكل خاص النساء في قباقيبهن الخشبية، وبعضهن ارتدين فوق شعورهن المضفرة غطاء للرأس على شكل مروحة من دبابيس الفضة، التي كانت إحدى سمات إقليم تشينو، على الحدود السويسرية في الجوار، ويشيع لبسه في منطقة البحيرات.
وهكذا انطلق الزورق خارج الميناء الصغير وعلى طول البحيرة الزجاجية، يُنزل عدداً من الركاب في كل محطة، وتحتسي الممرضات جعة الشيافينّا المثلجة؛ بينما يتحدث القسس إلى بعضهم في جمع صغير، في بهجة. كانوا ثلاثة أحدهم يميل إلى الحمرة، وبه مرح، ومهلهل الثياب إلى حدٍ ما. أما الثاني فكان محدودب جداً، وأدرد الفم ومتواضع، ورثّ المظهر إلى حدٍ ملحوظ؛ بينما كان الثالث يرتدي ملابس واسعة ولامعة، وسترة قصيرة من قماش الساتان الأسود، ويعامل نفسه كسيد، ورجل الأناقة والمعرفة والخبرة، وكان يبدو عليه التحرر بعلبة نشوقه الفضية، وكان عليه أن يفتح فمه فقط ليثير ضحكة غامضة. وأنزلنا الاثنين أولاً في مجموعة قرى صغيرة على الطريق الموازي للمياه، ونزل الأخير على الشاطيء في كادينابيا، في قارب أنيق بمجدافين. تمر في الأثناء مسرعة مناظر رائعة متجددة للهضاب كثيفة الأشجار، والكروم، والقرى، والحدائق المدرجة، والقصور اللامعة مغروسة في حقول البرتقال. سرعان ما انتهت الرحلة الجميلة، وما زالت الشمس في أوج السماء عندما وصلنا بيلاجيو؛ وهي منتجع للراحة الشهية، إن كان ذلك لساعات قليلة فقط.
وعلى أية حال، في الصباح التالي، الساعة السابعة والربع، ركبنا مرة أخرى وانطلقنا ولكن ببطء شديد هذه المرة صوب ليكو، حيث وصلنا بالضبط مع صافرة انطلاق قطار الساعة 9:25. والآن، وبما أنّ هنالك رحلتين فقط في اليوم من هذا المكان، والقطار التالي لن يتحرك قبل سبع ساعات، لنصل إلى البندقية حوالي الساعة الحادية عشرة ليلاً، فقد بدا وضعناً خطيراً. قدنا السيارة إلى الفندق، الذي بدا أفضل ما يكون؛ ومالكة الفندق، التي كانت سيدة لمّاحة ومفعمة بالحيوية، اقترحت علينا أن نركب عربة تأخذنا إلى بيرغامو عبر الريف حتى نستطيع اللحاق بالقطار السريع القادم من ميلانو في الساعة 11:13 دقيقة. وقد كانت العربة واقفة بالفعل في الفناء؛ واثنان من الخيول جاهزان في الإسطبل، وأيضاً كان حفيدها على استعداد للقيادة، أخف عربة، وأفضل جياد، و السوط الأكثر حنكةً في ليكو!
إنّها سيدة صغيرة لا نظير لها في النشاط. لقد منحتنا الوقت للتشاور؛ وساعدتنا على وضع الأحصنة بأيديها، وشجعتنا على الذهاب بحماسة كأنما ازدهار فندقها يتوقف على التخلص من نزلائها بأسرع ما يمكن. وهكذا انطلقنا نعد الأميال والدقائق على طول الرحلة، فندخل منتصرين إلى محطة بيرغامو قبل وصول القطار السريع بخمس وعشرين دقيقة.
