تكديس التقديس بين كهنة الفكر ورهبان الشهوة


إن تمرد الانسان ومحاولته التخلص من المقدسات التي يتبناها المجتمع الذي يعيش فيه مسألة قديمة جدا بقدم الوجود الانساني وهي سنة من السنن الكونية التي لا بد من التعايش معها ومحاولة استثمارها في خدمة الحقيقة المطلقة ولكن ذلك لايحدث غالبا بارادة انسانية واعية بسبب فريقين من البشر هما اساس شقاء الانسانية على مر التأريخ.
.......................................
الفريق الاول
هم من يحاولون اخفاء الحقيقة والتكتم عليها واحتكارها لاسباب انانية في الاساس ولاجل مصالح خاصة ولا يظهرون منها الامايخدم مقاصدهم الرخيصة ورغباتهم ويتبعهم في ذلك أمة من العوام والجهلة الذين اوكلوا امورهم الفكرية والعقائدية الى غيرهم ومن النادر وجود من يتقصى الحقيقة بنفسه بين أولئك العوام لما يحيط ذلك الامر من الغموض بسبب سياسة متعمدة لمنهج فكري مريض يعتقد أنه فقط من يمتلك الحق في تقصي الحقائق او يعمل على ترسيخ هذا الاعتقاد لدى الاتباع لضمان استمرار سيطرته وضمان مصالحه.
.......................................
يتطور هذا الفكر من المعتقدات المقدسة العامة باستخدام عدة اساليب ليس هنا مجال حصرها ولكنها تعتمد في الاساس على اسس التضليل والغواية المتمثلة في ..(الاجتزاء.. والتعميم.. المتعمد غالبا....والتعتيم والتدليس المتعمد دائما).
.......................................
ان تطور مثل هذا المنهج وسيطرته على افكار الناس هو نتيجة اهمالهم وتكاسلهم عن القيام بواجباتهم تجاه انفسهم وتجاه المجتمع الذي ينتمون اليه فكان ما هم عليه كمجموعة نتيجة حتمية لافعالهم واختباروتمحيص حقيقي لهم وعقاب في نفس الوقت.
.......................................
والفريق الثاني هم من يحاولون طمس الحقيقة وانكارها نكاية بالمجتمع وبانفسهم المريضة التي اثرت عليها الصدمات بواقعهم المرير فزعزعت ثقتهم بانفسهم وبكل ما يشعرون انه ينتمي اليها واصبحت افعالهم او اقوالهم ردود افعال عنيفة تبعا للنظرية القائلة (لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومضادله في الاتجاه)..
شغلتهم اجسادهم عن ارواحهم فاثرت عليهم خواص المادة الجامدة فما اشبههم بمن خر من السماء فتخطفه الطير او تهوي به الريح في مكان سحيق.
.......................................
ويتبعهم في ذلك امة من الغافلين الذين اهمتهم الدنيا وفتنهم اهلها وشغلتهم انفسهم برغباتها الانانية وكبرياءها المتناهي في الحقارة والدونية.
.......................................
.......................................
وعندما نتقصى الحقائق باستقراء منطقي حول الاتجاه العام الذي تتجه نحوه الامور نجد بان اولئك القوم شركاء بشكل عام في استمرار الاوضاع كما هي عليه وان ما يظهر علينا من العداوة بينهم لاينبثق من دوافع حقيقية او تعصبهم للحقيقة حسب وجهة نظرهم غالبا...
بقدر ما هو تنسيق غيرمخطط له بين شريكين في وضع واحد.
......................................
حيث يتم دفع من يحاول تقصي الحقيقة بنفسه من اتباع الشريك الاول نحو الشريك الثاني باستخدام عدة اساليب اشهرها التكفير واذا لم يتبع الكتالوج المعد مسبقا لتلقين المعتقدات فسيتم تهميشه على اقل تقدير وهذا هو من دأب اولئك القوم في اخفاء الحقيقةواحتكارها بحسب وجهة نظرهم البائسة.
......................................
بينما يدفع الشريك الثاني نحو احتواء مؤيديه وانصاره بمزيدا من السخرية والتهكم والتطاول على المقدسات واعتبار اي محاولة فكرية للاستفادة من الموروث العقائدي رجعية وتخلف بحيث لايستطيع اي منبوذ من القبل الشريك الاول بسبب افكاره الانضمام الى الشريك الثاني فكريا الابعد ان تثبت عليه التهمة التي نسبت اليه من قبل الشريك الاول.
.....................................