ثم وصل ذلك القطار المشهور، حافلاً للغاية بالجمال والغنى في رومانسية عتيقة، حتى إنّ أسماء المحطات وحدها على طول الخط تجعل من قراءة كلمة برادشو كصفحة من الشعر-بريشيا، فيرونا، فيسينزا، بادوا، البندقية. أما المسافر الذي سبق له المرور بجميع هذه الأمكنة في رحلاته، وتربطه الإلفة بكل من الأماكن الرائعة التي تسرع إلى الوراء، فأنا لا أعرف متعة أعظم من المرور بها هكذا في عرض خاطف، بينما تطوى المسافة بين ميلانو إلى البندقية في نهار صيفي مشرق.. يا لها من روائع تترى الواحدة بعد الأخرى! سلسلة من الذكريات يجر بعضها بعضاً! يا لها من حلم جميل طويل بالمدن العتيقة ذات المتاريس المتشعبة؛ وأديرة بيضاء تطفو على الهضاب المزروعة بأشجار السرو؛ والقرى التي تشبه عناقيد الكرم، لكل منها برج رشيق للجرس؛ وقلاع مبنية بالحجر، وأطلال بلدات من العصور الوسطى؛ أنهار برّاقة، وغابات زيتون، وكروم مترامية مد البصر؛ ووراء كل هذا خلفية من البال الزرقاء تتفاوت خطوطها، وتتغير في ألوانها، مثل السحب التي تبحر فوقها ويطير من فوقها القطار!
كنا قد وصلنا البندقية بحلول الساعة الخامسة. ولم أظن عندما اتجهت جنوباً في الخريف الماضي أنني سأجد نفسي سرعان ما سأمخر عباب أمواهه الحميمة مرة أخرى. وإني أكاد لا أصدق أنّ القناة الكبرى كانت هنا، وهناك جسر ريالتو، وتلك القباب البيضاء التي بدأت تظهر الآن على الأفق، هي قباب القديسة مريم سيدة السلام. ويبدو الأمر كله مثل الأحلام. بيد أنّه، على نحوٍ ما، لم يكن كالأحلام بقدر ماهو كحقيقة متغيرة. لقد كانت هي مدينة البندقية، ولكنها ليست تماما كما كانت. لقد كانت البندقية أكثر خنوثة، وامتلاءً وصخباً؛ خالية من الإنجليز، والأمريكان، والسياح، تعجّ بالإيطاليين الذين يتدفقون في كل نوع وضرب من أزياء الصيف؛ تزدحم بالفنانين من جميع الجنسيات يرسمون في القوارب، أو تحفهم الحشود المحدقة في الزوايا والأورقة الظليلة؛ البندقية التي أضحت مياهها الوامضة الآن تمزقها آلاف الزوارق السريعة، بمظلاتها المخططة الأنيقة المختلفة ألوانها؛ حيث اختفت تماماً تلك الزوارق المعقودة – مثل نعوش الموتى- معبأة بالغموض والشعر. البندقية التي احتشد جانب كل قناة فيها بالصبية الصغار الذين يتعلمون الغوص، والسباحين من كل الأعمار؛ حيث العشرات من البواخر( مقارنة مع قوارب قرش الهنغرفورد التي تبدو مثل القصور العائمة) التي كانت تسرع في الاتجاهين كل ربع ساعة بين شط شيافوني وأماكن السباحة على ليدو، البندقية التي بزغت فيها فجأة بين كل منزل وآخر في كل ميادينها؛ المقاهي التي تعزف فيها الفرق النحاسية، وينادى فيها على حلوى الكراميل والمشروبات المثلجة التي تحتسى منذ السابعة صباحاً إلى ساعات متأخرة بعد منتصف الليل؛ إنّها البندقية- باختصار- تلك التي كانت تتشمس في اغتباط موسم السباحة، عندما يحتشد أهالي سائر إيطاليا الواقعة شمال نهر التيبر، ونسبة كبيرة من الغرباء القادمين من فيينا، وسان بترسبرغ، وشواطيء البلطيق، ليتنشقوا نسمات البحر الإدرياتيكي العليلة.
مكثنا ثلاثة أيام في دانيلي بما في ذلك يوم الأحد، وفي اعتبارنا أننا كنا نتجه إلى منطقة حيث الطرق كانت قليلة، والقرى متباعدة، والنُزُل نادراً ما تشتمل على الضروريات العامة، فقصدنا أحد المتاجر العامرة للتزود بما يعيننا على مشاق الرحلة..
وكنا قد أمضينا يومي السبت والاثنين في متاهات الخردوات. واشترينا هنا سلتين مناسبتين من الخوص، وما يكفي لتعبئتهما بالشاي، والسكر، وبسكويت ريدنغ المعلب، وألواح الشوكولاتة، وخلاصة لحم تحمل العلامة التجارية ليبيج، وقارورتين من الكونياك، وأربع من المارسالا، وفلفلًا، وملحًا، وآروروت، وقارورة معدنية لأرواح النبيذ ونبيذ إتنا.
وهكذا، استطعنا الاعتماد في كل الأحوال على مواردنا الخاصة، وكنا نعتقد أنّه بإمكاننا الحصول على الخبز والحليب والبيض في أي مكان. وقد ثبت لنا بمرور الوقت أننا قد بالغنا في تقدير ثراء البلاد عندما بنينا تلك الأمال البسيطة حتى، لأننا لم نستطع في أحيان كثيرة أن نحصل على الحليب(نسبة لتحول الأبقار إلى المراعي العليا)، كما أننا لم نستطع في إحدى القرى التي يبلغ عدد سكانها على الأقل ثلاث أو أربع مئات من الأنفس الحصول على قطعة خبز واحدة. وهنالك نقطة أخرى كانت بالنسبة لنا بمثابة "الاختبار" الأشد، وهي مسألة السروج الجانبية، والتي كان السيد ر. على جبل جينيروسو قد أشار علينا بشرائها، وأخذها معاً، إذ كان يشك أننا لا نستطيع الحصول عليها بين كورتينا وبوتزن. وهنالك صديق آخر طمأننا على أية حال بوجودها في كابريلي، و كان هنالك واحدٌ أمَّلنا أننا ربما نجد اثنين أو أكثر، ولكننا على أية حال لم نكن نريد زيادة الأشياء وتحمل عبء ثلاثة من السروج الجانبية (آخر اثنين في المقاطعة بأكملها) قسراً طوال الرحلة؛ ولكن كان هذا نصراً جريئاً لا ينبغي تكراره. وينبغي علينا في المرة القادمة أن نوفر لأنفسنا السروج الجانبية إما من بادوا، أو فيسينزا من جهة، أو من بوتزن من الجهة الأخرى.
بحلول مساء الاثنين الأول من شهر يوليو، اكتملت تجهيزاتنا؛ وحزمنا سلال مؤونتنا، ووضعنا فيها مخزوننا من مواد الكتابة والرسم، وكان كل شيء على أتم الاستعداد لبداية باكرة في الصباح التالي.
_______________
بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من الكتاب
وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في جوجل بلس نأمل أن تحوز إعجابكم وأن تكون مساهمة في #نشر_المعرفة
صفحتنا الرسمية في فيس بوك :
https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/
منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا
https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar
(جميع الحقوق محفوظة)
Photo
Add a comment...

Post has attachment
تعريف بالكتاب
قمم غير موطوءة وأودية غير مطروقة | إيمليا إدواردز
مبادرة القرية الإلكترونية برعاية الشاعر محمد أحمد السويدي | ترجمة أميمة قاسم
كتاب للمؤلفة: أميليا إدواردز
‪Untrodden Peaks and Unfrequented Valleys‬‏
تاريخ النشر الأصلي: 1873
الأنواع: كتابة سيرة، أدب الرحلات

في عام 1872 ، انطلقت إدواردز ورفاقها من الإناث على "طريق" عبر جبال الدولوميت الإيطالية التي يصعب الوصول إليها ، حيث كان الطعام والمأوى عبارة عن اقتراحات مثيرة ، لكن المشهد كان رائعاً والناس ودودون في الترحاب. اقتربت إدواردز من الرحلة بحس الفكاهة والحماس ، وهي تنظّمنا بقصة الرحلة بروح كريمة ونابضة بالحياة جعلتها واحدة من أكثر النساء جرأة في عصرها.