وقديتم دفعه الى ذلك في لحظة ضعف يجني وزرها لبقية حياته حتى وان لم يكن ذلك هو هدفه في بداية الامر ولكنهم يترصدون تلك اللحظة لدفعه نحو شركائهم والاستفادة من تلك القصة التي ستصنع هالة من القداسة حول تلك القضايا التي حاول مناقشتها عند الاتباع ومزيدا من النفوذ والتسلط الفكري والمعنوي عليهم وسيخدم ذلك الشريك الثاني بانضمام دماء جديدة اليه بما يعزز قدراته وتأييد انصاره من خلال استخدام القصة كمادة جديدة للتهكم والاستهزاء والتطاول على المقدسات.
.....................................
وسيحدث نفس الامر بالنسبة لاتباع الشريك الثاني اذا حاول احدهم تقصي الحقائق بطريقة منهجية والعدول عن التطاول الذي لايبنى على البحث والتدقيق العقلي وانما يعتمد على نظريات مزخرفة باطاها ثابت وحقها مضاع فانه سيدفع باتجاه الشريك الاول باستخدام نفس الاسلوب واتهامه بالرجعية والتخلف وفي حال استمراره فسيجد نفسه وحيدا منبوذا ومهمشا ومحاربا لا يستطيع احيانا مواجهة متطلبات حياته الخاصة بحيث يتم اجتذابه من قبل التيار الاول بسهولة حيث انه لا يشكل اي خطورة عليهم بسبب تأريخه المشوه لدى اتباعهم وسيتقبل الشروط التي تملى عليه اذا دعتهم الحاجة الى ذلك بسبب ظرفة الصعب او موقفه الضعيف في النهاية.
.....................................
ان لحظات ضعف الانسان مأساوية يندى لها جبين الانسانية وتتخضب لها كل الضمائر الحية.
والفريقين هم من يصنع تلك اللحظات المأساوية التي تشكل نقاط سوداء في تأريخ الانسانية ومرتكزات اساسية لشقاء الجنس البشري وهم من يستغلها في النهاية للوصول الى مئاربهم وغاياتهم الدنيئة.
......................................
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه ويلح في الاجابة عليه هو:
كيف يمكن استخدام سنة التمرد ان صح التعبير على المقدسات في خدمة الحقيقة المطلقة بما يعود بالنفع والفائدة على الانسانية جمعا وجميع المخلوقات عامة؟
إن ذلك أمر سهل في حقيقته وصعب في حقيقتنا البشرية الفردية والجماعية....كيف؟؟
......................................
تتجلى سهولته في ان باستطاعة اي فرد من ابناء الجنس البشري تحقيقه بمفرده..
وتتجلى صعوبته في ان الزام النفس البشريه به هي فكرة مرعبة احيانا ولا يمكن ذلك الا باستخدام وسائل الاقناع العقلي والتي تتطلب بذل المزيد من الجهد في اعمال الفكر واستيضاح الرؤية وإستخراج الحكمة واتباعها باستمرار وبعمل دؤوب لايكل ولايمل ولايستسلم للحظات الضعف او يغفل عنها بحيث تتضح له الحدود التي يجب ان يقف عندها باستمرارمتجدد.
......................................
وكذلك تعتبر محاولة إقناع الناس هي الطريقة المثلى وان كانت غير مجدية احيانا ولكنها السبيل الوحيد الى ذلك ومع كل تلك الصعوبة في محاولة اقناع الناس لما لديهم من الانشغالات والاهتمامات الاخرى وغالبا المعتقدات والمصالح الخاصة او الفئوية التي قد تتعارض مع ذلك الامر الذي يصب في مصلحة الانسانية جمعا ويخدم الحقيقة المطلقة فان انصار هذا المنهج قد يعدون على اصابع اليد الواحدة في بعض اللحظات التأريخية.
......................................
بحيث يكون تأثيرهم محدود وفي حال نجاحهم في قلب المعادلة وحشد التأييد الذي يظهر امرهم في نهاية الامر بشر مثلنا حتى الانبياءوالمسار التأريخي كفيل بان يشوه بعض افكارهم ومبادئهم حتى ما يمكن اعتباره وحي ونصوص مقدسة..
ويحدث ذلك ببعض اتباعهم الذين ربما يفهمونها بشكل مغلوط او يتعمدون التضليل لاغراض خاصة او فئوية فتظهر الثغرات في منهجهم الذي ينتهجونه هم فعليا ولا يستطيعون ردمها بطريقة دعوية سليمة بسبب التشويه الذي طرأ على منهجهم والركود الذي اصابه لتكاسل الناس وركونهم الفكري والعقائدي الى آخرين.
......................................
ومن هنا تبدأ شراكة الفريقين البائسين ويصبح كل فريق هو الشغل الشاغل للفريق الآخر وتهمل الحقيقة فتشقى البشرية الى ان يظهر انصارها مرة اخرى لتصحيح لمسار..
ولكن نجاحهم ليس حتمي وفي حال نجاحهم فالمسألة نسبية وتعتمد بالاساس على الانسان كفرد فعال ومساهم في صياغة الاتجاه العام للجماعة ومتحملا مسؤولياته الفكرية والعملية تجاهها مهما كانت العوائق التي تواجهه والصعوبات التي تقف امامه.
......................................
إن مثل هذا التحالف الغير مخطط له يعمل على تأخير نتائج سنة كونية بينما تحكم مجريات الامور باصغر الجزئيات فيها غالبا ويعمل على اظهارها باشكال عنيفة...
الا وهي سنة التدافع بين الناس والتي هي في الاساس عبارة عن تدافع فكري.
كيف..؟
...........
ان مثل هذا التحالف يعيق عملية التدافع الفكري في مواقعه المشهودة لحكمة ليس هنا مجال التبحر فيها..
ولكنه لايستطيع إعاقة هذه العملية اعاقة مطلقة فالعمل الفكري مشاع لكل الناس ولايمكن الحجر على عقولهم على اقل تقدير.
.....................................
وفي ظل التواجد الانساني الغير منتمي الى اي من الفريقين في الحقيقة لابدمن وجود ثلة من المتأملين في ماحولهم وفي كل شئ ويعتبر وجودهم امر حتمي ..
وكل مايجب على الفريقين لمحاربتهم هو فقط عدم الاستماع حتى يدب اليأس والقنوط في انفسهم وانتظار عامل الوقت لانكفائهم على انفسهم او لظهور نقاط ضعفهم التي يمكن الدخول عليهم من خلالها وضمهم او دفعهم للانضمام الى احد الفريقين او اسكاتهم بطريقة اوباخرى.
.....................................
ولكن الامور لا تسير بهذه البساطة والسطحية التي تنم عن انشغال متعمد عن الحقيقة لدى هذين الفريقين باشياء ومقاصدخاصة.
إن مثل هذا المنهج الفكري لايموت ولا يضمحل بانكفاء اصحابه او تخليهم عنه وحتى الموت لا يستطيع القضاء عليه انه فكر حي دائما ولا يحتاج لظهوره وانتشاره الا الى عزائم لاتلين ولا تضمحل من قبل من يحملونه كأفراد بالاساس.
.....................................
وما اولئك النفر من الذين انحرفوا عن الوجهة الصحيحة الاجماعة استنفذت كل قدراتهم بحسب وجهة نظرهم في خدمت هذا المنهج وارهقهم السعي باتجاه الحقيقة المطلقة..
ولا اولئك المنكفئين على انفسهم الا افراد استخدموا كل الاساليب المشروعة التي يعرفونها لبلوغ اهدافهم حسب اعتقادهم في يأس ممقوت من اصطلاح الاوضاع ومن الناس او محاولة منهم لايجاد اساليب جديدة للبدء من جديد واستئناف العمل الاجتماعي.
.....................................
وبالمجمل كل من هؤلاء كان له دور معين في الدفع بالامور باتجاه ما..
سواء منهم من انضم الى احد الفريقين او من حافظ على استقلاليته وكل ما ابتدأوه وتركوه بسبب الموت او لاي سبب آخر سيجد من يكمله من ورائهم ويتحمل مسئولياته.
......................................
وسيتأثر اتباع الفريقين بالافكار السابقة لتلك الدماء الجديدة التي انضمت اليهم كما سيتأثر الفكر الجمعي للمجتمع بذلك المنهج الفكري وستقل فعالية اساليب الفريقين في صد ذلك التأثير الى ان تضمحل وتصبح غير مجدية مما يظطرهم لاستخدام اساليب مكشوفة ومفضوحة في النهاية.
وستتجه الامور الى الانفلات والى فوضى فكرية عارمة تتخللها فترات متعاقبة من الحروب والمصائب التي لا تنتهي الا بظهور الحق واتباعه في لحظة يكون فيها الفريقين في ادنى مراتب الضعف والانهاك حيث يظطرهم ذلك الى مسايرة الركب والانظمام الى القافلة.
Translate
2
Add a comment...