تشغل منطقة جبال الدولوميت الجبلية المتاخمة لجبال الألب الكثير من الناس ، وتحتل منطقة جنوب شرق التيرول ، بين بوتزين وبرونكن وويتشين وبيلونو. تهب أميليا ب. إدواردز طريقها عبر قمم هذه الجبال الإيطالية الشمالية ، وتتوقف في النزل والقرى المحلية وتعاين جوانب من الدفء والضيافة لدى الناس الذين نادراً ما يشاهدون في هذا اليوم وهذا العصر.
كتبت إدواردز هذا الكتاب منذ أكثر من قرن من الزمان في عام 1873، تاركة جنوب شرق تيرول "لأولئك الذين يحبون الرسم والنبات ، وتسلق الجبال والهواء الجبلي ، والذين يرغبون عندما يسافرونمغادرة لندن وباريس خلفهم ". وتذهب إدواردز إلى القول إن الدولوميت "توفر ملعبًا أكثر جاذبية من جبال الألب".

ليس كل شيء مليء بالمناسبات الخالية من الهموم ، تصادف إدواردز كل شيء من ركوب البغال إلى أعلى المنحدرات الشاهقة إلى الليالي في "أسوأ غرفة أسوأ نزل". ومع ذلك ، فإن كل هذا يساهم في صدق سجل سفر Amelia B. Edwards. هذه الرحلة التي تأخذها السفرات في الدولوميت هي قصة فريدة خاصة بزمنها. على سبيل المثال ، تعيد التأكيد على الحاجة التي لا غنى عنها لركوب المرأة في الاتجاه المعاكس مع عبور القمم، مرة أخرى تعطي إدواردز انطباعاً صادقاً يقود القارئ من خلال كل تفاصيل رحلتها.
_________________________
بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من الكتاب
وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في جوجل بلس نأمل أن تحوز إعجابكم وأن تكون مساهمة في #نشر_المعرفة
صفحتنا الرسمية في فيس بوك :
https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/
منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا
https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar
(جميع الحقوق محفوظة)
Photo
Add a comment...

Post has attachment
April 9, 1990 Kristen Stewart, American actress (Bella Swan-The Twilight Saga), born in Los Angeles, California.
#محمد_أحمد_السويدي_مناسبات_وأحداث
هذه نافذه متجددة يقوم على اختيار مادتها الشاعر الإماراتي محمد احمد السويدي، تتضمن حدث في مثل هذا اليوم وولد في مثل هذا اليوم ، نرجوا أن تحوز إعجابكم، تنضم هذه النافذة إلى مشروعاتنا على جوجل بلس يومياً، وكذلك من خلال الواتساب.
Add a comment...

Post has attachment
April 9, 1336 Tamerlane (Timur), Turkic conqueror and founder of the Timurid Dynasty, born in Shahrisabz, Uzbekistan (d. 1405).
#محمد_أحمد_السويدي_مناسبات_وأحداث
هذه نافذه متجددة يقوم على اختيار مادتها الشاعر الإماراتي محمد احمد السويدي، تتضمن حدث في مثل هذا اليوم وولد في مثل هذا اليوم ، نرجوا أن تحوز إعجابكم، تنضم هذه النافذة إلى مشروعاتنا على جوجل بلس يومياً، وكذلك من خلال الواتساب.
Add a comment...

Post has attachment
April 9, 1962, Sophia Loren wins Best Actress Oscar for Two Women.
#محمد_أحمد_السويدي_مناسبات_وأحداث
هذه نافذه متجددة يقوم على اختيار مادتها الشاعر الإماراتي محمد احمد السويدي، تتضمن حدث في مثل هذا اليوم وولد في مثل هذا اليوم ، نرجوا أن تحوز إعجابكم، تنضم هذه النافذة إلى مشروعاتنا على جوجل بلس يومياً، وكذلك من خلال الواتساب.
Add a comment...
Wait while more posts are being loaded